«أنريل إنجين 5»... قفزة ثورية في عالم الرسومات الرقمية

محاكاة واقعية لتسريع العمل وخفض تكاليف الأفلام والألعاب الإلكترونية

جدة: خلدون غسان سعيد
جدة: خلدون غسان سعيد
TT

«أنريل إنجين 5»... قفزة ثورية في عالم الرسومات الرقمية

جدة: خلدون غسان سعيد
جدة: خلدون غسان سعيد

أطلقت شركة «إبيك غيمز» Epic Games محرك الألعاب الجديد المجاني «أنريل إنجين 5» Unreal Engine 5 خلال شهر أبريل (نيسان) الجاري، الذي يقدم قفزة ثورية في عالم الرسومات الرقمية للألعاب الإلكترونية والأفلام ثلاثية الأبعاد بفضل التقنيات المتقدمة التي يدعمها. ومن شأن هذه التقنيات تسريع صناعة الرسومات وتسهيلها بشكل كبير جداً، إلى جانب معالجة مسائل تقنية مضنية للمبرمجين والرسامين. وسنتحدث في هذا الموضوع عن أبرز المزايا التي يقدمها هذا المحرك المبهر.

محاكاة واقعية للإضاءة
الميزة الأولى هي نظام إضاءة جديدة اسمه «لومين» Lumen يحاكي انعكاس الإضاءة من على الأسطح المختلفة وأثر ذلك على إضاءة العناصر الأخرى، مثل انعكاس ضوء أخضر عن سطح معدني أحمر وارتداد الضوء الناجم عن ذلك على سطح خشبي بني اللون من حيث شدة الإضاءة وتغير الألوان، إلى جانب محاكاة الظلال بشكل واقعي. وكمثال على ذلك، فإن وجود نافذة في غرفة مظلمة يعني أن أشعة الشمس ستدخل من النافذة وترتطم بالأرض في عالم الرسومات الرقمية بشكل أساسي. ولكن هناك المزيد في الحياة الواقعية، حيث إن الضوء سينعكس من على الأرض ويرتطم بالجدران وينير جميع أرجاء الغرفة بدرجات متفاوتة وبألوان تعتمد على لون الزجاج والمادة الموجودة في الأرض (مثل أرضية خشبية أو رخامية، أو غيرها) ولونها ولون الجدران، وغيرها من العوامل الأخرى. وستتغير هذه الألوان مع تغير ميلان الشمس ولونها، مع تأثير ذلك على الظلال الموجودة في الغرفة.
ويحاكي هذا النظام العملية المذكورة بشكل واقعي وفوري، الأمر الذي كان يستغرق دقائق أو ساعات للقطة واحدة في أفلام الرسوم المجسمة. وإن تم تطبيق هذا الأمر على الألعاب الإلكترونية التي تعمل بسرعة 60 صورة في الثانية، فإن الفوائد المجنية كبيرة للغاية، وخصوصا أن الإضاءة والظلال يضيفان الكثير من الواقعية على عالم اللعبة ويزيدان من مستوى الانغماس. وسيستفيد مطورو الرسومات المجسمة للأفلام من هذا الأمر بتسريع محاكاة التغييرات في البيئة عوضاً عن الانتظار لفترات مطولة لتجربتها، وبالتالي ستنخفض تكلفة صناعة الأفلام، وسينخفض الزمن اللازم لتطويرها بشكل ملحوظ.
تغيير آلي

الميزة الثانية اسمها «نانايت» Nanaite التي ترفع من مستويات الأداء بشكل كبير وتخفض من زمن صناعة الرسومات، وذلك بتغيير التركيبة الداخلية غير الظاهرة للمجسمات من حول اللاعب حسب بُعد تلك العناصر عنه. ولتوضيح هذا الأمر، نذكر أن أي مجسم ثلاثي الأبعاد مصنوع من آلاف أو ملايين المثلثات الصغيرة جداً غير الظاهرة للعين، التي تحدد تضاريس ذلك المجسم وارتفاع سطحه ونعومته. وكلما ازداد عدد المثلثات التي تكوّن عنصراً ما، تزداد دقته وشدة تفاصيله، ولكن على حساب معالجة أبعاد تلك المثلثات حسب تغير زاوية الكاميرا التي تصور الأحداث. ويمكن تخيل بيئة كبيرة مثل حي في مدينة يسير فيه اللاعب يحتوي على مئات الملايين أو مليارات المثلثات التي يجب معالجتها 60 مرة في كل ثانية، الأمر الذي سيخفض من مستويات الأداء.
واستطاع مطورو الألعاب والرسومات سابقا استخدام فكرة اسمها «مستوى التفاصيل» Level of Detail لإيجاد مجسم واحد ولكن بعدد مختلف من المثلثات يتناسب مع بُعده عن الكاميرا، مثل أن سيارة قريبة من اللاعب تتكون من 6 ملايين مثلث، ولكن السيارات البعيدة ستتكون من 5 آلاف مثلث لأن تفاصيل العناصر البعيدة غير ظاهرة للعين، وبالتالي يمكن رفع مستويات الأداء بصنع السيارة نفسها ولكن بأعداد مختلفة من المثلثات للحصول على تفاصيل مختلفة حسب بُعد ذلك المجسم عن كاميرا تصوير الأحداث. إلا أن هذه العملية تتطلب من الرسامين صنع النسخ العديدة لكل مجسم، وعرض النسخة الصحيحة في كل مرة يقترب أو يبتعد فيها اللاعب عن كل مجسم، وحساب ذلك 60 مرة في كل ثانية.
ويأتي هنا دور تقنية «نانايت» التي تسمح للرسامين صُنع مجسم واحد بأعداد كبيرة من المثلثات، لتقوم هي بتغيير عدد المثلثات حسب بُعد أو قرب الكاميرا من ذلك المجسم، دون التضحية بجودة الصورة على الإطلاق. وتسمح هذه التقنية باستخدام العناصر الرقمية من الأفلام مباشرة في عالم الألعاب الإلكترونية دون تأثير على مستويات الأداء أو دقة الصورة.

رسومات «حقيقية»
ميزة ثالثة هي «المسح الضوئي عالي الدقة» Megascans الذي يسمح بتصوير عناصر من البيئة الحقيقية وتحويل الصورة إلى مجسم رقمي بتفاصيل دقيقة. هذا الأمر من شأنه تسريع عملية صناعة العناصر المجسمة ورفع مستوى واقعيتها بشكل غير مسبوق في عالمي الأفلام المجسمة والألعاب الرقمية.
يضاف إلى ذلك أن محرك «أنريل إنجين 5» يقدم مكتبة ضخمة من العناصر (أكثر من 16 ألف عنصر إلى الآن) التي تم مسحها ضوئيا للتحميل مجاناً واستخدامها داخل بيئة اللعبة أو الفيلم، التي تشمل النباتات والأسطح المختلفة. وسافر فريق العمل إلى الكثير من الدول وقاموا بمسح العديد من العناصر وأضافوها إلى تلك المكتبة. ويمكن تعديل تفاصيل تلك المجسمات من حيث الأبعاد والتضاريس والألوان بكل سهولة، مع القدرة على مسح أي عنصر من حول الرسامين باستخدام برنامج اسمه Reality Capture، وإضافة ذلك العنصر إلى عالم اللعبة أو الفيلم، مثل أريكة قماشية بنقوش بارزة ووضعها في بيئة اللعبة ومشاهدة ضوء نار المدفأة ينعكس عليها بشكل واقعي.
مجسمات بشريةوأطلقت الشركة في وقت سابق أداة «ميتاهيومان كرييتر» MetaHuman Creator التي تسمح للمستخدم صنع مجسمات بشرية بغاية الواقعية في خلال دقائق قليلة والتحكم بجميع تفاصيلها، مثل حجم الأنف ولون العيون والشارب والأذنين وعظام الخدود وبنية الجسم وتجاعيد البشرة والملابس، والكثير غيرها من التفاصيل الأخرى. وأصبح بالإمكان الآن جلب هذه المجسمات البشرية إلى داخل محرك «أنريل إنجين 5» وتحريكها بكل سهولة، لتصبح عملية صنع شخصية اللعب والشخصيات المساندة أكثر واقعية وسلاسة من أي وقت سبق.
وتجدر الإشارة إلى أن صنع المجسمات البشرية هي واحدة من أصعب عناصر صناعة الأفلام والألعاب الإلكترونية بسبب كثرة تفاصيل المجسمات البشرية، وخصوصاً حركة الوجه والجسد أثناء التكلم أو التفاعل مع البيئة، مثل تحرك عظام الخدود والذقن والشفاه والعيون لدى التحدث عن أمر مفرح، مقارنة بحركات مختلفة لدى التحدث في موقف محزن أو خطر.
ويسمح محرك «أنريل إنجين 5» جلب المشاريع التي تم إعدادها سابقاً لمحرك «أنريل إنجين 4»، ودعم المزايا الجديدة داخلها بشكل آلي مثل «لومين» و«نانايت»، وذلك لتطوير تجربة الفيلم أو اللعبة بشكل كبير دون الحاجة لإعداد فريق عمل وتطوير إصدار خاص للتقنيات الجديدة، الأمر الذي كان قد يستغرق عدة أشهر. ويوجد حالياً أكثر من 10 آلاف عنصر لمحرك «أنريل إنجيل 4» يمكن تحميلها واستخدامها بدعم لمزايا «أنريل أنجين 5» بشكل مباشر.

آفاق استخدام مبهرة
ويستخدم حاليا أكثر من 80 ستوديو محرك «أنريل إنجين 5» لتطوير ألعاب مشوقة مقبلة، مثل ستوديوهات «إكس بوكس» و«بلايستيشن» وNinja Theory وSumo Digital وRare وCD Projekt Red و2K وTencent وRemedy وThe Coalition وObsidian وPlaydead وCrystal Dynamics وSupermassive وPSVR2. وغيرها.
ويسمح هذا المحرك للشركات الصغيرة منافسة الاستوديوهات الكبيرة باستخدام فريق مكون من 10 موظفين فقط، مقارنة بالحاجة لتوظيف مئات الموظفين في السابق لصنع أفلام أو ألعاب ذات جودة عالية جدا ومستويات مبهرة من الرسومات الواقعية. كما يمكن من خلال هذا المحرك رفع أداء الممثلين في الأفلام الحقيقية التي تستخدم رسومات مجسمة، حيث كان الممثلون في السابق يمثلون أمام خلفية خضراء ويتخيلون الشخصيات والبيئة الرقمية التي يتفاعلون معها. ويمكن من خلال هذا المحرك عرض تلك العناصر على شاشات أمام الممثلين ليدركوا رؤية المخرج بعينهم عوضا عن تخيلها بطرق مختلفة من وجهة نظر كل ممثل.
ومن الممكن أن نشهد ظهور بيئة «ميتافيرس» ذات بيئة وعناصر وشخصيات واقعية عوضاً عن الرسومات الكارتونية، الأمر الذي سيرفع من تقبل المستخدمين لهذا العالم الافتراضي المقبل ويجعله أكثر سلاسة للتفاعل.
ويمكن تحميل محرك «أنريل إنجن 5» وأداة «ميتاهيومان كرييتر» من موقع المحرك www.UnrealEngine.com



زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.


من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)
تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)
TT

من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)
تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

سعت «غوغل كلاود» في مؤتمرها السنوي «Google Cloud Next 2026» الذي حضره أكثر من 30 ألف مشارك، الأربعاء، في مدينة لاس فيغاس الأميركية، إلى تقديم صورة أوسع من مجرد سلسلة إعلانات تقنية جديدة. فمنذ اليوم الأول، بدا أن الشركة تريد وضع الحدث في إطار تحول أكبر في الذكاء الاصطناعي المؤسسي، عنوانه الانتقال من مرحلة الاستخدام التجريبي إلى مرحلة التشغيل الواسع داخل المؤسسات. هذا التحول صاغته «غوغل» تحت مفهوم «المؤسسة الوكيلة»، أي مؤسسة لا يقتصر فيها الذكاء الاصطناعي على المساعدة أو التلخيص، بل يمتد إلى بناء الوكلاء وتشغيلهم وربطهم بالبيانات والأنظمة وسير العمل اليومي.

توماس كوريان الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود» خلال كلمته الافتتاحية (غوغل)

حاول توماس كوريان الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود» أن يضع هذا الاتجاه في صياغة واضحة، مقدماً الكلمة الافتتاحية بوصفها «خريطة طريق للمؤسسة الوكيلة». وفي المعنى الذي خرج به اليوم الأول، فإن الرسالة لم تكن أن الذكاء الاصطناعي يدخل الشركات بوصفه أداة إضافية، بل إنه يدفعها نحو نموذج تشغيلي جديد، تصبح فيه البنية التحتية والبيانات والحوكمة والأمن وتطبيقات العمل أجزاء مترابطة في طبقة واحدة أكثر اعتماداً على الوكلاء. كما سعى الحدث إلى دعم هذا الطرح بأرقام تعكس الزخم الذي تريد الشركة إبرازه، قائلة إن نحو 75 في المائة من عملاء «غوغل كلاود» يستخدمون منتجاتها للذكاء الاصطناعي، وإن نماذجها الأساسية تعالج أكثر من 16 مليار رمز في الدقيقة عبر الاستخدام المباشر من العملاء.

ركائز التحول المؤسسي

على مستوى الإعلانات نفسها، كان المشهد موزعاً على 4 ركائز رئيسية. الأولى كانت «Gemini Enterprise Agent Platform» التي قدمتها «غوغل» بوصفها منصة لبناء الوكلاء الذكيين وتوسيعهم وحوكمتهم ومراقبتهم داخل المؤسسات. والثانية كانت البنية التحتية، مع الإعلان عن الجيل الثامن من وحدات «TPU» إلى جانب ما تصفه الشركة بمعمارية «AI Hypercomputer». أمّا الركيزة الثالثة فكانت «Agentic Data Cloud» التي تعكس محاولة لإعادة صياغة علاقة الذكاء الاصطناعي ببيانات المؤسسات. وجاءت الرابعة عبر «Agentic Defense» الذي يربط بين الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وحماية التطبيقات والبيئات السحابية. كما أضافت الشركة طبقة رابعة موازية على مستوى الاستخدام اليومي، عبر توسيع دور «Gemini Enterprise» داخل بيئات العمل، وتقديم «Workspace Intelligence» بوصفها طبقة دلالية تربط بين أدوات مثل «جيميل» و«دوكس» و«درايف» و«ميت» و«شات». وباختصار، فإن الحدث لم يُبنَ حول إعلان نموذج جديد فقط، بل حول حزمة تقول إن المرحلة التالية من الذكاء الاصطناعي ستكون معركة تشغيل مؤسسي متكامل.

ركزت إعلانات الحدث على 4 طبقات رئيسية تشمل الوكلاء والبنية التحتية والبيانات والأمن السيبراني (غوغل)

جاهزية الخليج للذكاء المؤسسي

ما يمنح هذا الطرح وزناً أكبر بالنسبة إلى الخليج هو أن المنطقة نفسها باتت معنية بهذه المرحلة من تطور الذكاء الاصطناعي. فالنقاش هنا لم يعد يقتصر على أهمية الذكاء الاصطناعي أو الرغبة في استخدامه، بل يتجه بصورة متزايدة إلى كيفية تشغيله على نطاق أوسع داخل القطاعات الحساسة والمنظمة، مثل التمويل والاتصالات والرعاية الصحية والطاقة والخدمات اللوجستية والقطاع الحكومي. ومن هذه الزاوية، فإن ما قُدم في «نيكست 2026» لا يبدو مجرد إعلانات حدث سنوي، بل يعكس تحولاً أوسع في السوق من التركيز على الوصول إلى النماذج إلى التركيز على الجاهزية المؤسسية لتشغيلها.

وبالنسبة إلى السعودية تحديداً، فإن هذا يبرز اتجاهاً نحو نقاش أكثر ارتباطاً بالجوانب التشغيلية والتطبيقية. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بالبنية الحاسوبية أو الشراكات أو إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي إلى بعض الوظائف، بل أيضاً بكيفية دمج هذه التقنيات داخل الأنظمة والعمليات المؤسسية بصورة فعالة ومنظمة. ويشمل ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي في بيئات خاضعة للامتثال، وتوظيفه في عمليات الشبكات والخدمات، والاستفادة من الوكلاء داخل المؤسسات مع الحفاظ على المتابعة والتدقيق والضبط المؤسسي.

المرحلة التالية من الذكاء الاصطناعي ستعتمد على قدرة المؤسسات على تشغيله على نطاق واسع داخل بيئات العمل الفعلية (شاترستوك)

حوكمة البنية الذكية

عندما تتحدث «غوغل» عن منصة لإدارة الوكلاء، أو عن هوية الوكيل، أو عن بوابة للتحكم في تفاعلاته، أو عن أدوات للمراقبة، فإن هذه ليست مجرد تفاصيل تقنية داخل منتج جديد، بل تعكس اتجاهاً أوسع في السوق نحو تشغيل الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات ضمن أطر واضحة وقابلة للمراجعة. وهذه نقطة مهمة لأن إحدى الرسائل الأكثر دلالة في الحدث الذي حضرته «الشرق الأوسط» كانت أن النقاش لم يعد يتمحور فقط حول القدرة على بناء وكيل ذكي، بل حول كيفية إدارة أعداد كبيرة منهم داخل المؤسسة الواحدة. وبالنسبة إلى السعودية والخليج، فإن هذا يبرز أهمية طبقات الحوكمة والمراقبة والهوية، خصوصاً مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحساسة.

والأمر نفسه ينطبق على البنية التحتية. فإعلانات مثل «TPU 8t» و«TPU 8i» و«AI Hypercomputer» لا تكتسب أهميتها فقط من سباق الرقائق أو من التنافس بين مزودي الحوسبة السحابية، بل أيضاً من دلالتها على أن المرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي ستعتمد على بنية تحتية تدعم التدريب والاستدلال المستمر واسع النطاق. ومن هذه الزاوية، يبرز التركيز على كيفية توظيف هذه البنية في تطبيقات مؤسسية عملية عبر قطاعات متعددة.

تعكس وحدات «TPU» الجديدة التي أعلنتها «غوغل» تركيزاً واضحاً على بنية تحتية تخدم التدريب والاستدلال معاً (غوغل)

البيانات في الصدارة

ثم تأتي البيانات، وهي من العناصر الأساسية في المرحلة المقبلة. فطرح «Agentic Data Cloud» يعكس اتجاهاً متزايداً نحو تعزيز جاهزية البيانات وربطها بشكل أفضل داخل المؤسسات. وبالنسبة إلى السعودية، فإن هذه النقطة تكتسب أهمية خاصة مع تسارع التحول الرقمي في ظل «رؤية 2030» واتساع الحاجة إلى بيئات بيانات أكثر ترابطاً، بما يتيح للذكاء الاصطناعي العمل بسياق أعمال أدق وأكثر فاعلية.

وفي هذا السياق، لا تبدو طبقة الاستخدام اليومي التي تحدثت عنها «غوغل» أقل أهمية من طبقات الرقائق أو المنصات. فعندما توسع الشركة دور «Gemini Enterprise» داخل بيئة العمل، وتقدم «Workspace Intelligence» كطبقة سياقية موحدة عبر البريد والمستندات والاجتماعات والمحادثات والملفات، فهي لا تضيف مزايا إنتاجية فقط، بل ترسم تصوراً لبيئة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي أقرب إلى جزء من التدفق اليومي للعمل، لا أداة منفصلة على الهامش. وهذه النقطة تهم المنطقة أيضاً، لأن نجاح الذكاء الاصطناعي في المؤسسات لن يُقاس فقط بما إذا كانت الإدارات التقنية قادرة على بنائه، بل بما إذا كان يمكن دمجه في العمل الفعلي للموظفين والفرق من دون زيادة التعقيد أو خلق طبقات تشغيلية منفصلة.

أوضح المؤتمر أن نجاح الذكاء الاصطناعي المؤسسي يتطلب حوكمة أوضح وبيانات أكثر ترابطاً وبنية تحتية تدعم الاستدلال المستمر (غوغل)

الأمن في الصميم

أما الأمن، فكان واحداً من أكثر المحاور التي كشفت أن السوق دخلت مرحلة أكثر واقعية. فعبر «Agentic Defense»، سعت «غوغل» إلى ربط الذكاء الاصطناعي مباشرة بالأمن السيبراني، ليس باعتباره طبقة منفصلة، بل جزءاً من المعمارية نفسها. هذه النقطة لها أهمية واضحة في المنطقة، لأن توسع الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات في قطاعات مثل الطاقة والاتصالات والقطاع المالي لا يمكن فصله عن سؤال الثقة والاستمرارية والقدرة على احتواء المخاطر. وكلما توسعت المؤسسات في استخدام الوكلاء وربطتهم ببياناتها وأنظمتها، أصبح الأمن جزءاً من الذكاء الاصطناعي ذاته، لا مجرد إضافة لاحقة إليه.

ومن بين الرسائل المهمة أيضاً في الحدث أن «غوغل» حاولت الجمع بين فكرتين تبدوان متوازيتين. إحداهما تقديم حزمة متكاملة ومحسنة رأسياً من جهة، والأخرى التأكيد على الانفتاح وتعدد النماذج والتكامل مع الشركاء من جهة أخرى. وهذه ليست مجرد نقطة تنافسية بين الشركات الكبرى، بل مسألة عملية للمؤسسات نفسها، خصوصاً في الأسواق التي تسعى إلى الموازنة بين التكامل التقني والمرونة التشغيلية على المدى الطويل. وبالنسبة إلى الخليج، فإن هذا التوازن بين التكامل والانفتاح يبرز كأحد الأسئلة المهمة في المرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي المؤسسي.

ربما يكون أهم ما كشفه اليوم الأول من «Google Cloud Next 2026» بالنسبة إلى السعودية والخليج ليس منتجاً واحداً بعينه، بل طبيعة التحول الذي يعكسه. فالموجة الأولى من الذكاء الاصطناعي كانت تدور حول إثبات الفائدة. أما الموجة التالية، كما بدت في لاس فيغاس، فتدور حول إثبات الجاهزية. وهذا يعني أن المعركة المقبلة لن تُحسم فقط بمن يملك النموذج الأذكى، بل بمن يملك المؤسسة الأقدر على تشغيله، وضبطه، وتأمينه، وربطه ببياناته وعملياته، وتحويله من تجربة لافتة إلى قدرة يومية يمكن الوثوق بها. ومن هذه الزاوية، فإن الرسالة الأهم القادمة من الحدث ليست تقنية فقط، بل مؤسسية أيضاً: المرحلة المقبلة في الذكاء الاصطناعي في المنطقة ستكون معركة تنفيذ بقدر ما هي معركة ابتكار.