تحالفات باسيل تشبه تقلباته السياسية و«يستعير» نواباً من «حزب الله»

(تحليل إخباري)

صورة من موقع «التيار الوطني الحر» لرئيسه جبران باسيل
صورة من موقع «التيار الوطني الحر» لرئيسه جبران باسيل
TT

تحالفات باسيل تشبه تقلباته السياسية و«يستعير» نواباً من «حزب الله»

صورة من موقع «التيار الوطني الحر» لرئيسه جبران باسيل
صورة من موقع «التيار الوطني الحر» لرئيسه جبران باسيل

تقف الأحزاب اللبنانية والقوى السياسية ومجموعات الحراك المدني المنخرطة في العملية الانتخابية على مسافة عشرين يوماً من موعد إجراء الانتخابات النيابية المقررة في 15 مايو (أيار) المقبل، ولم يعد من مجال للرهان على إعادة خلط أوراق التحالفات بعد أن سجلت لوائحها بأسماء مرشحيها لدى وزارة الداخلية والبلديات، وهي تستعد لخوضها على أساس ما أفرغت ما في جعبتها من برامج ومواقف سياسية أقل ما يقال فيها بأن المنافسة هذه المرة غير مسبوقة ولا تمت بصلة إلى المبارزات الانتخابية في الدورات السابقة؛ لأنها تدور بين مشروعين لا ثالث لهما: الأول تقوده قوى المعارضة على اختلاف انتماءاتها السياسية والطائفية، وتتطلع إلى فك الحصار عن مشروع استعادة الدولة واسترداد هوية لبنان العربية، والثاني تتزعمه القوى المنتمية إلى محور الممانعة بتحالفها مع «التيار الوطني الحر».
ويتزعم «حزب الله» محور الممانعة بتحالفه مع حليفه «التيار الوطني الحر»، ويراهن على قدرته على الاحتفاظ بالأكثرية الساحقة في البرلمان العتيد لتكون له اليد الطولى في إعادة تركيب لبنان في مرحلة ما بعد إنجاز الاستحقاق النيابي المفتوحة على تشكيل حكومة جديدة، وانتخاب رئيس جمهورية جديد خلفاً للحالي العماد ميشال عون فور انتهاء ولايته الرئاسية في 31 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
وتتهم المعارضة «حزب الله»، بتحالفه مع «التيار الوطني الحر» بالتحضير للانقلاب على الدستور الذي استبدله بواسطة «تفاهم مار مخايل» المعقود بين الحزب والعماد عون في فبراير (شباط) 2006 أي قبل سنوات من انتخابه رئيساً للجمهورية. وتقول مصادرها لـ«الشرق الأوسط» بأنها لم تُسقط من حسابها الالتفاف على اتفاق الطائف الناظم الوحيد للعلاقات بين الأطياف اللبنانية، وإلا لماذا تجاهلته ورقة التفاهم ولم تأتِ على ذكره؟
وتلفت إلى أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري المتحالف مع «حزب الله» و«التيار الوطني» في دوائر انتخابية مراعاة لحليفه الاستراتيجي، وإن كان يتزعم الفريق المناوئ للالتفاف على الطائف ويرفض مسايرة حليف حليفه، أي النائب جبران باسيل، فإن لديه القدرة في تعطيل الانقلاب عليه، ليس لغياب البديل فحسب، وإنما لأنه يعود بالبلد إلى المربع الأول الذي كان سائداً قبل التوافق على الطائف الذي كان وراء إخراج العماد عون من بعبدا بعد أن تصدى لجميع المحاولات الرامية لانتخاب رئيس جديد خلفاً للمنتهية ولايته الرئيس أمين الجميل.
وتؤكد المصادر نفسها أن الانتخابات النيابية تشهد للمرة الأولى منازلة انتخابية من نوع آخر وسياسية بامتياز، وتقول إنها معركة ذات طابع وجودي ومصيري تتعلق بمستقبل لبنان، وهي تضع اللبنانيين أمام مسؤولياتهم بإعادة تعويم مشروع الدولة واستنهاضه في مواجهة مشروع محور الممانعة الذي يأخذ البلد إلى مكان آخر أقل ما يقال فيه إنه يهدف إلى عزله عن محيطه العربي، وبالتالي قطع الطريق على جهود الدول العربية وعلى رأسها الخليجية لاحتضانه بإدراجه مجدداً على لائحة الاهتمام العربي والدولي لوقف انهياره وإنقاذه من التأزم الذي يحاصره.
وترى المصادر أن قوى المعارضة أكانت تقليدية أو وليدة الانتفاضة الشعبية التي انطلقت في 17 أكتوبر 2019 فإنها مُجمعة على مقاومتها السلمية لمشروع محور الممانعة، وتهيئة الظروف أمام الدولة لاسترداد قرار السلم والحرب من يد «حزب الله»، وحصر السلاح بيد القوى الشرعية اللبنانية.
وتقول بأن قوى المعارضة على اختلافها لم تدخل في بازارات تحالفية هجينة لزيادة مقاعدها النيابية، وتؤكد أن التحالفات لا تتعارض مع قناعاتها، وتشبه الأطراف التي تخوض الانتخابات بلوائح متعددة، وهذا ما ينطبق على تحالف حزبي «التقدمي الاشتراكي» و«القوات اللبنانية» في عدد من الدوائر، وينسحب على حزب «الكتائب» وأيضاً على القوى التغييرية والثورية، كما أن تعذر جمع هذه القوى في لوائح موحدة لا يلغي توافقها على برنامج سياسي موحد ولو بالمراسلة ويتعلق أولاً وأخيراً بوحدة موقفها بالعودة إلى حضن الدولة الجامعة التي تتسع لكل اللبنانيين.
وتضيف أن ما يهم القوى السياسية يكمن في أن يستعيد لبنان حياده الإيجابي الذي افتقده اللبنانيون بسبب تعدد انتماءاتها الخارجية من جهة، ودخول إيران على الأزمة اللبنانية من الباب الواسع الذي أمنه لها «حزب الله» بتواطؤ مع «التيار الوطني» وبصمت من رئيس الجمهورية.
وتتابع المصادر أن لا مجال للمقارنة بين البرنامج السياسي لـ«القوات» التي تُعتبر الأقوى بداخل قوى المعارضة المسيحية، وبين البرنامج الخاص لـ«التيار الوطني» بعد أن قرر تجميد العمل به حتى إشعار آخر واستعاض عنه بعدد من المقاعد النيابية التي «يستعيرها» من «حزب الله» في الدوائر التي تتمتع بثقل شيعي، ويحتاج فيها إلى رافعة الحزب لعله يملأ الفراغ الناجم عن تراجع نفوذه في الشارع المسيحي.
وتسأل المصادر: لماذا ارتأى عون التراجع عن مواقفه المتشددة من «حزب الله» أثناء وجوده في المنفى الباريسي وقبل عودته إلى بيروت ليوقع مع أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله ورقة التفاهم واضعاً كل أوراقه في سلته لتأمين انتخابه رئيساً للجمهورية ليتراجع لاحقاً عن الالتزامات التي تعهد بها في خطاب القسم ويسحبها من التداول لمصلحة فائض القوة الذي يتمتع به الحزب ويوظفه حالياً لتعويم باسيل؟
كما تسأل عن القواسم السياسية المشتركة التي تجمع باسيل بحلفائه في الانتخابات بدءاً بـ«حزب الله» مروراً بأحزاب «البعث» الموالي للنظام السوري و«السوري القومي الاجتماعي» (جناح الروشة بقيادة ربيع بنات) ومنشقين عن «الجماعة الإسلامية» وآخرين من «سرايا المقاومة» وانتهاءً بـ«جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية» (الأحباش)، وتقول بأن تعاونه الانتخابي مع بري يصب في خانة مراعاة الأخير لحليفه الاستراتيجي؟
فباسيل بمواقفه السياسية وببرنامجه الانتخابي لا يشبه تحالفاته الانتخابية، وإلا ماذا سيقول لمحازبيه وجمهوره عن اتهامه وعمه الرئيس عون «الثنائي الشيعي» بتعطيل مجلس الوزراء وبعرقلة التحقيق في ملف انفجار مرفأ بيروت وبقطع الطريق على مكافحة الفساد بذريعة أن الحزب نأى بنفسه عن الدخول في شراكة معه في حملته على من اتهمهم بالفساد؟ إضافة إلى اتهام «أمل» بالتواطؤ مع «القوات» في الحوادث الدامية التي حصلت في محور الطيونة - مار مخايل، فيما يلوذ الحزب بالصمت حيال تمديد وزير الطاقة وليد فياض للعتمة التي بلغت ذروتها في الساعات الأخيرة.
كما أن باسيل يستنجد بحلفائه من جدد وقُدامى للهجوم على «القوات» وقوى التغيير بدلاً من أن يبادر إلى إجراء مراجعة نقدية لتوريطه «العهد القوي» في مسلسل من الاشتباكات السياسية طالت الرئيس بري، واستقوائه بالسلطة للدخول في مفاوضات تحت الطاولة يقدم من خلالها الإغراءات لواشنطن في ملف ترسيم الحدود البحرية للبنان مع إسرائيل لعله يتمكن من رفع العقوبات الأميركية المفروضة عليه ليعيد تأهيل نفسه لخوض الانتخابات الرئاسية برغم أنه يدرك جيداً بأن طموحاته في هذا الخصوص تبقى حبراً على ورق.
لذلك، لا مجال لتعداد الدوائر الانتخابية التي يستعين بها باسيل، كما تقول مصادر في المعارضة، برافعة «حزب الله» للتعويض عن خسارته لعدد من المقاعد النيابية في الدوائر ذات الثقل المسيحي بعد أن استحال عليه تأمين الحلفاء الذين تفرقوا عنه بملء إرادتهم ولم يحصد من حروب الإلغاء والإقصاء سوى المزيد من العزلة، ما اضطره للتسليم بطروحات محور الممانعة، وإلا لماذا أحجم ويحجم في خطاباته التحريضية لناخبيه عن الإتيان على ذكر سلاح «حزب الله» واسترداد الدولة المخطوفة، وهو من يقف وراء تدمير علاقات لبنان بالدول العربية وتصدعها مع دول الخليج العربي؟
وعليه يُفترض بأن تحالفات باسيل لا تشبهه سياسيا لكنه رضخ لحليفه وتقدم منه بدفتر الشروط لتأتي متطابقة مع انقلابه على مواقفه للحصول على جواز مرور يؤمن له اقتطاع مقاعد نيابية في الدوائر ذات الطغيان الشيعي بامتياز.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.