فوز ماكرون بفترة رئاسية ثانية... وترحيب أوروبي

نسبة مقاطعة قياسية في جولة الحسم... وانطلاق التحضير للانتخابات التشريعية في يونيو

ماكرون ملقياً التحية على مناصريه خلال احتفال بفوزه أمس (أ.ف.ب)
ماكرون ملقياً التحية على مناصريه خلال احتفال بفوزه أمس (أ.ف.ب)
TT

فوز ماكرون بفترة رئاسية ثانية... وترحيب أوروبي

ماكرون ملقياً التحية على مناصريه خلال احتفال بفوزه أمس (أ.ف.ب)
ماكرون ملقياً التحية على مناصريه خلال احتفال بفوزه أمس (أ.ف.ب)

أظهرت التقديرات الأولية للجولة الثانية من انتخابات الرئاسة الفرنسية، مساء أمس، فوز الرئيس المنتهية ولايته إيمانويل ماكرون، بحصوله على نحو 58 في المائة من الأصوات، بينما شهد الاقتراع نسبة مقاطعة قياسية بلغت 28 في المائة.
وأقرت منافسة ماكرون، مرشحة اليمين المتطرف، مارين لوبن، بالهزيمة وقدمت له التهنئة. كما رحّب رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، شارل ميشال، بفوز ماكرون، وقال إن الاتحاد الأوروبي «يمكنه التعويل على فرنسا لـ5 أعوام إضافية». وكانت غالبية الأوروبيين قد دعمت ماكرون، وعبّرت عن قلقها من خيار آخر للفرنسيين، وكان بعض القادة قد دعوا علانية وكتابة إلى التصويت لصالحه، مثل المستشار الألماني ورئيسي وزراء إسبانيا والبرتغال.
لكن رغم الفوز المريح لماكرون، فإن شعبيته تقلصت إلى حد بعيد، حيث اكتسح انتخابات العام 2017 بحصوله على 66 في المائة من الأصوات.
ووسط انهيار الأحزاب التقليدية التي حكمت فرنسا «اليمين المعتدل واليسار الاشتراكي» منذ ستين عاما، فقد تغير المشهد السياسي بشكل جذري بحيث نشأت ثلاث كتل متساوية إلى حد بعيد: اثنتان على طرفي الخريطة السياسية «أقصى اليمين وأقصى اليسار» وأخرى وسطية «حزب ماكرون ومن نجح في اجتذابهم يمينا ويسارا». ولأن ممثل كتلة اليسار المتشدد «جان لوك ميلونشون» خرج من السباق في الدورة الأولى، فإن ماكرون ولوبن دأبا على محاولة إغراء ناخبيه الذين يمثلون كتلة رئيسية كان لها دورها كما لنسبة مقاطعة الانتخابات، في تحديد هوية الفائز.
ومنذ الساعة الثامنة صباح أمس، فتحت مراكز الاقتراع على كافة أراضي فرنسا القارية، إضافة لجزيرة كورسيكا فيما ناخبو أراضي فرنسا ما وراء البحار أدلوا بأصواتهم يوم السبت. وجرت العادة على التكتم على النتائج حتى لا تؤثر على خيارات الناخب. وفي المراكز الريفية، أغلقت مراكز الاقتراع في الساعة السادسة، بينما بقيت مفتوحة في العاصمة والمدن الكبرى حتى الثامنة مساء، حيث ظهرت صورة الفائز على شاشات التلفزة. وأدلت لوبن بصوتها في مدينة هينان بومون «شمال فرنسا» قبيل الظهر فيما صوت ماكرون بعدها بساعة واحدة في منتجع «لو توكيه» البرجوازي المطل على «القنال الإنجليزي» حيث يملك مع زوجته منزلا فسيحا مطلا على الشارع التجاري العام الأكثر ازدحاما. وحاول كل منهما إظهار شعبيته وقربه من الناخبين ولكن من غير التطرق إلى الانتخابات والسياسة الأمر الذي يمنعه القانون.
وأفادت الأرقام الرسمية التي أذاعتها وزارة الداخلية في الخامسة من بعد ظهر أمس بأن نسبة المشاركة قد تدنت بما يزيد على نقطتين «63.23 في المائة من الناخبين» عما كانت عليه في العام 2017 «65.30 في المائة» وبنقطتين عن نسبة المشاركة في الجولة الأولى يوم الأحد 10 أبريل (نيسان). وقدر استطلاعان للرأي قامت بهما مؤسستان رئيسيتان «إيفوب ــ سوبرا ستيريا وهاريس ــ إيلاب» أن نسبة مقاطعة الانتخابات النهائية يرجح أن تصل إلى 28 في المائة أي بارتفاع نقطتين ونصف النقطة عما كانت عليه في العام 2017 «25.44 في المائة». إلا أن أعلى نسبة مقاطعة سجلت في انتخابات العام 1969 وصلت إلى 31.3 في المائة.
ويؤشر هذا التراجع غير المسبوق للمشاركة منذ انتخابات العام 2002 إلى أن النداءات التي أطلقها المتنافسان والأحزاب الأخرى لم تلق تجاوبا رغم أهمية التحديات المرتبطة بنتيجة التصويت. وثمة عدة عوامل تضافرت منها أن الأكاديميات المدرسية الثلاث التي تغطي الأراضي الفرنسية كانت في عطلة الأسبوع الماضي ومنها الطقس الدافئ الذي يشجع الناس على القيام بنزهات وتناسي صناديق الاقتراع. إلأ أن العامل الرئيسي، وفق المحللين، يكمن في «خيبة» نسبة من ناخبي المرشحين الذين أخرجوا من المنافسة في الدورة الأولى وأهمهم ميلونشون الأمر الذي يدفعهم للمقاطعة واعتبارهم أن بقاء ماكرون في الرئاسة أو وصول لوبن إليها «سواء بسواء».
وكان واضحا أمس أن الناخب الفرنسي كان له الخيار بين رؤيتين متضاربتين إن في السياسة الداخلية أو الخارجية. ودأبت وسائل الإعلام، في الأيام الأخيرة على وصف هذه الانتخابات الرئاسية التي تشكل الحجر الأساسي للديمقراطية الفرنسية بأنها «تاريخية» نظرا للحرب الدائرة على الأراضي الأوروبية «أوكرانيا» وللعدوانية الروسية وتبعاتهما وللصعوبات الداخلية الاقتصادية والمجتمعية والانقسامات المتفاقمة سياسيا. والتخوف الكبير لدى المعسكر المناهض لمرشحة اليمين المتطرف فحواه أن فوز لوبن يعني إدخال فرنسا في «متاهات» شبيهة بما عرفته بريطانيا مع «البريكسيت» أو الولايات المتحدة مع فوز دونالد ترمب. وبالمقابل، فإن نجاح ماكرون يعني «إعادة تجريب المجرب» وفي الحالتين فإن البلاد قادمة على اهتزازات اجتماعية وسياسية ومزيد من التفسخات. وما سيزيد من فداحتها التدهور الاقتصادي ــ الاجتماعي المتمثل بغلاء الأسعار وتدهور القوة الشرائية للطبقات الأقل ثراء واستقواء نزعات التطرف يمينا ويسارا. وتفسر هذه العوامل النسبة المرتفعة لمقاطعة الانتخابات بحيث إن المعروض سياسيا «ماكرون ولوبن وما يمثلان» لا يلقيان هوى لدى المقاطعين أو الذين فضلوا رمي ورقة بيضاء في صناديق الاقتراع. وتجدر الإشارة إلى أن ميلونشون لم يدع مؤيديه للانتخاب لصالح ماكرون بل حثهم على حرمان لوبن من أصواتهم. واللافت أن حزب «الجمهوريين» اليميني المعتدل الذي خرجت ممثلته فاليري بيكريس من المنافسة من الجولة الأولى، اعتمد جماعيا الاستراتيجية نفسها لليسار المتشدد، بينما دعت مجموعة من قادته للاقتراع لصالح ماكرون ومنهم بيكريس نفسها. ويهدف ماكرون إلى إقامة تجمع سياسي عريض يضم كل المكونات السياسية التي وقفت إلى جانبه قبل الجولة الأولى وما بين الدورتين الأولى والثانية ومن بينها الشخصيات اليمينية التي أيدته بحيث يضمن له أكثرية برلمانية مريحة بمناسبة الانتخابات النيابية التي ستجرى في يونيو (حزيران) القادم.
تقول نبيهة م. مواطنة فرنسية من أصل جزائري ومهنتها أستاذة رياضيات في مدرسة ثانوية حكومية وقد التقتها «الشرق الأوسط» لدى خروجها من مركز الاقتراع الثاني في مدينة «ماسي» الواقعة جنوب باريس إنها صوتت لصالح ماكرون «رغما عنها» وأن السبب في ذلك «الرغبة في قطع الطريق» على لوبن. وبحسب نبيهة م. التي اقترعت لصالح ميلونشون في الدورة الأولى، فإن برنامج لوبن الانتخابي «يخيفها» بسبب «عنصريتها إزاء المهاجرين والإسلام» ولأن صورة الاعتدال التي تبرزها ليست «صادقة». وبالمقابل، فإنها ترى أن سياسة ماكرون للسنوات الخمس الماضية كانت «متحيزة للفئات الأكثر ثراء وعلى حساب الطبقة الدنيا» كما أن مقترحه رفع سن التقاعد لـ65 عاما لا يلقى هوى لديها. وتتخوف نبيهة م. من أن مواصلة ماكرون لسياساته السابقة ستفضي إلى خضات اجتماعية شبيهة بما عرفته فرنسا في العامين 2018 و2019 «السترات الصفراء». وبنظرها، فإن ماكرون «فقد الوهج» الذي جاء به في العام 2017 لكنها ترى فيه، رغم تحفظاتها ورغم ما تراه من محصلة سلبية لسنوات حكمه، «ضمانة» بألا تذهب فرنسا إلى «متاهات خطيرة». أما أرنو فور وهو ميكانيكي في الرابعة والعشرين من عمره فقد كشف لـ«الشرق الأوسط» أنه انضم إلى حزب «التجمع الوطني» للوبن قبل ثلاثة أشهر وأنه «مقتنع» ببرنامجها الانتخابي ويستهويه «قربها من الناس العاديين» وبرغبتها في وضع حد لتدفق الهجرات العشوائية إلى فرنسا والمحافظة على هويتها الوطنية وإعادة فرض الأمن والنظام العام في الأحياء والمناطق «الخارجة عن القانون بسبب التهريب والعنف»... إلى ما هنالك من «البروباغندا» اليمينية المتطرفة. واللافت في هذه المنافسة، بحسب العديد من المحللين، أن نسبة مرتفعة من المقترعين «صوتت ضد أحد المرشحين وليس اقتناعا بالمرشح الآخر» أي أنها اختارت «الأقل سوءا». ويؤخذ على ماكرون «ممارسته العمودية» للسلطة «أي انفراده بالقرارات» وابتعاده عن الواقع وتكبره وكونه «رئيس الأغنياء» بسبب إلغاء «ضريبة الثروة» وعنف القوى الأمنية الذي تعرض له المتظاهرون من «السترات الصفراء» ومعاملته السيئة للمهاجرين غير النظاميين من «أفغان، سوريين، أفارقة...» إضافة للقوانين التي دفع لإقرارها بخصوص المسلمين ومنها قانون «الانفصالية الإسلاموية». وقد «اعترف» ماكرون أكثر من مرة أنه «ارتكب أخطاء» ووعد بممارسة مختلفة للسلطة. وفي أي حال، فإن أداءه سيكون «تحت المجهر» للتأكد من أنه سيعمد إلى تنفيذ الوعود التي أطلقها في الأسبوع الأخير من الحملة الانتخابية لاجتذاب أصوات اليسار.
هكذا مر اليوم الانتخابي الذي حصل تحت مجهر المراقبة الأوروبية لما لنتائجه من تداعيات على الاتحاد الأوروبي. لكن الأنظار، فرنسيا، ستتجه منذ اليوم إلى استحقاق الانتخابات التشريعية وكيفية تشكيل اللوائح والتحالفات لمعرفة ملامح المشهد السياسي الذي سترسو عليه فرنسا للسنوات الخمس القادمة.



تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
TT

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

قال رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، اليوم الثلاثاء، إن بلاده لا تستطيع منع القوات الأميركية من شحن بعض الأسلحة خارجها، لكن ذلك لن يؤثر على قدرة الردع في مواجهة كوريا الشمالية، وذلك بعد تقارير عن تجهيز هذه الأسلحة لإعادة نشرها في الشرق الأوسط.

وأضاف: «يبدو أن هناك جدلاً في الآونة الأخيرة بخصوص شحن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا بعض الأسلحة خارجها»، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن سيول قد عبّرت عن معارضتها، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم مطالب، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الجمعة، إن الجيشين الأميركي والكوري الجنوبي يناقشان إمكان إعادة نشر بعض منظومات الدفاع الصاروخي «باتريوت» الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في الحرب على إيران.

بدوره، قال وزير الدفاع التايواني ويلينغتون كو، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لم تتواصل مع تايبه بشأن نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وقال كو، في حديثه لصحافيين في البرلمان، إن إعادة نشر أي من الأسلحة الأميركية الصنع لدى تايوان لن تحدث إلا إذا طلبت الولايات المتحدة ذلك. وأضاف أنه في حالة حدوث ذلك، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن نقلها.

وقال كو: «لكن حتى الآن، لم يتصلوا بنا بشأن استخدام أي من عتادنا ذي الصلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران».

والولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان، التي تمتلك صواريخ «باتريوت» في ترسانتها.

وتواجه تايوان، التي تحكمها حكومة ديمقراطية، ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها. وترفض حكومة تايوان مطالبات بكين بالسيادة.

وأفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر في الحكومة الكورية الجنوبية أن أنظمة باتريوت يجري تجهيزها لإعادة نشرها في الشرق الأوسط، حيث وصلت طائرات نقل عسكرية أميركية ثقيلة إلى أوسان لنقلها.


إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...