فوز ماكرون بفترة رئاسية ثانية... وترحيب أوروبي

نسبة مقاطعة قياسية في جولة الحسم... وانطلاق التحضير للانتخابات التشريعية في يونيو

ماكرون ملقياً التحية على مناصريه خلال احتفال بفوزه أمس (أ.ف.ب)
ماكرون ملقياً التحية على مناصريه خلال احتفال بفوزه أمس (أ.ف.ب)
TT

فوز ماكرون بفترة رئاسية ثانية... وترحيب أوروبي

ماكرون ملقياً التحية على مناصريه خلال احتفال بفوزه أمس (أ.ف.ب)
ماكرون ملقياً التحية على مناصريه خلال احتفال بفوزه أمس (أ.ف.ب)

أظهرت التقديرات الأولية للجولة الثانية من انتخابات الرئاسة الفرنسية، مساء أمس، فوز الرئيس المنتهية ولايته إيمانويل ماكرون، بحصوله على نحو 58 في المائة من الأصوات، بينما شهد الاقتراع نسبة مقاطعة قياسية بلغت 28 في المائة.
وأقرت منافسة ماكرون، مرشحة اليمين المتطرف، مارين لوبن، بالهزيمة وقدمت له التهنئة. كما رحّب رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، شارل ميشال، بفوز ماكرون، وقال إن الاتحاد الأوروبي «يمكنه التعويل على فرنسا لـ5 أعوام إضافية». وكانت غالبية الأوروبيين قد دعمت ماكرون، وعبّرت عن قلقها من خيار آخر للفرنسيين، وكان بعض القادة قد دعوا علانية وكتابة إلى التصويت لصالحه، مثل المستشار الألماني ورئيسي وزراء إسبانيا والبرتغال.
لكن رغم الفوز المريح لماكرون، فإن شعبيته تقلصت إلى حد بعيد، حيث اكتسح انتخابات العام 2017 بحصوله على 66 في المائة من الأصوات.
ووسط انهيار الأحزاب التقليدية التي حكمت فرنسا «اليمين المعتدل واليسار الاشتراكي» منذ ستين عاما، فقد تغير المشهد السياسي بشكل جذري بحيث نشأت ثلاث كتل متساوية إلى حد بعيد: اثنتان على طرفي الخريطة السياسية «أقصى اليمين وأقصى اليسار» وأخرى وسطية «حزب ماكرون ومن نجح في اجتذابهم يمينا ويسارا». ولأن ممثل كتلة اليسار المتشدد «جان لوك ميلونشون» خرج من السباق في الدورة الأولى، فإن ماكرون ولوبن دأبا على محاولة إغراء ناخبيه الذين يمثلون كتلة رئيسية كان لها دورها كما لنسبة مقاطعة الانتخابات، في تحديد هوية الفائز.
ومنذ الساعة الثامنة صباح أمس، فتحت مراكز الاقتراع على كافة أراضي فرنسا القارية، إضافة لجزيرة كورسيكا فيما ناخبو أراضي فرنسا ما وراء البحار أدلوا بأصواتهم يوم السبت. وجرت العادة على التكتم على النتائج حتى لا تؤثر على خيارات الناخب. وفي المراكز الريفية، أغلقت مراكز الاقتراع في الساعة السادسة، بينما بقيت مفتوحة في العاصمة والمدن الكبرى حتى الثامنة مساء، حيث ظهرت صورة الفائز على شاشات التلفزة. وأدلت لوبن بصوتها في مدينة هينان بومون «شمال فرنسا» قبيل الظهر فيما صوت ماكرون بعدها بساعة واحدة في منتجع «لو توكيه» البرجوازي المطل على «القنال الإنجليزي» حيث يملك مع زوجته منزلا فسيحا مطلا على الشارع التجاري العام الأكثر ازدحاما. وحاول كل منهما إظهار شعبيته وقربه من الناخبين ولكن من غير التطرق إلى الانتخابات والسياسة الأمر الذي يمنعه القانون.
وأفادت الأرقام الرسمية التي أذاعتها وزارة الداخلية في الخامسة من بعد ظهر أمس بأن نسبة المشاركة قد تدنت بما يزيد على نقطتين «63.23 في المائة من الناخبين» عما كانت عليه في العام 2017 «65.30 في المائة» وبنقطتين عن نسبة المشاركة في الجولة الأولى يوم الأحد 10 أبريل (نيسان). وقدر استطلاعان للرأي قامت بهما مؤسستان رئيسيتان «إيفوب ــ سوبرا ستيريا وهاريس ــ إيلاب» أن نسبة مقاطعة الانتخابات النهائية يرجح أن تصل إلى 28 في المائة أي بارتفاع نقطتين ونصف النقطة عما كانت عليه في العام 2017 «25.44 في المائة». إلا أن أعلى نسبة مقاطعة سجلت في انتخابات العام 1969 وصلت إلى 31.3 في المائة.
ويؤشر هذا التراجع غير المسبوق للمشاركة منذ انتخابات العام 2002 إلى أن النداءات التي أطلقها المتنافسان والأحزاب الأخرى لم تلق تجاوبا رغم أهمية التحديات المرتبطة بنتيجة التصويت. وثمة عدة عوامل تضافرت منها أن الأكاديميات المدرسية الثلاث التي تغطي الأراضي الفرنسية كانت في عطلة الأسبوع الماضي ومنها الطقس الدافئ الذي يشجع الناس على القيام بنزهات وتناسي صناديق الاقتراع. إلأ أن العامل الرئيسي، وفق المحللين، يكمن في «خيبة» نسبة من ناخبي المرشحين الذين أخرجوا من المنافسة في الدورة الأولى وأهمهم ميلونشون الأمر الذي يدفعهم للمقاطعة واعتبارهم أن بقاء ماكرون في الرئاسة أو وصول لوبن إليها «سواء بسواء».
وكان واضحا أمس أن الناخب الفرنسي كان له الخيار بين رؤيتين متضاربتين إن في السياسة الداخلية أو الخارجية. ودأبت وسائل الإعلام، في الأيام الأخيرة على وصف هذه الانتخابات الرئاسية التي تشكل الحجر الأساسي للديمقراطية الفرنسية بأنها «تاريخية» نظرا للحرب الدائرة على الأراضي الأوروبية «أوكرانيا» وللعدوانية الروسية وتبعاتهما وللصعوبات الداخلية الاقتصادية والمجتمعية والانقسامات المتفاقمة سياسيا. والتخوف الكبير لدى المعسكر المناهض لمرشحة اليمين المتطرف فحواه أن فوز لوبن يعني إدخال فرنسا في «متاهات» شبيهة بما عرفته بريطانيا مع «البريكسيت» أو الولايات المتحدة مع فوز دونالد ترمب. وبالمقابل، فإن نجاح ماكرون يعني «إعادة تجريب المجرب» وفي الحالتين فإن البلاد قادمة على اهتزازات اجتماعية وسياسية ومزيد من التفسخات. وما سيزيد من فداحتها التدهور الاقتصادي ــ الاجتماعي المتمثل بغلاء الأسعار وتدهور القوة الشرائية للطبقات الأقل ثراء واستقواء نزعات التطرف يمينا ويسارا. وتفسر هذه العوامل النسبة المرتفعة لمقاطعة الانتخابات بحيث إن المعروض سياسيا «ماكرون ولوبن وما يمثلان» لا يلقيان هوى لدى المقاطعين أو الذين فضلوا رمي ورقة بيضاء في صناديق الاقتراع. وتجدر الإشارة إلى أن ميلونشون لم يدع مؤيديه للانتخاب لصالح ماكرون بل حثهم على حرمان لوبن من أصواتهم. واللافت أن حزب «الجمهوريين» اليميني المعتدل الذي خرجت ممثلته فاليري بيكريس من المنافسة من الجولة الأولى، اعتمد جماعيا الاستراتيجية نفسها لليسار المتشدد، بينما دعت مجموعة من قادته للاقتراع لصالح ماكرون ومنهم بيكريس نفسها. ويهدف ماكرون إلى إقامة تجمع سياسي عريض يضم كل المكونات السياسية التي وقفت إلى جانبه قبل الجولة الأولى وما بين الدورتين الأولى والثانية ومن بينها الشخصيات اليمينية التي أيدته بحيث يضمن له أكثرية برلمانية مريحة بمناسبة الانتخابات النيابية التي ستجرى في يونيو (حزيران) القادم.
تقول نبيهة م. مواطنة فرنسية من أصل جزائري ومهنتها أستاذة رياضيات في مدرسة ثانوية حكومية وقد التقتها «الشرق الأوسط» لدى خروجها من مركز الاقتراع الثاني في مدينة «ماسي» الواقعة جنوب باريس إنها صوتت لصالح ماكرون «رغما عنها» وأن السبب في ذلك «الرغبة في قطع الطريق» على لوبن. وبحسب نبيهة م. التي اقترعت لصالح ميلونشون في الدورة الأولى، فإن برنامج لوبن الانتخابي «يخيفها» بسبب «عنصريتها إزاء المهاجرين والإسلام» ولأن صورة الاعتدال التي تبرزها ليست «صادقة». وبالمقابل، فإنها ترى أن سياسة ماكرون للسنوات الخمس الماضية كانت «متحيزة للفئات الأكثر ثراء وعلى حساب الطبقة الدنيا» كما أن مقترحه رفع سن التقاعد لـ65 عاما لا يلقى هوى لديها. وتتخوف نبيهة م. من أن مواصلة ماكرون لسياساته السابقة ستفضي إلى خضات اجتماعية شبيهة بما عرفته فرنسا في العامين 2018 و2019 «السترات الصفراء». وبنظرها، فإن ماكرون «فقد الوهج» الذي جاء به في العام 2017 لكنها ترى فيه، رغم تحفظاتها ورغم ما تراه من محصلة سلبية لسنوات حكمه، «ضمانة» بألا تذهب فرنسا إلى «متاهات خطيرة». أما أرنو فور وهو ميكانيكي في الرابعة والعشرين من عمره فقد كشف لـ«الشرق الأوسط» أنه انضم إلى حزب «التجمع الوطني» للوبن قبل ثلاثة أشهر وأنه «مقتنع» ببرنامجها الانتخابي ويستهويه «قربها من الناس العاديين» وبرغبتها في وضع حد لتدفق الهجرات العشوائية إلى فرنسا والمحافظة على هويتها الوطنية وإعادة فرض الأمن والنظام العام في الأحياء والمناطق «الخارجة عن القانون بسبب التهريب والعنف»... إلى ما هنالك من «البروباغندا» اليمينية المتطرفة. واللافت في هذه المنافسة، بحسب العديد من المحللين، أن نسبة مرتفعة من المقترعين «صوتت ضد أحد المرشحين وليس اقتناعا بالمرشح الآخر» أي أنها اختارت «الأقل سوءا». ويؤخذ على ماكرون «ممارسته العمودية» للسلطة «أي انفراده بالقرارات» وابتعاده عن الواقع وتكبره وكونه «رئيس الأغنياء» بسبب إلغاء «ضريبة الثروة» وعنف القوى الأمنية الذي تعرض له المتظاهرون من «السترات الصفراء» ومعاملته السيئة للمهاجرين غير النظاميين من «أفغان، سوريين، أفارقة...» إضافة للقوانين التي دفع لإقرارها بخصوص المسلمين ومنها قانون «الانفصالية الإسلاموية». وقد «اعترف» ماكرون أكثر من مرة أنه «ارتكب أخطاء» ووعد بممارسة مختلفة للسلطة. وفي أي حال، فإن أداءه سيكون «تحت المجهر» للتأكد من أنه سيعمد إلى تنفيذ الوعود التي أطلقها في الأسبوع الأخير من الحملة الانتخابية لاجتذاب أصوات اليسار.
هكذا مر اليوم الانتخابي الذي حصل تحت مجهر المراقبة الأوروبية لما لنتائجه من تداعيات على الاتحاد الأوروبي. لكن الأنظار، فرنسيا، ستتجه منذ اليوم إلى استحقاق الانتخابات التشريعية وكيفية تشكيل اللوائح والتحالفات لمعرفة ملامح المشهد السياسي الذي سترسو عليه فرنسا للسنوات الخمس القادمة.



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟