كييف تطالب بـ«جسر مالي» من 7 مليارات دولار شهرياً لإبقاء اقتصادها «عائماً»

تتهم روسيا بالتحضير لاستفتاء وهمي في خيرسون وزابوروجيا

الرئيس الأوكراني خلال مخاطبته البنك الدولي (ا.ب.أ)
الرئيس الأوكراني خلال مخاطبته البنك الدولي (ا.ب.أ)
TT

كييف تطالب بـ«جسر مالي» من 7 مليارات دولار شهرياً لإبقاء اقتصادها «عائماً»

الرئيس الأوكراني خلال مخاطبته البنك الدولي (ا.ب.أ)
الرئيس الأوكراني خلال مخاطبته البنك الدولي (ا.ب.أ)

قدّرت أوكرانيا أنها بحاجة إلى «جسر مالي» يصل إلى سبعة مليارات دولار شهرياً، داعيةً إلى «خطة إنعاش على غرار خطة مارشال في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية» من أجل إبقاء اقتصادها عائماً، في وقت أعلنت الولايات المتحدة منح كييف مساعدة مالية جديدة. وطالب الرئيس الأوكراني فولوديمر زيلينسكي الدول الغربية بتقديم هذه المساعدة شهرياً بسبب الدمار الذي سبّبه القصف الروسي المستمر لبلده منذ 24 فبراير (شباط) الماضي للاقتصاد الأوكراني. من جهته قال رئيس الوزراء الأوكراني دنيس شميهال: «رغم كل الصعوبات، تواصل بلادنا الوفاء بجميع التزاماتها فيما يتعلق بالمساعدة الاجتماعية ومدفوعات المعاشات التقاعدية ورواتب (الموظفين)... وكل هذا يكلف نحو 7 مليارات دولار أميركي شهرياً». وكان رئيس الحكومة الأوكرانية قد التقى في وقت سابق الرئيس الأميركي جو بايدن. وتلبيةً لهذا النداء أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن أول من أمس (الخميس)، الإفراج عن 800 مليون دولار كمساعدات عسكرية جديدة لأوكرانيا. بدورها، كشفت وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين عن 500 مليون دولار من المساعدات لأوكرانيا لتمكينها من مواصلة دفع الرواتب والمعاشات التقاعدية وتقديم الخدمات. وقدمت تفاصيل عن المساعدات بعد اجتماعها (الأربعاء)، مع رئيس الوزراء الأوكراني دينيس شميغال، ووزير ماليته سيرغي مارشينكو، مشددةً على ضرورة مساعدة حكومتهما على مواصلة العمل في ظل الغزو الروسي المستمر. وقالت يلين: «احتياجات أوكرانيا ملحة، ونخطط لتوزيع هذه المساعدة المباشرة في أقرب وقت لاستخدامها في الاحتياجات الأكثر إلحاحاً». وأضافت: «نحن نعلم أن هذه ليست سوى البداية لما يمكن أن تحتاج إليه أوكرانيا لإعادة الإعمار. وأنا ملتزمة العمل مع الكونغرس ومع حلفائنا وشركائنا الدوليين للبناء على هذا الدعم على المديين المتوسط والطويل». وتأتي المساعدات الأميركية في أعقاب حزمة دعم أخرى بقيمة 500 مليون دولار قدمتها واشنطن لأوكرانيا الشهر الماضي، وفي وقت تكثف الدول الغربية مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مساعداتها لكييف. وقال زيلينسكي في مداخلة له خلال لقاء عقِد حول طاولة مستديرة وخُصّص للبحث في مساعدة أوكرانيا في إطار اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن: «سنحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات من أجل إعادة الإعمار». وأضاف الرئيس الأوكراني بعد اللقاء عبر الفيديو: «الجيش الروسي يهدف إلى تدمير جميع المقومات في أوكرانيا التي يمكن أن تشكل قاعدة اقتصادية للحياة، وهذا يشمل محطات السكك الحديد ومخازن المواد الغذائية والنفط ومصافي النفط».
بدورها، كررت غورغييفا التي لديها أقارب في أوكرانيا وبدا عليها التأثر الشديد، التزام صندوق النقد الدولي البقاء إلى جانب أوكرانيا. وشددت غورغييفا، كما جاء في تقرير الصحافة الفرنسية، على ضرورة منح المساعدات المالية لأوكرانيا على شكل تبرعات «قدر المستطاع»، وليس على شكل قروض، منعاً لتراكم ديون كبيرة على كييف من شأنها تعقيد التعافي بعد الحرب.
وإضافةً إلى طلب المساعدة المالية، قال زيلينسكي إن أوكرانيا تحتاج أيضاً إلى المزيد من الأسلحة الثقيلة للدفاع عن نفسها في مواجهة الجيش الروسي الذي يهدد صميم وجودها، وطلب من الدول الغربية فرض المزيد من العقوبات على موسكو و«استبعاد روسيا فوراً من كل المؤسسات المالية الدولية».
وشدد الرئيس الأوكراني على صمود شعبه، مستشهداً بمدينة خاركيف التي دمّرها الغزو الروسي جزئياً. وقال: «حتى في أثناء القصف، واصلت خاركيف العمل. كما لاحظت كريستالينا غورغييفا (المديرة العامة لصندوق النقد الدولي)، على الرغم من الوضع، استمر السكان في زرع الزهور وتقليم الأشجار وتنظيف الشوارع للحفاظ على مدينتهم في حالة جيدة».
وفي كلمة وجهها عبر دائرة تلفزيونية مغلقة إلى البرلمان البرتغالي قال زيلينسكي إن البرتغاليين، الذين سيحتفلون الأسبوع المقبل بمرور 48 عاماً منذ أنهت ثورة لم تشهد تقريباً إراقة للدماء ديكتاتورية فاشية استمرت عقوداً، يعرفون جميعاً على أفضل وجه ماذا يعني الكفاح من أجل الديمقراطية.
وأضاف: «في 57 يوماً من الحرب احتل الغزاة (الروس)، الذين يواصلون تدمير مدننا، أكثر من ألف بلدة أوكرانية... اضطر ملايين الأشخاص إلى الفرار... الأمر كما لو أن البرتغال كلها اضطرت للرحيل». وقال إن الجيش الروسي ارتكب أعمالاً وحشية في أوكرانيا بعضها في مدينة ماريوبول الساحلية التي واجهت قصفاً عنيفاً. ومضى زيلينسكي قائلاً: «نقاتل ليس من أجل استقلالنا فحسب بل من أجل بقائنا أيضاً، من أجل ألا يسقط شعبنا ضحية للقتل والتعذيب والاغتصاب... خطف الروس بالفعل أكثر من 500 ألف شخص تم نقلهم إلى أقاصي روسيا (ووضعهم) في معسكرات نائية».
وتنفي روسيا التي تصف إجراءاتها في أوكرانيا بأنها «عملية عسكرية خاصة» استهداف المدنيين، وترفض ما تقول أوكرانيا إنها أدلة على أعمال وحشية، قائلة إن كييف اصطنعتها لتقويض محادثات السلام. وطلب الرئيس الأوكراني من البرتغال دعم فرض حظر عالمي على النفط الروسي وتأييد طلب أوكرانيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وبعد وقت قصير من إلقاء الكلمة قال رئيس البرلمان البرتغالي أوجوستو سانتوس سيلفا: «كفاح بلادكم من أجل الحرية هو كفاح أوروبا من أجل الحرية».
وفي سياق متصل اتّهم الرئيس الأوكراني روسيا بالسعي إلى إجراء استفتاء مزيف على الاستقلال في منطقتَي خيرسون وزابوروجيا الجنوبيّتين اللتين تحتلّهما. وفي رسالة عبر الفيديو مساء الخميس، دعا زيلينسكي سكّان المناطق المحتلّة إلى الامتناع عن تقديم أي بيانات شخصيّة مثل أرقام جوازات السفر، قد تطلبها القوّات الروسيّة. وحذر مواطنيه من أن «الأمر ليس لإجراء تعداد سكاني فقط (...) ليس من أجل منحكم مساعدات إنسانيّة من أي نوع. إنّه في الواقع لتزوير ما يسمّى الاستفتاء على أرضكم، في حال جاء من موسكو الأمر بتنظيم هذه الملهاة». وكانت أوكرانيا قد اتّهمت في أوائل مارس (آذار) روسيا بالسعي إلى إجراء «استفتاء» في خيرسون على غرار ذلك الذي أُجري في 2014 وضمّت بموجبه شبه جزيرة القرم. وقد رفضه الغرب وكييف لاعتبارهما إيّاه غير قانوني.
في شرق أوكرانيا، أعلنت منطقتا دونيتسك ولوغانسك الانفصاليّتان المواليتان لروسيا استقلالهما، بوصفهما «جمهوريّتَين شعبيّتَين»، بعد استفتاءين عدّهما المجتمع الدولي باطلَين. وقال زيلينسكي مهدداً: «لن تكون هناك جمهوريّة خيرسون شعبيّة. إذا كان أحد يريد ضماً جديداً، فستُفرَض عقوبات أشد على روسيا». كانت خيرسون أوّل مدينة كبيرة احتلّتها القوات الروسية بعد غزوها أوكرانيا في 24 فبراير. وإلى الشمال الشرقي، يسيطر الجيش الروسي أيضاً على قطاع واسع حول ميدنة زابوروجيا التي لا تزال تحت سيطرة الأوكرانيين.


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟