لبنان: «قوى التغيير» واثقة من قدرتها على خرق اللوائح

انقسامها بقي محدوداً وتخوض الانتخابات في كل الدوائر

لبنان: «قوى التغيير» واثقة من قدرتها على خرق اللوائح
TT

لبنان: «قوى التغيير» واثقة من قدرتها على خرق اللوائح

لبنان: «قوى التغيير» واثقة من قدرتها على خرق اللوائح

يقف لبنان على مسافة 26 يوماً من موعد إجراء الانتخابات النيابية في 15 مايو (أيار) المقبل التي تشكّل أول محطة لاختبار مدى قدرة القوى التغييرية والثورية التي وُلدت من الانتفاضة الشعبية في 17 تشرين الأول 2019 على إحداث تغيير في البرلمان الجديد يمكن أن يؤثر في إعادة تكوين السلطة برغم أنها اصطدمت بصعوبات حالت دون توحّدها على لوائح واحدة لخوض الانتخابات لمواجهة اللوائح المدعومة من المعارضة التقليدية أو تلك التي تتزعّمها الأطراف الموالية المنتمية إلى قوى «8 آذار» المتحالفة مع «التيار الوطني الحر».
فالقوى التغييرية تخوض الانتخابات في جميع الدوائر الانتخابية، وإن كانت بعض اللوائح القليلة تشكّلت بالتحالف مع حزب «الكتائب» بذريعة أن نوابه استقالوا من البرلمان فور حصول الانفجار في مرفأ بيروت وأن ما يجمع بينهما وحدة الخطاب السيادي المناهض لـ«حزب الله» وسلاحه الذي يتصدّر أيضاً البرامج الانتخابية لحزبي «التقدمي الاشتراكي» و«القوات اللبنانية» مع فارق أساسي يعود إلى أنهما يدخلان في مواجهة مع محور «الممانعة» المدعوم من إيران والنظام السوري.
ويبدو أن اللوائح الانتخابية المنبثقة عن تحالف «وطني» هي أكثر حضوراً في المبارزة من اللوائح الأخرى التي تحصر مرشحيها بالمنتمين إلى القوى التغييرية ويراهن عليها لإحداث خرق في اللوائح المدعومة من الأحزاب أكانت في الموالاة أو في المعارضة باستثناء لائحة «لوطني» التي تتزعّمها النائبة المستقيلة بولا يعقوبيان في دائرة بيروت الأولى (8 مقاعد نيابية) والتي تخوض منافسة متوازية مع اللوائح المدعومة من حزبي «الكتائب» و«القوات» و«التيار الوطني الحر» المتحالف مع حزب «الطاشناق» وجميع هؤلاء يحسبون لها ألف حساب وتضم مرشّحين مستقلّين من بينهم من يُعرف بالحرس القديم المنشقّ عن رئيس «التيار الوطني» جبران باسيل منذ أن ورث عمّه رئيس الجمهورية في قيادته للتيار.
كما أنه لا يمكن التقليل من الحضور الانتخابي للائحة «شمالنا» في دائرة الشمال الثالثة (10 مقاعد نيابية) وتضم أقضية البترون، والكورة، وزغرتا، وبشري، وتتشكل من مستقلين وقوى «14 آذار» سابقاً وقدامى «القوات اللبنانية»، وتدخل في مواجهة مع 4 لوائح مدعومة من «القوات» وتيار «المردة» والتيار «الوطني الحر» وتحالف «الكتائب» والنائب المستقيل ميشال رينه معوّض ومجد بطرس حرب، علماً بأن هذه الدائرة مسيحية بامتياز.
لكن المرشحين يتطلعون لكسب تأييد الصوت السنّي الذي يفوق الحضور الشيعي في هذه الدائرة في ضوء ما يتردّد بأن رئيس المجلس النيابي نبيه بري يميل لتأييد لائحة «المردة» في مقابل تأييد «حزب الله» لباسيل، فيما يتمتع معوض بتأييد سنّي، مع أن استنهاض الشارع السنّي بعد عزوف رئيس الحكومة السابق سعد الحريري عن الترشُّح لا يزال متواضعاً ودون المستوى المطلوب إلا إذا حصلت مفاجأة من شأنها أن تُحدث تغييراً في المزاج السنّي.
وبالنسبة إلى طرابلس فإن القوى التغييرية ما زالت غائبة عن السمع ولم يسجّل لها حتى الساعة الحضور الانتخابي ترشُّحاً واقتراعاً، مع أن «ساحة النور» في وسط المدينة كانت من كبرى الساحات التي احتضنت الانتفاضة فور انطلاقتها وشكّلت الخزّان الشعبي الذي تمدّد باتجاه الساحات الأخرى وتحديداً في بيروت، فيما تشكّلت في عكار أكثر من لائحة تغييرية ومنها لائحة «التغيير» التي تضم مرشحين مستقلين إلى آخرين يدورون في فلك الحريرية السياسية، إضافة إلى لائحة مدعومة من حركة «سوا لبنان» التي يشرف عليها مباشرة رجل الأعمال بهاء رفيق الحريري.
لكن تعدُّد اللوائح المدعومة من القوى التقليدية يفتح الباب أمام تشتُّت أصوات الناخبين، ما يعطي فرصة لإحداث خرق لا يبدو حتى الساعة أنه في متناول اليد لأن من السابق لأوانه التكهُّن بكيفية توزيع الأصوات ما لم تتلازم مع استنهاض الشارع السني لأن عكار تتمتع بثقل سنّي ويعود له ترجيح كفة على أخرى.
وبالنسبة إلى دائرة كسروان - جبيل فإن إمكانية الخرق من قبل القوى التغييرية تبقى متواضعة جداً في ظل ارتفاع منسوب المواجهة فيها بشكل غير مسبوق وتدور بين القوى التقليدية، وهذا ما ينسحب أيضاً على دائرة المتن الشمالي التي تشهد مبارزة بين 4 لوائح مدعومة من «التيار الوطني» وتحالف حزب «الطاشناق» ونائب رئيس الحكومة السابق إلياس المر بترشيح نجله ميشال المر عن أحد المقعدين المخصّصين للطائفة الأرثوذكسية ومعها الحزب «السوري القومي الاجتماعي» وحزبي «الكتائب» و«القوات» اللذين تحالفا مع مرشحين مستقلين وبعضهم ليس بعيداً عن الحراك المدني.
أما في دائرة بيروت الثانية ذات الثقل السني فإن لائحة «لبيروت» تبقى الأكثر تمثيلاً للقوى التغييرية وتضم من بين مرشحيها نقيب المحامين السابق ملحم خلف وتتشكّل من تحالف «وطني» و«خط أحمر» و«مرصد» بعد أن تعذّر التوافق مع «بيروت مدينتي» التي تخوض الانتخابات بلائحة مستقلة غير مكتملة بعد أن غاب عنها عدد من أبرز الوجوه المحسوبة عليها وانضموا إلى لائحة خلف، فيما تشكّلت لائحة غير مكتملة مدعومة من حركة «سوا لبنان».
كما أن القوى التغييرية تخوض المعركة في دائرة البقاع الغربي - راشيا بلائحة «سهلنا والجبل» وتضم مجموعة من المرشحين المستقلين ومن بينهم من يدور في فلك الحريرية السياسية، إضافة إلى لائحة «بعلبك للتغيير» التي تضم مرشحين مستقلين كان بعضهم انخرط في العمل الحزبي ويتمتع بحضور لا بأس به في دائرة بعلبك - الهرمل، إلا إذا تعرّض إلى مضايقات من قبل «حزب الله»، برغم أن مصادر بقاعية تستبعد محاصرته كما يجب أسوة بمحاصرة الحزب للّائحة المدعومة من «القوات» إصراراً منه على منع عودة مرشّحها النائب أنطوان حبشي إلى الندوة البرلمانية.
وبالنسبة إلى دائرة بعبدا - المتن الجنوبي فإن القوى التغييرية انقسمت على نفسها بتشكيل لائحتين، وهذا ما يقلل من حظوظها في إحداث خرق، وستبقى المعركة محصورة بين لائحة تحالف «التيار الوطني» والثنائي الشيعي وبين لائحة تحالف أحزاب «القوات» - «التقدمي» - «الوطنيين الأحرار»، ويمكن لـ«حزب الله» تهريب فائض من الأصوات الشيعية لمرشحي «التيار» لضمان حصر خرق اللائحة بالماروني بيار بو عاصي والدرزي هادي أبو الحسن مع أنهما في وضع انتخابي يؤمن فوزهما، وكان سبق لهما أن فازا في دورة الانتخابات السابقة.
وعلى صعيد دائرة الشوف - عاليه، فإن لائحة «توحّدنا للتغيير» لا تخوض الانتخابات رغبة منها بتسجيل حضور انتخابي، وإنما لديها القدرات في إحداث خرق للائحتين المتنافستين الأولى تضم تحالف «التقدمي» و«القوات» و«الأحرار» والثانية تتشكل من تحالف «التيار الوطني» وحزبي «الديمقراطي اللبناني» برئاسة طلال أرسلان و«التوحيد العربي» برئاسة وئام وهّاب وجمعية «المشاريع الخيرية الإسلامية» (الأحباش)، إضافة إلى حزبي «السوري القومي الاجتماعي» و«البعث» الموالي للنظام السوري.
فاللائحة التغييرية تضم شخصيات مستقلة من أبرزهم نجاة عون صليبا، سعود أبو شبل، مارك ضو، حليمة القعقور وآخرين، وكانوا من السباقين على رأس الذين انتفضوا في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 في وجه المنظومة الحاكمة والطبقة السياسية.
وبالنسبة إلى دوائر الجنوب، فإن حضور الحراك يكاد يكون محدوداً في دائرة صيدا - جزين ويخوض المعركة الانتخابية بلائحة تضم مستقلين، والأمر نفسه ينطبق على دائرة الزهراني - صور برغم أن المنافسة محصورة بين لائحة الثنائي الشيعي وبين لائحتين من المستقلين، لكنهما ليستا مكتملتين، وكانت واحدة منها تعرضت إلى مضايقات واستخدمت ضدها العصي لمنعها من الوجود في الصرفند للإعلان عن لائحتها ما اضطرها للانتقال إلى بلدة مغدوشة، وهي تراهن على إحداث خرق في المقعد الكاثوليكي لكنها تواجه صعوبة لإسقاط النائب ميشال موسى في دائرة ذات فائض وبنسبة كبيرة في الصوت الشيعي.
وتبقى دائرة الجنوب الثالثة (11 مقعداً نيابياً) وتضم أقضية النبطية، بنت جبيل، مرجعيون، حاصبيا، وتحصر المعركة فيها بين الثنائي - الشيعي وبين لائحة تغييرية تضم مستقلين وشيوعيين حاليين وسابقين وناشطين يساريين وحركة «مواطنون ومواطنات في دولة» برئاسة الوزير السابق شربل نحاس الذي رشّح 56 مرشحاً في جميع الدوائر الانتخابية، وتراهن القوى الثورية على إحداث خرق باستهداف الحلقة الأضعف في لائحة الثنائي النائبين أسعد حردان الذي هو على خلاف مع جناح الحزب «القومي» برئاسة ربيع بنات والبعثي الموالي للنظام السوري قاسم هاشم.
لكن هناك صعوبة في خرقها لقدرة الثنائي على تجيير فائض من الأصوات التفضيلية لمصلحتها، علماً بأن حزب «القوات» كان عزف عن خوض المعركة ترشّحاً واقتراعاً بسبب خلافه مع القوى التغييرية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.