الحيدري: دمنهوري كاتب تنويري وظّف أدبه للإصلاح الاجتماعي

كتاب يحقق التراث الأدبي لـ«ابن الثقافة وأبو الرواية» السعودية

حامد دمنهوري
حامد دمنهوري
TT

الحيدري: دمنهوري كاتب تنويري وظّف أدبه للإصلاح الاجتماعي

حامد دمنهوري
حامد دمنهوري

أصدر نادي مكة المكرمة الثقافي الأدبي هذا العام (2022) الطبعة الثانية من كتاب «ابن الثقافة وأبو الرواية: حامد دمنهوري: مقالاته وشعره وقصصه» بزيادات عن الطبعة الأولى الصادرة عن النادي الأدبي بالرياض عام (2010).
مؤلف الكتاب هو الباحث الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن الحيدري أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ورئيس مجلس إدارة النادي الأدبي بالرياض سابقًا، ويمثل الكتاب فرصة لسبر أغوار الرواية السعودية، وتسليط الضوء على حامد الدمنهوري (1922 - 1965) الذي يُعّد أول روائي سعودي، وكرست روايته «ثمن التضحية» التي أصدرها عام 1959 ونشرتها دار الفكر بالرياض أول رواية سعودية.
وفي كتابه «ابن الثقافة وأبو الرواية: حامد دمنهوري» الذي صدرت مؤخراً طبعته الثانية، يشير الأكاديمي السعودي الدكتور عبد الله الحيدري إلى الظروف التي نشأ فيها مؤسس الرواية السعودية، وفي حواره مع «الشرق الأوسط» يوضح الدكتور الحيدري أهمية حامد دمنهوري في الأدب السعودي، وما الفرق بين الطبعتين؟ وريادة الدمنهوري وسبب تسميته "ابن الثقافة وأبو الرواية"، والمقصود بأدب حامد دمنهوري المعلوم وأدبه المجهول، وما أبرز مضامين كتاباته المقالية، وهل كتب القصة القصيرة أم لا، وأسئلة أخرى.
الباحث والأكاديمي السعودي الدكتور عبد الله الحيدري
الباحث والأكاديمي السعودي الدكتور عبد الله الحيدري

> كيف تصف مكانة حامد دمنهوري الأدبية؟
- الأديب السعودي حامد حسين دمنهوري (1922 - 1965) متعدد المواهب؛ قرض الشعر، وكتب القصة، وعالج المقالة، وأبدع في الرواية، وبها عُرف أكثر من أي جنس أدبي آخر أنتج فيه، وله عملان روائيان شهيران. هما ثمن التضحية (1959)، ومرت الأيام (1963). ومن هنا فحامد دمنهوري أديب شمولي لم يقتصر في عطائه على جنس واحد، بل تنوع عطاؤه رغم حياته القصيرة التي لم تتجاوز 45 سنة.

غلاف الطبعة الأولى من الكتاب

> كيف كانت ظروف النشر التي تهيأت للدمنهوري والجيل الأدبي في أربعينات القرن الماضي؟
- إذا ما نظرنا إلى تاريخ ميلاد حامد دمنهوري، وهو عام 1922، وربطنا اسمه مع مجايليه من الأدباء الذين ولدوا في هذه السنة أو قبلها أو بعدها بقليل من مثل أحمد محمد جمال، وعبد العزيز الرفاعي، وحسن بن عبد الله القرشي، وغيرهم، وجدنا أن هذا الجيل تفتح على وجود نهضة أدبية تتسم بالشمول في الإنتاج شعراً ونثراً، مع بدء عدد من المطبوعات في الصدور والانتشار. وفي المقدمة؛ صحيفة «أم القرى»، وصحيفة «صوت الحجاز»، ومجلة «المنهل». ومن هنا وجد هذا الجيل السبل أمامه معبّدة من خلال الجيل السابق له؛ جيل محمد سرور الصبّان، وأحمد بن إبراهيم الغزّاوي، ومحمد حسن عوّاد، وعبد القدوس الأنصاري، وحمد الجاسر، وغيرهم، ووجدوا التشجيع ومنافذ النشر مشرعة، فبدأوا الكتابة في وقت مبكر، مع أنهم واجهوا مشكلة توقف الصحف خلال الحرب العالمية الثانية في المدة (1939 - 1945)، ولكن هذا التوقف ربما أسهم في تكوين ثقافتهم من خلال القراءة المكثّفة والاطلاع، ومتابعة أحداث الحرب، وكل هذه روافد لا يستهان بها...
رواية الدمنهوري الأولى التي اعتبرت أول رواية سعودية (ثمن التضحية)
رواية الدمنهوري الأولى التي اعتبرت أول رواية سعودية (ثمن التضحية)

> ما السمات الفنية للأدب الذي نبغ فيه دمنهوري والجيل الأدبي المعاصر له؟
- من السمات البارزة في أدب جيل حامد دمنهوري؛ التنوع والشمول في الإنتاج الكتابي، وهي مرحلة يمكن أن نطلق عليها مرحلة التجريب والمغامرة؛ لأن عدداً منهم لم يتضح له المجال الأنسب الذي يمكن من خلاله أن يبدع؛ ولذلك لم يقتصر عطاؤه الكتابي على جنس أدبي واحد، وإنما حاول أن يطرق معظم الأجناس الأدبية، فها هو عبد العزيز الرفاعي يكتب الشعر، والمقالة، والقصة أحياناً، وها هو أحمد محمد جمال يُصدر ديواناً من الشعر في وقت مبكر، ويكتب المقالة، وها هو حسن القرشي يكتب الشعر والقصة والمقالة، ومن هنا لم يكن بالغريب أن يجرّب حامد دمنهوري قلمه في أكثر من مجال متأثراً بجيله، ومستجيباً لنداء الصحافة التي تطلب مدّها بأي مادة تصلح للنشر.

غلاف الطبعة الثانية

> كيف أثّرت إقامة دمنهوري في مصر على تطوره الأدبي؟
- واضح من خلال مسيرة حامد دمنهوري أنه كان هاوياً للكتابة في وقت مبكّر من حياته، وربما كانت من أهم العوامل التي أسهمت في ذلك، إلى جانب موهبته، إقامته في مصر للدراسة الجامعية 5 سنوات في المدة (1939 - 1946) تقريباً؛ حيث درس في دار العلوم بالقاهرة، وحصل منها على الدبلوم، ثم على الشهادة الجامعية من كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، فهذه الإقامة في اثنتين من أهم المدن الثقافية العربية شكّلت جوانب مهمة من ثقافة حامد دمنهوري في مسارين؛ المسار المنهجي المتمثل في الدراسة الجامعية، والمسار الثقافي الحر المتمثل في اقتناء الكتب وقراءتها، ولقاء الأدباء والمثقفين، وحضور الندوات الأدبية، والمناقشات الثقافية، والعروض المسرحية، ومعارض الكتب، وغيرها. وكان هذا الجو الثقافي الثري وقوداً فعّالاً أسهم في تشكيل روح حامد دمنهوري المتوثبة الراغبة في رفع مستوى الوطن؛ تعليمياً وثقافياً، وهو ما ظهر بشكل مباشر في مقالاته، وبشكل غير مباشر في روايتيه.
> ما أبرز الأسباب التي دعتك إلى إعادة طباعة الكتاب مرة ثانية عن طريق نادي مكة المكرّمة الثقافي الأدبي؟ وما أبرز الفروق بين الطبعتين الأولى والثانية؟
- أبرز الأسباب؛ نفاد النسخ، وأبرز الإضافات في هذه الطبعة الجديدة العثور على 3 قصائد لحامد دمنهوري، وإضافتها إلى شعره، ليرتفع عدد القصائد إلى 9 قصائد بدلاً من 6 في الطبعة الأولى، والقصائد المضافة هي؛ أمنية، وإغراء، وأضغاث أحلام. ومن الإضافات؛ تحديث القائمة الببليوغرافية، ورفدها بمواد جديدة، واستدراك بعض الأخطاء الطباعية، وإضافة بعض المعلومات إلى سيرته الذاتية.
أما اختيار نادي مكة تحديداً لإصدار هذه الطبعة الجديدة، فلأن حامد دمنهوري من أبناء مكة المكرمة، ومعظم أحداث روايته «ثمن التضحية» في مكة؛ ولذلك رحّب النادي كثيراً بإعادة طباعة الكتاب، وأجدها فرصة لتقديم الشكر لرئيس النادي أ. د. حامد الربيعي، وزملائه في مجلس الإدارة.
حامد دمنهوري
حامد دمنهوري

> وصفتَ دمنهوري في عنوان الكتاب بأنه «أبو الرواية وابن الثقافة»، فماذا تقصد بهذا العنوان؟
- يكتسب هذا الكتاب عنوانه من زاويتين شكّلتا شخصية حامد دمنهوري؛ الأولى، عمله الثقافي المتواصل مدة تزيد على ربع قرن، وتسنمه مناصب مهمة في الجانب الثقافي، والأخرى شهرته الروائية الكبيرة، وأهمية أعماله في البناء الروائي في المملكة، وكونها البداية الفعلية للرواية الفنية.
> ورد في مقدمة كتابك وصف أدب حامد دمنهوري، بأن «بعضه معلوم، وبعضه شبه مجهول»، فماذا تقصد؟
- أدب حامد دمنهوري شبه المجهول هو إنتاجه المجموع لأول مرة في هذا الكتاب، وهو إنتاجه الشعري، والمقالي، وفي القصة القصيرة. أما أدبه المعلوم فهو الرواية، ومنها اكتسب شهرته الواسعة، وبخاصة روايته «ثمن التضحية» التي تُرجمت إلى عدد من اللغات الحية مثل؛ الإنجليزية، والروسية، والصينية، ولقيت اهتماماً نقدياً كبيراً؛ لكونها أهم منعطف في الرواية السعودية، وبها يُؤرخ لبدء الرواية الفنية في المملكة العربية السعودية؛ ولهذا وُصف حامد دمنهوري من قبل بعض النقاد بأنه أبو الرواية.
> ما بداية كتابات حامد دمنهوري في الصحافة قبل التأليف؟ وما نصيب الشعر في حياته؟
- بالاطلاع على إنتاج حامد دمنهوري، نلحظ أنه كان مهيأً ثقافياً فور عودته من الابتعاث، بدليل أننا بدأنا نقرأ إنتاجه في عام 1947. وهو العام الذي عاد فيه إلى الوطن، ومن أقدم النصوص التي بين أيدينا قصيدته «فجر» التي ألقاها أمام الملك فيصل رحمه الله عندما كان نائباً عن والده في الحجاز، وذلك في الحفل الذي أُقيم بحي جرول بمكة المكرّمة في 9 صفر من عام 1366هـ (1947)، ومطلعها...
لاحَ الصباحُ وفي يديه ضياؤه
وعلى أزاهره طغتْ أشذاؤه
إلى أن يقول...
هذا الحجازُ وفي جوانحه الهوى
يهفو إليكَ وفي يديكَ لواؤه

> هل ترك دمنهوري تراثاً شعرياً؟
- دمنهوري شاعر مقلّ جداً، وكل ما استطعت العثور عليه من شعره 9 قصائد فقط، وتواريخ نظمها قديمة تمثل بواكير أدبه، وسبق نشر معظمها في الصحف المحلية، ثم أعاد نشرها بعض مؤلفي كتب المختارات، وبالتحديد صالح جمال حريري في كتابه «من وحي البعثات السعودية» الصادر في عام 1949، وعبد السلام طاهر الساسي في كتابه «شعراء الحجاز في العصر الحديث» الصادر في عام 1950. ويبدو أن حامد دمنهوري انصرف عن الشعر في وقت مبكر، إذ لا نجد له قصائد نشرت في أخريات حياته، إضافة إلى أن القصائد المنشورة في كتابي الحريري والساسي تعود إلى ما قبل عام 1950، أي قبل وفاته بـ15 عاماً.
> هل ثمة سبب - برأيك - لانصرافه عن الشعر؟
- ربما يكون من أسباب انصرافه عن الشعر ميله إلى السرد أكثر من الشعر، وبخاصة أن روايته الأولى «ثمن التضحية» الصادرة في عام 1959م لقيت ترحيباً كبيراً في الأوساط الأدبية والنقدية.
> ماذا عن فن المقالة لديه؟ وهل توافر لك عند الجمع عدد كبير منها؟
- أخلص حامد دمنهوري لفن المقالة، ومارس كتابتها منذ عام 1947، حتى العام الذي توفي فيه، وهو عام 1965. وقد نشرت جريدة البلاد السعودية أول مقالة له في عام 1947، وعنوانها «نشأة شعر الكونيات في الأدب العربي»، ثم مقالة أخرى بعنوان «قال الأولون» في العام نفسه، ومقالة ثالثة بعنوان «التأليف المدرسي المفقود» في العام الذي يليه، وهو «1948». وهذه المقالات المبكّرة كتبها بين سن الـ26 والـ27 فقط، وربما كانت له محاولات سابقة لم نعثر عليها، أو نشرت إبان دراسته الجامعية في مصر.
وأول ملحوظة يمكن أن تذكر في سياق النظر إلى هذه المقالات الثلاث؛ أن الأولى كان فيها أسيراً لقراءته في كتب التراث، ومن هنا اعتمد في أفكارها على كتاب الأغاني، وربما كانت المقالة في أصلها نواة بحث قدمه في الجامعة. أما المقالتان الأخريان فقد بدت شخصيته الكتابية واضحة، إذ طرح أفكاراً جديدة بناها من خلال مشاهداته وعمله التربوي، وظهرت أصالته فيهما. ويظهر أن الصدى الذي أحدثته المقالتان شجعه لتنويع منافذ النشر، فانتقل بقلمه إلى مجلة المنهل فنشر فيها بحثاً مكوناً من 3 حلقات عن الأمثال العامية وعلاقتها باللغة العربية عام 1959، ثم عاد إلى التراث مرة أخرى بكتابة بعض المقالات في مجلة المنهل. منها؛ الشاعر الأمير، والعرجي شاعر الغزل، ولم ينسَ الهم التربوي فكتب بضع مقالات في جريدة البلاد السعودية. منها؛ معلم المدرسة المفترى عليه، ورسالة المعلم في عصر الذرة.
وهذه المرحلة التي تمتد من عام 1947 إلى عام 1953، ومدتها 7 سنوات، يمكن أن نطلق عليها مرحلة «التجريب والتثقيف»، وتتسم بمحاولة إثبات الوجود وممارسة الكتابة جنباً إلى جنب مع زملائه ومجايليه، مع حرص على التنويع في الموضوعات بين تراثية ومعاصرة.
> كم عدد المقالات التي نشرها في تلك الفترة؟
أصدر نادي مكة المكرمة الثقافي الأدبي هذا العام (2022) الطبعة الثانية من كتاب «ابن الثقافة وأبو الرواية... حامد دمنهوري... مقالاته وشعره وقصصه» بزيادات عن الطبعة الأولى الصادرة عن النادي الأدبي بالرياض عام 2010. مؤلف الكتاب هو الباحث الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الحيدري، أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ورئيس مجلس إدارة النادي الأدبي بالرياض سابقاً. ويمثل الكتاب فرصة لقراءة تاريخ الرواية السعودية، وتسليط الضوء على حامد دمنهوري (1922 - 1965) الذي يُعّد أول روائي سعودي، واعتُبرت روايته «ثمن التضحية» التي أصدرها عام 1959 ونشرتها دار الفكر بالرياض، أول رواية سعودية. ويوضح الدكتور الحيدري في حوار مع «الشرق الأوسط»، أهمية حامد دمنهوري في الأدب السعودي، وما الفرق بين الطبعتين، وريادة دمنهوري وسبب تسميته «ابن الثقافة وأبو الرواية»، والمقصود بأدب حامد دمنهوري المعلوم، وأدبه المجهول، وما أبرز مضامين كتاباته المقالية.

- عدد المقالات 35 مقالة رُتبت في الكتاب بحسب أقدميتها في النشر، وأولها مقالته «نشأة شعر الكونيات في الأدب العربي» المنشورة في جريدة البلاد السعودية 1947، وعمره 26 سنة، وآخرها مقالته «العالم الصغير» المنشورة عام 1972، أي بعد وفاته. وقد نشرت مقالاته في عدد من الصحف والمجلات السعودية. هي مجلة المنهل، ومجلة المعرفة، وجريدة البلاد السعودية، وجريدة اليمامة، وجريدة الندوة. ولجريدة اليمامة نصيب الأسد منها، إذ نشر فيها 16 مقالة خلال عامي 1963 و1964. ومعظمها في زاويته الثابتة «تجارب الآخرين».
> حسب رصد الكاتب للسياق التاريخي، نلاحظ هناك فترة توقف وانقطاع لدى حامد دمنهوري عن الكتابة... ألم يكن منتظماً فيها؟
- نعم، توقف حامد دمنهوري عن الكتابة الصحافية 4 سنوات في المدة (1954 - 1957)، ففي هذه السنوات لم نعثر على نصوص مقالية منشورة له، والسبب الرئيس في نظري انغماسه في العمل عندما كلّف عام 1953 مديراً عاماً للثقافة بوزارة المعارف في العام الذي أعلن فيه عن قيام الوزارة، ثم وكيلاً للوزارة للشؤون الثقافية حتى وفاته، ويظهر أن وزارة المعارف في مستهل نشأتها كانت مثقلة بأعباء كثيرة وعمل مكثف وزيارات ميدانية واجتماعات لا تتوقف، فكان هذا فيما يبدو سبباً لتوقف دمنهوري عن الكتابة الصحافية، ثم ما لبث بعد أن استقرت الأمور في الوزارة أن عاد إلى معشوقته الكتابة بدءاً من عام 1959 عندما نشر روايته «ثمن التضحية» على حلقات في جريدة حراء، وأصدرها في كتاب في العام نفسه، ثم كتب سلسلة من المقالات. منها؛ جيل المستقبل، وصحفنا مطالبة بتكوين الشخصية السعودية، والثقافة للجميع، والنصف الآخر يواجه الحياة، والإذاعة ودورها الثقافي.، وراق له أن يتخذ زاوية أسبوعية جعل عنوانها «من تجارب الآخرين»، ونشر 10 حلقات عامي 1963 و1964.
> هل يمكن تصنيف حامد دمنهوري أنه كاتب تنويري؟
- بالاطلاع على إنتاجه المقالي نلحظ رغبته في التنوير والتثقيف والتغيير من خلال نقله لتجارب الأمم المتقدمة ونقد بعض السلوكيات في مجتمعه.
وحين ندرس المرحلة التي تتميز بغزارة الإنتاج لديه، وشهدت ولادة روايته الثانية «ومرت الأيام» عام 1963 فإنه يمكن أن نطلق عليها مرحلة «التنوير»؛ لأن حامد دمنهوري في طرحه الأدبي على مستوى الرواية والكتابة المقالية كان ينشد تغييراً وإصلاحاً مجتمعياً، وجاءت أفكاره مشبعة بحماسة وطنية للرقي بالوطن والمواطنين في التعليم والسلوك والثقافة، وأبرز ما تتضح أفكاره في هذا السياق في زاويته «من تجارب الآخرين» التي ألحّ من خلالها على أهمية الاستفادة من المنجزات الناجحة على مستوى العالم ونقلها إلى بلادنا، سواء في الصناعة والتقدم، أو في السلوك، كالاهتمام بالوقت والعناية بالنظافة، وتطبيق النظام واحترامه، وإذا كان من تعليل لغزارة إنتاج حامد دمنهوري في هذه المرحلة فإننا يمكن أن نضع أيدينا على أكثر من سبب. في المقدمة؛ النضج الثقافي والفكري، وارتباطه العملي بالصحافة مشرفاً على مجلة المعرفة، وعضواً بمؤسسة اليمامة الصحافية، وإلحاح الصحف والمجلات عليه للكتابة، والنجاح الكبير الذي أحدثته روايته «ثمن التضحية».



جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن
TT

جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن

تحلّ هذا العام الذكرى المائة والخمسون لميلاد جاك لندن الكاتب المعروف، فتعود إلى واجهة النقاش الأدبي والثقافي واحدة من أكثر الشخصيات الأميركية تعقيداً وإثارةً للجدل. وبهذه المناسبة تُبادر دور النشر الفرنسية والأميركية إلى إعادة إصدار أعماله، بينما تتسابق الصحف ذات الثقل الفكري إلى تقديم قراءات جديدة لإرثه.

والواقع أن هذه العودة ليست مجرد طقس احتفالي أو واجب ذكرى، بل هي دعوة ضمنية لمراجعة الصورة النمطية التي رسختها عقود من القراءات المبسِّطة، والسؤال المطروح الذي تناولته الكثير من المنابر الثقافية في هذه المناسبة هو: هل كان لندن حقاً كاتب المغامرة والطبيعة الجامحة أم أن في الأمر قراءة ناقصة، إن لم تكن خيانة أدبية صريحة؟

وقبل الإجابة، كان الإجماع هو أن لندن قد منح القراء حول العالم متعةً أدبية خالصة، فرواياته الكبرى عن ألاسكا وعن ذئاب اليوكون وعن قسوة الطبيعة التي تبتلع الضعفاء جعلت منه اسماً لا يُنسى في الأدب المكتوب بالإنجليزية، غير أن هذه الشهرة كانت في الوقت ذاته حجاباً سميكاً غط جانباً آخر من شخصيته وكتابته؛ لندن الآخر هو ذاك الذي نشأ في أحضان الفقر، وعمل في المصانع وعلى أرصفة الموانئ قبل أن يكتب، والذي انتسب إلى الحزب الاشتراكي الأميركي ولم يرَ في ذلك أي تناقض مع أدبه.

ولاحظت صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» في موضوع نشر بمناسبة ذكرى ميلاده أن «لندن كثيراً ما يُربط بالمغامرة والفضاءات الواسعة والحياة البرية، في حين أن ما يميّزه فعلاً هو حسٌّ اجتماعي حاد جعل منه أديباً يلتقط ما تحجبه الأساطير من حقائق»، ويكشف هذا التصويب النقدي أن المجلة تدعو القارئ إلى إعادة النظر في لندن: لا كاتبَ المناظر الطبيعية بل المراقب الاجتماعي الذي يخترق المجتمع الأميركي من الداخل. وتعتبر رواية «شعب القاع» أو People of the Abyss الصادرة في 1903، تجسيد قوي لهذا التوجه، ففيها لا يقف لندن خارج المشهد لينقله، بل يرتدي ملابس العاطل ويقتحم أحياء الفقر في حي «إيست إند» اللندني ليعيش من الداخل ما كان يصفه غيره من الخارج: الجوع اليومي والسكن الرديء والبطالة المزمنة، وهو ما منحه طابعاً شبه وثائقي يجعله أقرب إلى الصحافة الاستقصائية منه إلى الرواية التقليدية. وقد أشارت قراءات فرنسية متعددة إلى هذه الخاصية بدقة لافتةً، مشيرة إلى أن جاك لندن لا يراقب البؤس بل «يعبره»، وأن هذا التماس المباشر مع العالم السفلي للمجتمع الصناعي هو ما يحوّل كتابته إلى فعل استقصاء حقيقي. فالأدب عنده لا يكتفي بتصوير الواقع، بل يُصبح أداة معرفية من الدرجة الأولى.

على أن هذه الذكرى قد منحت الصحافة الفرنسية فرصة أخرى لا تقل أهمية، وهي الإمساك بالتناقض الجوهري الذي يجعل لندن أغنى من أي تعريف أحادي. فقد اختارت صحيفة «لوفيغارو» بهذه المناسبة عبارة كاشفة، إذ وصفته بـ«المغامر صاحب الحيوات المتعددة»، وهي عبارة ذات وجهين، فهي تُضيء البعد الأسطوري في سيرته وتُجلّيه، لكنها في الوقت ذاته تُلمّح إلى رجل لا يمكن حبسه في هوية واحدة، ولا اختزاله في قناع بعينه، حيث كان العامل واليتيم والمتسكع والبحار والمستكشف والاشتراكي والمزارع والكاتب الأكثر مبيعاً. أما مجلة «ماريان»، فقد ذهبت أبعد وأجرأ، حين قدّمت لندن بوصفه «الكاتب الاشتراكي غير المفهوم» وهي صيغة تلتقط بدقة التوتر الكامن في مشروعه الأدبي والفكري. فهو من جهة منحاز بوضوح إلى الفقراء والمقهورين، حيث انتسب إلى الحزب الاشتراكي وخطب في التجمعات العمالية وكان أكثر الكتاب الأميركيين قراءة في الاتحاد السوفياتي، ومن جهة أخرى كان معجباً بالقوة الغريزية وفكرة الصراع وبأسطورة الإرادة الفردية، حتى إنه اقتنى مزرعة فارهة في كاليفورنيا ويخت خاص من النوع الفاخر، وكأنه يدين الرأسمالية بقلمه، لكنه يمتلك بيده ما تمنحه من امتيازات.

لا تختلف الصحافة الأميركية في مجملها عن نظيرتها الفرنسية في إعادة تقديم لندن بوصفه أعمق مما تسمح به الصورة الشائعة. ففي اليوم الذي يُصادف عيد ميلاده نشرت مجلة «ذا ساتردي إيفنينج بوست» وهي المجلة الأميركية العريقة التي نشرت «نداء البرية» أول مرة عام 1903 مقالةً بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين» تذكر فيها بأن كثيرين من القراء الأميركيين لم يعرفوا من لندن سوى كاتب المناهج المدرسية، فيما هو في حقيقته «صحافي حرب وكاتب مذكرات، وكاتب فضائح، ومحرّض اشتراكي، ومغامر متسلسل». وقد دعت المجلة إلى قراءة لندن كاملاً: خمسين كتاباً تتضمن الروايات ومجموعات القصص والمقالات والرحلات والشعر، لا مجرد روايتين عن الذئاب والثلج.

وفي الوقت ذاته نشر موقع «بيبلز وورلد» أبرز المنابر اليسارية في الصحافة الأميركية مقالاً تحليلياً للناقدة جيني فارِل بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين: الكعب الحديدي بوصفه أولى ديستوبيات عصر الإمبريالية». وفي هذا النص المطوّل الذي استقطب اهتماماً واسعاً تُقدّم فارِل رواية «االعقب الحديدية» (1908) بوصفها: «أكثر من مجرد رواية سياسية، بل نصاً تأسيسياً في الأدب الديستوبي»، مشيرة إلى أنها ظهرت قبل الفاشية الأوروبية بعقدين كاملين، وتُلاحظ الكاتبة أن لندن رسم في هذه الرواية معالم نظام أوليغارشي يسحق العمال بعنف منظّم، مستنداً إلى تحليله الماركسي لصعود الرأسمالية الاحتكارية في استباق أدبي لما سيشهده العالم بعده.

وتُشير فارِل إلى أن الرواية كانت مصدر إلهام لجورج أوروِل حين كتب «1984»، حسب اعترافه، وهو ما يمنحها موقعاً مركزياً في تاريخ الأدب السياسي الغربي.

أما مجلة «كاونتربنش» الأميركية Counter punch فقد اختارت، قُبيل الذكرى، نبرةً أكثر تعقيداً وأشد جرأة، إذ نشرت موضوع للناقد والمؤرخ الأدبي جوناه راسكين تحت عنوان «جاك لندن الاشتراكي المشهور في عمر المائة والخمسين»

وفي هذه المقالة التي أشعلت جدلاً واسعاً في المشهد الثقافي الأميركي، لم يتوانَ راسكين عن طرح السؤال المُحرج بصراحة: ما الذي يُبقي لندن راسخاً في المناهج الدراسية حين تتجاهل قراءات تلك المناهج جوانب مقلقة في إرثه، من العنصرية إلى التناقض بين خطابه الطبقي وحياته المرفّهة؟، وهنا يُذكّر راسكين بأن إيما غولدمان، الفوضوية الأميركية الروسية الشهيرة وصفته بأنه «الكاتب الثوري الوحيد في أميركا».

على صعيد مختلف، أصدرت «مكتبة أميركا» المرجعية الأكاديمية التي تُعدّ من أرفع مؤسسات التوثيق الأدبي في الولايات المتحدة، في الثالث عشر من يناير (كانون الثاني) 2026 مقالةً بعنوان «رماداً لا غباراً: جاك لندن المتمرد الأدبي في المائة والخمسين» تركز فيها على زوايا من شخصية لندن لا طالما أربكت قرّاءه: كيف يكون المرء ثورياً بالقلم ومترفاً بالسلوك في آنٍ واحد؟

مات جاك لندن عام 1916 وهو في الأربعين من عمره، تاركاً أكثر من خمسين كتاباً وأسطورة أضخم من الكتب. ولعل في رحيله المبكر، شيئاً من المنطق الداخلي لحياة احترقت في الاتجاهين، وفي هذا التوتر بين الجانبين، تكمن فرادة جاك لندن وتظل قراءته اليوم ضرورة لا رفاهية.


الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً
TT

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

في مجموعته القصصية «كل الألوان أزرق» الصادرة أخيراً عن دار العين بالقاهرة، لا يكتفي الكاتب والقاص المصري مجدي القشاوي باستلهام الفن التشكيلي كمرجعية جمالية للكتابة، بقدر ما يكتب من داخل عالمه البصري والحسيّ، بحيث لا يتحرك السرد وفقاً لمنطق الحكاية التقليدية بقدر ما يتحرك بمنطق اللوحة؛ الضوء، واللون، والكتلة، والفراغ، والعلاقات الدقيقة بين العناصر، لتبدو قصص المجموعة أقرب إلى تكوينات بصرية أو حالات انطباعية منها إلى نصوص تنهض على الحدث.

منذ عتبة القصة الأولى «طبيعة صامتة» يتشكل عالم البطلين كسطحٍ فني يُبنى تدريجياً، لتصبح استجاباتهما الشعورية نفسها أقرب إلى فعل تشكيلي، يقول السارِد عن البطلة: «وحدها من استطاعت، بضربة واحدة من فرشاتها، أن تفتح الدوائر المعتمة من حولي، فينساب الضوء كريماً وشوافاً»، لتسري العلاقة بين البطلين عبر تحوّلات رقيقة تشبه انعكاسات الضوء.

ولا تبدو «الفُرشاة» في عالم القشاوي مجرد أداة للرسم، بل أداة للكشف وإعادة الرؤية، بقدرتها على إعادة تشكيل المجالين البصري والنفسي معاً، ففي قصة «الخط الأبيض العريض» يبدو العالم وكأنه لوحة بصرية مراوغة إذ يقول البطل: «تحوّلت كل الصور إلى حالة شبحية، كأن هناك من أمسك بفرشاة ومرّ عليها حتى صنع فوقها خطاً عريضاً»، وفي الوقت نفسه تقوم بوظيفة كاشفة، حيث «الفرشاة كانت تُزيح أكثر مما تطمس»، وكأن الكتابة هنا تسعى إلى كشط تراكمات الواقع، للكشف عن هشاشته وتفاصيله الخفية

حساسية انطباعية

من هنا يمكن فهم اقتراب القشاوي من حساسية «الانطباعيين»، حيث النصوص لا تنشغل بالتقاط الأشياء في صورتها النهائية، بقدر ما تنشغل بالتقاط أثرها المتحوّل على الحسّ والوعي، وذلك بنوع من «تحييد المعنى» لصالح الإحساس العابر واللحظة الهاربة، فالضوء يتغير باستمرار، والضباب يُذيب الحدود، والألوان تتحوّل إلى خبرات شعورية، كما في قول بطل إحدى القصص المُغرم بالمدرسة الانطباعية «شاهدت لوحة لخمس تفاحات خضراء متجاورة فوق المنضدة، جميعها بدرجة لون واحدة، وحتى التركيز على الظلال لم يكن ظاهراً في اللوحة، والنتيجة كانت أنني أحسست الأخضر كما لم أحسه في المزارع الكبرى»، بل إن اللون نفسه لا يعود مجرد عنصر بصري، وإنما يتحوّل إلى حمولة حسية ووجدانية: «اللون وقد نجح أن يتحوّل إلى وزن»، وهي تمثيلات تُعزز طموح السرد لالتقاط الانطباعات السريعة قبل الزوال.

تبدو الحساسية الفنية هنا جزءاً عضوياً من بناء شخصيات المجموعة وطريقتها في فهم العالم، فأبطال القشاوي غالباً ما يمتلكون وعياً جمالياً فائقاً، أو يرتبطون بالفعل الفني بصورة مباشرة كما في قصة «أربعون غياباً على حوائط حجرة واحدة».

ففي أكثر من قصة يظهر البطل متأملاً لوحة صامتة، أو مشغولاً بطريقة تشكّل الضوء فوق الأشياء، ويبدو أحد الأبطال كما لو كان يتحدث بنبرة تستدعي رسائل «فان جوخ»، لا سيما في استنطاقه الألوان: «أيها الأصفر، أخبرني تاريخ صحراواتك وعبْر ما تشعر به».

شظايا وكولاج

لكن حساسية المجموعة لا تتوقف عند الانطباعية وحدها، بل تمتد إلى نوع من الجماليات القائمة على التشظي والترميم، ففي قصة «طبيعة صامتة» تصنع البطلة منضدة من قطع موزاييك وشظايا زجاج سيارتها بعد تهشمها في حادث قديم، ليصبح الكسر نفسه جزءاً من التجربتين الإنسانية والفنية معاً، يقول السارِد: «المذهل كان تكسيرها للقطع الصغيرة بمطرقة، الأمر الذي جعل لهشيم العالم مساحة واضحة داخل العمل»، وهي عبارة تكاد تختصر الرؤية الجمالية للمجموعة بأكملها، حيث العالم لا يُرمَّم عبر محو الشروخ، بل عبر إعادة ترتيبها داخل قالب جديد يسمح بالحياة فوق الندبة نفسها.

ويتجاوز التشظي مستوى الصورة إلى البناء السردي ذاته، خصوصاً في قصة «إحدى وعشرون رسالة عن فراشة سوداء فوق وجه عازفة الفلوت»، التي يستعين فيها القشاوي ببنية الرسائل القصيرة داخل الوسيط الرقمي «إنستغرام»، لتبدو الرسائل الشذرية التي يرسلها السارد إلى البطلة وحدات مستقلة تشارك معاً في تشكيل حالة كلية من القلق والهشاشة والزوال، ولذا يقول السارِد إن «الرسائل، على محدودية حجمها، قادرة على حمل فكرة أو دفقة شعورية مكتملة».

يظهر الفن في المجموعة بوصفه محاولة لإبطاء العالم وتدبّر اللحظات الهاربة، ففي قصة «الفراشة السوداء» يتأمل الكاتب اندفاعة الحياة البلهاء، ذلك التيار المتواصل الذي يدفع الأشياء والكائنات نحو الاستهلاك والزوال، بينما تبدو الكتابة نفسها محاولة يائسة للحاق بالأثر قبل اختفائه، كما في تلك المفارقة: «انتهى عمر الفراشة وأنا أكتب».

خبرة الحواس

تبدو العلاقات العاطفية داخل المجموعة نفسها قائمة على إعادة تشكيل الإدراك، لا على الحب بوصفه حكاية تقليدية، فالمرأة في القصص تبدو وسيطاً يُعيد من خلاله الرجل اكتشاف العالم والحواس والألوان، ففي «أربع علامات استفهام في حوار صباحي سريع» يُعبَّر عن الحب عبر تفاصيل صغيرة؛ وسادة طبية، سؤال عن مذاق الطعام، حتى المشاعر نفسها تتحوّل إلى تكوينات حسّية، فيقول البطل حينما باغته الحب أنه «شعر بإصبع حنون تضغط على المنطقة التي تقع بين عينيه».

تعتمد قصص المجموعة بدرجة كبيرة على الحواس بوصفها أدوات للمعرفة؛ الرائحة، والصوت، والملمس، ولا تُستخدم بوصفها فوائض وصفية بقدر ما تطمح إلى فهم العالم والتقاط أثره الداخلي، يقول أحد الأبطال: «الرائحة تحفر داخلي مساراً منفرداً»، وفي قصة أخرى يقول بطلها: «في جلستي التي طالت؛ رأيت خيوطاً من الصوف تخرج من بلوزتها ذات الرقبة المرتفعة، ورأيتني أنظر إليها بتركيز حتى اخترقت النسيج، وأحسست الوبر، وتشبعت مسامي بلون الصوف الأصفر الأدكن الذابل الذي يماثل، حد التطابق، لون أزهار الشجرة الضخمة الوحيدة»، وكأن الشخصيات تتنفس المعنى عبر خبرة الحواس البدائية التي تسبق اللغة ذاتها.

وهكذا، تبدو قصص المجموعة بمثابة زوايا مفتوحة على التأمل، وإعادة النظر في مفهوم الزائل، كما وردة الصحراء، أو الفراشة، أو قطعة زجاج، أو حتى الحب نفسه، عبر كتابة تتلمس النقص وتحتفي به، أو على حد تعبير أحد الأبطال: «عدم اكتمال اللوحة أغنانا».


صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم
TT

صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدرت في بغداد المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم، ويعد صدور هذه المجموعة محطة بارزة في توثيق تجربة شعرية امتدت لأكثر من أربعة عقود، رافقت التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عاشها العراق منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم. وهي لا تعني مجرد إعادة نشر قصائد متفرقة في مجلد واحد، بل تمثل إعادة اكتشاف لمسيرة إبداعية متكاملة، وقراءة جديدة لصوت شعري ظل وفياً للإنسان والذاكرة والأسئلة الكبرى التي شغلت الأجيال العراقية المتعاقبة.

وحميد قاسم أحد الأصوات الشعرية التي سعت إلى بناء قصيدتها الخاصة بعيداً عن التقليد والتكرار، فقد اتسم مشروعه الشعري بالنزعة الإنسانية والاهتمام بالتفاصيل اليومية الصغيرة، إلى جانب حسّ تأملي عميق جعل من قصائده مرآة للقلق الوجودي والبحث الدائم عن معنى الحياة. ومن هنا تأتي أهمية صدور أعماله الكاملة، إذ تمنح القارئ فرصة لتتبع تطور تجربته الفنية والفكرية، والوقوف على التحولات الأسلوبية واللغوية التي مرت بها قصيدته عبر السنين.

لقد عكست قصائد حميد قاسم صورة العراق بكل ما فيه من جمال وألم، فكان شاعرًا قريبًا من الناس، منحازًا إلى البسطاء والمهمشين، ومؤمنًا بأن الشعر ليس ترفًا لغويًا، بل فعل مقاومة ضد القبح والنسيان. وفي نصوصه تتجاور صور الطفولة والمدينة والمنفى والحب والحرب، لتشكّل فسيفساء إنسانية تعبّر عن وجدان العراقيين في مختلف مراحلهم التاريخية. لذلك فإن إصدار المجموعة الشعرية الكاملة لا يمثل حدثاً شخصياً يتعلق بالشاعر وحده، بل يُعد إضافة نوعية إلى المكتبة العراقية والعربية، وحفظًا لذاكرة شعرية ترتبط بتاريخ وطن كامل.

وتكمن أهمية هذا الإصدار أيضاً في كونه يتيح للأجيال الجديدة الاطلاع على تجربة شعرية ربما لم تتح لها فرصة التعرف إليها بصورة شاملة من قبل. فالكثير من الدواوين القديمة كانت قد نفدت طبعاتها أو توزعت بين مجلات وصحف ودور نشر متباعدة، مما جعل الوصول إليها أمراً صعباً. أما اليوم، فإن جمع هذه النصوص في إصدار واحد يمنح الباحثين والقراء فرصة ثمينة لدراسة منجز الشاعر قراءة متكاملة، والكشف عن الروابط الداخلية بين نصوصه المختلفة، فضلاً عن متابعة تطور رؤيته الشعرية والإنسانية.

ومن المعروف أن الشعر العراقي الحديث يمتلك إرثاً غنياً صنعته أسماء كبيرة تركت أثراً واضحاً في الثقافة العربية، وقد جاء حميد قاسم ضمن هذا السياق الإبداعي الذي احتفى بالتجديد وكسر الأشكال التقليدية. لكنه في الوقت نفسه احتفظ بصوته الخاص، فلم يكن تابعاً لتيار بعينه، بل استطاع أن يخلق توازناً بين الحداثة والوضوح، وبين العمق والبساطة، وهو ما منح قصيدته قدرة على الوصول إلى القارئ دون أن تفقد بعدها الفني والجمالي.

إن صدور الأعمال الشعرية الكاملة لأي شاعر يُعد اعترافاً بقيمة تجربته ومكانته في المشهد الأدبي، وهذا ما ينطبق على حميد قاسم الذي استطاع عبر سنوات طويلة أن يرسخ حضوره بوصفه شاعراً يمتلك حساسية خاصة تجاه اللغة والحياة. فقصيدته لا تعتمد على الزخرفة اللفظية بقدر اعتمادها على الصدق الشعوري والقدرة على التقاط اللحظة الإنسانية بأبعادها المختلفة. ولهذا بقي شعره قريباً من القارئ، قادراً على إثارة التأمل وإعادة طرح الأسئلة المتعلقة بالوطن والهوية والإنسان.

كما أن هذا الإصدار يشكل خطوة مهمة في حفظ الإرث الثقافي العراقي، خصوصاً في ظل ما تعرضت له الثقافة العراقية من تشتت وضياع خلال العقود الماضية بسبب الحروب والهجرة والظروف السياسية الصعبة. فتوثيق أعمال الشعراء والمبدعين وإعادة نشرها يسهمان في حماية الذاكرة الثقافية من النسيان، ويعيدان الاعتبار للكلمة بوصفها جزءاً من هوية المجتمع وتاريخه.