معارضون يخوضون الانتخابات اللبنانية بشعارات موحدة ولوائح متعددة

قوى «14 آذار» سابقاً ومجموعات الحراك منقسمة على نفسها... وباسيل يراهن على «فائض قوة الثنائي الشيعي»

لافتة انتخابية في بيروت تدعو إلى التصويت ضد الأطراف التي منعت تحقيق «العدالة» في قضية انفجار مرفأ بيروت عام 2020 (أ.ف.ب)
لافتة انتخابية في بيروت تدعو إلى التصويت ضد الأطراف التي منعت تحقيق «العدالة» في قضية انفجار مرفأ بيروت عام 2020 (أ.ف.ب)
TT

معارضون يخوضون الانتخابات اللبنانية بشعارات موحدة ولوائح متعددة

لافتة انتخابية في بيروت تدعو إلى التصويت ضد الأطراف التي منعت تحقيق «العدالة» في قضية انفجار مرفأ بيروت عام 2020 (أ.ف.ب)
لافتة انتخابية في بيروت تدعو إلى التصويت ضد الأطراف التي منعت تحقيق «العدالة» في قضية انفجار مرفأ بيروت عام 2020 (أ.ف.ب)

يقول مصدر سياسي، يقف على مسافة واحدة من المرشحين لخوض الانتخابات المقبلة في لبنان، إن التحالفات الانتخابية لا تخضع لوحدة المعايير السياسية، وهذا ما ينطبق بالدرجة الأولى على تحالف «الثنائي الشيعي» («حزب الله» و«أمل») مع «التيار الوطني الحر»، الذي يسعى رئيسه النائب جبران باسيل إلى الحصول على ما لدى حلفائه من فائض في الأصوات التفضيلية لضمان فوزه بعدد من المقاعد النيابية في الدوائر الانتخابية ذات الثقل الشيعي، للتعويض عن تراجعه في الشارع المسيحي، لعله يعود إلى البرلمان الجديد بأكبر كتلة نيابية.
ويعتبر المصدر السياسي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن باسيل ينافس خصومه في الشارع المسيحي «بفائض القوة التي يتمتع بها حليفه الثنائي الشيعي»، مشيراً إلى أن باسيل «تقدم ببرنامج انتخابي لم يأت فيه على ذكر النقاط الخلافية (مع الثنائي الشيعي)، وكأنه قرر أن يسحبها من التداول استجابة لتحالف الضرورة الذي عقده مع (الثنائي) تقديراً منه بأن الطرف الأخير وحده يشكل الرافعة الانتخابية التي من دونها يبقى عاجزاً عن الفوز بعدد من المقاعد النيابية، خصوصاً في دوائر زحلة وبيروت الثانية وبعلبك الهرمل».

لافتة انتخابية في العاصمة اللبنانية (أ.ف.ب)

كما أن باسيل، حسب المصدر ذاته، يراهن من خلال تسليمه بشروط الثنائي الشيعي على كسبه التأييد الشيعي في دائرة الشمال الثالثة (البترون، الكورة، زغرتا، بشري)، وإن كان «الثنائي» سيوزع أصواته على الأرجح بالتساوي بين باسيل وبين منافسه زعيم تيار «المردة» النائب السابق سليمان فرنجية، مع أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري (زعيم حركة «أمل») يميل لدعم اللائحة التي يتزعمها طوني نجل سليمان فرنجية.
ويراهن باسيل على أن «حزب الله» مستعد لتهريب رزمة لا بأس بها من الأصوات لمرشحه هو عن المقعد الماروني عن دائرة البقاع الغربي - راشيا، شربل مارون، في مقابل إصرار حركة «أمل» على ضخ كمية من الأصوات التفضيلية لنائب رئيس المجلس النيابي إيلي الفرزلي، لأن مرشحها عن المقعد الشيعي قبلان قبلان في هذه الدائرة يبدي ارتياحه للفوز بالمقعد النيابي. وعليه، فإن المعركة في دائرة البقاع الغربي، وإن كانت تدور بين اللائحة التي يتزعمها الوزير السابق حسن مراد الحليف لـ«الثنائي الشيعي» وبين اللائحة التي يرأسها النائب محمد القرعاوي المتحالف مع مرشح «الحزب التقدمي الاشتراكي» النائب وائل أبو فاعور، إضافة إلى اللوائح المتعددة التي تضم مرشحين عن الحراك المدني، فإن الوجه الآخر لهذه المعركة يكمن في المنافسة الحاصلة في داخل البيت الواحد، أي بين الأرثوذكسي الفرزلي، والماروني مارون، على خلفية الحرب الدائرة بين باسيل والفرزلي لخروج الأخير من تكتل «لبنان القوي»، برغم أنه كان في عداد الفريق السياسي الذي خاض معركة إيصال العماد ميشال عون إلى سدة الرئاسة الأولى.

«صمتنا يفجر بيروت مرة ثانية» شعار انتخابي رفعته إحدى اللوائح المتنافسة في العاصمة اللبنانية (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق أيضاً لا بد من الإشارة إلى الغموض الذي يكتنف المعركة الانتخابية في دائرة صيدا - جزين، بعد أن استحال على «حزب الله» التوفيق بين حليفيه الرئيس بري وباسيل، وهذا ما يطرح أكثر من سؤال حول ما إذا كان الحزب قد تعهد لرئيس «التيار الوطني» بتهريب كمية من الأصوات لمرشحه أمل أبو زيد لإسقاط زميله على اللائحة النائب زياد أسود، مع أن الحزب لم يحسم أمره حتى الساعة ولن يغامر بموقف يمكن أن يؤثر سلباً على مرشح الرئيس بري النائب إبراهيم عازار.
ويقول المصدر السياسي إن قوى «14 آذار» سابقاً تنخرط في المنافسة الانتخابية وهي منقسمة على نفسها، ليس بسبب عزوف زعيم تيار «المستقبل» رئيس الحكومة السابق سعد الحريري عن خوض الانتخابات فحسب، وإنما لأن هناك صعوبة في إعادة توحيد ما تبقى من قوى «14 آذار» في لوائح موحدة بسبب الخلاف القائم بين حزبي «القوات اللبنانية» و«الكتائب»، علماً بأن الحزب الأخير يخوض الانتخابات بتحالفه مع مرشحين كانوا في عداد من شاركوا في «انتفاضة 17 تشرين الأول» عام 2019، فالتحالف بين قوى «14 آذار» سابقاً اقتصر حتى الآن على حزبي «التقدمي الاشتراكي» و«القوات» في دائرتي الشوف - عاليه، والمتن الجنوبي - بعبدا، فيما تعذر عليهما التحالف في البقاع الغربي - راشيا بسبب امتناع القرعاوي عن ضم مرشح «القوات» عن المقعد الماروني مراعاة منه لمحازبي «التيار الأزرق» (المستقبل) وجمهوره على خلفية تأزم العلاقة بين سعد الحريري وسمير جعجع.
كما أن المنافسة على «الزعامة المارونية» كانت أحد الأسباب التي حالت دون تحالف «القوات» و«الكتائب»، على الرغم من أن موقفهما من «حزب الله» وسلاحه، امتداداً إلى محور الممانعة بقيادة إيران والنظام السوري، يبقى موحداً ولا غبار عليه.
لذلك فإن أقل ما يقال عن المشهد الانتخابي المقبل أن القوى المناهضة لـ«الثنائي الشيعي» اصطدمت بصعوبات حالت دون توحدها في لوائح موحدة لغياب المرجعية السياسية القادرة على إدارة الملف الانتخابي، في مقابل وحدة المرجعية لقوى «8 آذار» و«التيار الوطني». وإذا كان الأخير سيدخل في مواجهة مع تيار «المردة» في دائرة الشمال الثالثة، فإن هذه المعركة ستبقى خاضعة لإدارة زعيم «حزب الله» حسن نصرالله، الذي نجح في جمع باسيل وفرنجية إلى مائدته، ما أتاح له تنظيم الاختلاف بينهما بشكل يؤمن الشروط المطلوبة لمحاصرة جعجع أسوة بمحاصرته في دائرة بعلبك - الهرمل لقطع الطريق على مرشحه عن المقعد الماروني النائب أنطوان حبشي، للاحتفاظ بمقعده النيابي في هذه الدائرة.
وفي معلومات خاصة بـ«الشرق الأوسط»، فإن النظام السوري لا ينأى بنفسه عن التدخل في الانتخابات، وهو يستخدم نفوذه لمحاصرة رئيسي حزبي «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط و«القوات» سمير جعجع، ويضغط لتوحيد اللوائح في الدوائر الانتخابية الواقعة على تخوم الحدود اللبنانية - السورية، إضافة إلى أنه أعطى تفويضاً على بياض لـ«حزب الله» لعله يسجل خرقاً في الشارع السني يتيح لحلفائه الفوز بعدد من المقاعد، سواء في طرابلس أو في عكار امتداداً إلى بيروت الثانية.
إلا أن الانقسام بين قوى «14 آذار» سابقاً لا ينسحب فقط على تعدد اللوائح المنافسة للائحتي الثنائي الشيعي و«جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية» في بيروت (الأحباش) برغم أن هاتين اللائحتين قد شُكلتا على أساس توزيع الأدوار للحؤول دون دخولهما في منافسة تستفيد منها اللوائح الأخرى وإنما على معظم الدوائر الانتخابية، إضافة إلى أنه ينسحب على لوائح المجتمع المدني.
وهناك من يسأل: لماذا لم تتوحد كل القوى المناهضة لمشروع «حزب الله»، أكانت تقليدية أو تلك التي تشكلت من المجتمع المدني، طالما أنها ترفع شعارات سياسية موحدة، فيما تخوض الانتخابات بلوائح متعددة؟ وهل أن معركة الحراك المدني هي مع القوى المعارضة، أم أنها تنظر إليها على أنها جزء من المنظومة السياسية؟
وعليه، فإن باسيل لم يحظ بتحالف مع «الثنائي الشيعي» إلا بعد أن وافق ضمناً على شروطه، بحسب ما تقول مصادر سياسية، وإلا ما هو تفسيره لضم مرشحه عن دائرة بعلبك - الهرمل إلى لائحة «الوفاء والأمل» برئاسة النائب في «حزب الله» حسين الحاج حسن، التي لديها برنامج انتخابي يتناقض كلياً مع مواقفه النارية في حملته على الثنائي الشيعي بخلاف قوله إنه يؤيد كل ما ورد على لسان البطريرك الماروني بشارة الراعي، في عظته لمناسبة عيد الفصح؟ ولذلك فإن ما يهم باسيل، كما يبدو، هو حصد أكبر عدد من المقاعد النيابية، مستعيناً بحليفه «حزب الله»، مع أن الأخير يمنحه «فترة سماح» تجيز له بأن يتمايز عنه في العلن لتلميع صورته في الشارع المسيحي.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.