ليبيا.. ثمن التغيير

تعج بالأحداث الجسام بعد ثلاث سنوات من ثورة 17 فبراير

ليبيا.. ثمن التغيير
TT

ليبيا.. ثمن التغيير

ليبيا.. ثمن التغيير

تحتفل ليبيا يوم الاثنين بالذكرى الثالثة لثورة 17 فبراير (شباط)، 2011، لكن البلاد الغنية بالنفط والواقعة جنوب البحر المتوسط قبالة القارة الأوروبية، تعج بالأحداث السياسية والأمنية التي تجعل من الصعب على المراقب معرفة ما يلوح في الأفق إن كان استقرارا أم مزيدا من الفوضى.
وبينما يستمر عمل الحكومة والبرلمان، تستمر أيضا الانفجارات والاضطرابات وأعمال القتل والخطف التي طالت دبلوماسيين وسياسيين ورجال أمن. وفي وقت يتزايد فيه نفوذ الميليشيات المسلحة بتوجهاتها المتباينة، يدخل على خط الأحداث المتفاقمة بقايا فلول العقيد الراحل معمر القذافي، خاصة في الجنوب الذي يسعى هو الآخر للحكم الفيدرالي على غرار فيدرالية برقة التي أعلنت من جانب واحد العام الماضي، وسط انقسامات قبلية وجهوية. وقد يسأل البعض في نهاية المطاف: هل كل ذلك هو ثمن التغيير؟ وهل توجد نقطة للتلاقي، أم أن الأوضاع تبدو خارج السيطرة؟ بينما يلوح البعض في الداخل بالاستعانة بقوى خارجية لإعادة الاستقرار إلى البلاد التي تبلغ مساحتها نحو مليوني كيلومتر مربع، وعدد سكانها نحو سبعة ملايين نسمة.
تفجرت الثورة أولا في مدينة بنغازي في فبراير 2011، وهي مدينة معروفة بتمردها التاريخي. ومنذ أبريل (نيسان) بدأت طائرات حلف الناتو في تمهيد الطريق لتتمكن آليات «الثوار» العسكرية وشبه العسكرية من اقتحام عرين القذافي في وسط العاصمة طرابلس في أغسطس (آب)، ثم تطارده وتبحث عنه في أرجاء البلاد، إلى أن عثرت عليه وهو يتخبط في جراحه ودمائه في مسقط رأسه، بمدينة سرت، لينتهي بطلقات رصاص في الصدر والعنق.
المشكلة كما يراها العديد من السياسيين، مثل إبراهيم عميش، الأمين العام لحزب التحالف الديمقراطي في ليبيا، تتلخص في أن «كل شيء ترك معلقا ليعالج نفسه بنفسه» بـ«دواء مرور الزمن»، الذي يؤدي إلى مزيد من الأمراض، وخير مثال على ذلك قانون الأحزاب. ويضيف عميش قائلا لـ«الشرق الأوسط»: «منذ انتهاء الثورة لم يتمكن الليبيون من وضع علاج سريع لقانون الأحزاب المعيب، وبسبب تأجيل حل المشكلة شهورا وراء شهور، أعطى القانون نفسه الفرصة لتتشكل أحزاب لا تملك شيئا وتعمل في إطار عشائري وقبلي».
ومثلما يشكو عميش من تأجيل الحلول وخطر ذلك على جسم الدولة، تشكو أيضا الدكتورة أم العز الفارسي، أستاذة العلوم السياسية رئيسة قسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد جامعة بنغازي، من ترحيل المشاكل كذلك، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «إنه حين قامت الثورة تفاءلنا كثيرا على أساس أنها يمكن أن تدعم الإنسان وتحقق له مطالبه، ويستطيع الناس في ليبيا التمتع بقدر من الحريات والحقوق العامة خاصة حرية الرأي والتعبير والمشاركة في الحياة السياسية، لكننا فوجئنا بأن هذا لم يتحقق منه شيء».
لكن بشير الكبتي، المسؤول العام لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، يبدو متفائلا رغم كل شيء، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن السنوات الثلاث الأخيرة، أي منذ اندلاع ثورة 17 فبراير، تعد مرحلة انتقال من الثورة إلى الدولة، وفيها مخاض وتفاعل وصراع ما بين الرؤية الجديدة للدولة الليبية الديمقراطية الحديثة، وبين ما يعرف بالدولة العميقة (منظومة الحكم السابقة)، قائلا إن هناك جوانب إيجابية وجوانب سلبية، وإن «كثيرا من الملفات الأساسية التي يحدث فيها تغيير أو يراد أن يكون فيها تغيير إن شاء الله لا شك أنها تحتاج إلى وقت».
المحلل السياسي المختص بالشأن الليبي، الباحث كامل عبد الله، يقول إن ثلاث سنوات مرت على الثورة الليبية، وقعت خلالها «تغييرات» في مختلف نواحي حياة الليبيين، منها ما هو سلبي ومنها ما هو إيجابي. ويرى أن الإيجابي هو أن الليبيين استطاعوا بفضل تماسكهم خلال الثورة إزاحة نظام ديكتاتوري مستبد، مشيرا إلى أن الليبيين استطاعوا أيضا إجراء انتخابات ديمقراطية شهد بها العالم، العام قبل الماضي، للمؤتمر الوطني العام (البرلمان المؤقت)، حتى الرافضون لما أفرزته هذه الانتخابات لم يطعنوا في نتائجها رغم الأداء المتدني الذي ظهر به المؤتمر الوطني العام.
ويتابع عبد الله قائلا إن الجانب السلبي «وهو مع الأسف أكثر من الإيجابي، كان حالة الردة التي ظهرت جلية على الدولة الليبية بعد سقوط نظام القذافي، إذ ذهبت البلاد لمن يمكن تسميته بدولة الميليشيات أو دولة القبيلة، حيث باتت الميليشيات عبئا ثقيلا يؤرق الدولة ويضج مضاجع الليبيين بسبب التصرفات غير المسؤولة من أفراد تلك الميليشيات والتي هددت أكثر من مرة كيان الدولة بسبب الخلافات في ما بينها».
ووقعت مواجهات في سبها (جنوب) شارك فيها من يوصفون بأتباع القذافي، وكان من بينهم عناصر من قبائل عملت بجوار القذافي لعدة عقود. ويزيد الباحث عبد الله موضحا بقوله إنه «ما بين القبيلة والميليشيا في ليبيا ما بعد القذافي تقع الخلافات لأسباب عدة، منها طبيعة وتكوين كل منها الذي يختلف جذريا عن الأخرى، فالقبيلة تبدو أكثر ترابطا من الميليشيا، لأنها تقوم على صلة القرابة والدم، أما الميليشيا فهي تنظيم شبه عسكري يتكون عادة من المتطوعين.
وفي أرض خصبة ولا توجد فيها سلطة مركزية قوية، زاد نفوذ الإسلاميين خاصة أن قيادات وعناصر من الجماعة الإسلامية المقاتلة سبق أن تدربت في أفغانستان حتى مطلع تسعينات القرن الماضي، إضافة إلى وجود علاقات لمتشددين في ليبيا ودول الجوار مثل مصر والجزائر وتونس. ويقول كامل عبد الله أيضا «ولأن الطابع الإسلامي والقبلي للميليشيات الليبية كان هو السمة البارزة طوال السنوات الثلاث التي مرت من عمر الثورة الليبية، وتباين المواقف والرؤى في ما بينها، كان الخلاف سيد الموقف».
ومنذ الإطاحة بنظام القذافي حتى الآن ما زال كل طرف يعتقد أنه صاحب الفضل الكبير على الليبيين، وبات يطالب الدولة الوليدة بأعباء وليس بمطالب يمكن تلبيتها، كما يقول عبد الله، خاصة أن هذه الأطراف تعتبر أن الدولة لم تتمكن من الإطاحة بنظام القذافي، وبالتالي يجب أن يكونوا هم أوصياء عليها، في ظل ضعف السلطات الرسمية الممثلة في المؤتمر الوطني العام والحكومة المؤقتة.. «فجميعها جاء ضعيفا نتيجة النظام الانتخابي الذي كان أفرز تركيبة برلمانية غير مجانسة ومنح للمستقلين مقاعد أكثر من الأحزاب التي لم تنضج تجربتها بعد في ليبيا، وكذلك غياب رؤية واضحة للمؤتمر وأهدافه»، وفقا لعبد الله.
ويقول كامل عبد الله أيضا إن المؤتمر العام أقحم نفسه في العديد من القضايا وأخذ بمبدأ «الترضية» لكل الأطراف.. «كما أن هناك أطرافا داخل المؤتمر تملك ظهيرا ميليشياويا تستخدمه متى تشاء»، كما يرى عبد الله، الذي يقول أيضا إن الصراعات السياسية داخل المؤتمر وخارجه كشفت مستوى الضعف الذي ظهر عيه أكثر من مرة سواء خلال اختيار رئيس الوزراء السابق مصطفى أبو شاقور أو حكومة علي زيدان رئيس الوزراء الحالي الذي تتسم حكومته بغياب التجانس عنها، وكذلك عند إقرار قانون العزل السياسي الذي كان أحد الأسباب الرئيسة لتأزم المشهد السياسي في ليبيا.
واندلعت الثورة الليبية قبل الموعد المحدد لها بيومين، أي يوم 15 فبراير، حين خرج مئات المتظاهرين في بنغازي من ذوي سجناء سجن أبو سليم في طرابلس. ومن الهتافات التي رفعها المتظاهرون والمواجهات التي جرت قرب مديرية أمن بنغازي ليلا، أدرك الجميع أن هذه المظاهرة هي أول مسمار يدق في نعش نظام القذافي، وسقط خلال ساعات نحو 38 قتيلا، وكان من المستحيل التحرك بالسيارة بين شارع وآخر، وحين جاء يوم الخميس 17 فبراير رفع المحتجون شعار «يوم الغضب الليبي» ليس في بنغازي وحدها بل في معظم المدن الليبية في شرق طرابلس وغربها.
وفي كل مرة كان عدد القتلى بالعشرات. وبعد الأسبوع الأول، وبسبب محاولة النظام سحق الانتفاضة، بدأت مجموعات من الجنود ورجال الأمن ينضمون للثوار، لتستمر المواجهات المسلحة مع كتائب القذافي طيلة ثمانية أشهر قتل خلالها نحو 50 ألفا إضافة إلى آلاف المفقودين وآلاف الجرحى. وكما لعب الرجال بمن فيهم الجهاديون دورا في الثورة على النظام السابق، لعبت المرأة الليبية دورا كبيرا أيضا في فتح ثغرة لمستقبل من دون القذافي، وذلك منذ المظاهرات الأولى أمام محكمة بنغازي المطلة على كورنيش البحر، حين كان الإسلاميون المتشددون، بمن فيهم جماعة الإخوان، ما زالوا لم يحسموا أمرهم بعد بشأن مقاتلة نظام الديكتاتور.
ويرى البعض أن وضعا كوضع المرأة والعمل الأهلي والإعلام، في أي مجتمع، دليل على مدى تقدمه أو تخلفه. وفي ليبيا كانت المشكلة تكمن في أن المرأة هي التي تقع ضحية للفوضى السياسية لأنها هي التي تعنى بترتيب حياة أطفالها وأسرتها وبيتها ومجتمعها ككل في نهاية المطاف. ومن بين هؤلاء النساء الدكتورة أم العز التي تقول «حين قامت الثورة تفاءلت كثيرا على أساس أن الثورة يمكن أن تدعم الإنسان وتحقق له مطالبه، ويستطيع الناس في ليبيا التمتع بقدر من الحريات والحقوق العامة خاصة حرية الرأي والتعبير والمشاركة في الحياة السياسية». لكنها تعود وتقول إن الأصوات، للأسف، بدأت تتعالى ضد مشاركة المرأة، مشيرة إلى أنه «وحتى هذا الهامش البسيط الخاص بالحريات فوجئنا بأنه من الممكن أن يزداد ضيقا».
ويبدو أن الخطأ في الحالة الليبية يكمن في البدايات. فالمجلس الانتقالي الذي كان أعلى سلطة تدير البلاد والثوار وصولا لإعلان يوم التحرير بعد مقتل القذافي أواخر عام 2011، لم يتمكن من وضع اللبنات الأولى للجيش والشرطة والدولة المدنية. وكانت هناك على ما يبدو محاولات لاسترضاء المسلحين الإسلاميين الذين قاتلوا قوات القذافي بضراوة. وتقول أم العز إن «المرأة الليبية فوجئت في خطاب التحرير الذي ألقاه السيد مصطفى عبد الجليل أنه يتحدث عن تعدد الزوجات، وعن ضرورة إعادة النظر في القوانين المخالفة للشريعة الإسلامية». وتضيف أن الليبيات «اعتبرن مثل هذا التوجه هو توجه خطر في ما يتعلق بمسيرة المرأة وأفق مشاركتها مستقبلا».
وعقب ثورة 17 فبراير مباشرة حاول قطاع العمل الحزبي والأهلي العودة بقوة بعد أن كان مقيدا طوال 42 عاما من حكم القذافي، لكن الاستقطاب السياسي والقبائلي والجهوي المقترن باستخدام السلاح والتفجير والقتل، جعل الأمور تبدو أكثر تعقيدا من السابق. وتقول الدكتورة أم العز إنه بعد الثورة جرى تأسيس العديد من الجمعيات الأهلية لمساندة الليبيين من ضحايا الأحداث من معوزين ومصابين وغيرهم، لكن كان ذلك قبل أن تظهر مشكلة السلاح. وتضيف أنه «وقبل إقرار الدستور وقبل بسط الأمن ونزع السلاح من أيدي المدنيين، فإن كل الأوضاع في ليبيا أوضاع خطرة. الآن يوجد أناس يقتلون على خلفية آرائهم وخلفية معتقداتهم وتصوراتهم. انتشار السلاح هو الموضوع الأكثر تعقيدا».
وعلى العكس من ذلك يبدو المسؤول العام لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا أكثر تفاؤلا رغم إقراره بصعوبة المرحلة الانتقالية. ويقول الشيخ بشير الكبتي إنه يعتبر السنوات الثلاث الأخيرة «مرحلة الانتقال من الثورة إلى الدولة، ذلكم أن القذافي لم يترك دولة بأجهزة ونظام الدولة المتعارف عليه، وإنما كانت كلها تدور حول شخصه، وليبيا الآن في مرحلة إعادة تأسيس لبناء الدولة مرة ثانية»، لافتا إلى العديد من المكاسب التي تحققت حتى الآن، ومنها «الإعلام الذي كان محرما على غير القذافي ومجموعته أو الدولة بصفة عامة». ويقول «اليوم كل من أراد أن ينشئ محطة (تلفزيونية) أو ينشئ جريدة لا يحتاج إلا لتصريح شكلي. هذه حرية. صحيح أن هذا ربما دخل في دائرة الفوضى، لكن أتصور أن هذا يحدث عندما يكون الناس قد عاشوا في ظلمة لمدة أربعة عقود ثم يخرجون للنور، فلا بد أن يقع نوع من الغثيان بعض الشيء، لكن تعود إن شاء الله إلى مسارها الصحيح».
ويتابع الشيخ الكبتي قائلا إن مرحلة السنوات الثلاث الأخيرة مرحلة فيها تفاعل حاصل على مستوى المجتمع سياسيا واجتماعيا وثقافيا، وهي «مرحلة مخاض ومرحلة تفاعل ومرحلة صراع ما بين الرؤية الجديدة للدولة الليبية الديمقراطية الحديثة وما بين ما يعرف بالدولة العميقة التي تتميز في ليبيا بمنظومة فساد أكثر منها من منظومة آيديولوجية أو منظومة لها رؤية أو برنامج، وإنما مصالح شخصية وامتيازات يخشى البعض أن يفقدها».
وفي ما يتعلق بمخاوف البعض على مستقبل ليبيا حين ينظر إليها من الخارج، ويرى أن الأمور ربما تتصاعد نحو مزيد من المشاكل لا الحلول، يوضح الشيخ الكبتي بقوله «لا أوافق على هذا لأن الثوابت الوطنية يوجد عليها تقريبا شبه إجماع، وهي ليبيا الموحدة وليبيا الديمقراطية التي تتبادل فيها السلطة سلميا.. كل هذا عليه اتفاق لا اختلاف، لكن تتعدد الاجتهادات والرؤى»، بالإضافة إلى ذلك فإن التجربة السياسية في المجتمع الليبي هي تجربة ضعيفة، لأنه طيلة السنوات الـ42 كانت الدولة تحارب أي عمل شعبي منظم أو بروز أي شخصيات في المجتمع لها رأي ولها رؤية».
ورغم معضلة السلاح والميليشيات وتصدير النفط، فإن الشيخ الكبتي يقول إن كل هذه المشاكل قابلة للحل إذا وجدت حكومة أو جهاز سيادي قادر على تناول هذه الملفات والحسم فيها. ويضيف أنه عندما جرى تشكيل الحكومة (حكومة علي زيدان) كان واضحا عدم الانسجام وعدم الوئام بين الحكومة التي شكلها المؤتمر العام، وبين جسم المؤتمر العام نفسه.. «ونتج عن ذلك ضعف في المراقبة وضعف في المتابعة وضعف في التوجيه لهذا الجهاز التنفيذي، وأصبح هذا الجهاز التنفيذي يعمل بانفراد ولم ينجح، ولم تفلح الحكومة في حسم هذه الملفات التنفيذية مثل إعادة بناء الجهاز الأمني وإعادة بناء القوات المسلحة وتوفير الأمن في المدن والموانئ. وهذه هي الإشكالية الأساسية التي نعاني منها الآن».
أما في مجال الخدمات التي تقدمها الدولة، وما أشبه ذلك، فإن الشيخ الكبتي يرى أنه «ما زالت هناك عرقلة لوجود ثقافة معينة في تسيير أمور الدولة واستباحة المال العام. عندنا بعض الإشكاليات في هذا الجانب، وجزء منها يحتاج إلى حسم إداري، وجزء منها يحتاج إلى توعية وتثقيف واستشعار الناس بالمسؤولية»، لكنه يشير إلى وجود تحسن في الجانب الاقتصادي «تحسن وضع المرتبات وتحسنت دخول الناس وأصبحت توجد سيولة»، إلا أنه يقول إن «إعادة الشركات التي كانت تعمل في البلاد فهذا لم يتحقق بسبب عدم وجود الأمن، وبالتالي وقع فيه قصور كبير، ولم تنشأ أي من هذه المشاريع». ويختتم قائلا إنه توجد دائما «جوانب إيجابية وجوانب سلبية، وكثير من الملفات الأساسية التي يحدث فيها تغيير أو يراد أن يكون فيها تغيير، إن شاء الله، لا شك أنها تحتاج إلى وقت».
* محطات رئيسة لثورة 17 فبراير
* احتجاجات في عدة مدن بدأت يوم 15 فبراير (شباط)، بسبب اعتقال محامي ضحايا سجن أبو سليم في بنغازي. وفي يومي الخميس والجمعة 17 و18 فبراير زادت حدة المظاهرات واتسع نطاقها في عموم البلاد. وفي 21 فبراير خرجت العديد من المدن عن سيطرة القذافي، وفي 19 مارس (آذار) تقدمت قوات القذافي نحو بنغازي، وأصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1973 ببدء الحظر الجوي على ليبيا، وتمكنت طائرات حلف الناتو من توجيه أولى ضرباتها الموجعة لقوات القذافي قبل وصولها لبنغازي.
* في 20 أغسطس (آب) دخل الثوار العاصمة طرابلس، وبعدها بثلاثة أيام اقتحموا مقر حكم القذافي في باب العزيزية والمرافق الحيوية بما فيها مطار طرابلس الدولي. وبعد ذلك بنحو شهرين أصيب القذافي في غارة أثناء محاولة هروبه من مدينة سرت وقتل على الفور أثناء العثور عليه حيا وجريحا على أطراف المدينة، وكان يبلغ من العمر 69 عاما.
* يوم 5 مارس (آذار) جرى تشكيل المجلس الوطني الانتقالي المؤقت برئاسة وزير العدل المنشق عن نظام القذافي مصطفى عبد الجليل، وبعد إعلان التحرير انتخب المجلس في أكتوبر (تشرين الثاني) اختير عبد الرحيم الكيب رئيسا للحكومة الانتقالية حتى خريف عام 2012، وجاء بعده كل من مصطفى أبو شاقور وعلي زيدان.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.