الكاتب البوسني ألكسندر هيمون يسرد سيرته

الكسندر هايمون.. وفي الإطار غلاف الكتاب
الكسندر هايمون.. وفي الإطار غلاف الكتاب
TT

الكاتب البوسني ألكسندر هيمون يسرد سيرته

الكسندر هايمون.. وفي الإطار غلاف الكتاب
الكسندر هايمون.. وفي الإطار غلاف الكتاب

أعلن يوما أن أسوأ لحظات غربته علمه بوجود معسكرات للقتل الجماعي أقامها الصرب لتعذيب المسلمين، وفي إشارة إليها صرح بأنها دمرته حتى إنه رغب في استشارة طبيب نفسي، لكنه بدلا من الاستشارة أجمع على أن يبتر لغته الأم من كيانه وألا يعود إلى الكتابة بها.. «فلغتي هي لغة البوسنة قبل الحرب وتلك قد انتهت». إنه الكاتب الأميركي ألكسندر هيمون، المولود عام (1964) في سراييفو، غير أنه لا يشعر بانتماء إلى القومية الصربية، ويعرّف نفسه بأنه أوكراني نسبة إلى جذور والده. أكثر ما يضجر هيمون هو السؤال عن هويته على الخريطة الممزقة ليوغوسلافيا سابقا، ففي روايته «رجل لا وجود له» (2002) - كتاب أغرى النقاد بمقارنته بالروائي البولندي المولد الإنجليزي المستقَر جوزيف كونراد - يسأل أحد الأميركيين البطل إن كان صربيا أم مسلما فيجيب «إنني مركب.. لك أن تعتبرني بوسنيا». وكما هو حال البطل يصر هيمون في ما يشبه الحدة «لستُ صربيا.. إنني بوسني».
كان قد انتهى المقام بهيمون بعد اندلاع الحرب ببلده لاجئا معدما لا يتحدث سوى إنجليزية السياح في شيكاغو، لكنه أتقن الإنجليزية وأنشأ يؤلف قصصا بها، بل إنه قام بنحت عدة كلمات إنجليزية بنفسه! وأثنى النقاد على استخدامه المبتكَر للغة وقدرته على التعبير عما يشاء بشغف ودقة على حد سواء، إلا أنه لا يمكن اعتبار «مَن لا يصور إلا شرق أوروبا ومواطنيها» كاتبا أميركيا. الحق أنه يقف موقف العداء أمام العديد مما يفخر به الأميركيون. ففي قصته «غرفة سمورا» (2004) يحاول أميركي أن يدمج أحد مواطني البوسنة في المجتمع، فيلقي عليه دروسا مرتجلة في التاريخ الأميركي، ويجعله يتطلع بإعجاب إلى خُصى كبيرة زينت أرابي الآباء المؤسسين؛ ويقص عليه الملحمة العظيمة لإنقاذ العالم من خطر كارهي الحرية «قصها في عدة حلقات (فيتنام، غرينادا، الخليج)؛ وشجعه على التفرج على التلفزيون كي يُقدّر ثراء الثقافة الأميركية حق قدره؛ ورسم للرأسمالية لوحة زيتية رحبة بعدة ضربات بسيطة من فرشاته – السوق الحرة، المشاريع الحرة، فلوس في البنك».
لقد منحت أميركا هيمون جائزة مؤسسة «بين دبليو جي سيبولد» ومنحة جوجنهايم ومنحة «العبقرية» من مؤسسة ماك آرثر، بيد أنها كثيرا ما خذلته إنسانيا، وهو لا يتوانى عن تسديد عينين ساخرتين إلى عنصريتها «حادثتُ أناسا حسبوا يوغوسلافيا - وكانت تتمرغ في الدماء وقتها - كلمة خاطئة الهجاء صحيحها تشيكوسلوفاكيا. خاطبتُ آخرين يمقتون الأجانب نم دون أن يخجلوا من إعلامي بمقتهم. ولكن أسوأ ما كان هم مَن حسبوا أني أحيا الحلم الأميركي وتوقعوني مفعما بالبهجة لوجودي هنا، ومنهم أستاذ جامعة مرموقة دافع (دفاعا بليغا) عن الإبادة الجماعية».
في روايته «مشروع لازاروس» (2008)، الفائزة بجائزة مؤسسة «يان ميشالسكي»، يصوب هيمون ضرباته إلى التمييز العرقي في أميركا. وهو يصفها «برواية أبو غريب»، السجن العراقي، إذ يصور أحد مشاهدها رجل شرطة في شيكاغو يتخذ وضعية جذابة ليلتقط أحدهم صورته مع جثة شخص هارب من مذابح شرق أوروبا. وفي قصة «جوزيف برونيك الأعمى» (1999) يعري هيمون نموذج راعي البقر الأميركي المنتهز للفرص، الغافل عن العالم، المتجرد من أي رقة. يجاهر أحد الأميركيين من غير مواربة بأن الحرب محمودة، وإن لم تنشب الحروب، إذ سيتبقى أناس أكثر من اللازم! يجد المسألة أشبه بقانون الانتقاء الطبيعي، مثلها مثل السوق الحرة. خيرهم مَن يعلو على السطح «أما الحثالة فبالسلامة. أنا لا أعرف عنك الكثير أيها الروسي، لكنك ما دمت وصلت هنا فلا بد أن لك قيمة، مثل هؤلاء المهاجرين يا رجل، كانوا رعاعا في بلادهم، ولما جاءوا إلى هنا أضحوا مليونيرات أوغادا. لذلك نحن أقوى دولة وسخة في العالم، لأنه لا بقاء هنا إلا للأقوى».
وهكذا روى هيمون حكايات احتفى بها النقاد سنوات، والآن يبوح إلينا بشهادته الأليمة عن تاريخ سراييفو بوحا شخصيا لا ينقصه التفرد، وفي الوقت ذاته كوني الأثر. غالبا ما تطغى على السير الذاتية - لا سيما بأقلام الأدباء - المراجعات والتجميل. وبوسع القارئ أن يستشف الحكمة بأثر رجعي. كان الروائي الأميركي بيتر أورنر قد قال يوما إن «ذاكرتنا تكذب، وما سيرنا الذاتية إلا تجميع لأعظم لحظات هرائنا ليس إلا». لكن هيمون في «كتاب حيواتي» (2013) يتوخى صراحة جديرة بمن لا يمتلك ما يستحق الخسارة، مقتربا من جلد الذات وتعريتها. يبدد أوهامه المتعمدة ويرسم حدود الأنا وقصصا نحكيها لنسبغ المغزى على الوجود، وهو يطوف بنا من طفولته في سراييفو - بها سخر شابا من مزاعم الكبار وهو ينصت إلى الموسيقى الأميركية ويطالع الشعر الركيك - إلى عنصرية أميركا، من مأساة الحرب إلى خسارة ابنته لمعركتها مع السرطان. نغفر للمغترب أي لحظة تشي بالتعالي أو القسوة، فسراييفو تطوي في جعبتها فيضانا من الظلمة.
تستحضر سيرة هيمون الحروب اليوغوسلافية في تسعينات القرن الماضي «ما كان هناك مخلوق يشارك غيره الطعام، فهو سلعة البقاء على قيد الحياة. لم أجد بأسا بتخيل نفسي أواجه الجيش الأجنبي كما الأبطال لأصاب برصاصة في ظهري وأموت حماية لعلبة (تونة) في جيبي». ومع ذلك يستدعي هيمون صورا عشوائية تارة ومدروسة تارة أخرى لمدينة سحرية يفتش فيها عن ماهية الوطن والبيت. ومَن منا لا يبحث عن معنى لأصله؟ يرسم مشاهد تنير حقيقة سراييفو وشيكاغو - وليس تاريخا جامعا مانعا لهما - ومنها لحظات قضاها في أحد مقاهي سراييفو قبل شن الحرب. هناك شهد أناسا بعيون عارية من أي انفعال تحملق إلى الأفق. لا يخاطب أحدهم الآخر، ونالت من بعضهم المخدرات كل منال، فيما تحجر بعضهم مشلولا شللا فطريا، وكلهم تولاهم الرعب مما لا يمكن إنكاره «لقد انقضى كل شيء. هلت الحرب، وهُم الآن في انتظار أن يَعلموا من سيعيش، ومن سيَقتل، ومن سيموت».
تسود «كتاب حيواتي» نبرة اعتراف صريحة لا تَعرف الكبح، ترنو جريئة - وتنقلب بين الحين والآخر جارحة - إلى موقع الفرد في شبكة الحياة وهول الحالة الإنسانية وجمالها، سمات تتقاطع مع أدب الروائي الروسي المولد فلاديمير نابوكوف. إنها ليست حقا سيرة ذاتية لقاص كئيب، بل أغنية تفيض حبا ينشدها هيمون لسراييفو. لا يشارك هيمون الأدباء اعتقادهم أن الأدب يسبغ نبلا، وعلى حين يصف شيكاغو بأنها ليست «مقامة بغرض جمع الناس، وإنما تفريقهم في أمان»، لا يلتمس من الأدب إلا إحساسا بالجماعة خالجه في البوسنة، حيث لا وجود لكلمة «خاص».
لا ريب أن تصوير كتاب «حيواتي» الحميم لعالم ضاع أثره من جراء واحد من أشد الصراعات دموية، هو كشف لا يكتفي بما هو شخصي، وإنما تأريخ للحرب والكفاح والاغتراب، موضوعات يجابهها هيمون بواقعية لا تعرف الخجل أو تتلون بأي رومانسية. إنها الحقيقة العارية من غير رتوش أو شحن عاطفي.
يقول عنه الكاتب الآيرلندي كولم ماكين إنه «أعظم قصاصي الجيل»، وعلها مبالغة في محيط ثقافي يضم الأميركيين إدوارد بي جونز ولويز إردريك، لكن الثابت أن سيرته تعكس أدبه بجلاء، إذ تجمع بين العمق والسلاسة، ممتعة وإن شابها الألم، لافحة وفجة من فرط الغضب، هزلية تكتنفها التساؤلات، لكن بسرد خلاق.. وإنساني.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.