ماكس فريش يهرب إلى بغداد

ماكس فريش
ماكس فريش
TT

ماكس فريش يهرب إلى بغداد

ماكس فريش
ماكس فريش

حتى الآن كانت النساء بالنسبة لماكس فريش هن الملاذ الذي يهرب إليه. فلماذا لا يغير البوصلة، وتكون هذه المرة بغداد؟
لا أظن أن ماكس فريش، الكاتب السويسري المولود في 15 مايو (أيار) 1911م، في زيوريخ، كان قد قرأ «قطار الشرق السريع» لجون دوس باسوس، الصادر بالإنجليزية عام 1927 في لندن ونيويورك، لكي يقوم بعد ثلاثة عقود من رحلة الروائي الأميركي الشاب، برحلة هي الأخرى طويلة ومتعرجة، قبل أن يصل إلى هدفه المنشود: بغداد. لكن متى كان ذلك ضروريا؟ الكتَّاب هم أصلا جوالو آفاق، مثلما هم جوالو كلمات. فريش نفسه يعرف ذلك: «إنه في النهاية قدر مهنتي، أنني أستطيع أن أكون متشردا»، كما كتب على بطاقة لأمه أرسلها لها في الطريق.
كان عمر فريش 46 عاما، وكان انتهى للتو من كتابة ما سيصبح أحد أشهر كتبه: «هومو فابر»، عندما قرر الذهاب إلى بغداد. في 31 يوليو (تموز) 1957 كتب إلى صديقه وناشره، بيتر سوركامب، يخبره كيف أنه عاش أسبوعين شاقين جدا، بسبب الموعد المحدد لتسليم الرواية التي ستجعل الروائي والمسرحي السويسري يحتل مكانا مرموقا في الأدب العالمي، لكن ذلك غير مهم، بقدر ما يريد أن يخبره أن طبيبا نمساويا يدير مستشفى للأطفال في بغداد، طلب منه أن يرافقه إلى بغداد. «لقد وافقت على الفور. هروب؟»، يكتب فريش لصديقه متسائلا.
من يتابع حياة ماكس فريش، فلن يستغرب أنه كتب ذلك. حياته كلها هروب. على الأقل حتى الآن، أو خاصة بعد انفصاله عن زوجته ومعها أطفالهما الثلاثة قبل ثلاث سنوات من رحلته تلك. سواء في فترة زواجه تلك، أم في الفترة التي لحقت، لم يستقر فريش في علاقة ثابتة. علاقات عابرة. ما إن يدخل في علاقة حتى يهرب منها إلى علاقة جديدة. جملته المشهورة التي كتبها لصديقته، وله من العمر ثلاثة وعشرين عاما، تقول: «أنا أومن بقوة الحب وعدم الإخلاص». صحيح أن عدم الإخلاص للنساء يوازيه عدم إخلاص للمكان أيضا. النهاية لا أظن أن هناك كاتبا في العالم فاق فريش في تنقلاته، لكن الشرق، أو بغداد، اسمان ظهرا فجأة في قاموس ماكس فريش. وفي عمر السادسة والأربعين.
اليوم يبدو ذلك ليس مهما، لكننا نتحدث عن عام 1957، عندما كان الشرق ما يزال عالما غامضا، يعرفه الأوروبيون فقط من قصص «ألف ليلة وليلة»، إذن لا نتحدث عن مغامرة السفر بسيارة، والطرق لم تكن معبدة مثلما هي اليوم. ذلك ما يفسر رد فعل صديقه وناشره سوركامب. «أنا مستغرب ومرتعب»، كتب له وهو لا يخفي قلقه. طبعا لا يستطيع ثنيه عن الرحلة، لكنه يريد أن يفهم. لماذا بغداد؟ لماذا هذا القرار المفاجئ وبالشكل البارد؟ لماذا هذه اللامبالاة، عدم الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين؟ إن ليس تجاه صديقه وناشره، فعلى الأقل تجاه أمه التي لم تخف قلقها عليه، منذ أن فقد أباه الذي توفي مبكرا. فحتى ذلك التاريخ لم يكن فريش قد قام برحلة شبيهة في حياته، لا قبلها ولا بعدها.
في 22 أغسطس (آب) 1957، تبدأ الرحلة الجديدة والفريدة من نوعها في حياة فريش. تبدأ من سويسرا، حيث يلتقي فريش الطبيب وزوجته، رفيقيه في الرحلة، اللذين نعرف أنهما سيقودان السيارة، لأن فريش لم يملك في ذلك الحين إجازة قيادة. لا يبوح فريش باسميهما الصريحين يكتفي بالرمز لأحدهما (الزوج) بحرف «ب». الطريق الذي ستسلكه الرحلة والانطباعات التي سيمر بها فريش، والأحاديث التي دارت بينه وبين رفيقي الرحلة، كل ذلك سنعثر على أغلبه في البطاقات البريدية التي بعثها إلى أمه. الباقي في دفتر ملاحظات صغير يحمل عنوان «رحلة إلى بغداد»، يمكن العثور عليه في أرشيف فريش في زيوريخ.
هكذا نعرف أنهم قطعوا آلاف الكيلومترات، مروا في شوارع سيئة، ناموا في الطريق، كان عليهم تبديل إطارات السيارة أو تصليحها في بعض الأحيان، سوء الجو داخل السيارة بين رفاق الرحلة، صديقه يلجأ للصمت، حتى الآن محادثات قليلة، أمر يزعج فريش. لكنه رغم ذلك يواصل الرحلة. كانوا ما يزالون في نيش، في يوغوسلافيا، وكان بإمكانه أن يقول لصديقه وداعا، أن يعود أدراجه، خاصة أنه يعرف أن أمامهم ما زالت آلاف الكيلومترات، وطريق صعب، لكنه لم يفعل ذلك. كأن الصعوبات تلك هي تأكيد للمغامرة التي بدأ بها. التغلب على الصعاب يجعله يشعر بالراحة. ها هم يقطعون جبال صربيا ومقدونيا، الريف اليوناني ببيوته البيضاء وأبوابها المطلية بلون اللازورد. بعد سالونيكي، تركيا، وبعد الاستحمام في البحر، يشعر رفاق الرحلة بالراحة، التوتر ينتهي، حتى إنهم يبدأون يخاطبون بعضهم من دون ضمير الجمع (حضرتكم في اللغة العربية)، بعد ذلك تأخذ الرحلة إيقاعا آخر، كل شيء يجري بسرعة، ها هم في الشرق، يقتربون من هدفهم بغداد. وبدل أن يتجهوا في سيارتهم ناحية العراق، باتجاه بغداد، قرروا اختيار طريق آخر. ساروا باتجاه الحدود السورية. حتى في سوريا، لم يقرروا الذهاب شرقا أو إلى الجنوب الشرقي باتجاه بغداد، بل ساروا باتجاه بيروت، ومنها إلى دمشق، ثم إلى عمان، من هناك إلى القدس، ثم العودة مجددا إلى عمان، ثم بعد تصليح فرامل السيارة، إلى بغداد.
باستثناء القدس، لم تجد أغلب المدن التي مروا بها طريقها إلى دفتر ملاحظات فريش. وهو يعترف لناشره سوركامب كيف أن القدس (اليوم) تركت عنده أقوى الانطباع. عكس بيروت «باريس الشرق الأوسط». لم تترك عنده ولو القليل من الانطباع. كل ما كتبه عنها، أنهم بعد رحلة جميلة على الطريق الساحلي، وصلوا إلى بيروت، وتناولوا عشاءهم مع النبيذ، وأنه سيمرض في اليوم الثاني، في المعدة. تفاصيل مقتضبة، كأنه أمين لأمه التي عندما سألته عن حاله، في برقية بعثها لها من القدس، أخبرها بأنه سيكتب لها مفصلا من بغداد.
كل شيء سيتغير عندما يصلون إلى بغداد. وهذا ما شعر به فريش مباشرة حتى قبل عبورهم الحدود العراقية. 800 كيلومتر هي المسافة بين عمان وبغداد. أغلبها صحراء مشتعلة باتجاه العراق. درجة حرارة بحرارة الجمر. عند استراحة على الطريق ووسط الحر، يلمس فريش معدن السيارة. إنه يحترق تحت لهيب الشمس. لكن لا حرارة حارقة تزعج. لا غبار. الطريق ينبسط أكثر أمامهم، قائلا لهم ها أنتم على أبواب ميزوبوتاميا، الأرض الواقعة بين دجلة والفرات، ها هي بغداد أخيرا، تلوح في الأفق، ها هي المدينة التي كانت مدينة الخلافة يوما، مدينة «ألف ليلة وليلة»، وهدف الرحلة المنشود. ومباشرة عند وصولهم هناك، لا يكادون يصدقون ذلك، كأنهم قاموا برحلة عابرة للتاريخ، لا بد أن يجري كل شيء بسرعة، تناولهم العشاء، ثم ذهابهم المبكر إلى الفراش، هذه المرة النوم على سطح الفندق. تجربة أولى له. لكن التجربة الأقوى هي النهوض مبكرا، والذهاب عبر شوارع وأزقة وأسواق بغداد. فريش نفسه لا يصدق أنه أخيرا وصل بغداد؟ بدل أن يتجول في اليوم الثاني في بغداد، يذهب ومعه رفيقاه إلى 90 كيلومترا ناحية الجنوب الغربي، إلى بابل. كأنه حتى وهو في بغداد يؤجل لقاءه بها، مثل عاشق يحمل في جيبه رسالة حب ولا يريد فتحها لكي لا يصبح ما سيقرأه جزءا من الماضي.
حتى بابل لا تجد طريقها بالشكل الذي تستحقه في دفتر ملاحظاته. فالمدينة التي وصفها مؤرخ الأنتيك هيرودوت بأنها ليست «أشهر وأقوى مدينة، إنما هي أيضا أجمل مدينة بين كل المدن التي نعرفها»؛ أو المدينة التي أراد البشر فيها بناء برج يصعد إلى السماء «برج بابل»، لكي يكونوا بموازاة السماء؛ المدينة الأسطورية هذه التي «هرب» إليها فريش، لم تترك انطباعا قويا عنده. كل ما نعرفه هو «ويسكي على ضفاف الفرات، القمر، نخل، نواعير سقي تجرها خيول، النهر، سفينة، واحة»! لكن ماذا عن بغداد؟ فبعد العودة من بابل، لم يعد هناك مفر أمام فريش. لا بد من مواجهة بغداد. ولا ندري إذا كان السبب درجات الحرارة المرتفعة في ذلك الفصل من السنة التي تصل حتى الخمسين درجة مئوية، أم هي الخيبة التي استحوذت على «الهارب» فريش، والتي جعلته أشبه بمشلول عن الحركة؟ «كل يوم هذه الحرارة العالية، الظهيرة الحارة، النوم حتى التصبب عرقا....»، يكتب فريش، دون أن يقول لماذا اختار الذهاب في الصيف؟ كما أن بغداد ليست المتحف العراقي فقط، الذي سيزوره ورفيقاه، وحيث سيرى بنفسه «المخطوطات الأولى في تاريخ البشرية»، الحلي والأختام، مثلما هي ليست فقط مسجد الكاظمين، الذي يصفه فريش بـ«المسجد الذهبي»، يلمع بقببه ومناراته التي تشع ذهبا. صحيح أن المتحف الوطني لفت نظر فريش، مثلما فعل جامع الكاظمين، لكن بغداد التاريخية، بغداد التي كانت ذات يوم العاصمة التاريخية للعالم الإسلامي، خاصة في زمن هارون الرشيد الذي يعرفه الغربيون من «ألف ليلة وليلة»، ومن العلاقة الدبلوماسية والتجارية والصداقية التي ربطته بالملك شارلمان، حتى إنه أهداه عام 902 فيلا تعبيرا عن تفاهمهما: «الخليفة والقيصر عمودان للعالم» رغم اختلافهما في الدين، بغداد التاريخية في القرن التاسع الميلادي، التي ازدهرت فيها العلوم والفلسفة والفنون، بغداد هذه كما يبدو لم تهم فريش كثيرا. وحسب دفتر ملاحظاته، اعتمدنا عليه هنا، لا نكتشف أي عطش عنده للتعرف على بغداد التي جاء إليها، بعد تحمل المغامرة تلك. أما منح الحيز الأكبر من الملاحظات بالكتابة عن بغداد، كمكان للحفلات، وسهرات شرب الكوكتيل فيجب ألا يكون سببا لتحمل رحلة بهذا العناء. لنلاحظ: بعد زيارة مسجد الكاظمين مباشرة يكتب فريش عن حفلة عند جوس.. ويسكي ومشروبات أخرى وسهرة حتى ساعات متأخرة من الليل.
إحدى أول الروايات التي قرأتها في اللغة الألمانية بعد وصولي هامبورغ، كانت رواية «شتيلير» لماكس فريش، وذلك عام 1982، على ما أتذكر، سحرتني الرواية، وأذهلني فيها في المقام الأول الإصرار العجيب عند بطله شتيلير على الهروب. ليس من المكان وحسب، بل من نفسه أيضا. ولو كنت قرأت قبلها روايته «هومو فابر»، التي سأقرأها لاحقا، لما أذهلتني فكرة الهروب التي حوتها، لأن الهروب ولاحقا الخوف، هما العمودان اللذان بنا عليهما فريش رواياته ومسرحياته.
في روايته «هومو فابر»، يتحدث فريش عن الخوف الذي يلاحق بطله، و«يصطاده من مكان إلى آخر». هومو فابر، البطل العقلاني، تسحقه الأحداث غير العقلانية في حياته، حتى تجعله ينهار. وفريش؟ ألم يجرب الهروب مثل بطله مرات عدة؟ أليست تلك الوسيلة الوحيدة لتجنب الانهيار، إن لم تكن الوحيدة لتجنب الانتحار؟ حتى الآن كانت النساء هن الملاذ الذي يهرب إليه. فلماذا لا يغير البوصلة ويكون ملاذه هذه المرة بغداد؟ وهم جديد يختلف عن وهم الهروب إلى النساء.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».