ماكس فريش يهرب إلى بغداد

ماكس فريش
ماكس فريش
TT

ماكس فريش يهرب إلى بغداد

ماكس فريش
ماكس فريش

حتى الآن كانت النساء بالنسبة لماكس فريش هن الملاذ الذي يهرب إليه. فلماذا لا يغير البوصلة، وتكون هذه المرة بغداد؟
لا أظن أن ماكس فريش، الكاتب السويسري المولود في 15 مايو (أيار) 1911م، في زيوريخ، كان قد قرأ «قطار الشرق السريع» لجون دوس باسوس، الصادر بالإنجليزية عام 1927 في لندن ونيويورك، لكي يقوم بعد ثلاثة عقود من رحلة الروائي الأميركي الشاب، برحلة هي الأخرى طويلة ومتعرجة، قبل أن يصل إلى هدفه المنشود: بغداد. لكن متى كان ذلك ضروريا؟ الكتَّاب هم أصلا جوالو آفاق، مثلما هم جوالو كلمات. فريش نفسه يعرف ذلك: «إنه في النهاية قدر مهنتي، أنني أستطيع أن أكون متشردا»، كما كتب على بطاقة لأمه أرسلها لها في الطريق.
كان عمر فريش 46 عاما، وكان انتهى للتو من كتابة ما سيصبح أحد أشهر كتبه: «هومو فابر»، عندما قرر الذهاب إلى بغداد. في 31 يوليو (تموز) 1957 كتب إلى صديقه وناشره، بيتر سوركامب، يخبره كيف أنه عاش أسبوعين شاقين جدا، بسبب الموعد المحدد لتسليم الرواية التي ستجعل الروائي والمسرحي السويسري يحتل مكانا مرموقا في الأدب العالمي، لكن ذلك غير مهم، بقدر ما يريد أن يخبره أن طبيبا نمساويا يدير مستشفى للأطفال في بغداد، طلب منه أن يرافقه إلى بغداد. «لقد وافقت على الفور. هروب؟»، يكتب فريش لصديقه متسائلا.
من يتابع حياة ماكس فريش، فلن يستغرب أنه كتب ذلك. حياته كلها هروب. على الأقل حتى الآن، أو خاصة بعد انفصاله عن زوجته ومعها أطفالهما الثلاثة قبل ثلاث سنوات من رحلته تلك. سواء في فترة زواجه تلك، أم في الفترة التي لحقت، لم يستقر فريش في علاقة ثابتة. علاقات عابرة. ما إن يدخل في علاقة حتى يهرب منها إلى علاقة جديدة. جملته المشهورة التي كتبها لصديقته، وله من العمر ثلاثة وعشرين عاما، تقول: «أنا أومن بقوة الحب وعدم الإخلاص». صحيح أن عدم الإخلاص للنساء يوازيه عدم إخلاص للمكان أيضا. النهاية لا أظن أن هناك كاتبا في العالم فاق فريش في تنقلاته، لكن الشرق، أو بغداد، اسمان ظهرا فجأة في قاموس ماكس فريش. وفي عمر السادسة والأربعين.
اليوم يبدو ذلك ليس مهما، لكننا نتحدث عن عام 1957، عندما كان الشرق ما يزال عالما غامضا، يعرفه الأوروبيون فقط من قصص «ألف ليلة وليلة»، إذن لا نتحدث عن مغامرة السفر بسيارة، والطرق لم تكن معبدة مثلما هي اليوم. ذلك ما يفسر رد فعل صديقه وناشره سوركامب. «أنا مستغرب ومرتعب»، كتب له وهو لا يخفي قلقه. طبعا لا يستطيع ثنيه عن الرحلة، لكنه يريد أن يفهم. لماذا بغداد؟ لماذا هذا القرار المفاجئ وبالشكل البارد؟ لماذا هذه اللامبالاة، عدم الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين؟ إن ليس تجاه صديقه وناشره، فعلى الأقل تجاه أمه التي لم تخف قلقها عليه، منذ أن فقد أباه الذي توفي مبكرا. فحتى ذلك التاريخ لم يكن فريش قد قام برحلة شبيهة في حياته، لا قبلها ولا بعدها.
في 22 أغسطس (آب) 1957، تبدأ الرحلة الجديدة والفريدة من نوعها في حياة فريش. تبدأ من سويسرا، حيث يلتقي فريش الطبيب وزوجته، رفيقيه في الرحلة، اللذين نعرف أنهما سيقودان السيارة، لأن فريش لم يملك في ذلك الحين إجازة قيادة. لا يبوح فريش باسميهما الصريحين يكتفي بالرمز لأحدهما (الزوج) بحرف «ب». الطريق الذي ستسلكه الرحلة والانطباعات التي سيمر بها فريش، والأحاديث التي دارت بينه وبين رفيقي الرحلة، كل ذلك سنعثر على أغلبه في البطاقات البريدية التي بعثها إلى أمه. الباقي في دفتر ملاحظات صغير يحمل عنوان «رحلة إلى بغداد»، يمكن العثور عليه في أرشيف فريش في زيوريخ.
هكذا نعرف أنهم قطعوا آلاف الكيلومترات، مروا في شوارع سيئة، ناموا في الطريق، كان عليهم تبديل إطارات السيارة أو تصليحها في بعض الأحيان، سوء الجو داخل السيارة بين رفاق الرحلة، صديقه يلجأ للصمت، حتى الآن محادثات قليلة، أمر يزعج فريش. لكنه رغم ذلك يواصل الرحلة. كانوا ما يزالون في نيش، في يوغوسلافيا، وكان بإمكانه أن يقول لصديقه وداعا، أن يعود أدراجه، خاصة أنه يعرف أن أمامهم ما زالت آلاف الكيلومترات، وطريق صعب، لكنه لم يفعل ذلك. كأن الصعوبات تلك هي تأكيد للمغامرة التي بدأ بها. التغلب على الصعاب يجعله يشعر بالراحة. ها هم يقطعون جبال صربيا ومقدونيا، الريف اليوناني ببيوته البيضاء وأبوابها المطلية بلون اللازورد. بعد سالونيكي، تركيا، وبعد الاستحمام في البحر، يشعر رفاق الرحلة بالراحة، التوتر ينتهي، حتى إنهم يبدأون يخاطبون بعضهم من دون ضمير الجمع (حضرتكم في اللغة العربية)، بعد ذلك تأخذ الرحلة إيقاعا آخر، كل شيء يجري بسرعة، ها هم في الشرق، يقتربون من هدفهم بغداد. وبدل أن يتجهوا في سيارتهم ناحية العراق، باتجاه بغداد، قرروا اختيار طريق آخر. ساروا باتجاه الحدود السورية. حتى في سوريا، لم يقرروا الذهاب شرقا أو إلى الجنوب الشرقي باتجاه بغداد، بل ساروا باتجاه بيروت، ومنها إلى دمشق، ثم إلى عمان، من هناك إلى القدس، ثم العودة مجددا إلى عمان، ثم بعد تصليح فرامل السيارة، إلى بغداد.
باستثناء القدس، لم تجد أغلب المدن التي مروا بها طريقها إلى دفتر ملاحظات فريش. وهو يعترف لناشره سوركامب كيف أن القدس (اليوم) تركت عنده أقوى الانطباع. عكس بيروت «باريس الشرق الأوسط». لم تترك عنده ولو القليل من الانطباع. كل ما كتبه عنها، أنهم بعد رحلة جميلة على الطريق الساحلي، وصلوا إلى بيروت، وتناولوا عشاءهم مع النبيذ، وأنه سيمرض في اليوم الثاني، في المعدة. تفاصيل مقتضبة، كأنه أمين لأمه التي عندما سألته عن حاله، في برقية بعثها لها من القدس، أخبرها بأنه سيكتب لها مفصلا من بغداد.
كل شيء سيتغير عندما يصلون إلى بغداد. وهذا ما شعر به فريش مباشرة حتى قبل عبورهم الحدود العراقية. 800 كيلومتر هي المسافة بين عمان وبغداد. أغلبها صحراء مشتعلة باتجاه العراق. درجة حرارة بحرارة الجمر. عند استراحة على الطريق ووسط الحر، يلمس فريش معدن السيارة. إنه يحترق تحت لهيب الشمس. لكن لا حرارة حارقة تزعج. لا غبار. الطريق ينبسط أكثر أمامهم، قائلا لهم ها أنتم على أبواب ميزوبوتاميا، الأرض الواقعة بين دجلة والفرات، ها هي بغداد أخيرا، تلوح في الأفق، ها هي المدينة التي كانت مدينة الخلافة يوما، مدينة «ألف ليلة وليلة»، وهدف الرحلة المنشود. ومباشرة عند وصولهم هناك، لا يكادون يصدقون ذلك، كأنهم قاموا برحلة عابرة للتاريخ، لا بد أن يجري كل شيء بسرعة، تناولهم العشاء، ثم ذهابهم المبكر إلى الفراش، هذه المرة النوم على سطح الفندق. تجربة أولى له. لكن التجربة الأقوى هي النهوض مبكرا، والذهاب عبر شوارع وأزقة وأسواق بغداد. فريش نفسه لا يصدق أنه أخيرا وصل بغداد؟ بدل أن يتجول في اليوم الثاني في بغداد، يذهب ومعه رفيقاه إلى 90 كيلومترا ناحية الجنوب الغربي، إلى بابل. كأنه حتى وهو في بغداد يؤجل لقاءه بها، مثل عاشق يحمل في جيبه رسالة حب ولا يريد فتحها لكي لا يصبح ما سيقرأه جزءا من الماضي.
حتى بابل لا تجد طريقها بالشكل الذي تستحقه في دفتر ملاحظاته. فالمدينة التي وصفها مؤرخ الأنتيك هيرودوت بأنها ليست «أشهر وأقوى مدينة، إنما هي أيضا أجمل مدينة بين كل المدن التي نعرفها»؛ أو المدينة التي أراد البشر فيها بناء برج يصعد إلى السماء «برج بابل»، لكي يكونوا بموازاة السماء؛ المدينة الأسطورية هذه التي «هرب» إليها فريش، لم تترك انطباعا قويا عنده. كل ما نعرفه هو «ويسكي على ضفاف الفرات، القمر، نخل، نواعير سقي تجرها خيول، النهر، سفينة، واحة»! لكن ماذا عن بغداد؟ فبعد العودة من بابل، لم يعد هناك مفر أمام فريش. لا بد من مواجهة بغداد. ولا ندري إذا كان السبب درجات الحرارة المرتفعة في ذلك الفصل من السنة التي تصل حتى الخمسين درجة مئوية، أم هي الخيبة التي استحوذت على «الهارب» فريش، والتي جعلته أشبه بمشلول عن الحركة؟ «كل يوم هذه الحرارة العالية، الظهيرة الحارة، النوم حتى التصبب عرقا....»، يكتب فريش، دون أن يقول لماذا اختار الذهاب في الصيف؟ كما أن بغداد ليست المتحف العراقي فقط، الذي سيزوره ورفيقاه، وحيث سيرى بنفسه «المخطوطات الأولى في تاريخ البشرية»، الحلي والأختام، مثلما هي ليست فقط مسجد الكاظمين، الذي يصفه فريش بـ«المسجد الذهبي»، يلمع بقببه ومناراته التي تشع ذهبا. صحيح أن المتحف الوطني لفت نظر فريش، مثلما فعل جامع الكاظمين، لكن بغداد التاريخية، بغداد التي كانت ذات يوم العاصمة التاريخية للعالم الإسلامي، خاصة في زمن هارون الرشيد الذي يعرفه الغربيون من «ألف ليلة وليلة»، ومن العلاقة الدبلوماسية والتجارية والصداقية التي ربطته بالملك شارلمان، حتى إنه أهداه عام 902 فيلا تعبيرا عن تفاهمهما: «الخليفة والقيصر عمودان للعالم» رغم اختلافهما في الدين، بغداد التاريخية في القرن التاسع الميلادي، التي ازدهرت فيها العلوم والفلسفة والفنون، بغداد هذه كما يبدو لم تهم فريش كثيرا. وحسب دفتر ملاحظاته، اعتمدنا عليه هنا، لا نكتشف أي عطش عنده للتعرف على بغداد التي جاء إليها، بعد تحمل المغامرة تلك. أما منح الحيز الأكبر من الملاحظات بالكتابة عن بغداد، كمكان للحفلات، وسهرات شرب الكوكتيل فيجب ألا يكون سببا لتحمل رحلة بهذا العناء. لنلاحظ: بعد زيارة مسجد الكاظمين مباشرة يكتب فريش عن حفلة عند جوس.. ويسكي ومشروبات أخرى وسهرة حتى ساعات متأخرة من الليل.
إحدى أول الروايات التي قرأتها في اللغة الألمانية بعد وصولي هامبورغ، كانت رواية «شتيلير» لماكس فريش، وذلك عام 1982، على ما أتذكر، سحرتني الرواية، وأذهلني فيها في المقام الأول الإصرار العجيب عند بطله شتيلير على الهروب. ليس من المكان وحسب، بل من نفسه أيضا. ولو كنت قرأت قبلها روايته «هومو فابر»، التي سأقرأها لاحقا، لما أذهلتني فكرة الهروب التي حوتها، لأن الهروب ولاحقا الخوف، هما العمودان اللذان بنا عليهما فريش رواياته ومسرحياته.
في روايته «هومو فابر»، يتحدث فريش عن الخوف الذي يلاحق بطله، و«يصطاده من مكان إلى آخر». هومو فابر، البطل العقلاني، تسحقه الأحداث غير العقلانية في حياته، حتى تجعله ينهار. وفريش؟ ألم يجرب الهروب مثل بطله مرات عدة؟ أليست تلك الوسيلة الوحيدة لتجنب الانهيار، إن لم تكن الوحيدة لتجنب الانتحار؟ حتى الآن كانت النساء هن الملاذ الذي يهرب إليه. فلماذا لا يغير البوصلة ويكون ملاذه هذه المرة بغداد؟ وهم جديد يختلف عن وهم الهروب إلى النساء.



الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
TT

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي، وهو عمل مطرز يعود إلى ما يقرب من 1000 عام ويصوّر غزو وليام الأول، وهو من أجداد الملك، لإنجلترا في عام 1066.

وبموجب اتفاق مع الحكومة الفرنسية، تمت إعارة النسيج، الذي يبلغ طوله 70 متراً، إلى المتحف البريطاني من مقره في شمال فرنسا ليُعرض على الأراضي الإنجليزية لأول مرة منذ صنعه.

ويروي هذا النسيج المطرز الأحداث التي قادت إلى معركة هيستنغز الشهيرة وهزيمة الملك الأنغلوسكسوني هارولد الثاني على يد النورمان. ويعتقد المؤرخون أن الأسقف أودو شقيق وليام أمر بصنع النسيج وأن خياطات إنجليزيات في منطقة كنت تولين تطريزه.

وينحدر جميع ملوك إنجلترا منذ ذلك الحين، بمن فيهم الملك تشارلز، من نسل وليام. ويمثل غزوه لإنجلترا آخر غزو ناجح للبلاد، ويعتبر عام 1066 من أشهر الأعوام في تاريخها.

وكان الإقبال كبيراً على مشاهدة هذه التحفة الفنية التي تعود إلى العصور الوسطى لدرجة أن الدفعة الأولى من التذاكر، التي قد يصل سعرها إلى 33 جنيهاً إسترلينياً، نفدت بالكامل، مما حقق إيرادات تقارب 2.5 مليون جنيه إسترليني (3.4 مليون دولار) ليصبح هذا أكثر معارض المتحف بيعاً للتذاكر.

وقال قصر بكنغهام إن الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا سينضم إليهما ماكرون وزوجته، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، لتفقد النسيج الطويل ودراسة أبرز مشاهده، مثل تتويج هارولد غودوينسون وواقعة قتله الشهيرة بسهم خلال المعركة.

وجرى تأكيد إعارة النسيج في يوليو (تموز) خلال زيارة رسمية أجراها ماكرون إلى بريطانيا، وتعد الخطوة رمزاً لتعزيز العلاقات بين البلدين بعد الخلاف الذي أعقب تصويت بريطانيا في 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وتربط الملك والرئيس علاقة ودية.

وقال بورنهام، الذي من المقرر أن يجتمع مع ماكرون في داوننغ ستريت غداً، الخميس، في بيان «تمثل عودة نسيج بايو إلى إنجلترا لحظة تاريخية لبلدينا، وأريد أن يتمكن الناس في كل أنحاء البلاد من الاستمتاع به».

وأضاف: «بينما نحتفل بتراثنا المشترك، سنواصل أنا والرئيس ماكرون تعزيز العلاقة بين بلدينا».

ووصل النسيج إلى بريطانيا في يوليو في رحلة نظمتها فرنسا بعناية، إذ نقل داخل صندوق مكيف ومقاوم للاهتزاز تحت حراسة الشرطة.

ومن المقرر أن يفتح المعرض أبوابه أمام الجمهور في المتحف البريطاني في العاشر من سبتمبر (أيلول) حتى يوليو من العام المقبل.


حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب
TT

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم على القصيدة الغنائية. وكأن الغنائية، في هذه الرؤية، قد أصبحت تهمة نقدية ينبغي للشاعر الحديث أن يتخلص منها، أو على الأقل أن يخفف من حضورها في قصيدته، حتى لا يُحسب على الشعر الذي ينتمي إلى مرحلة شعرية تجاوزتها الحداثة في نظرهم.

وليس الاعتراض هنا على مصطلح «الغنائية» في ذاته، فهو مصطلح نقدي أصيل، وله حضوره في تاريخ الشعر العربي والعالمي، وإنما على الحمولة التي أُضيفت إليه في بعض التصورات النقدية الحديثة؛ إذ لم يعد يدل على طبيعة التجربة الشعرية وارتباطها بالذات والانفعال والموسيقى، بل صار يُستعمل أحياناً بوصفه علامة على تقليدية القصيدة وذاتيتها، ولم يبلغ ـ في تصور بعض النقاد ـ درجة كافية من التعقيد أو الانفتاح أو التشظي.

والغريب أن العاطفة، التي كانت في تاريخ الشعر واحدة من أهم عناصر الشعرية، أخذت تُعامل في بعض القراءات الحديثة بحذر شديد، وكأن حضورها الكثيف يهبط بالنص من مرتبة الشعر إلى مرتبة البوح. وهنا يقع خلط واضح بين العاطفة بوصفها مادة إنسانية، والتعبير الساذج عنها بوصفه ضعفاً فنياً. فليست المشكلة أن يكون الشاعر عاطفياً، وإنما المشكلة في كيفية تحويل العاطفة إلى بناء شعري قادر على تجاوز الانفعال الشخصي إلى تجربة إنسانية قابلة للتلقي والتأويل.

فامرؤ القيس والمتنبي وأبو تمام وأبو فراس والمعري، وغيرهم من كبار الشعراء، لم يكونوا غرباء عن ذواتهم ومشاعرهم، بل إن جانباً كبيراً من خلود شعرهم جاء من قدرتهم على تحويل التجربة الخاصة إلى لغة تتجاوز صاحبها. وحتى في الشعر الحديث، لا يمكن فهم كثير من التجارب الشعرية الكبرى من دون الاعتراف بمركزية الذات والانفعال والحنين والحزن والحب والاغتراب. إن قصيدة السياب، مثلاً، لا تفقد حداثتها لأنها مشبعة بالعاطفة، كما أن شعر محمود درويش لا يصبح أقل حداثة لأن الذات والحب والوطن والذاكرة حاضرة فيه بقوة.

محمود درويش

المشكلة إذن ليست في الغنائية، وإنما في اختزال الشعر إليها. فإذا كانت القصيدة مجرد انفعال مباشر، فقد تكون معرضة للفقر الفني مهما كان موضوعها. أما إذا استطاع الشاعر أن يصوغ انفعاله في صورة ورمز وإيقاع وتركيب لغوي ودلالي، فإن الغنائية تصبح عنصراً من عناصر الشعرية، لا نقيضاً لها.

واللافت أن بعض النقاد الحداثيين بالغوا في الاحتفاء بالتجريب واللغة المنفلتة من المرجع، وجدوا أنفسهم أحياناً أسرى ثنائية مصطنعة: قصيدة غنائية قديمة في مقابل قصيدة حداثية، وذات شاعرة في مقابل نص مستقل، وموسيقى في مقابل تفكيك، ووضوح في مقابل غموض. وكأن الحداثة لا تتحقق إلا بإقصاء ما سبقها، لا بإعادة قراءته واستثماره وتجاوزه بصورة إبداعية.

والحقيقة أن الشعر لا يتقدم بإلغاء خصائصه الأولى، وإنما بإعادة تشكيلها. فالقصيدة الحديثة تستطيع أن تكون غنائية وتجريبية في الوقت نفسه، وأن تحتفظ بالعاطفة من دون أن تقع في المباشرة، وأن تستثمر الإيقاع من دون أن تكون أسيرة النموذج الموروث، وأن تجعل من الذات منطلقاً لرؤية تتجاوز الذات.

ومن هنا تبدو تسمية الشاعر بـ«الغنائي» بحاجة إلى قدر من التروي النقدي. فإن أريد بها وصف طبيعة شعره، فهي تسمية مشروعة لا تحمل ذماً ولا مدحاً في ذاتها. أما إذا أريد بها إدانة الشاعر لأنه يمنح العاطفة والذات مساحة واسعة في تجربته، فإن الأمر يتحول من توصيف نقدي إلى حكم مسبق تحكمه ذائقة آيديولوجية أو حداثية معينة.

ولعل أخطر ما في هذه النظرة أنها تنقل مركز الحكم من النص إلى التصنيف؛ فيُقرأ الشاعر أولاً بوصفه غنائياً أو حداثياً أو ما بعد حداثي، ثم يُقرأ شعره على ضوء التصنيف، بدل أن يكون النص نفسه هو الذي يفرض أدوات قراءته. وهنا يفقد النقد شيئاً من وظيفته الأساسية؛ لأن الناقد لا يعود مكتشفاً لجماليات النص وطرائق اشتغاله، بل يصبح موظفاً في منظومة تصنيفية جاهزة.

إن الشعر في جوهره لا يُقاس بكمية العاطفة فيه، ولا بكمية العقل، ولا بدرجة اقترابه من الحداثة أو ابتعاده عنها، وإنما بقدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة ذات قيمة جمالية ودلالية. ولذلك لا ينبغي أن تكون الغنائية تهمة، كما لا ينبغي أن تكون الحداثة شهادة جودة تلقائية.

فقد تكون القصيدة غنائية، لكنها عميقة ومركبة ومفتوحة على أسئلة الإنسان والوجود، وقد تكون حداثية في شكلها ومصطلحاتها، لكنها فقيرة في التجربة والانفعال. وفي الحالتين لا تنقذ التسمية النص من الحكم النقدي، ولا تدينه. وحده النص هو الذي ينبغي أن يكون في قفص الاتهام، لا الشاعر بسبب انتمائه إلى طريقة شعرية أو حساسية جمالية معينة.

إن النقد الحقيقي لا يسأل الشاعر: لماذا كنت غنائياً؟ بل يسأل: ماذا صنعت بغنائيتك؟ وكيف حولت عاطفتك إلى شعر؟ هنا فقط يصبح الحكم جمالياً وفنياً، بعيداً عن المحاكمات المسبقة التي تجعل من بعض خصائص الشعر العربي تهماً ينبغي التخلص منها لمجرد أنها لا تنسجم مع ذائقة نقدية عابرة. 

 


فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
TT

فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.

تقع منطقة الحلابات في البادية الشمالية الشرقية التابعة لمحافظة الزرقاء في الأردن، وتضم متحفاً حمل اسم «متحف آثار قصر الحلابات»، كان قد افتُتح عام 2008، وهو بمثابة «متحف موقع»؛ تعود كل القطع المحفوظة فيه إلى هذا القصر الأموي وما يتبعه من مرافق معمارية، وتشكّل مجموعات متنوّعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، وألواح الفسيفساء، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية، إضافة إلى كثير من الأواني الفخارية والأدوات المصنوعة من الحجر الصابوني. تبرز في هذا الميدان المجموعة الفسيفسائية، وتتمثّل بقطع جزئية تمثّل عينة من إرث ضاع الجزء الأكبر منه مع الأسف.

تعود هذه القطع في الأصل إلى أرضيات رُصفت على شكل سجادات متعدّدة الأحجام، تزيّن مجموعة من قاعات القصر الداخلية، وهي تحتل مساحة تمتد بين الجدران؛ شمال القصر وجنوبه، كما شرقه. تجمع هذه القطع بين التقاسيم الهندسية والعناصر التصويرية النباتية والحيوانية، وتتمثّل أبرزها في قطعة مستطيلة، تعود إلى طرف الزاوية الجنوبية الشرقية من أرضية تزيّن قاعة حملت رقم «4» في الدراسات التوثيقية الخاصة بهذا الموقع. ضاع الجزء الأكبر من هذه الأرضية، وما بقي منها سمح بتحديد تأليفها الأصلي، وهو على شكل شبكة تتكون من مساحات بيضاوية ودائرية مجدولة، تمتد عمودياً وأفقياً. في القسم الأعلى، تنعقد مساحتان دائريتان مع مساحتين بيضاويتين، ويتكرّر هذا التقسيم في القسم الأسفل. وفي القسم الأوسط، تحل مساحتان بيضاويتان مستقلتان، بينهما مساحتان مستطيلتان.

يحيط بهذه الشبكة إطار عريض، قوامه شريط مزخرف، بقي منه طرفه الأعلى، وهو الطرف المحفوظ على شكل لوح مستطيل في «متحف آثار قصر الحلابات». يحد هذا اللوحَ شريطٌ زخرفي قوامه زهرة اللوتس التي تحل في صياغة مجرّدة من أي ثقل، وتتحوّل عنصراً هندسياً، يتمثّل في كوب تعلوه 3 مساحات مقوّسة، تمثّل بتلات هذه الزهرة. يتكرر هذا العنصر النباتي، ويشكّل في تكراره سلسلة، تقابلها سلسلة تبدو أشبه بصورة منعكسة لها. في القسم الأعلى، يحل اللون الأحمر بتدرجاته، وفي القسم المعاكس يحلّ اللون الأخضر بتدرجاته، في صياغة تشكيلية محكمة بمساحات بيضاء ناصعة.

يتكوّن شريط الإطار من مساحات متشابكة مجدولة، تمتدّ على مساحة نحو 75 سنتيمتراً. تجمع هذه الشبكة بين سلسلة متعاقبة من الدوائر، وسلسلة مشابهة من المربعات المنحنية، تربط بينهما سلسلة من الضفائر المجدولة، تشكّل مساحات متعددة، منها المساحات المثلثة، والمساحات المقوسة، والمساحات اللولبية، في تأليف محكم يشهد لحرفة عالية في الصياغة والابتكار. تدخل سلسلة من العناصر النباتية هذا التأليف المتقن، وتنصهر فيه، وتتمثّل في 3 أنواع تحلّ في صياغة مختزلة؛ هي: الرمان، والبرتقال، والإجاص. تحضر الثمرة الأولى بشكل مفرد، وتأتي على شكل دائرة تعلوها نتوءات بارزة. وتحضر الثمرة الثانية بشكل ثلاثي، مع طرف من غصنها. أما الثمرة الثالثة، فتحضر بشكل مزدوج، وتتميّز بحجمها المنمنم. تأخذ الصياغة اللونية شكلاً تجريدياً جامعاً، وقوامها 3 ألوان متعاقبة، تتكرر في تشكيل كل ثمرة من هذه الثمار. كما في صياغة اللوتس، يحل الأحمر الخمري والأخضر اللازوردي، مع مساحة بيضاء تجمع بينهما في الوسط.

يقابل هذا الشريط الزخرفي المحكم جزء بسيط من الشبكة التي تحتل وسط الأرضية، ويتمثّل هذا التفصيل بمساحة مقوّسة يحلّ في وسطها زوج من الطيور الدجاجية، في وضعية جانبية، وهما على الأرجح من فصيلة الحجل، يتواجهان، وتكسو ريشهما الأخضر شبكة من البقع الدائرية البيضاء. تعلو هذه المساحة المقوّسة مساحتان فارغتان، يسكن كلّ منهما حيوان من الفصيلة الوحشية، بقي واحد منهما، ضاع رأسه ومؤخرته، ونجت من بدنه إحدى قائمتيه الخلفيتين. تعلو قامة هذا الحيوان المتوحّش شبكة من البقع السوداء توحي بأنه نمر، صُوّر في وضعية حيّة، وكأنّه ينقضّ إلى الأمام، شاهراً مخالبه، وظهرت منها تلك التي تعلو قائمته الخلفية التي نجت من التلف.

يحتفظ «متحف آثار قصر الحلابات» بقطع أخرى تعود إلى وسط هذه الأرضية وأسفلها. من القسم الأوسط، يظهر أرنب بري ضمن مربع يحيط به إطار مجدول، ويبدو حانياً رأسه وهو يقضم عنقود عنب مكوّناً من 9 حبات. تحت هذا الأرنب، يظهر ذئب يمد قائمتيه الأماميتين، فاتحاً فكّي فمه، كاشفاً عن أنيابه التي يتدلى من وسطها لسان طويل. في الزاوية المقابلة لصورة هذا الذئب، يظهر غزال له قرنان طويلان مقوسان ولحية متصلة بفكه الأسفل، ويبدو في وضعية جانبية، على خلفية بيضاء مجردة، تزينها شتلتان مورقتان تعلو إحداهما ثمرة برتقالية. في الجزء الأسفل من هذا اللوح، يظهر طير من فصيلة الحجل في وضعية مشابهة وسط خانة نصف دائرية مستقلة. يواجه هذا الطير في الأصل حجلٌ مشابهٌ ضاع أثره، وترتفع بين الطيرين شتلة مورقة، تمتد أغصانها بشكل متجانس على خلفية بيضاء مجرّدة. تتعدّد العناصر الحيوانية وتتنوّع في هذا التأليف كما يبدو. بين الذئب والغزال، تظهر سمكة وسط إطار مقوّس، وتبدو في وضعية جانبية، كأنها تسبح في فضاء مجرّد خلا من أي عنصر مائي.

تكشف بقايا أرضيات قاعات «قصر الحلابات» عن عناصر حيوانية أخرى. في القاعة التي تحمل رقم «10»، يظهر حيوان ضاع رأسه، وما بقي من عنقه وصدره وقوائمه يوحي بأنه جمل ذو سنام. وفي القاعة التي تحمل رقم «25»، تظهر بطة داخل إطار نصف دائري مزخرف، ينصهر في شبكة زخرفية محكمة.

تجد هذه العناصر الحيوانية ما يماثلها في الأرضيات البيزنطية المحلية، وتعكس مناخاً فردوسياً جامعاً تتعدّد تجلياته في تقاسيم تتكرّر وتتجدّد بشكل متواصل.