اشتبكات دموية في مخيم جنين في أعقاب حادثة تل أبيب

تشييع جثمان
تشييع جثمان
TT

اشتبكات دموية في مخيم جنين في أعقاب حادثة تل أبيب

تشييع جثمان
تشييع جثمان

قتلت القوات الإسرائيلية، أمس، فلسطينياً وأصابت 14 آخرين واعتقلت مطلوبين، وذلك في عملية شنتها في مخيم جنين شمال الضفة الغربية، استهدفت أيضاً اعتقال والد منفذ عملية تل أبيب الأخيرة، وحاصرت منزله من أجل اعتقاله وثلاثة من أبنائه، أشقاء منفذ عملية تل أبيب، رعد فتحي حازم، لكنها لم تتمكن من اعتقاله وظل طليقاً. وكانت قوات الاحتلال استدعت قبل ذلك والد رعد وهو ضابط متقاعد في صفوف الأجهزة الأمنية الفلسطينية، لكنه رفض تسليم نفسه.
واقتحمت قوات كبيرة من الجيش الاسرائيلي المخيم في بداية عملية مكثفة في شمال الضفة، رداً على قيام مسلحين من شمال الضفة بتنفيذ سلسلة عمليات في إسرائيل أدت في مجموعها إلى مقتل 14 إسرائيلياً في غضون 3 أسابيع. واستقبل الفلسطينيون في المخيم الجيش الإسرائيلي بالرصاص والحجارة والزجاجات ودارت اشتباكات عنيفة وطويلة أسفرت عن مقتل أحد نشطاء «سرايا القدس»، الجناح المسلح التابع لـ«حركة الجهاد» الإسلامية. وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل أحمد السعدي (23 عاما) بعد إصابته برصاصتين، واحدة في الصدر وأخرى في الرأس، وقالت إن «14 آخرين أصيبوا بالرصاص الحي، بينها إصابتان في البطن - إحداهما لشابة تبلغ من العمر 19 عاما - أدخلتا لغرف العمليات، خلال المواجهات المندلعة مع الاحتلال في المخيم».تشييع رعدمن جانبه، أعلن الجيش الإسرائيلي في بيان، أمس، انتهاء عمليته، قائلاً إن قواته «قتلت واعتقلت ناشطين كانوا يخططون لتنفيذ عمليات هجومية داخل إسرائيل». ونقل موقع «واي نت» العبري عن متحدث باسم الجيش الإسرائيلي قوله إن من بين المعتقلين ناشطا في حركة «حماس» ومسلحاً من حركة «الجهاد». كما أعلن الجيش أن قواته أجرت مسحاً هندسياً لمنزل منفذ عملية ديزنغوف في تل أبيب تمهيداً لهدمه. وشيع الفلسطينيون الشاب السعدي في جنازة كبيرة تقدمها مسلحون تعهدوا «بالانتقام له». ونعت حركة «الجهاد» الشاب السعدي قائلة إنه «أحد كوادرنا ومقاتلينا الأبطال في كتيبة جنين، وإن الاحتلال سيدفع ثمن جرائمه غالياً».
وجاء الهجوم الإسرائيلي على جنين بعد ساعات من إعلان رئيس أركان الجيش، أفيف كوخافي، أن قواته ستكثف أنشطتها في شمال الضفة الغربية في أعقاب عملية تل أبيب التي نفذها الشاب رعد حازم، وهو أيضاً من مخيم جنين، وأدت إلى مقتل 3 إسرائيليين فيما أرسلت قوات الأمن الإسرائيلية ألف جندي لملاحقة المنفذ قبل أن يقتلوه بعد 9 ساعات قرب مسجد في يافا.
وخطف والد رعد الأضواء بعدما ألقى كلمة بعد عملية تل أبيب، قال فيها لمئات الشبان الذين هتفوا لولده أما منزله في المخيم: «سترون النصر في جيلكم وفي عهدكم، وفي السنوات المقبلة والأيام المقبلة، وسترى عيونكم التغيير، وستنالون حريتكم واستقلالكم والنصر بإذن الله». وأضاف «أبشركم بأنكم ستشهدون التحرير وما أراه اليوم أن مخيم جنين رأس الحربة لفلسطين التي هي رأس الحربة للأمة كلها».
والد منفذ العمليةوكان والد رعد تلقى اتصالات هاتفية من ضباط في المخابرات الاسرائيلية طالبوه بتسليم نفسه لكنه رد عليهم متحدياً بأن يأتوا إلى المخيم إذا كانوا يريدونه. ووصل التحريض على جنين ووالد منفذ عملية تل أبيب، إلى حد أن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بنيت نقل عبر الأميركيين رسالة إلى مكتب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، يطالبه فيها بوقف الراتب التقاعدي لوالد منفذ العملية. وقالت مصادر إسرائيلية، إنه لا توجد لدى إسرائيل قناعة كبيرة بأن هذا سيحدث، لكن قضية دفع الأموال لمنفذي العمليات مطروحة دائماً.
وكان بنيت نفسه قد هاجم والد رعد، قائلاً «شاهدت والد المخرب يحرض على مزيد من العنف ويتباهى بابنه القاتل، وشاهدت الاحتفالات وتوزيع الحلوى في جنين. يريدون كسر روحنا، لكنهم سيفشلون، لن ينجحوا، ولن ننكسر أبداً». ونقلت إسرائيل رسالة أخرى للسلطة طلبت منها أن تعمل في جنين على نطاق أوسع لاعتقال مسلحين وضبط الأسلحة.
وجاء الطلب الثاني على الرغم من أن المؤسسة الأمنية والعسكرية، تعتقد أن «السلطة الفلسطينية فقدت السيطرة التامة على شمال الضفة». وقالت مصادر أمنية لهيئة البث الاسرائيلية إن «العملية في تل أبيب تعكس فقدان السلطة الفلسطينية السيطرة على الوضع في شمال الضفة الغربية». وأضافت «هناك عناصر من حركة فتح نفسها في جنين يتحدون أجهزة السلطة الفلسطينية إلى جانب عناصر من الجهاد الإسلامي». واعتبرت المصادر أنه «يتعين على الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن يشمر عن ساعديه ويحارب العناصر المتطرفة في هذه المدينة».
تحذير الفصائل
وكان عباس أدان العملية، وهي إدانة تأتي عادة بطلب إسرائيلي وأميركي، لكن لا يتوقع أن يقدم على أي نشاط في جنين في هذه الفترة الحساسة. وحاولت السلطة إطلاق حملة في مخيم جنين نهاية العام الماضي لكن ظروفاً معقدة حالت دون مواصلة العملية. وطالما شكل مخيم جنين مركزاً لنشاط المسلحين الفلسطينيين خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، وكان مصدر صداع للإسرائيليين.
وحذرت الفصائل الفلسطينية من أن استهداف المخيم سيعني تفجير الساحات الأخرى، ودعت حركة «حماس» إلى نصرة جنين وتصعيد المواجهة ضد الاحتلال ومستوطنيه في عموم الضفة الغربية، قائلة إن «دماء الشهداء الذين اصطفاهم الله في شهر رمضان المبارك، لن تذهب هدراً». وقال الناطق باسم الحركة، فوزي برهوم، إنّ «تهديدات الاحتلال الإسرائيلي لجنين وسكانها لن تكسر إرادة شبانها الأحرار، ولن ترتد إلا عليه». كما أكد الناطق الإعلامي باسم حركة «الجهاد الإسلامي» طارق سلمي أن الفصائل موحدة في إسناد جنين والتصدي للاحتلال. وحذر سلمي من أن «استمرار العدوان لن يجلب له الأمن وأن المقاومة بكل تشكيلاتها ستكون صفاً واحداً في الدفاع عن الأرض، ولن تسمح للاحتلال بأن يستفرد في جنين». وحذر القيادي في الحركة داود شهاب إسرائيل من أن «استمرار عدوانها في جنين سيفجر الأوضاع رأساً على عقب وسيفتح ساحات المواجهة».
الخارجية الفلسطينيةأما الخارجية الفلسطينية فاتهمت إسرائيل «بالتصعيد في إطار محاولات دولة الاحتلال، استبدال حلول أخرى بالحل السياسي التفاوضي للصراع». وأدانت الخارجية التصعيد الاسرائيلي المتعمد ضد الشعب الفلسطيني وأرضه وممتلكاته ومنازله ومقدساته، وحملت «الحكومة الإسرائيلية برئاسة المتطرف نفتالي بنيت المسؤولية الكاملة والمباشرة عن نتائج وتداعيات هذا التصعيد على ساحة الصراع والمنطقة برمتها». وقات إن «ممارسات دولة الاحتلال العدوانية تدفع باتجاه تحويل الصراع من سياسي إلى ديني». وشدد الخارجية على أنه لا بديل عن الحل السياسي التفاوضي للصراع على قاعدة الشرعية الدولية وقراراتها، وأن جميع البدائل التي تحاول إسرائيل فرضها على الشعب الفلسطيني ستفشل.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.