رمضان «يوّحد» السوريين... والحرب الأوكرانية تفاقم معاناتهم

«الشرق الأوسط» ترصد الأوضاع المعيشية في «مناطق النفوذ» الثلاث

محل لبيع الخضراوات في العاصمة السورية دمشق في 18 مارس الماضي (رويترز)
محل لبيع الخضراوات في العاصمة السورية دمشق في 18 مارس الماضي (رويترز)
TT

رمضان «يوّحد» السوريين... والحرب الأوكرانية تفاقم معاناتهم

محل لبيع الخضراوات في العاصمة السورية دمشق في 18 مارس الماضي (رويترز)
محل لبيع الخضراوات في العاصمة السورية دمشق في 18 مارس الماضي (رويترز)

حل شهر رمضان المبارك هذا العام على السوريين في مناطق «النفوذ» الثلاث، وسط تفاقم الأزمة المعيشية، بحيث «وحدتهم» المعاناة بصرف النظر عن مواقفهم السياسية ومنطقة وجودهم. كما أن الحرب الأوكرانية التي أثرت على خطوط الإمداد وإنتاج المواد الغذائية وفاقمت معاناة السوريين ورفعت أسعار المواد الرئيسية.

دمشق
وعشية بداية شهر رمضان المبارك، شهدت أسعار المواد الغذائية والأساسية في دمشق ارتفاعاً غير مسبوق في البلاد، فقد وصلت أسعار الخضراوات والفواكه لأسعار قياسية
ومنذ منتصف الشهر الماضي، قفزت الأسعار بشكل كبير لعموم المواد الغذائية والاستهلاكية بسبب ارتفاع أجور النقل، كما ارتفعت أسعار الخضراوات والفواكه بسبب الأحوال الجوية التي مرت على سوريا منذ بداية شهر مارس (آذار). وقال أبو إبراهيم، وهو تاجر خضراوات في سوق دمشق المركزي للخضراوات: «ارتفعت أسعار عموم أنواع الخضراوات وخاصة الزراعات المحمية القادمة من المنطقة الساحلية، وذلك بسبب موجة البرد التي شهدتها سوريا خلال شهر مارس الماضي مما دفع المزارعين إلى تشغيل أجهزة التدفئة التي تتطلب مازوت – ديزل، مما أدى لرفع أسعار عموم الخضراوات».
وأضاف أبو إبراهيم لوكالة الأنباء الألمانية: «مع موجة الجفاف، تحتاج المزروعات للري بواسطة المحركات، وأدى عدم قدرة الحكومة على تأمين المحروقات للمزارعين، لوجود سوق سوداء لأسعار المواد النفطية، مما انعكس على تكاليف الإنتاج والنقل».
وترى في سوق دمشق يقوم عدد من الأشخاص بتحميل سيارة نقل صغيرة بالخضراوات والفواكه، لنقلها إلى أحياء العاصمة دمشق. ويقول محيي الدين حسن من حي الميدان الدمشقي: «أقوم بشراء الخضراوات والفواكه من التجار بشكل مباشر، لبيعها بسعر معقول للمستهلكين رغم تكلفة النقل، ومع ذلك تبقى الأسعار مرتفعة جداً ووصلت إلى أرقام قياسية». وأكد محيي الدين أنه خلال شهري فبراير (شباط) ومارس انخفضت كمية البيع من 50 إلى 70 في المائة من حجم البيع الاعتيادي، في حين اختفت بعض المواد أو بقيت عند الحد الأدنى».
ويقول عدنان عيسى الذي يملك محلاً لبيع المواد الغذائية في منطقة المزة بدمشق: «خلال اليومين الماضيين شهدت السوق تحركاً بسيطاً، وخاصة المواد الغذائية المطلوبة في شهر رمضان وهي التمور، ولكن هي في الحدود الدنيا قياساً بالأعوام السابقة». ويضف عيسى: «أسعار المواد الغذائية أصبحت لا تتناسب ودخل الموظف الشهري، وأن الأغلبية من المتسوقين يعتمدون على الحوالات الخارجية».
وتقول ميساء علي، وهي موظفة في حي المزة بدمشق: «ارتفعت أسعار عموم المواد الغذائية والخضراوات بشكل كبير جداً، والأنواع الرخيصة من الأرز اليوم لا يقل سعر الكيلو عن 4 آلاف ليرة سورية، وارتفع سعر كيلو الزيت من 8500 ليرة إلى 15 ألف ليرة سورية والمؤسسات الحكومية تقدم للعائلة في الشهر نحو 2 لتر ماذا نعمل بهذه الكمية، هل تكفي للطبخ لمدة أسبوع، ماذا نعمل بعدها، ليست لدينا القدرة على شراء مواد بسعر السوق، راتبي الشهري وراتب زوجي لا يتجاوز 200 ألف ليرة سورية واحتياجاتنا الشهرية تتجاوز الـ500 ألف ليرة في الحد الأدنى عدا تكاليف الملابس والعلاج والمناسبات».
وتشير دراسات وتقارير سورية غير رسمية إلى أن معدل احتياجات الأسر من 3 - 5 أشخاص في الشهر يتجاوز الـ600 ألف ليرة سورية عدا إيجار المنزل إذا كانت تملك الأسرة منزلاً. في حين تبلغ معدلات الرواتب الشهرية الحكومية والخاصة في سوريا بين 100 ألف إلى 250 ألف ليرة سورية.
ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا نهاية شهر فبراير الماضي، ارتفعت أسعار مواد غذائية وخاصة الزيوت ومشتقات الحبوب ووصل سعر كيلو زيت الذرة وعباد الشمس إلى أكثر من 18 ألف ليرة سورية، وسط عجز حكومي عن تأمين احتياجات الأسواق السورية عبر الدعم الحكومي وحاجة السوق عموماً.
وفيما يتعلق بالعملة الأجنبية، فقد وصل سعر صرف الدولار في الأسواق السورية السوداء إلى حدود 4 آلاف ليرة سورية، في حين يبلغ سعره الرسمي نحو 2500 ليرة.

درعا
لرمضان في محافظة درعا كغيرها من المدن السورية طقوس خاصة، لكن هذه الطقوس باتت حكراً للعائلات الميسورة الحال، لأنها طقوس تستلزم سيولة مالية.
ولم تعد هذه الطقوس ضمن آمال الكثير من العائلات محدودة الدخل، فالوضع الكارثي والغلاء الذي خيم على كل مستلزمات الحياة وحتى الأساسية، جعلا معظم العائلات لا يفكرون سوى بكيفية تأمين مستلزمات مائدة الإفطار كل يوم بيومه.
يقول أبو نضال أحد سكان ريف درعا إن موجة الغلاء التي تشهدها سوريا اليوم لم تمر على البلاد رغم سنوات الحرب الماضية. وأضاف أن معدل الحاجيات اليومية في شهر رمضان لكل أسرة يصل إلى 25 ألف ليرة سورية يومياً، ومعظم سكان المنطقة يعتمدون على رواتب الموظفين التي تساوي مع كل الزيادات الأخيرة التي قدمتها الحكومة السورية من 80 - 100 ألف ليرة سورية، وأجور اليد العاملة في القطاع الخاص، وخاصة الزراعي، لا تكفي لسد احتياجات الأسرة لأول أيام شهر رمضان فقط. وأصبح شاغل الأهالي حساب قيمة الإنفاق الكبير على الطعام والشراب؛ بسبب الغلاء الكبير في أسعار السوق قبيل قدوم شهر رمضان.
وبحسب أحمد أحد تجار درعا، فإن المواد الغذائية متوفرة لكن ثمنها أضعاف ما كانت عليه في رمضان العام الماضي، و«تتجاوز القدرة الشرائية للمواطنين أصحاب الدخل المحدود»، بسبب غلائها من المصدر الأساسي في محلات «الجملة» في دمشق، نتيجة قلة وندرة المحروقات في البلاد كالمازوت والبنزين والغاز؛ وشرائها من السوق السوداء بسعر يساوي ثلاثة أضعاف سعرها الحقيقي، إذ وصل سعر اللتر الواحدة من البنزين إلى 4 آلاف ليرة سورية، واللتر الواحد من مادة المازوت وصل إلى 5 آلاف ليرة سورية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار البضاعة في المعامل وارتفاع أجرة نقلها.
ويقول الناشط مهند العبد الله من درعا إنه نتيجة التأثر بالأزمة الاقتصادية التي أصابت معظم مناطق العالم بعد الحرب الروسية في أوكرانيا، شهدت الأسواق السورية ارتفاعاً كبيراً في الأسعار، خاصة الطحين والزيت النباتي والسكر، ونتيجة موجات الصقيع والبرد التي ضربت المحاصيل الزراعية في المنطقة وعموم سوريا وأدت إلى إتلاف مشاريع وبساتين كثيرة، ارتفعت أسعار الخضراوات.

إدلب وحلب
استقبل أهالي محافظة إدلب ومناطق بريف حلب، والنازحون في المخيمات، اليوم الأول من شهر رمضان هذا العام، بأجواء وطقوس رمضانية مثل نشر الزينة في الشوارع والأسواق وتنظيف المساجد، اعتاد السوريون على ممارستها منذ زمن بعيد، خلال شهر رمضان من كل عام، وشهدت مناطق كثيرة في إدلب والمخيمات، حملات مبادرات إنسانية وتطوعية لمساعدة الفقراء.
وقالت أم حمزة (34 عاماً)، نازحة من ريف حماة وتعيش في مخيم الوردة شمال إدلب، إن «شهر رمضان هذا العام هو الشهر الخامس الذي تقضيه وأسرتها في مخيمات النزوح، بعد أن نزحت من بلدتها كفرزيتا بريف حماة، وقضاء شهر رمضان بعيداً عن المنزل والموطن الأصلي يتسبب بحالة حزن في أعماقنا، إلا أن التراحم الذي نشهده بين الناس خلال الشهر المبارك، يخفف من أحزاننا، وشوقنا لبلادنا، حيث بادر البعض من أصحاب الخير، بجمع مبالغ مالية وجرى توزيعها قبل بدء شهر رمضان بيوم واحد على الأسر الفقيرة، لمساعدتهم في توفير الغذاء، إضافة إلى توزيع التمور من قبل بعض المؤسسات الإنسانية في المنطقة».

مبادرات إنسانية
وأعلن مشفى «الشفاء» في محافظة إدلب عن استقبال كافة المرضى المحتاجين لإجراء عمليات القسطرة القلبية وتقديم التشخيص بشكل مجاني للمرضى خلال أيام شهر رمضان المبارك، واستعداده لاستقبال كافة المرضى المحتاجين لإجراء عمليات زرع شبكات بشكل مجاني للحالات الإسعافية.
ولاقت المبادرة حالة رضا كبيرة بين الأهالي، تدفع للتخفيف من معاناتهم خلال شهر رمضان المبارك في ظل الظروف المعيشية الصعبة، التي يعانون منها.
من جهتهم، أعلن نحو أكثر من 40 شخصاً من أصحاب المنازل المأجورة في مدن أريحا وإدلب، خلال اليوم الأول من شهر رمضان، إعفاء المستأجرين من أجور المنازل خلال الشهر، للتخفيف من أعباء تكاليف الحياة المعيشية الصعبة، والغلاء في أسعار السلع الغذائية.
وقال أبو عبدو (55 عاماً): «شهدت أسواق مدينة إدلب خلال اليوم الأول إقبالاً جيداً من قبل المواطنين على التسوق وشراء المأكولات، بعد أن بادر عدد كبير من أصحاب المحال التجارية والجزارين، إلى تخفيف نسبة الأرباح المضافة على أسعار السلع الغذائية واللحوم.

القامشلي
وشهدت الأسواق المركزية في مدينة القامشلي ازدحاماً غير مسبوق وإقبالاً شعبياً في أول أيام شهر رمضان، تزامنت مع ارتفاع شديد في الأسعار بشكل عام والسلع الغذائية والمواد الخاصة بالشهر الفضيل.
ويواجه سكان المنطقة أسوأ أزمة اقتصادية على مدار الأعوام الماضية جراء انخفاض العملة السورية وتصاعد الأسعار بشكل كبير بعد الغزو الروسي لأوكرانيا الشهر الماضي، ونقل تجار إن الحرب الروسية تسببت في زيادة الأسعار بنحو 30 في المائة، مما أضعف الأجواء الاحتفالية عند الناس التي عادة ما يخلقها شهر رمضان.
وقال سعد الدين (48 سنة) صاحب محل سمانة يقع في السوق المسقوفة وسط مدينة القامشلي: «أكثر المواد التي شهدت ارتفاعاً كانت الزيوت والسمنة والأرز والبرغل والبقوليات عموماً، أما التمور ارتفعت كثيراً لتباع علبة 5 كيلو بنحو 35 ألفاً»، ما (تعادل 10 دولارات أميركية)، فيما أشار خضر (55 عاماً) والذي يمتلك متجراً للغذائيات إلى أن أغلب زبائنه هذا العام بشهر رمضان فضلوا شراء كميات أقل بسبب ارتفاع الأسعار ليقول: «سابقاً الناس كانت تشتري بالجملة في رمضان لكن هذا العام يشترون بالكيلو ونصف كيلو بسبب الغلاء الفاحش»، ويعزو التجار ارتفاع السلع والمواد الأساسية إلى زيادة تكاليف النقل وطول الطرق وعدم استقرارها، إضافة لتقلب سعر صرف العملات الأجنبية وسجل الدولار الأميركي في الأسواق المحلية بحدود 3800 ليرة وكان قبل 2011 يتراوح سعره 47 ليرة سورية.
وحاولت منال (35 سنة) المتحدرة من القامشلي وتعمل موظفة في دائرة تابعة للإدارة الذاتية شراء متطلبات المنزل من مواد أساسية وبعض اللحوم لإعداد وجبة الإفطار. وبعد استفسار عن سعر كيلو اللحم الذي تجاوز 20 ألف ليرة سورية وسعر كيلو الفروج الذي ارتفع إلى 7 آلاف ليرة، خفضت من الكمية التي كانت مقررة شراءها وأثناء حديثها ارتسمت علامات الحيرة على وجهها وهي تدفع النقود للحام، لتقول: «لا أشتري اللحمة إلا في أطعمة محددة وآخذ بالوقية من أجل تغيير نكهة الطعام، عكس ما كنت عليه سابقاً حيثُ كنت أشتري اللحمة بالكيلوغرامات شهرياً».
وبحسب أصحاب مذابح الدجاج فقد ارتفعت أسعار المنتجات الحيوانية والدواجن بمتوسط نحو 500 في المائة، إذ وصل سعر الفرّوج الحي إلى حدود 7100 ليرة سورية، وطبق البيض ارتفع إلى 10 آلاف ليرة، وهذه الأسعار شهدتها المنطقة لأول مرة منذ بداية الأزمة السورية.



نجل صالح يعيد التذكير بحضوره في المشهد اليمني سياسياً وحزبياً

انتهز نجل صالح ذكرى تأسيس حزب «المؤتمر» لإعادة تقديم نفسه في المشهد اليمني (إكس)
انتهز نجل صالح ذكرى تأسيس حزب «المؤتمر» لإعادة تقديم نفسه في المشهد اليمني (إكس)
TT

نجل صالح يعيد التذكير بحضوره في المشهد اليمني سياسياً وحزبياً

انتهز نجل صالح ذكرى تأسيس حزب «المؤتمر» لإعادة تقديم نفسه في المشهد اليمني (إكس)
انتهز نجل صالح ذكرى تأسيس حزب «المؤتمر» لإعادة تقديم نفسه في المشهد اليمني (إكس)

اختار أحمد علي عبد الله صالح، نجل الرئيس اليمني الأسبق، الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس حزب «المؤتمر الشعبي العام» الذي تزعمه والده حتى مقتله على يد الحوثيين في 2017، ليخرج من نمط الظهور المحدود الذي لازم نشاطه خلال السنوات الماضية، إذ قدّم أحد أكثر خطاباته وضوحاً منذ رفع العقوبات الدولية عنه في يوليو (تموز) 2024، واضعاً استعادة الدولة والقرار الوطني وتوحيد القوى المناهضة للحوثيين في صدارة رسالته السياسية.

وبينما اقتصرت إطلالات نجل صالح خلال الفترات الماضية على بيانات التعازي والتهاني والمناسبات العامة، حملت رسالته الأخيرة خطاباً سياسياً متكاملاً، تحدث فيه عن الدولة والجمهورية والوحدة والسيادة، وانتقد أداء مؤسسات الشرعية، ودعا إلى توحيد القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية المناهضة للحوثيين.

ويقيم أحمد علي في الإمارات منذ إبعاده عن العمل العسكري وتعيينه سفيراً لليمن لدى الإمارات عام 2013، قبل أن يصدر الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي قراراً بإقالته من منصبه الدبلوماسي في 2015. ومنذ ذلك الوقت، بقي بعيداً نسبياً عن النشاط السياسي المباشر، إلى أن عاد اسمه إلى المشهد الحزبي في السنوات الأخيرة.

أنصار نجل صالح يدفعون به لاستعادة إرث والده السياسي والحزبي (إكس)

وتأتي عودة أحمد علي إلى واجهة الخطاب السياسي في وقت يحاول فيه الحوثيون، وفق مصادر سياسية وحزبية، استكمال إعادة تشكيل جناح «المؤتمر الشعبي» الموجود في صنعاء، بما يحد من نفوذ القيادات المرتبطة بأسرة الرئيس الأسبق أو المتواصلة مع قيادات الحزب في الخارج.

وكانت قيادة جناح الحزب في صنعاء قد اتخذت في أغسطس (آب) 2025 قراراً بإلغاء تصعيد أحمد علي إلى منصب نائب رئيس الحزب وفصله من عضويته، في خطوة قالت مصادر متعددة إنها جاءت تحت ضغوط حوثية. كما ربطت تقارير تلك الخطوة بمساعي الجماعة لإعادة هيكلة الحزب والسيطرة على قراره السياسي والتنظيمي.

لكن رسالة أحمد علي الحالية تقدم صورة مختلفة؛ فهو يخاطب قواعد الحزب وقياداته وأنصاره بصفته «نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام»، ويضع نفسه في قلب النقاش حول مستقبل الحزب، متجاوزاً عملياً القرار الذي اتخذه جناح صنعاء الخاضع لنفوذ الحوثيين.

من إرث صالح إلى مشروع الحزب

يمثّل رفع العقوبات الدولية عن أحمد علي ووالده في يوليو 2024 محطة مفصلية في مساره السياسي. فقد أنهت لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن إدراج اسمه على قائمة العقوبات، بعد سنوات من خضوعه لتدابير شملت تجميد الأصول وحظر السفر.

ومنذ ذلك التطور، ظهرت مؤشرات على رغبة أحمد علي في إعادة تقديم نفسه داخل المجال السياسي، وإن ظل حضوره في البداية محسوباً ومحدوداً. وفي أغسطس (آب) 2024، رحّب بقرار رفع العقوبات، معتبراً إياه، في كلمة وجهها إلى المؤتمريين، «انتصاراً للعدالة» ورداً للاعتبار إليه وإلى عائلته.

منذ مقتل صالح هيمن الحوثيون في مناطق سيطرتهم على مقدرات حزبه «المؤتمر الشعبي» (فيسبوك)

غير أن خطابه الأخير يبدو أكثر اتساعاً من مجرد الدفاع عن إرث والده أو الرد على خصومه. فهو يتحدث عن شكل الدولة المقبلة، وعن القوات المسلحة والأمن، وعن العلاقة بين الدولة والمجتمع، وعن دور مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، فضلاً عن مستقبل الوحدة اليمنية. وهذا التحول يجعل الرسالة أقرب إلى إعادة تموضع سياسي منها إلى بيان مناسبة حزبية.

ويحاول أحمد علي في خطابه الأخير الفصل بين حزب «المؤتمر الشعبي» وتجربة السلطة التي ارتبط بها الحزب لعقود، مؤكداً أن قوة التنظيم، حسب رؤيته، تكمن في قواعده وليس في المناصب والمؤسسات.

وفي الوقت ذاته، يعيد تثبيت الصلة بين الحزب وإرث مؤسسه، مستحضراً والده علي عبد الله صالح وأمين عام «المؤتمر» السابق عارف عوض الزوكا، اللذَيْن قتلهما الحوثيون في نهاية 2017 بعد انهيار التحالف بين الجماعة والرئيس الأسبق.

موالون للجماعة الحوثية يرددون «الصرخة الخمينية» في احتفالية سابقة لحزب «المؤتمر» في صنعاء (فيسبوك)

ويبدو استحضار هذه الرمزية جزءاً من محاولة أوسع للحفاظ على الإرث السياسي والحزبي لعلي عبد الله صالح، في مواجهة مساعي الحوثيين لإعادة تشكيل «المؤتمر» في مناطق سيطرتهم، وكذلك في مواجهة تعدد أجنحة الحزب وتوزع قياداته بين الداخل والخارج.

فحزب «المؤتمر»، الذي تأسس عام 1982، لم يعد منذ مقتل مؤسسه تنظيماً موحداً بالمعنى التقليدي، بل توزعت قياداته وقواعده بين مناطق النفوذ المختلفة، فيما احتفظ جناح صنعاء بوجود تنظيمي تحت سلطة الحوثيين، في حين نشطت قيادات أخرى في الخارج وفي مناطق الحكومة والقوى المناهضة للجماعة.

مواجهة الحوثيين

أكثر ما يميّز رسالة أحمد علي أنها لا تكتفي بالدفاع عن «المؤتمر»، بل تقدم تصوراً سياسياً لمواجهة الحوثيين، يقوم على إنهاء الانقسامات بين القوى المناهضة للجماعة.

وقال إن الطريق إلى صنعاء واستعادة مؤسسات الدولة لا يمر عبر الاقتتال بين خصوم الحوثيين أو تصفية الحسابات الداخلية، وإنما عبر تحالف وطني واسع يضم القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية، ويضع استعادة الدولة والنظام الجمهوري هدفاً مشتركاً.

كما وجه انتقادات مباشرة إلى أداء مؤسسات الشرعية، مطالباً مجلس القيادة الرئاسي والحكومة بالانتقال من «إدارة الأزمة إلى صناعة الحل»، والعودة إلى الداخل، ومعالجة تدهور العملة والخدمات والمرتبات ومؤسسات الدولة.

ويبدو أن الرجل الذي ظل سنوات بعيداً عن الأضواء، يسعى بشكل أكبر للتحرك السياسي، في وقت يسعى فيه أنصاره إلى الدفع باسمه وإعادة بناء حضوره داخل «المؤتمر» باعتباره أحد أبرز حاملي إرث والده السياسي والحزبي.

وفي ختام رسالته، اختصر أحمد علي رؤيته بثلاثة عناوين وهي اليمن بوصفه البوصلة، والدولة باعتبارها الهدف، والجمهورية والوحدة والسيادة والحرية والكرامة بوصفها ثوابت لا مساومة عليها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن يطالب بتجفيف مصادر تسليح الحوثيين

 العليمي استقبل في الرياض مسؤولاً ألمانياً رفيعاً (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض مسؤولاً ألمانياً رفيعاً (سبأ)
TT

اليمن يطالب بتجفيف مصادر تسليح الحوثيين

 العليمي استقبل في الرياض مسؤولاً ألمانياً رفيعاً (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض مسؤولاً ألمانياً رفيعاً (سبأ)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي إلى مقاربة دولية أكثر حزماً تجاه التدخلات الإيرانية في المنطقة، تقوم على الضغط المتزامن على طهران والشبكات المسلحة المرتبطة بها، وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها، بالتوازي مع دعم مؤسسات الدولة اليمنية وقدرتها على حماية سيادتها وأمنها وممراتها البحرية.

وجاءت دعوة العليمي خلال استقباله أمين عام وزارة الدفاع الألمانية نيس بولتر، بحضور وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين أفراح الزوبة، في وقت تشهد فيه الجبهات تصعيداً حوثياً كبيراً، شمل استهداف مدن وموانئ ومنشآت مدنية، بالتزامن مع تهديدات متكررة للملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.

وقال العليمي إن التحولات الجارية في الموقف الدولي تجاه إيران تمثل فرصة لإعادة بناء معادلة أكثر استدامة للأمن الإقليمي، مستشهداً بالتجربة اليمنية بوصفها نموذجاً واضحاً للمخاطر الناجمة عن نمو جماعات مسلحة خارج سلطة الدولة وتحولها من تهديد داخلي إلى مصدر خطر عابر للحدود. في إشارة إلى الجماعة الحوثية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (د.ب.أ)

وأضاف أن التصعيد الحوثي الأخير ضد المدن والموانئ والمنشآت المدنية، بما في ذلك الهجمات على المخا ومأرب، يعكس محاولة لإعادة إنتاج سياسة الابتزاز واختبار إرادة الدولة اليمنية، مؤكداً أن القوات المسلحة أظهرت جاهزية عالية وستواصل استهداف مراكز القيادة والسيطرة والتجمعات والعناصر الحوثية في مختلف الجبهات.

وطالب رئيس مجلس القيادة اليمني المجتمع الدولي بتعزيز ملاحقة شبكات تهريب الأسلحة والمكونات والتكنولوجيا ذات الاستخدام العسكري، وتشديد الإجراءات على الأفراد والكيانات المتورطة في تمويل وتسليح الجماعة الحوثية، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي لمنع وصول هذه القدرات إلى الجماعة.

لحظة انفجار صاروخ أطلقه الحوثيون في وقت سابق على ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

وشدّد كذلك على ضرورة دعم قدرات الحكومة اليمنية في حماية البحر الأحمر وباب المندب والموانئ السيادية، قائلاً إن أمن الممرات البحرية لا يمكن ضمانه بصورة مستدامة بالانتشار البحري الدولي وحده، وإنما من خلال دولة يمنية قوية قادرة على بسط سلطتها وحماية سواحلها ومياهها الإقليمية.

وأكد العليمي أن اليمنيين لا يمكن أن يقبلوا بنموذج تتعايش فيه مؤسسات الدولة الرسمية مع جماعة مسلحة تحتفظ بالسلاح وتقرر بصورة منفردة متى تحارب ومتى تسالم، في ظل ارتباطها بمشروع عابر للحدود.

اختبار حماية الملاحة

في لقاء منفصل، بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي باوزير مع القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن نيل هوب، العلاقات الثنائية وآفاق تعزيزها، إلى جانب مستجدات الأوضاع السياسية والميدانية والتعاون في مكافحة الإرهاب وحماية حرية الملاحة الدولية.

وحسب الإعلام الرسمي وضع العليمي المسؤول الأميركي في صورة التطورات الميدانية، وفي مقدمتها الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيرة على المخا ومأرب، واستهداف منافذ حيوية ومواقع للقوات الحكومية ومخيمات للنازحين وبعض الأعيان المدنية.

عضو مجلس الحكم اليمني عبد الله العليمي باوزير مع القائم بأعمال السفير الأميركي (سبأ)

وقال إن استمرار الجماعة الحوثية في ضرب الموانئ والمنشآت المدنية وتهديد السفن التجارية يكشف، حسب تعبيره، طبيعتها بوصفها أداة للمشروع الإيراني في المنطقة، محذراً من أن التغاضي عن هذه التهديدات يشجعها على مواصلة تقويض الأمن والاستقرار.

وأضاف أن الجماعة التي تتحدث عن وجود حصار على مناطق سيطرتها هي نفسها التي تستهدف الموانئ والمطارات والمنشآت الاقتصادية، وتهدد السفن وإمدادات الغذاء والوقود، عادّاً أن ذلك يفاقم معاناة اليمنيين الإنسانية والاقتصادية.

ودعا العليمي الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلى الانتقال من احتواء التهديد الحوثي إلى معالجة مصادره وأدواته، ودعم مؤسسات الدولة اليمنية وقدرتها على حماية أراضيها ومياهها ومصالح مواطنيها.

وأكد أن حماية الملاحة الدولية لا يمكن فصلها عن معالجة جذور الأزمة اليمنية، وأن تأمين البحر يبدأ من إنهاء الخطر في البر، داعياً إلى موقف أكثر حزماً تجاه الجهات التي تواصل دعم وتسليح الحوثيين.

هجوم على جبهة حيس

ميدانياً، أحبطت القوات الحكومية، مساء الاثنين، هجوماً واسعاً شنته الجماعة الحوثية على مواقعها في جبهة حيس بمحافظة الحديدة، بالتزامن مع قصف مدفعي شمل قرى سكنية ومخيمات للنازحين.

وقالت مصادر محلية وعسكرية إن ألوية الزرانيق أحبطت محاولة هجوم مباغتة باتجاه جبل دوباس شمال حيس، بعد رصد تحركات المهاجمين من فرق الاستطلاع والرصد.

مجسمات صواريخ ومسيّرات نصبها الحوثيون في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

وأوضحت المصادر أن القوات الحكومية باغتت العناصر الحوثية بضربات لدى اقترابها من مواقعها، لتندلع مواجهات عنيفة استمرت نحو ساعتين واستخدمت خلالها مختلف أنواع الأسلحة.

وأسفرت المواجهات، وفق المصادر، عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المهاجمين وفرار بقية العناصر الحوثية.

وبالتزامن مع الهجوم، كثفت الجماعة قصفها المدفعي، وأطلقت نحو 20 قذيفة هاون على قرى الحَرَز والمَرجيم وماشِعة والبُغيل شمال المديرية، ما أثار حالة من الرعب بين السكان والنازحين وألحق أضراراً مادية بالممتلكات.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود

أكد رئيس الوزراء أن اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود (تصوير تركي العقيلي)
أكد رئيس الوزراء أن اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود (تصوير تركي العقيلي)
TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود

أكد رئيس الوزراء أن اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود (تصوير تركي العقيلي)
أكد رئيس الوزراء أن اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود (تصوير تركي العقيلي)

حذّر رئيس الوزراء اليمني الدكتور شائع الزنداني من أن بلاده لن تبقى ساحة مفتوحة أمام مشروع عابر للحدود، مؤكداً أن الدولة ستواصل بناء قدراتها لحماية شعبها ومؤسساتها ومصالحها، وأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة، بل ثمرة لاستعادتها.

وقال الزنداني، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن التصعيد الحوثي الأخير يكشف بوضوح عن استهداف الجماعة مقومات الحياة والاقتصاد الوطني، وسعيها إلى تحويل الأراضي اليمنية والموانئ والممرات البحرية إلى أدوات تخدم مشروعاً إقليمياً يتجاوز حدود البلاد.

أكد رئيس الوزراء أن اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود (تصوير تركي العقيلي)

وشدّد رئيس الوزراء على أن التنسيق اليمني - السعودي يتجاوز مواجهة تصعيد عسكري طارئ، ويستند إلى شراكة استراتيجية راسخة بين بلدين يجمعهما الجوار والأمن والمصير والمصالح المشتركة.

التصعيد الحوثي يستهدف الاقتصاد الوطني

قال الزنداني إن التصعيد الأخير يكشف بوضوح عن أن الميليشيات الحوثية الإرهابية لا تستهدف جبهة عسكرية أو منشأة بعينها فحسب، وإنما تستهدف أيضاً المدنيين ومقومات الحياة والاقتصاد الوطني، وتحاول تحويل الأراضي اليمنية والموانئ والممرات البحرية إلى أدوات في مشروع إقليمي يتجاوز حدود اليمن.

وأضاف أن استهداف ميناء المخا تحديداً يمثل تطوراً بالغ الخطورة؛ لأنه يطول منشأة مدنية واقتصادية، ويوجه رسالة تهديد إلى حركة التجارة والملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، مشيراً إلى أن الحكومة تعاملت مع هذا التصعيد بوصفه تهديداً متزامناً للأمن الوطني والاقتصاد اليمني والأمنين الإقليمي والدولي.

الانتقال من الاحتواء إلى الردع

وفي شأن الانتقال من الاحتواء إلى الردع، أوضح رئيس الوزراء أن الحكومة تواجه ميليشيا أثبتت، خلال السنوات الماضية، أنها تستغل أي هدنة لإعادة بناء قدراتها، ثم تعود إلى التصعيد متى سنحت لها الفرصة.

شدد الزنداني على أن مجلس الدفاع الوطني وجّه بالفعل بإبقاء الجاهزية عند أعلى مستوياتها (سبأ)

وقال إن مهمة الحكومة اليوم تتمثل في تمكين مؤسسات الدولة والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية من حماية المواطنين والمنشآت والمصالح الوطنية، والعمل مع القيادتين العسكرية والأمنية على رفع الجاهزية وتعزيز القدرة على الردع واستعادة سلطة الدولة.

وأكد أن الردع، من وجهة نظر الحكومة، ليس مجرد عمل عسكري، بل منظومة متكاملة تشمل الجاهزية العسكرية والأمنية، وحماية المنشآت، وتأمين الموانئ والمنافذ، وملاحقة شبكات التمويل والتهريب، إلى جانب التحرك السياسي والدبلوماسي وحشد الموقف الدولي.

وأشار الزنداني إلى أن مجلس الدفاع الوطني وجّه بالفعل بإبقاء الجاهزية عند أعلى مستوياتها، وتعزيز حماية المنشآت الحيوية، وتوسيع أدوات الردع في مواجهة مصادر التهديد.

وأضاف: «نحن لا نبحث عن حرب من أجل الحرب، ولا نريد توسيع دائرة المعاناة اليمنية، لكن الدولة والحكومة لن تقبلا، في الوقت نفسه، أن تصبح المنشآت والموانئ والمدن والأعيان المدنية أهدافاً مفتوحة من دون امتلاك القدرة والإرادة لحمايتها».

وتابع: «نقول للجميع، في الداخل والخارج، إنه لا يمكن بناء سلام مستدام في اليمن إلا عندما تصبح الدولة صاحبة القرار والسيادة والسلاح».

إجراءات لحماية البنية التحتية

وأوضح الزنداني أن حكومته تتعامل مع حماية المنشآت بوصفها جزءاً من الأمن الوطني، وليست مجرد إجراء احترازي. مبيناً أنها رفعت، في ضوء التصعيد الأخير، مستوى الجاهزية في المؤسسات والمرافق الحيوية، خصوصاً الموانئ والمنافذ وقطاعات النقل والطاقة والاتصالات والخدمات الأساسية، كما وضعت خطط طوارئ للتعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة.

أكد الزنداني أن الحكومة تعمل على تعزيز منظومة الاستجابة للطوارئ وتأمين سلاسل الإمداد (رئاسة الوزراء)

وأضاف أنه وجّه، خلال الأيام الماضية، برفع مستوى الجاهزية في مرافق النقل والموانئ والمنافذ، والتأكد من قدرتها على مواصلة أداء وظائفها في الظروف الطارئة.

وأشار رئيس الوزراء إلى أن الحكومة تعمل عبر مسارين متوازيين؛ يتعلق الأول بالحماية المباشرة للمنشآت ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة العسكرية والأمنية والجهات المدنية، فيما يركز الآخر على ضمان استمرارية الخدمات والنشاط الاقتصادي في حال تعرض أي منشأة لاعتداء.

وبيّن أن أهمية ذلك تعود إلى أن هدف الحوثيين لا يقتصر على إحداث أضرار مادية، بل يشمل خلق حالة من الخوف، وتعطيل النشاط الاقتصادي، وإرباك حركة المواطنين والتجارة، مؤكداً أن أفضل رد على هذا النوع من الإرهاب هو الحفاظ على عمل مؤسسات الدولة واستمرار عجلة الحياة.

ولفت إلى أن الحكومة تعمل كذلك على تعزيز منظومة الاستجابة للطوارئ، وتأمين سلاسل الإمداد والمخزون من السلع الأساسية، والتنسيق مع السلطات المحلية والجهات المختصة لضمان سرعة التعامل مع أي أضرار محتملة.

وفيما يتعلق بميناء المخا، قال الزنداني إن الحكومة لا تتعامل معه بوصفه مجرد منشأة محلية، وإنما على أنه جزء من منظومة اقتصادية وملاحية أوسع، مشيراً إلى أن استهدافه تترتب عليه تداعيات تتجاوز الحدود الوطنية.

وأضاف أن حماية الموانئ والمنشآت الاقتصادية مسؤولية وطنية، وهي في الوقت ذاته جزء من مسؤولية المجتمع الدولي تجاه أمن الملاحة والتجارة الدولية.

وأكد أن الرسالة التي تريد الحكومة إيصالها هي أنها لن تسمح للميليشيات الحوثية وداعميها في النظام الإيراني بتحويل المنشآت المدنية والاقتصادية إلى رهائن لابتزاز الدولة أو المجتمع الدولي.

استقرار المناطق المحررة

ووصف رئيس الوزراء الحفاظ على الاستقرار في المناطق المحررة بأنه «المعركة الأساسية للحكومة»، موضحاً أن الميليشيات الحوثية لا تراهن على الصواريخ والطائرات المسيّرة فحسب، بل تراهن أيضاً على إنهاك المواطن، وإرباك الاقتصاد، وتعطيل الخدمات، وإضعاف الثقة بالدولة.

شدد الدكتور شائع على أن حماية الاستقرارين الاقتصادي والاجتماعي لا تقل أهمية عن حماية الجبهات (سبأ)

وشدّد على أن حماية الاستقرارين الاقتصادي والاجتماعي لا تقل أهمية عن حماية الجبهات، مشيراً إلى أن البرنامج الحكومي يقوم على مسارات مترابطة تشمل تنمية الإيرادات، وضبط الإنفاق، وتعزيز الرقابة على المال العام، ومكافحة الفساد والتهريب، وتحسين إدارة الموارد، ودعم القطاع المصرفي، والحفاظ على استقرار العملة، ومواصلة تحسين الكهرباء والخدمات الأساسية.

وأضاف أن الحكومة تعمل على بناء قدر أكبر من المرونة في مواجهة الصدمات، من خلال تأمين الاحتياجات الأساسية، وتحسين إدارة المخزون، وتنويع مسارات الإمداد، ورفع جاهزية المؤسسات الخدمية.

وقال الزنداني إن الحكومة قطعت خطوات في مسار الإصلاح المؤسسي والمالي، لكنها لا تدّعي أن النتائج بلغت بعد المستوى الذي يطمح إليه المواطن، مضيفاً: «نعمل في ظروف بالغة الصعوبة، لكن صعوبة الظروف لا تعفي الحكومة من مسؤولياتها».

وأكد أن أفضل وسيلة لإفشال رهان الحوثيين على إنهاك المناطق المحررة تتمثل في جعل مؤسسات الدولة أكثر كفاءة، والاقتصاد أكثر صموداً، والخدمات أكثر انتظاماً، والمواطنين أكثر ثقة بدولتهم.

التنسيق اليمني - السعودي

وشدد الزنداني على أن التنسيق اليمني - السعودي يقوم اليوم على أساس أعمق من مجرد مواجهة ظرفية لتصعيد عسكري، موضحاً أن البلدين تجمعهما شراكة استراتيجية تستند إلى الجوار والأمن والمصير والمصالح المشتركة.

أكد رئيس الوزراء اليمني أن السعودية كانت ولا تزال شريكاً رئيسياً لليمن (رئاسة الوزراء)

وأكد أن السعودية كانت ولا تزال شريكاً رئيسياً لليمن، ولم تتعامل معه بوصفه مجرد ملف سياسي أو أمني، بل انطلقت من رؤية تعدّ استقرار اليمن جزءاً من أمن المملكة والمنطقة، وترى أن تمكين الدولة اليمنية من استعادة مؤسساتها وتعافي اقتصادها وتحسين أوضاع مواطنيها استثمار في أمن المنطقة واستقرارها بأكملها.

وأوضح أن هذا التنسيق يتطور باستمرار ويتحرك عبر مسارات سياسية ودبلوماسية وأمنية وعسكرية واقتصادية وإنسانية، لافتاً إلى وجود مستوى عالٍ من التشاور بين قيادتي البلدين وحكومتيهما في التعامل مع التطورات والمخاطر المستجدة.

وأضاف: «نقدّر عالياً مواقف خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، تجاه اليمن وقيادته وشعبه، وما يقدمانه من دعم سياسي واقتصادي وإنساني وعسكري وأمني متواصل، وكذلك الدور الذي يضطلع به الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع، في تعزيز التعاون والتنسيق بين البلدين».

وضرب رئيس الوزراء مثالاً بالدعم الذي يتجاوز الجوانب السياسية والأمنية والعسكرية، مشيراً إلى أن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن أصبح شريكاً أساسياً في مسار التعافي والتنمية، من خلال مشروعاته في قطاعات الكهرباء والطاقة والمياه والصحة والتعليم والنقل والبنية التحتية.

وبيّن أن هذه المشروعات لا تستهدف معالجة احتياجات آنية فحسب، وإنما تساعد على إعادة بناء قدرات مؤسسات الدولة وتحسين الظروف الاقتصادية والمعيشية للمواطنين.

وأشار الزنداني كذلك إلى الدور الإنساني الذي يؤديه مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، بوصفه نموذجاً آخر للالتزام السعودي تجاه الشعب اليمني، من خلال برامجه ومشروعاته الإغاثية والإنسانية في مختلف المحافظات.

وفيما يتعلق بمواجهة التصعيد الحوثي، أكد رئيس الوزراء وجود فهم مشترك لطبيعة التهديد، موضحاً أن هذا التصعيد لم يعد قضية يمنية داخلية فحسب؛ فعندما تستهدف الميليشيات الموانئ والمنشآت المدنية والسفن التجارية وتهدد الملاحة الدولية، فإنها تنقل التهديد إلى المستويين الإقليمي والدولي.

أوضح الزنداني أن مشاريع «البرنامج السعودي» و«مركز الملك سلمان» نموذج للالتزام السعودي تجاه الشعب اليمني (رئاسة الوزراء)

ودعا إلى موقف دولي أكثر حزماً، مؤكداً أن أمن البحر الأحمر وباب المندب ليس قضية يمنية أو إقليمية فقط، بل مصلحة دولية ترتبط بالتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

احتياجات الحكومة

وحول احتياجات حكومته، قال الزنداني إنها تتمثل، أولاً، في استمرار الدعم السياسي والدبلوماسي للموقف اليمني؛ وثانياً، دعم قدرات الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية والاقتصادية؛ وثالثاً، مساندة جهود الحكومة في حماية المنشآت الحيوية واستعادة قدرتها على إنتاج مواردها وتصديرها؛ ورابعاً، تبني موقف دولي واضح يربط أي مسار للسلام بإنهاء أسباب الحرب، وليس بإدارة الانقسام.

وأكد أن اليمن لا يريد من المجتمع الدولي أن يخوض الحرب نيابةً عن اليمنيين، وإنما أن يساعدهم على إنهائها وبناء دولة قادرة على حماية نفسها، وأن يتعامل بجدية مع مصادر تمويل الميليشيات وتسليحها وشبكات التهريب التي تغذي قدرتها على مواصلة الحرب.

وأوضح أن المعادلة التي تعمل عليها الحكومة لا تقتصر على مواجهة التصعيد وردعه، بل تقوم على «دولة في مواجهة ميليشيا انقلابية إرهابية»؛ دولة تمتلك مؤسسات وقراراً سيادياً وقوات مسلحة وأجهزة أمنية واقتصاداً قابلاً للتعافي، في مقابل مشروع يريد إبقاء اليمن في حالة حرب واستنزاف دائم، ولا بد من هزيمته.

قال د. شائع الزنداني إن السلام الحقيقي لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة (رئاسة الوزراء)

وأعرب الزنداني عن ثقته بأن دعم السعودية، إلى جانب مساندة المجتمع الدولي، سيعززان قدرة الحكومة اليمنية على حماية المناطق المحررة ومواصلة الإصلاحات، وصولاً إلى استكمال استعادة سلطة الدولة على كامل التراب الوطني، وتحقيق السلام الذي يُنهي الانقلاب ويُعيد إلى اليمن استقراره ودوره الطبيعي في محيطه العربي والإقليمي.

رسالة إلى الحوثيين

وختم رئيس الوزراء برسالة قال فيها: «ينبغي أن تدرك الميليشيات الحوثية ومن يدعمها أن اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة أمام مشروع عابر للحدود، وأن الدولة اليمنية ستواصل بناء قدراتها لحماية شعبها ومؤسساتها ومصالحها، وأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة، بل نتيجةً لعودتها».