المفوضية: لا مؤشرات بين دول أوروبا على مواجهة مشكلات في إمدادات الغاز

شارل ميشال رئيس المجلس الأوروبي (يمين) وجوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي في بروكسل قبل بدء القمة (إ.ب.أ)
شارل ميشال رئيس المجلس الأوروبي (يمين) وجوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي في بروكسل قبل بدء القمة (إ.ب.أ)
TT

المفوضية: لا مؤشرات بين دول أوروبا على مواجهة مشكلات في إمدادات الغاز

شارل ميشال رئيس المجلس الأوروبي (يمين) وجوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي في بروكسل قبل بدء القمة (إ.ب.أ)
شارل ميشال رئيس المجلس الأوروبي (يمين) وجوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي في بروكسل قبل بدء القمة (إ.ب.أ)

استبقت مصادر رسمية فرنسية القمة الأوروبية - الصينية، التي التأمت أمس عن بعد، وضمت من الجانب الأوروبي رئيس المجلس شارل ميشال ورئيسة المفوضية أورسولا فون دير لايين ووزير الخارجية جوزيب بوريل، بالكشف عن الرسالتين الرئيسيتين اللتين يشدد عليهما القادة الأوروبيون. وقوام الرسالة الأولى، في أول قمة تلتئم بين الطرفين منذ عامين، الطلب من بكين استخدام «العلاقة الخاصة» التي تربطها بموسكو من أجل دفع الرئيس فلاديمير بوتين إلى وضع حد للحرب على أوكرانيا التي دخلت يومها الـ38، والرسالة الثانية التأكيد على أن لا مصلحة للصين في استمرار الحرب لأنها، إلى جانب ما تحمله من اهتزاز للنظام الدولي وضرب الأسس التي يقوم عليها، فإنها تصيب الاقتصاد العالمي والحركة التجارية وبالتالي فإن بكين متضررة منها كما بقية الدول وعلى رأسها الدول الأوروبية. وتعتبر المصادر المشار إليها أن «لا مصلحة للصين» في الالتصاق بروسيا وأن تحليل مواقفها في مجلس الأمن والأمم المتحدة تبين أنها تريد المحافظة على «مسافة محددة» من روسيا والدليل أنها امتنعت عن التصويت ضد أول مشروع قرار طرح في مجلس الأمن الذي يدين موسكو ويدعوها لوقف الحرب كما أنها التزمت الخط نفسه في الجمعية العامة، أكثر من مرة، حيث لم تنضم إلى الدول الأربع التي وقفت إلى جانب موسكو وهي سوريا وبيلاروسيا وكوريا الشمالية وإثيوبيا والتزمت الامتناع عن التصويت. ولدى سؤاله الأربعاء عما تتوقعه القيادة الصينية من القمة، لم يتطرق متحدث باسم الخارجية الصينية أبداً لموضوع أوكرانيا بالاسم. وقال المتحدث وانغ وينبين: «إن الوضع الدولي غير مستقر ومتوتر، والغموض يتزايد»، مضيفاً: «إن الصين والاتحاد الأوروبي قوتان أساسيتان لإرساء السلام في العالم»، لكن مسؤولاً كبيراً في الاتحاد الأوروبي شدد على ضرورة «أن تدرك الصين أن (...) للغزو الروسي لأوكرانيا تأثيراً على علاقات الاتحاد الأوروبي مع الصين».

أوروسولا دير فون لاين رئيسة المفوضية الأوروبية وإلى جانبها في القمة الافتراضية رئيس الوزراء الصيني لي كه شيانغ (إ.ب.أ)

وقال الوزير الفرنسي المكلف بالشؤون الأوروبية كليمان بون: «نحث الصين على ممارسة دورها، أي أن تكون إلى جانب مبادئ القانون الدولي دون غموض، وأن تمارس كل التأثير والضغط الضروريين على روسيا». وأضاف: «لم يكن هذا هو الهدف الأساسي للقمة لكنه طبعاً أصبح واحداً»، مشدداً على أن مواضيع أخرى مثل المناخ والتجارة «لن تكون غائبة». وتُعقد القمم الصينية الأوروبية عادة لتعزيز العلاقات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي، لكن فرض عقوبات متبادلة العام الماضي على خلفية معاملة الصين لأقلية الأويغور المسلمة، والتي تلاها حظر الواردات من ليتوانيا للصين على خلفية فتح بعثة دبلوماسية لتايوان في فيلنيوس، أفسد الاستعدادات للاجتماع في حينها. وجاء تراجع العلاقات مفاجئاً بعد أن كان الاتحاد الأوروبي والصين قد أبرما صفقة استثمارية في أواخر العام 2020 سعت إليها ألمانيا منذ فترة طويلة.
وبدأت أوروسولا دير فون لاين رئيسة المفوضية الأوروبية وشارل ميشال رئيس المجلس الأوروبي وجوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي المحادثات عبر الإنترنت مع رئيس الوزراء الصيني لي كه شيانغ. ومن المقرر أن يتحدثوا في وقت لاحق إلى رئيس الصين شي جين بينغ. وكان قد قال وزير خارجية الصين وانغ لي الأربعاء في اجتماع مع نظيره الروسي سيرغي لافروف إن «تعاون الصين - روسيا لا حدود له»، مكرراً جملة استخدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ، لكنه كرر دعوة بلاده لإجراء محادثات سلام قريباً، مضيفاً أنه يتعين مراعاة المخاوف المشروعة لكل الأطراف. وكانت العلاقات بين الصين والاتحاد الأوروبي متوترة بالفعل قبل الحرب الأوكرانية. وضغط قادة الاتحاد الأوروبي في الأمس على بكين لتقديم ضمانات بأنها لن تمد روسيا بالأسلحة ولن تساعدها في التحايل على العقوبات الغربية المفروضة عليها بعد غزوها أوكرانيا. وفي لهجة صريحة بخلاف المألوف، قال مسؤولون أوروبيون مطلعون إن أي مساعدة لروسيا ستضر بسمعة الصين على الساحة الدولية وستفسد العلاقات مع أكبر شريكين تجاريين، وهما الولايات المتحدة وأوروبا.
ومنذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، يسعى الغربيون، بكافة الوسائل، إلى منع الصين من الوقوف جدياً إلى جانب روسيا تجارياً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً رغم وعيهم للعلاقة «الاستراتيجية» التي تربط الطرفين. وفي أي حال، ترى باريس أن الحرب الجارية على الأراضي الأوروبية لا تهم أوروبا وحدها بل «كافة دول العالم» لأن أساسها انتهاك سيادة وحدود دولة مستقلة بقوة السلاح وتهديم للبناء الذي أقيم في أوروبا منذ عام 1945 أي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وأفادت المصادر الدبلوماسية الفرنسية أن أحد اهتمامات الأوروبيين، إلى ما سبق، دفع الصين للمشاركة في الجهود الآيلة إلى التخفيف من وقع الأزمة الغذائية العالمية التي بدأت مؤشراتها تظهر تباعاً بسبب الحرب وصعوبة استمرار أوكرانيا في تصدير القمح والذرة والحبوب الأخرى ما يعني وجود نقص في السوق وارتفاع الأسعار واحتمال اندلاع «ثورات الجوع» في العديد من الدول. ويقدر برنامج الغذاء العالمي أن الحرب الجارية يمكن أن تتسبب بمجاعة قد تصيب 400 مليون نسمة في أنحاء كثيرة من العالم أهمها في أفريقيا. وما تريده باريس أن تسهم الصين في التخفيف من وطأة الأزمة عن طريق الإفراج عن بعض احتياطيها من القمح المقدر بعشرة ملايين طن. وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس ماكرون أطلق الأسبوع الماضي، عقب انتهاء اجتماعات الاتحاد الأوروبي في بروكسل، مبادرة تضم الـ27 الأوروبيين ومجموعة السبع والاتحاد الأفريقي إضافة إلى دول أخرى مثل الولايات المتحدة والصين والهند والمنظمات الدولية «منظمة الغذاء والزراعة الدولية والبنك الدولي والمنظمات الإقليمية». وتقوم هذه المبادرة، كما شرحتها مصادر الإليزيه، على ثلاثة أعمدة: تجاري «تحرير الاحتياطي من الحبوب ورفع العقبات أمام التصدير» وتضامني «زيادة الإنتاج وتوزيع الفائض على الدول المحتاجة» وأخيراً زراعي «زيادة مساحة الأراضي المزروعة...». وثمة من يقيم مقارنة بين المبادرة الأوروبية وبين آلية «كوفاكس» التي ترعاها منظمة الصحة الدولية لتمكين الدول المحتاجة من الحصول على اللقاحات ضد فيروس (كوفيد - 19).
تنظر باريس بكثير من الشك إلى ما يصدر عن موسكو إن بخصوص المفاوضات الجارية مع أوكرانيا أو بخصوص التحركات الميدانية للقوات الروسية. وقالت مصادر دبلوماسية إنه من الواضح أن الجانب يوظف ما يعلنه عن المفاوضات في إطار «حملة علاقات عامة» وأن الشروط الضرورية لمفاوضات ناجحة ليست متوافرة. وتشدد باريس على الحاجة أولاً إلى وقف لإطلاق النار ورفع الحصار عن المدن المحاصرة وتسهيل خروج السكان وإيصال المواد الغذائية والأدوية. وقالت المصادر الدبلوماسية إن ما تقترحه موسكو «حالة الصمت» أي وقف إطلاق النار لأربع ساعات لمدينة ماريوبول المحاصرة وإقامة «ممر آمن» غير كافٍ للاستجابة للمبادرة التي أطلقها الرئيس ماكرون بالتعاون مع تركيا واليونان.
وكان ماكرون قد عرض الثلاثاء الماضي للرئيس بوتين، خلال اتصال هاتفي، الشروط لنجاح «إجلاء آمن» للمواطنين الراغبين في الخروج، إلا أن مسعى الرئيس الفرنسي لم يلاق تجاوباً من نظيره الروسي. وقالت المصادر الرئاسية إن الشروط الثلاثة التي طلبها ماكرون من الجانب الروسي «أي وقف إطلاق النار وحرية تحرك المدنيين وحرية إيصال المساعدات الإنسانية» «لم تتوافر» وبالتالي فإن عرض موسكو لا يمكن اعتباره استجابة للطلب الثلاثي الذي نقله ماكرون. وبأي حال، تلاحظ المصادر الدبلوماسية الفرنسية أن موسكو «تعيد استخدام التكتيكات التي كانت تلجأ إليها القوات الروسية في سوريا «لجهة الإعلان عن ممرات آمنة ثم إلصاق تهمة تعطيلها بالطرف الآخر». وترى في البيان الصادر الأربعاء عن وزارة الدفاع الروسية تأكيداً لتحليلها؛ إذ رمى سلفاً تهمة التعطيل على المجموعات القومية النازية.
أما في الجانب العسكري، فإن المصادر الفرنسية تعتبر أنه حتى اليوم «ليس هناك ما يؤكد وجود تغير استراتيجي في المقاربة الروسية أو أن أهداف الحرب قد تبدلت حقيقة». وتتوافق التقديرات الفرنسية مع ما صدر عن الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا في الأيام القليلة الماضية بشأن ما تشهده الساحة الأوكرانية. وتتساءل باريس عما إذا كانت التحركات العسكرية التي يمكن رصدها ميدانياً سواء أكانت في محيط كييف وشمال البلاد أو في الجنوب الشرقي والشرق بمثابة «إعادة تموضع» أو «استبدال وحدات بأخرى» أم أنها انسحاب حقيقي لها خصوصاً أن لا هدنة قائمة ولا حتى وقف لإطلاق النار. وتميل المصادر الفرنسية إلى اعتبار ذلك بمثابة «بروباغندا» ذات أهداف دعائية ليس غير.
يبقى أن باريس تنظر بكثير من الارتياح إلى أداء الدولة الأوكرانية التي بقيت واقفة على قدميها ولم يصبها الانهيار بعد أكثر من شهر من المعارك حيث إن الإدارة ما زالت تقوم بمهامها. كذلك نوهت بأداء القوات المسلحة الأوكرانية ميدانياً وباستمرار تماسك التسلسل الهرمي والقيادة حيث ما زال الجيش الأوكراني يتصرف كجيش نظامي وليس كمجموعات مقاتلة متشرذمة.
وأمس اتصل الرئيس ماكرون مجدداً بنظيره الأوكراني في اليوم التالي لتواصل مماثل بين وزيري خارجية البلدين. واستقبل الرئيس الفرنسي في قصر الإليزيه عمدة مدينة مليتوبول إيفا فيديروف مصحوباً بأربعة نواب نساء للاستماع لشهاداتهم والتعرف منهم على حقيقة الوضع الميداني.


مقالات ذات صلة

أوروبا رجل إطفاء في أحد المواقع التي استُهدفت بقنابل روسية موجهة في سلوفيانسك (د.ب.أ)

أوكرانيا: مقتل أربعة أشخاص في ضربة روسية... وزيلينسكي يبحث تحسين الدفاعات الجوية

قتل أربعة أشخاص بينهم ثلاثة أطفال في ضربة جوية روسية استهدفت مدينة بوغودوخيف في شرق أوكرانيا، وفق ما أفاد مسؤول أوكراني الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير 2026 (رويترز)

موسكو: الطريق لا يزال طويلاً أمام السلام الأوكراني

هوّن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أوروبا وأوكرانيا، مشيراً إلى أن الطريق لا يزال طويلاً أمام تحقيق.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)

رئيس استخبارات إستونيا: لا يمكن لروسيا مهاجمة «الناتو» هذا العام... لكنها تخطط لتعزيز قواتها

قال رئيس استخبارات إستونيا إن روسيا لا تستطيع شن هجوم على حلف «الناتو» هذا العام، لكنها تخطط لزيادة قواتها بشكل كبير على طول الجناح الشرقي للحلف.

«الشرق الأوسط» (تالين)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ من نظام متعدد باتجاه القوات الروسية بالقرب من بلدة بوكروفسك الواقعة على خط المواجهة بأوكرانيا يوم 9 ديسمبر 2025 (رويترز) p-circle

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن... الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن: الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية، والكرملين لم يحدد موعداً لمحادثات أوكرانيا ويرى أن «الطريق لا تزال طويلة».

إيلي يوسف (واشنطن) «الشرق الأوسط» (موسكو)

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».