نزار مدني يكتب: سعود الفيصل.. سجايا أدت إلى نجاح كبير

ذكريات الوزير الحالي مع الوزير السابق

الأمير سعود الفيصل
الأمير سعود الفيصل
TT

نزار مدني يكتب: سعود الفيصل.. سجايا أدت إلى نجاح كبير

الأمير سعود الفيصل
الأمير سعود الفيصل

وترجّل الفارس عن صهوة جواده..
وصفوه بفارس السياسة، وبطل الدبلوماسية..
ونعتوه بحكيم السياسة، وفقيه الدبلوماسية..
سموه قيثارة السياسة وأنشودة الدبلوماسية..
ولكني أعلم علم اليقين أن الأمير سعود الفيصل لا يحب مثل هذه التسميات، ولا يرتاح إلى مثل هذه النعوت، وينفر من مثل هذه الصفات، ودليلي على ذلك - إن كانت هناك حاجة لدليل - ما حدث ذات مرة حينما اطلع على مقال كتبه أحد الكتّاب في صحيفة من صحفنا المحلية تضمن الكثير من المديح والإطراء لسموه وللأعمال التي يقوم بها، أحال الأمير المقال لي مع هذه العبارة اللافتة: «لشكره على أي حال، ولو أنه مبالغ، والمبالغ في المديح كالذي يذم»، ولعل هذا ما يدفعني إلى عدم الخوض في قضية الأوصاف والنعوت، وذلك لأن لي مع الأمير سعود قصة طويلة أود أن أحكي بعض فصولها، ورواية شيقة أرغب في أن أسرد مقتطفات منها وأنا في صدد الحديث عن المشاعر التي انتابتني بعد علمي برغبته في إعفائه من منصبه.
بدأت فصول هذه القصة وأحداث هذه الرواية في عام 1973م وكنت آنذاك قائما بالأعمال بالنيابة في السفارة السعودية بواشنطن حين وصل إليها وزير البترول والثروة المعدنية الأسبق الشيخ أحمد زكي يماني حاملا رسالة عاجلة للحكومة الأميركية، وكان يرافقه الأمير سعود الفيصل بصفته وكيلا لوزارة البترول والثروة المعدنية، كانت تلك هي المرة الأولى في حياتي التي أقابل فيها الأمير سعود حيث حضرت الاجتماع الذي تم فيه إبلاغ الرسالة لوزير الخارجية آنذاك ويليام روجرز، وأذكر جيدا أنه كان مما استرعى انتباهي أن مشاركة الأمير سعود في ذلك الاجتماع كانت فاعلة بشكل ملحوظ، حيث كانت له مداخلات وتعليقات قوية ومؤثرة، ولكن لم يخطر على بالي ولو لثوان معدودة، أن هذا الأمير الذي أراه لأول مرة سيصبح بعد ذلك بعامين فقط وزيرا للخارجية، وأنه سيقدر لي بعدها بأعوام لا تزيد على أصابع اليد الواحدة أن أعمل معه لمدة سوف تشارف ستة وثلاثين عاما.
بعد ذلك أتيحت لي فرصة أخرى للتعرف على الأمير سعود الفيصل عن كثب بعد أن تم تعيينه وزيرا للخارجية في عام 1975م وقدم إلى واشنطن في زيارة رسمية لتسليم رسالة من المغفور له الملك خالد بن عبد العزيز إلى الرئيس الأميركي جيرالد فورد، حيث ساهمت، وبتوجيهات من سفير المملكة في واشنطن آنذاك الشيخ علي عبد الله علي رضا - رحمه الله - في الترتيب والإعداد لزيارة الأمير سعود، وكانت تلك الزيارة هي المدخل الذي قادني، وبعد عودتي إلى المملكة في بداية عام 1979م، إلى العمل في مكتبه بالوزارة بجدة.
في اليوم الأول الذي بدأت فيه العمل في المكتب، أُبلغت بأن الوزير يرغب في مقابلتي، شعرت في البداية بشيء من الهيبة والرهبة وأنا أدلف بخطى متثاقلة إلى داخل مكتبه، ولكن حسن الاستقبال والبشاشة والتواضع الجم الذي لمسته من الأمير سعود في بداية المقابلة بدد كثيرا من تلك الرهبة، وأحل مكانهما شعورا خافتا في البداية ومتناميا بعد ذلك بالاطمئنان والارتياح.
كان الأمير سعود كعادته التي ميزت شخصيته وتعامله مع الموظفين - وغير الموظفين - والتي ألفتها منذ ذلك الحين.. واضحا في رؤيته، دقيقا في عباراته، موجزا في كلامه، سلسا في عرضه. لم يخطر على بالي على الإطلاق أن تلك المقابلة مع الأمير سعود ستكون بداية علاقة عمل مع هذا الرجل قدر الله لها أن تدوم كل هذه المدة الطويلة، وإن تعجب - أيها القارئ الكريم - فعجب أن أقول لك إنني لم أسمع منه في يوم من الأيام في خلالها أي عبارة تنبئ باللوم، أو توحي بالتقريع، ولم أر منه أي تصرف يعبر عن السخط، أو ينم عن عدم الرضاء، ولم ألحظ منه أي إشارة تدل على التبرم، أو توحي بالضيق، أو تكشف عن التذمر، وأن أقول لك أيضا، إنني من جانبي قد قدمت في سبيل المحافظة على صفاء ونقاء وبهاء تلك العلاقة زهرة شبابي وعصارة فكري، مع كل ما أملك من جهد وعطاء، وكل ما أدخر من إخلاص ووفاء، وكل ما أستطيع من تضحية وإيثار.
ومن الجدير بالذكر أن الأمير سعود كان دائما هو القوة المحركة والدافعة وراء كل خطاب يلقيه في المحافل الدولية، وكذلك في المناسبات التي تتخلل الزيارات الرسمية التي يقوم بها للدول، والمناسبات العلمية والأكاديمية التي يدعى إلى المشاركة فيها، وهو - إن صح التعبير - المهندس والمصمم والمشرف على مشروع بناء الخطاب، كان يتابع وبدقة متناهية كل صغيرة وكبيرة منذ مسودة الخطاب الأولى وحتى لحظة إلقائه، وكان يضيف ويحذف ويستبدل في فقرات الخطاب ومواده ما شاء الله له أن يضيف ويحذف ويستبدل.
كان في كل مرة يستمع إلى فكرة جذابة أو ملاحظة وجيهة يضيفها أو يشير إليها، بدافع من حرصه الشديد على أن يعكس الخطاب في نهاية المطاف آخر التطورات وأحدث المستجدات وأجدى الأفكار وأنجح الحلول وأفضل التعبيرات والأساليب المتاحة والممكنة.
بل إن الأمر يصل به في بعض الأحيان إلى حد إجراء تعديلات حتى في اللحظات الحرجة الأخيرة، وبعد أن تتم طباعة الخطاب في صورته النهائية.
ولن أنسى ما حييت الكثير من اللحظات العصيبة والأوقات الحرجة، منها ما حدث في أحد الاجتماعات، وكنت جالسا خلفه في قاعة الاجتماع أتابع الخطابات التي تلقى، إلى أن جاء دور المتحدث الذي كان من المفروض أن يلقي الأمير سعود خطابه بعده مباشرة، حيث فوجئت بالأمير وهو يلتفت نحوي ويهمس في أذني متسائلا عما إذا كنت قد تابعت أو لاحظت ما قاله المتحدث في فقرة معينة من فقرات خطابه، ولحسن حظي أنني كنت متابعا لخطاب المتحدث، ولم أكن مسترخيا شارد الذهن ظانا بأن مهمتي قد انتهت، وأنه لم يعد هناك ما يدعو إلى الانتباه أو التركيز، فلما أجبته بالإيجاب قرر إضافة تعليق مناسب على ما قاله المتحدث. وحين فرغ الأمير من إلقاء خطابه كان لا بد أن يستولي على إعجاب الحضور ويحظى بثنائهم وإطرائهم لأنه جاء مواكبا لأحدث التطورات وآخر المستجدات، بما في ذلك ما تضمنه خطاب المتحدث الذي سبقه، والذي لم تمض على إلقائه سوى دقائق معدودات.
لقد أتاحت لي المدة الطويلة من العمل بمعية الأمير سعود، والجلوس إليه، والسفر معه، والقرب منه فرصة ربما لم تتح لغيري للتعرف على جوانب شخصيته، وأسلوبه في العمل، وأفكاره ورؤاه السياسية والاستراتيجية، مما أستطيع معه أن أدعي أنني قد أحطت بما لم يحط به غيري، وجئتك - أيها القارئ الكريم - عنه بنبأ يقين. (وسأكتفي في هذه العجالة بالجوانب المتعلقة بشخصيته، وأرجئ الحديث عن الجوانب الخاصة بأفكاره ورؤاه السياسية إلى فرصة أخرى أرجو أن تسنح في المستقبل القريب إن شاء الله).
لا أعرف كيف ومن أين أبدأ محاولتي فتح مغاليق شخصية الأمير سعود الفيصل، ولكن سؤالا وجهه إليّ أحد الزملاء منذ أمد بعيد قد يمثل مدخلا مناسبا للولوج منه إلى رحاب هذه الشخصية الفذة. سألني السائل: «كيف يتسنى لي أن أحظى بثقة الأمير، مع كل ما عرف عنه من دهاء شديد وقوة شخصية؟». جاءت إجابتي سريعة ودون تفكير، قلت له: إن هذا الرجل يتمتع بذكاء حاد متوقد، فهو يكتشف ما تريد أن تقوله قبل أن يفصح عنه لسانك ويفهم ما يدور في خاطرك قبل أن تنبس به شفتاك، لذلك لا تحاول أبدا أن تتحاذق، ولا تجرب مطلقا أن تتذاكى أو أن تلجأ إلى اللف والدوران أو التلاعب، بل كن في تعاملك معه صريحا كل الصراحة، واضحا كل الوضوح، أمينا كل الأمانة، وصادقا كل الصدق، فهو يملك قدرة عجيبة على سبر غور أهدافك حتى قبل أن تفصح عن مرادك، وعلى توقع نياتك من نظرات عينيك وطريقة حديثك وأسلوب كلامك. لم أقل ما قلته للسائل عن إيمان واقتناع كامل بصحته وحقيقته فحسب، بل عن تجربة وممارسة في التعاطي معه ورؤيته وهو يتعامل مع أصناف متعددة من البشر بأسلوب يتفق مع شخصية كل صنف، ويتوافق مع أهدافه وأغراضه ومراميه.
ما قلته للسائل عن شخصية الأمير سعود، لم يكن يمثل في الواقع سوى جزئية بسيطة من منظومة متكاملة تجلت فيها السمات والصفات والخصال التي حباه الله بها، والتي تمكنت من سبر أغوارها خلال سنين طويلة من القرب منه والعمل معه، منها ما لمسته فيه منذ البداية من قدرة فائقة على ضبط النفس والتحكم في المشاعر.. كنت ألاحظ دائما قدرته العجيبة على السيطرة على أعصابه حتى في أحلك الظروف وأصعب المواقف، فسواء أكان في قمة الغضب أم في منتهى الرضا، وسواء أكان في أقصى حالات التعب والإنهاك، أم في منتهى الراحة والسكينة، فإنك لا تجد أن طبقته الصوتية قد تغيرت، أو أن ملامح وقسمات وجهه قد تبدلت، أو أن تحكمه في ألفاظه وعباراته قد تأثر.
يرتبط بهذه الخصلة جانب آخر يتمثل في قدرته اللافتة للانتباه على امتصاص مشاعر الموظف الذي يأتي لمقابلته وهو في أعلى حالات التوتر أو الإحباط أو القلق.
أقول هذا من واقع تجارب شخصية مرت بي خلال المدة الطويلة التي عملت فيها معه. فكم من مرة دخلت مكتبه وأنا مثقل بالضغوط التي يتعرض لها الموظف عادة، أو المشكلات والعقبات التي تعترض طريقه، أو واقع تحت تأثير بعض الحالات النفسية التي تمر على الإنسان فتجعله يشعر بالإحباط، أو التوتر، أو حتى الغضب، ولكن ما إن يبدأ الحديث معه إلا وأشعر بأن كل تلك الأحاسيس قد تبددت وحل محلها نقيضها.
والأهم من ذلك كله، هو أن الصورة التي أحاول في هذه السطور القليلة أن أرسمها لشخصية الأمير سعود لا تقتصر على هذه الجوانب، بل تتعداها إلى خصلتين أو سمتين أخريين تفسران - إذا أضفناهما إلى ما سبقت الإشارة إليه من سجايا وصفات - النجاح الكبير الذي استطاع أن يحققه في مجال عمله وفي حياته بصفة عامة.
تتجلى السمة الأولى في العقلية الاستراتيجية والفكر التكتيكي الذي يتمتع به، مع ما يترتب على ذلك ويؤدي إليه من وضوح تام في الرؤية، وقدرة كبيرة على تنفيذ ما يقتنع ويؤمن به، أو ما يسعى إلى تحقيقه من أهداف وغايات مهما كانت درجة المصاعب التي تعترضه أو العقبات التي تحول دون تمكنه من تحقيقها.
كثيرة كانت هي المناسبات التي شهدت فيها بنفسي تجليات تلك العقلية وذلك الفكر، شاهدت تلك التجليات وتابعتها في المحادثات والمفاوضات التي كان يجريها مع قادة الدول ورؤساء الوزارات ونظرائه من وزراء الخارجية. كنت أرى بأم عيني دهاقنة وأساطين السياسة في العالم وهم ينصتون إلى وجهة نظره للقضايا، وتحليلاته للأوضاع، وشروحاته لمواقف بلاده وقضايا أمته العربية والإسلامية، وينهلون من حكمته، ويتأثرون بأطروحاته، ويحترمون آراءه وأفكاره.
يتجلى ذلك أيضا في إدارته للمؤتمرات الدولية التي كان يقودها بكل جدارة وكفاءة واقتدار، وفي قدرته المذهلة على تحقيق النتائج التي يرغب في التوصل إليها مهما كانت تعقيدات الموقف وصعوبة الظروف وجسامة التحديات، شأنه في ذلك شأن الربان الذي يقود السفينة في خضم الأعاصير والأمواج العاتية حتى يتمكن من الوصول إلى بر الأمان وشاطئ الخلاص.
أما السمة الثانية فهي تبدو فيما يملكه من ثقافة «موسوعية» راقية، وإن كنت أعجب من شيء فعجبي من إلمامه بشكل لافت للنظر بمعلومات وافية وفهم عميق لجل مناحي الحياة، يتجلى ذلك في قدرته على الحديث عن أي أمر من الأمور أو موضوع من الموضوعات أو قضية من القضايا بصورة توحي إليك أنه قد أوسعها اطلاعا وبحثا وتأملا، ولا يقتصر هذا على حقل معين من حقول المعرفة، أو على مجال من مجالات الفكر، فمعلوماته وثقافته هي - كما أسلفت - «موسوعية» بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
بقى شيء أخير قد لا يعرفه عن الأمير سعود إلا من قدر له التعامل معه عن كثب، وهو ما يتمتع به من روح الدعابة Sense of Humor وسرعة البديهة والتعليقات اللاذعة التي لا يملك المتلقي أمامها سوى الإعجاب والاستئناس بها.
فإذا أضفت إلى كل هذه الصفات والخصال والسمات ما يتميز به الأمير من أخلاق عالية، وتواضع، وأدب جم، وتهذيب كبير، وأسلوب راق في التعامل مع موظفيه وزملائه ومعارفه والناس كافة، لوجدت أن محصلة ذلك كله يمكن اختصارها في كلمتين: سعود الفيصل.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».