نزار مدني يكتب: سعود الفيصل.. سجايا أدت إلى نجاح كبير

ذكريات الوزير الحالي مع الوزير السابق

الأمير سعود الفيصل
الأمير سعود الفيصل
TT

نزار مدني يكتب: سعود الفيصل.. سجايا أدت إلى نجاح كبير

الأمير سعود الفيصل
الأمير سعود الفيصل

وترجّل الفارس عن صهوة جواده..
وصفوه بفارس السياسة، وبطل الدبلوماسية..
ونعتوه بحكيم السياسة، وفقيه الدبلوماسية..
سموه قيثارة السياسة وأنشودة الدبلوماسية..
ولكني أعلم علم اليقين أن الأمير سعود الفيصل لا يحب مثل هذه التسميات، ولا يرتاح إلى مثل هذه النعوت، وينفر من مثل هذه الصفات، ودليلي على ذلك - إن كانت هناك حاجة لدليل - ما حدث ذات مرة حينما اطلع على مقال كتبه أحد الكتّاب في صحيفة من صحفنا المحلية تضمن الكثير من المديح والإطراء لسموه وللأعمال التي يقوم بها، أحال الأمير المقال لي مع هذه العبارة اللافتة: «لشكره على أي حال، ولو أنه مبالغ، والمبالغ في المديح كالذي يذم»، ولعل هذا ما يدفعني إلى عدم الخوض في قضية الأوصاف والنعوت، وذلك لأن لي مع الأمير سعود قصة طويلة أود أن أحكي بعض فصولها، ورواية شيقة أرغب في أن أسرد مقتطفات منها وأنا في صدد الحديث عن المشاعر التي انتابتني بعد علمي برغبته في إعفائه من منصبه.
بدأت فصول هذه القصة وأحداث هذه الرواية في عام 1973م وكنت آنذاك قائما بالأعمال بالنيابة في السفارة السعودية بواشنطن حين وصل إليها وزير البترول والثروة المعدنية الأسبق الشيخ أحمد زكي يماني حاملا رسالة عاجلة للحكومة الأميركية، وكان يرافقه الأمير سعود الفيصل بصفته وكيلا لوزارة البترول والثروة المعدنية، كانت تلك هي المرة الأولى في حياتي التي أقابل فيها الأمير سعود حيث حضرت الاجتماع الذي تم فيه إبلاغ الرسالة لوزير الخارجية آنذاك ويليام روجرز، وأذكر جيدا أنه كان مما استرعى انتباهي أن مشاركة الأمير سعود في ذلك الاجتماع كانت فاعلة بشكل ملحوظ، حيث كانت له مداخلات وتعليقات قوية ومؤثرة، ولكن لم يخطر على بالي ولو لثوان معدودة، أن هذا الأمير الذي أراه لأول مرة سيصبح بعد ذلك بعامين فقط وزيرا للخارجية، وأنه سيقدر لي بعدها بأعوام لا تزيد على أصابع اليد الواحدة أن أعمل معه لمدة سوف تشارف ستة وثلاثين عاما.
بعد ذلك أتيحت لي فرصة أخرى للتعرف على الأمير سعود الفيصل عن كثب بعد أن تم تعيينه وزيرا للخارجية في عام 1975م وقدم إلى واشنطن في زيارة رسمية لتسليم رسالة من المغفور له الملك خالد بن عبد العزيز إلى الرئيس الأميركي جيرالد فورد، حيث ساهمت، وبتوجيهات من سفير المملكة في واشنطن آنذاك الشيخ علي عبد الله علي رضا - رحمه الله - في الترتيب والإعداد لزيارة الأمير سعود، وكانت تلك الزيارة هي المدخل الذي قادني، وبعد عودتي إلى المملكة في بداية عام 1979م، إلى العمل في مكتبه بالوزارة بجدة.
في اليوم الأول الذي بدأت فيه العمل في المكتب، أُبلغت بأن الوزير يرغب في مقابلتي، شعرت في البداية بشيء من الهيبة والرهبة وأنا أدلف بخطى متثاقلة إلى داخل مكتبه، ولكن حسن الاستقبال والبشاشة والتواضع الجم الذي لمسته من الأمير سعود في بداية المقابلة بدد كثيرا من تلك الرهبة، وأحل مكانهما شعورا خافتا في البداية ومتناميا بعد ذلك بالاطمئنان والارتياح.
كان الأمير سعود كعادته التي ميزت شخصيته وتعامله مع الموظفين - وغير الموظفين - والتي ألفتها منذ ذلك الحين.. واضحا في رؤيته، دقيقا في عباراته، موجزا في كلامه، سلسا في عرضه. لم يخطر على بالي على الإطلاق أن تلك المقابلة مع الأمير سعود ستكون بداية علاقة عمل مع هذا الرجل قدر الله لها أن تدوم كل هذه المدة الطويلة، وإن تعجب - أيها القارئ الكريم - فعجب أن أقول لك إنني لم أسمع منه في يوم من الأيام في خلالها أي عبارة تنبئ باللوم، أو توحي بالتقريع، ولم أر منه أي تصرف يعبر عن السخط، أو ينم عن عدم الرضاء، ولم ألحظ منه أي إشارة تدل على التبرم، أو توحي بالضيق، أو تكشف عن التذمر، وأن أقول لك أيضا، إنني من جانبي قد قدمت في سبيل المحافظة على صفاء ونقاء وبهاء تلك العلاقة زهرة شبابي وعصارة فكري، مع كل ما أملك من جهد وعطاء، وكل ما أدخر من إخلاص ووفاء، وكل ما أستطيع من تضحية وإيثار.
ومن الجدير بالذكر أن الأمير سعود كان دائما هو القوة المحركة والدافعة وراء كل خطاب يلقيه في المحافل الدولية، وكذلك في المناسبات التي تتخلل الزيارات الرسمية التي يقوم بها للدول، والمناسبات العلمية والأكاديمية التي يدعى إلى المشاركة فيها، وهو - إن صح التعبير - المهندس والمصمم والمشرف على مشروع بناء الخطاب، كان يتابع وبدقة متناهية كل صغيرة وكبيرة منذ مسودة الخطاب الأولى وحتى لحظة إلقائه، وكان يضيف ويحذف ويستبدل في فقرات الخطاب ومواده ما شاء الله له أن يضيف ويحذف ويستبدل.
كان في كل مرة يستمع إلى فكرة جذابة أو ملاحظة وجيهة يضيفها أو يشير إليها، بدافع من حرصه الشديد على أن يعكس الخطاب في نهاية المطاف آخر التطورات وأحدث المستجدات وأجدى الأفكار وأنجح الحلول وأفضل التعبيرات والأساليب المتاحة والممكنة.
بل إن الأمر يصل به في بعض الأحيان إلى حد إجراء تعديلات حتى في اللحظات الحرجة الأخيرة، وبعد أن تتم طباعة الخطاب في صورته النهائية.
ولن أنسى ما حييت الكثير من اللحظات العصيبة والأوقات الحرجة، منها ما حدث في أحد الاجتماعات، وكنت جالسا خلفه في قاعة الاجتماع أتابع الخطابات التي تلقى، إلى أن جاء دور المتحدث الذي كان من المفروض أن يلقي الأمير سعود خطابه بعده مباشرة، حيث فوجئت بالأمير وهو يلتفت نحوي ويهمس في أذني متسائلا عما إذا كنت قد تابعت أو لاحظت ما قاله المتحدث في فقرة معينة من فقرات خطابه، ولحسن حظي أنني كنت متابعا لخطاب المتحدث، ولم أكن مسترخيا شارد الذهن ظانا بأن مهمتي قد انتهت، وأنه لم يعد هناك ما يدعو إلى الانتباه أو التركيز، فلما أجبته بالإيجاب قرر إضافة تعليق مناسب على ما قاله المتحدث. وحين فرغ الأمير من إلقاء خطابه كان لا بد أن يستولي على إعجاب الحضور ويحظى بثنائهم وإطرائهم لأنه جاء مواكبا لأحدث التطورات وآخر المستجدات، بما في ذلك ما تضمنه خطاب المتحدث الذي سبقه، والذي لم تمض على إلقائه سوى دقائق معدودات.
لقد أتاحت لي المدة الطويلة من العمل بمعية الأمير سعود، والجلوس إليه، والسفر معه، والقرب منه فرصة ربما لم تتح لغيري للتعرف على جوانب شخصيته، وأسلوبه في العمل، وأفكاره ورؤاه السياسية والاستراتيجية، مما أستطيع معه أن أدعي أنني قد أحطت بما لم يحط به غيري، وجئتك - أيها القارئ الكريم - عنه بنبأ يقين. (وسأكتفي في هذه العجالة بالجوانب المتعلقة بشخصيته، وأرجئ الحديث عن الجوانب الخاصة بأفكاره ورؤاه السياسية إلى فرصة أخرى أرجو أن تسنح في المستقبل القريب إن شاء الله).
لا أعرف كيف ومن أين أبدأ محاولتي فتح مغاليق شخصية الأمير سعود الفيصل، ولكن سؤالا وجهه إليّ أحد الزملاء منذ أمد بعيد قد يمثل مدخلا مناسبا للولوج منه إلى رحاب هذه الشخصية الفذة. سألني السائل: «كيف يتسنى لي أن أحظى بثقة الأمير، مع كل ما عرف عنه من دهاء شديد وقوة شخصية؟». جاءت إجابتي سريعة ودون تفكير، قلت له: إن هذا الرجل يتمتع بذكاء حاد متوقد، فهو يكتشف ما تريد أن تقوله قبل أن يفصح عنه لسانك ويفهم ما يدور في خاطرك قبل أن تنبس به شفتاك، لذلك لا تحاول أبدا أن تتحاذق، ولا تجرب مطلقا أن تتذاكى أو أن تلجأ إلى اللف والدوران أو التلاعب، بل كن في تعاملك معه صريحا كل الصراحة، واضحا كل الوضوح، أمينا كل الأمانة، وصادقا كل الصدق، فهو يملك قدرة عجيبة على سبر غور أهدافك حتى قبل أن تفصح عن مرادك، وعلى توقع نياتك من نظرات عينيك وطريقة حديثك وأسلوب كلامك. لم أقل ما قلته للسائل عن إيمان واقتناع كامل بصحته وحقيقته فحسب، بل عن تجربة وممارسة في التعاطي معه ورؤيته وهو يتعامل مع أصناف متعددة من البشر بأسلوب يتفق مع شخصية كل صنف، ويتوافق مع أهدافه وأغراضه ومراميه.
ما قلته للسائل عن شخصية الأمير سعود، لم يكن يمثل في الواقع سوى جزئية بسيطة من منظومة متكاملة تجلت فيها السمات والصفات والخصال التي حباه الله بها، والتي تمكنت من سبر أغوارها خلال سنين طويلة من القرب منه والعمل معه، منها ما لمسته فيه منذ البداية من قدرة فائقة على ضبط النفس والتحكم في المشاعر.. كنت ألاحظ دائما قدرته العجيبة على السيطرة على أعصابه حتى في أحلك الظروف وأصعب المواقف، فسواء أكان في قمة الغضب أم في منتهى الرضا، وسواء أكان في أقصى حالات التعب والإنهاك، أم في منتهى الراحة والسكينة، فإنك لا تجد أن طبقته الصوتية قد تغيرت، أو أن ملامح وقسمات وجهه قد تبدلت، أو أن تحكمه في ألفاظه وعباراته قد تأثر.
يرتبط بهذه الخصلة جانب آخر يتمثل في قدرته اللافتة للانتباه على امتصاص مشاعر الموظف الذي يأتي لمقابلته وهو في أعلى حالات التوتر أو الإحباط أو القلق.
أقول هذا من واقع تجارب شخصية مرت بي خلال المدة الطويلة التي عملت فيها معه. فكم من مرة دخلت مكتبه وأنا مثقل بالضغوط التي يتعرض لها الموظف عادة، أو المشكلات والعقبات التي تعترض طريقه، أو واقع تحت تأثير بعض الحالات النفسية التي تمر على الإنسان فتجعله يشعر بالإحباط، أو التوتر، أو حتى الغضب، ولكن ما إن يبدأ الحديث معه إلا وأشعر بأن كل تلك الأحاسيس قد تبددت وحل محلها نقيضها.
والأهم من ذلك كله، هو أن الصورة التي أحاول في هذه السطور القليلة أن أرسمها لشخصية الأمير سعود لا تقتصر على هذه الجوانب، بل تتعداها إلى خصلتين أو سمتين أخريين تفسران - إذا أضفناهما إلى ما سبقت الإشارة إليه من سجايا وصفات - النجاح الكبير الذي استطاع أن يحققه في مجال عمله وفي حياته بصفة عامة.
تتجلى السمة الأولى في العقلية الاستراتيجية والفكر التكتيكي الذي يتمتع به، مع ما يترتب على ذلك ويؤدي إليه من وضوح تام في الرؤية، وقدرة كبيرة على تنفيذ ما يقتنع ويؤمن به، أو ما يسعى إلى تحقيقه من أهداف وغايات مهما كانت درجة المصاعب التي تعترضه أو العقبات التي تحول دون تمكنه من تحقيقها.
كثيرة كانت هي المناسبات التي شهدت فيها بنفسي تجليات تلك العقلية وذلك الفكر، شاهدت تلك التجليات وتابعتها في المحادثات والمفاوضات التي كان يجريها مع قادة الدول ورؤساء الوزارات ونظرائه من وزراء الخارجية. كنت أرى بأم عيني دهاقنة وأساطين السياسة في العالم وهم ينصتون إلى وجهة نظره للقضايا، وتحليلاته للأوضاع، وشروحاته لمواقف بلاده وقضايا أمته العربية والإسلامية، وينهلون من حكمته، ويتأثرون بأطروحاته، ويحترمون آراءه وأفكاره.
يتجلى ذلك أيضا في إدارته للمؤتمرات الدولية التي كان يقودها بكل جدارة وكفاءة واقتدار، وفي قدرته المذهلة على تحقيق النتائج التي يرغب في التوصل إليها مهما كانت تعقيدات الموقف وصعوبة الظروف وجسامة التحديات، شأنه في ذلك شأن الربان الذي يقود السفينة في خضم الأعاصير والأمواج العاتية حتى يتمكن من الوصول إلى بر الأمان وشاطئ الخلاص.
أما السمة الثانية فهي تبدو فيما يملكه من ثقافة «موسوعية» راقية، وإن كنت أعجب من شيء فعجبي من إلمامه بشكل لافت للنظر بمعلومات وافية وفهم عميق لجل مناحي الحياة، يتجلى ذلك في قدرته على الحديث عن أي أمر من الأمور أو موضوع من الموضوعات أو قضية من القضايا بصورة توحي إليك أنه قد أوسعها اطلاعا وبحثا وتأملا، ولا يقتصر هذا على حقل معين من حقول المعرفة، أو على مجال من مجالات الفكر، فمعلوماته وثقافته هي - كما أسلفت - «موسوعية» بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
بقى شيء أخير قد لا يعرفه عن الأمير سعود إلا من قدر له التعامل معه عن كثب، وهو ما يتمتع به من روح الدعابة Sense of Humor وسرعة البديهة والتعليقات اللاذعة التي لا يملك المتلقي أمامها سوى الإعجاب والاستئناس بها.
فإذا أضفت إلى كل هذه الصفات والخصال والسمات ما يتميز به الأمير من أخلاق عالية، وتواضع، وأدب جم، وتهذيب كبير، وأسلوب راق في التعامل مع موظفيه وزملائه ومعارفه والناس كافة، لوجدت أن محصلة ذلك كله يمكن اختصارها في كلمتين: سعود الفيصل.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.