تونس: أزمة التمويل تتسبب في تراجع دور «السلطة الرابعة»

إلى جانب تحديات أخرى

تونس: أزمة التمويل تتسبب في تراجع دور «السلطة الرابعة»
TT

تونس: أزمة التمويل تتسبب في تراجع دور «السلطة الرابعة»

تونس: أزمة التمويل تتسبب في تراجع دور «السلطة الرابعة»

يكاد صناع القرار والإعلاميون والمثقفون في تونس يجمعون على تحسن هامش الحريات الإعلامية والمستوى المهني للإعلام منذ ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وهذا رغم تناقض تقييماتهم لحصيلة العقد الماضي اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، إذ بينما يعتبر البعض السنوات العشر الأخيرة «عشرية الخراب»، ينوه آخرون بما تحقق فيها من «مكاسب وإنجازات... رغم بعض الإخفاقات».
في مطلق الأحوال، فإن المشهد الإعلامي اتجه منذ مدة سلباً في نظر غالبية من المراقبين والإعلاميين... بعدما استفحلت أزمة مؤسسات «الإعلام العمومي» و«المؤسسات الإعلامية المصادرة»، لأسباب مالية وسياسية. في حين انتقد نقيب الصحافيين المهدي الجلاصي ما وصفه بـ«تدهور ظروف العمل الصحافي» و«تراجع هامش الحريات منذ القرارات الاستثنائية التي صدرت عن الرئيس التونسي قبل 7 أشهر». الأمر الذي يطرح حسب رأي البعض تساؤلات حول ملامح المشهد الإعلامي اليوم ومساراته. وكذلك عن مستقبل لهذا القطاع الذي كان دائماً «حلبة الصراع الرئيسية» بين السلطات ومعارضيها وبين دعاة المهنية والاستقلالية وخصومهم.

                                                                       مقر «وكالة تونس أفريقيا للأنباء»... وفي الإطار شعارها
في لغة الأرقام
لقد أوردت تقارير المنظمات الحقوقية والإعلامية في تونس أن عدد الصحافيين تضاعف مراراً بعد سقوط حكم الرئيس زين العابدين بن علي في يناير 2011. فارتفع من نحو 700 صحافي إلى أكثر من ألفين. وساهم في تحقيق هذا «التطور السريع» تأسيس عشرات الصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعية، وأكثر من ألف موقع إلكتروني بفضل مبادرات من بعض الإعلاميين ورجال الأعمال حيناً... والأحزاب والسفارات والمؤسسات الغربية حينا آخر.
أيضاً، أمكن بسرعة الانتقال نحو «التعددية الإعلامية والسياسية»، ومواكبة قرارات رفع الحظر عن الأحزاب والتيارات السياسية و«اللوبيات» المالية التي وقع إقصاؤها قبل 2011. وفسّر محمد حمدان، عميد المعهد العالي للصحافة وعلوم الإخبار السابق في تونس، سرعة إنجاز هذا «الانتقال الديمقراطي داخل قطاع الإعلام» بكون 3500 طالب وطالبة تخرّجوا في المعهد منذ تأسيسه قبل 50 سنة، بينهم أكثر من مائتي صحافي عربي من خارج تونس أغلبهم من فلسطين. كذلك أوضح حمدان أن ثمة جامعات خاصة أسست منذ عشرين سنة، منها «الجامعة العربية للعلوم»، ساهمت بدورها في تخرج مئات الإعلاميين من صحافيين وتقنيين ومختصين في الاتصال وإنتاج المواقع الاجتماعية.
ومن جانبه، كشف أستاذ الإعلام هاني مبارك أن «معهد الصحافة العمومي» في تونس أسس عام 1967. وكان تابعاً لنواة الجامعة التونسية العصرية. وتطور منذ عام 1973 إلى مؤسسة مستقلة بذاته تابع لوزارة التربية، ثم لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي منذ إحداثها عام 1978. وفي الوقت ذاته تخرّج في مؤسسات التعليم والتدريب الخاصة بالعاصمة تونس ومدن أخرى مئات المتخصصين في الإعلام الإلكتروني الحديث والمواقع الاجتماعية والتصوير والإخراج والبث. ولذلك تجاوز عدد المواقع الإخبارية الإلكترونية الألف، حسب الإعلامي والأكاديمي لطفي الحيدوري، بينما قفز عدد القنوات التلفزيونية والإذاعية والصحف بعد «ثورة 2011» من أقل من عشرة إلى بضع مئات أثر معظمها بصورة ملحوظة في المشهد السياسي والحزبي وفي نتائج انتخابات 2011 و2014 و2019.

تغيير في المشهد
إلا أن الوضع تغير تماماً اليوم. وقد كشف تقارير نقابة الصحافيين وهيئات فروع منظمات حقوقية دولية في تونس، ودراسات جامعية جديدة، عن أن المشهد الإعلامي تغير كثيراً بالذات بعد انتخابات 2019. وخاصة منذ قرارات 25 يوليو (تموز) الماضي التي وصفت بـ«الاستثنائية» وأدت إلى «تجميد» البرلمان والدستور وعدد من المؤسسات المنتخبة بينها المجلس الأعلى للقضاء والهيئة العليا لمكافحة الفساد.
وبالفعل، شهدت الأشهر السبعة الماضية إغلاق بعض القنوات الإذاعية والتلفزيونية والمواقع الإلكترونية والصحف، إما لأسباب مالية، أو على أثر قرارات وعقوبات مالية صدرت عن «الهيئة العليا للإعلام السمعي البصري»، التي أسند لها البرلمان منذ عشر سنوات صلاحيات مماثلة لصلاحيات وزارة الإعلام التي حُلّت في مطلع 2011.
أيضاً، تسببت الأخطاء المالية والعقوبات «المؤقتة»، التي فُرضت على بعض وسائل الإعلام، في توقفها عن إنتاج عدد كبير من البرامج التلفزيونية والإذاعية الإخبارية والتحقيقيات التي كانت تستقطِب غالبية الجمهور التونسي. ومن ثم، كانت الحصيلة «عودة الجمهور إلى متابعة بعض وسائل الإعلام الأجنبية»، على حد تعبير صلاح الدين الدريدي، أستاذ الإعلام في الجامعة التونسية وعدد من الجامعات العربية. ولقد انتقد الدريدي ما وصفه بـ«تدهور المستوى المهني» لغالبية الصحافيين الجدد رغم ملايين الدولارات واليوروهات التي أنفقتها مؤسسات تابعة للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وعواصم أجنبية في «برامج تدريب صوَرية وفّرت للفنادق السياحية الفخمة ولبعض اللوبيات أموالاً طائلة».

التوازن المفقود
وفي هذا السياق، توقف بعض الإعلاميين والأكاديميين، مثل صلاح الدين الدريدي، عند بعض مظاهر تدهور المستوى المهني للإعلام التونسي في المدة الماضية بسبب ما وصفوه بـ«اختلال التوازن بين الحقوق والواجبات» و«انتشار الخطاب الآيديولوجي» و«الخلط بين المهنية والنضال السياسي والحزبي»، ناهيك من تضخّم التحركات النقابية والاحتجاجات المطلبية دون مطالبة آلاف العاملين في القطاع من صحافيين وتقنيين وإداريين بالحضور يومياً إلى العمل وبالقيام بواجباتهم المهنية.
هذا، وقدّرت دراسات وتقارير نقابية عدد الموظفين في مؤسسات الإعلام التلفزيوني والإذاعي العمومية وحدها بنحو ألفين و600 نصفهم في القناة التلفزيونية العمومية والنصف الآخر يتوزعون على 9 نقابات وطنية وجهوية... تقلل مؤسسات استطلاعات الرأي من شعبيتها وإشعاعها، مقارنة ببعض القنوات والمواقع الإلكترونية الخاصة.
كذلك يُقدَّر عدد العاملين في وكالة الأنباء الرسمية الوحيدة، أي «وكالة تونس أفريقيا للأنباء»، بأكثر من 300 موظف وإعلامي وعامل رغم ضعف تأثيرها. ويناهز عدد العاملين في مؤسسات الصحافة المكتوبة «الحكومية» و«المصادرة»، مثل دار «لابريس» و«الصباح»، عدد نظرائهم في وكالة الأنباء. وتؤكد كل المصادر أن عُشر الموظفين في وسائل الإعلام العمومية وشبه العمومية فقط يعملون، بينما يتقاضى البقية أجوراً من الدولة «عن بعد» عبر «التحويلات البنكية» وليس لهم أي مشاركة في الإنتاج الصحافي. ولقد استفحلت هذه الظاهرة في العامين الماضين بصورة خاصة بعدما توافر «مبرّر التغيب عن مقر العمل بسبب جائحة «كوفيد - 19».

أجندات ودور وظيفي
على صعيد آخر، في الوقت الذي صعّدت نقابات الإعلام تحركاتها الاحتجاجية والمطلبية، اتهمت عواطف الدالي رئيسة «مؤسسة التلفزيون العمومية» قطاعاً من الإعلاميين بـ«التقصير ورفض العمل والكسل وتوظيف النقابات وابتزاز المسؤولين، من أجل توفير خطط التوظيف والمزايا المادية فقط».
وأوردت عواطف الدالي، وهي صحافية ومقدمة برامج تلفزيونية طبية واجتماعية سابقاً، أن «بعض المحسوبين على العمل النقابي يلعبون دوراً وظيفياً... ولا يؤمنون بالتوازن بين الحقوق والواجبات». واتّهمتهم بأنهم رفضوا إنتاج برامج وتقديمها ولم يرغبوا في العمل. ومن ثم أشارت إلى أن «وجود هدر للمال العام في قطاع الإعلام لأن بعض النقابيين والصحافيين لا يعملون ولا يبدعون... وبعضهم متهم بتخريب تجهيزات المؤسسة الإعلامية».
عدد من المثقفين والإعلاميين أقروا بالفعل، بصحة بعض الانتقادات الموجهة إلى الإعلاميين، غير أنهم ساندوا تصريحات رئيس نقابة الصحافيين ياسين الجلاصي التي انتقد فيها ما وصفه بـ«تدهور هامش الحريات الإعلامية»، وتغييب الحوارات الحوارية السياسية في التلفزيون الرسمي التونسي منذ 25 يوليو، ومنع كل ممثلي الأحزاب من المشاركة في البرامج التلفزيونية، و«بذلك وقع تغييب المعارضة نهائياً وحرمان الجمهور من الرأي والرأي الآخر».

الاستقلالية والتوظيف
في هذه الأثناء انخرط الرئيس التونسي قيس سعيّد مراراً في الجدل عبر تصريحات نشرت في الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية، قال فيها إنه «لا تراجع عن الحريات في تونس» و«لا مجال للنيل من حرية الإعلام ومن حقوق الإنسان». ودحض سعيّد بقوة التقارير التي تشكك في استقلالية الإعلام في تونس بعد يوم 25 يوليو الماضي. وبطبيعة الحال، تباينت ردود الفعل على كلام سعيّد، إذ انتقدت أوساط إعلامية وسياسية عديدة أداء المكلفين بالإعلام والاتصال في رئاسة الجمهورية والمؤسسات الحكومية، واختزال تواصلها مع الرأي العام في تدوينات وفيديوهات تبث في الصفحة الرسمية لقصر قرطاج. الذي تشير تقارير إلى تضخم عدد متابعيها وتجاوزه المليونين و300 ألف، مما يعطي فكرة عن حجم التغيير الذي حصل في البلاد في مجال الإعلام والاتصال بين السلطة والشعب.



زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
TT

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)

سيرته الإعلامية ومشواره المهني لا يشبهان أحداً سواه. منذ خطواته الأولى في عالم الإعلام، اختار الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان أن يسلك طريق الاختلاف، فغرّد خارج السّرب وترك بصمة غير تقليدية في الإعلام المرئي والمسموع. وتمكّن من تكريس هوية خاصة به.حتى منشوراته، ومنها «أسعد الله مساءكم»، و«لبنان فلبنان»، و«لبنان على ال اشة»، عكست حبّه العميق للبنان والشاشة، فطعّمها بذكرياته ومشاهداته وتعلّقه بالوطن، لتتحوّل مع الوقت إلى مرجع للذاكرة الجماعية.

«الإعلامي الأميز عربياً»

في كل لقاء مع زافين، لا بدّ من اكتشاف جديد عنه. وأخيراً، من أخباره أنه تُوّج بلقب «الإعلامي الأميز عربياً» لعام 2025، إثر استفتاء شمل 18600 مشارك من مختلف أنحاء العالم العربي، أجراه فريق هيئة «الملتقى الإعلامي العربي». وهذا لقب لا يُعدّ جديداً على مسيرته، إذ سبق أن صنّفته مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن الـ43 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم العربي. كما احتل المرتبة الثالثة على قائمة «الشخصيات الـ30 الأكثر تأثيراً على تويتر» في لبنان. وهذا، إلى جانب عشرات الجوائز التكريمية التي حصدها عن برامجه التلفزيونية، لا سيما فئة البرامج الحوارية الاجتماعية.

شغفه بالعمل الإخباري

على الصعيد المهني، يقول زافين إن أجمل تجاربه الإعلامية، والأقرب إلى قلبه على امتداد 35 سنة، تبقى التجربة الإخبارية. ويوضح: «أحِب العمل الإخباري وكل ما يتعلّق بتلفزيون الواقع. ولقد أحببت كثيراً فترة عملي مراسل أخبار، وأيضاً في التحقيقات الاستقصائية، والحوارات السياسية، وإذاعة الأخبار... إذ إنني عندما اخترت دراسة الصحافة كان العمل الإخباري هدفي الأول».

اختبر الزمن... ولم يبدّل مبادئه

يعزو زافين قيومجيان «استمراريته» الناجحة إلى جرأته الدائمة على التغيير. وبحسب رأيه: «إذا لم يبدّل الإنسان قشرته الخارجية يذبُل ويموت، وشرط البقاء هو الحفاظ على المبادئ. التغيير يمكن أن يصيب الشكل لكن لا يجوز أن يمسَّ المضمون. وبالتالي، فإن قاعدتي الذهبية ترتكز على (ثلاثية) الحرفية والاحترام والقيَم».

وحقاً، يقتنع بنفسه ويدعو الآخرين إلى الإيمان بذواتهم، بحثاً عن الأفضل على الدوام. ثم يعلّق: «أنا لا أكتفي بالنتيجة الإيجابية... لأنني أرغب بما هو أفضل. أن تكون إعلامياً مخضرماً، وتواكب الأجيال يعني أن تنجح في اختبار الزمن والعمر. قلّة فقط تملك هذه القدرة لأن الثمن المدفوع يكون مرتفعاً».

حوار رئيس الجمهورية

من جهة ثانية، كان زافين أول إعلامي لبناني يُجري حواراً حصرياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون. وعنه يكشف: «كنت أرغب في هذه المقابلة عن سابق تصوّر وتصميم. وفعلاً، طلبت موعداً من القصر الجمهوري... ومشكورين، كان لي ما أردته. والحقيقة أن الرئيس يدرك طبيعة حواراتي وبساطة أسلوبي البعيد عن الادعاء». ثم يضيف: «كانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها وجهاً لوجه وفي مناسبة غير عامة. قرأت الصدق في عينيه، وإصراره على العبور بلبنان إلى ضفة الازدهار والسلام. إنه يتمتع بتواضع وإرادة قوية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وهو شخص لطيف وصادق جداً».

يقدم اليوم على شاشة "الجديد" برنامج "سيرة وكمّلت" (إنستغرام)

محطات وشخصيات صنعت الذاكرة

طوال مسيرته الإعلامية، التقى زافين شخصيات سياسية وفنية كثيرة تركت - كما يقول - أثرها في تجربته، من بينها الرئيسان الراحلان إلياس الهراوي ورفيق الحريري في ميدان السياسة، وفي المجال الفني الفنانتان إليسا ونوال الزغبي.

ويتابع: «تعرّفت إلى الهراوي والحريري عن قرب عندما كنت مراسلاً إخبارياً في القصرين الجمهوري والحكومي، ولمست وطنيتهما. فقد آمنا بلبنان وعَملا على نقله من زمن الحرب إلى زمن السلم... أنا أحب الأشخاص الذين يُحدثون تحوّلات ويوسّعون هامش الحرية. أما بالنسبة لأهل الفن فإن إليسا ونوال كسرتا القوالب التقليدية وصنعتا قوانين جديدة تشبه شخصيتيهما».

مهنياً، يعدّ زافين المديرَ العام السابق لـ«تلفزيون لبنان»، فؤاد نعيم، الداعمَ الأكبر له، مستطرداً: «لقد آمن بي وغامر معي في نقل الإعلام من التقليدي إلى الحديث. اكتشفني ووضع يده على روحي، ولولاه لكانت حياتي بالتأكيد أصعب».

الإنسانية: المدرسة الأولى... والأخيرة

في الواقع، تنقّل زافين قيومجيان بين أكثر من محطة تلفزيونية، من «تلفزيون لبنان» إلى «المستقبل» وصولاً إلى «الجديد». وذاع صيته عربياً بوصفه أحد أوائل مَن قدَّموا برامج حوارية جريئة على شاشة فضائية عربية، كاشفاً المسكوت عنه، وغائصاً في عمق البيوت ومشاكلها. وعن هذا الجانب يعلّق: «منذ بداياتي رغبت في تناول هذا النوع من القصص من دون أحكام مسبقة. أنا لا أركّز على الأرقام بل على التجربة الإنسانية. ولا يهمّني عدد الضحايا بقدر ما يهمّني ما عاشته الضحية. إنما أنتمي إلى المدرسة الإنسانية، وأعتزّ بذلك».

النجاح... قدرة على التأقلم

في مرحلة سابقة، غاب صاحب السؤال الشهير «شو حسّيت؟» (بماذا شعرت؟) عن وسائل التواصل الاجتماعي، مفضّلاً الانتقال من الانتشار الواسع إلى جمهور أصغر. وبالفعل، قدّم بودكاست «100 ع 100» بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). وشارك في مناظرات شبابية «30 - 31»، قبل أن يطلّ اليوم في «سيرة وكمّلت» على شاشة «الجديد»، ولعلها النُّسخة المعاصرة من برنامجه الشهير «سيرة وانفتحت». وهو أيضاً يشارك في برنامج «بونجورين» عبر إذاعة «صوت كل لبنان».

وهنا يقول: «لم أعد بحاجة لإثبات مكاني. أعمل بدافع الشغف. الإذاعة نابعة من حبّي للتواصل مع جيل لا يزال وفياً لها، وفي المقابل أحرص على التواصل مع جمهور أصغر سناً». وفي هذا السياق، كونه أستاذاً جامعياً في الإعلام في الـ«LAU»- حيث تلقى تعليمه الجامعي - يبقى زافين على تماسٍ مباشر مع جيل الشباب. ويوضح: «مهما كانت خبرتي طويلة، أدرك ضرورة الإصغاء إلى الأصغر سناً، تماماً كالفنان النجم الذي يتعاون مع ملحّن مغمور... هذه التنازلات ضرورية لأنها تحمل تحدّيات التجديد».

الشاشة الصغيرة... الرهان المستمر

رغم تنوّع منصّاته، يعود زافين دائماً إلى التلفزيون، مؤمناً بدوره الجامع. ويقول: «أريد أن أشارك في الولادة الجديدة للتلفزيون. صحيح أن الناس استعاضت عنه بالهواتف، لكن الشاشة الصغيرة تبقى التجربة المشتركة الوحيدة للعائلة. طبعاً لن أعيده إلى عصره الذهبي... لكنني سأعمل على تطويره. هذه الولادات تحتاج إلى إعلاميين مخضرمين يكونون جسر عبور بين جيل وآخر».

إعادة الشريط المهني بقالب حديث

ويُسعد زافين اللقاء بالقول عن مرحلته الحالية إنها «مراهقة الخمسين» الإعلامية (جَهْلة الخمسين المهنية)، وفق تعبيره. وفيها يعيد تقديم القصص الاجتماعية التي اشتهر بها بشروط جديدة... ويختتم: «أشعر بالحنين إلى الإعلام التقليدي، وأحاول عبر الإذاعة والبودكاست والتدريس الجامعي الابتعاد عن ضغوط الإعلام السائد، وتحسين قواعد اللعبة الإعلامية على طريقتي».


ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)
TT

ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)

يبدو أن منصات التواصل الاجتماعي تمر بـ«أزمة»، إذ بدا الدور الأصيل لها -وهو التواصل، وبناء الروابط الاجتماعية- يتلاشى، ليبرز الترفيه، ومتابعة الفيديوهات الخاصة بأشخاص «غرباء» باعتبار أنه احتياج أوّلي للمُستخدمين.

هذا الاتجاه يطرح تساؤلات بشأن ماذا سيحدث لاستراتيجيات عمل الناشرين حين يصبح الفيديو لغة المنصات الأولى؟ وكان معهد رويترز لدراسة الصحافة قد لفت في التقرير السنوي «لاتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026»، أخيراً، إلى أن وسائل التواصل باتت أقل «اجتماعية»، بسبب تحوّل جذري في سلوك المستخدمين إزاء منصات «السوشيال ميديا» التقليدية، مع تراجع المحتوى الآتي من دائرة الأصدقاء لصالح موجز تقوده توصيات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو.

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي-فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، مستشار قناتي «العربية» و«الحدث» للتكنولوجيا ووسائل التواصل، يرى أن منصّات التواصل الاجتماعي تُغير خوارزمياتها بشكل مستمر، غير أن ما برز خلال العامين الماضيين هو انتقال اهتمام هذه المنصات من «مَن تتابع؟» إلى «ماذا يشدّ انتباهك ويبقيك وقتاً أطول على المنصة؟».

وأوضح النجداوي لـ«الشرق الأوسط» أنه «في السابق كانت منصات (السوشيال ميديا) تقوم بتحليل الرسم البياني الاجتماعي، أو Social Graph Analysis لمعرفة شبكة علاقات المستخدم، والأصدقاء، والحسابات التي يتابعها، ومن خلال هذه البيانات تبني ملف اهتمام يحدد سلوك المستخدم بدقة... غير أن الفيديو القصير هو الآن الأداة الأقوى لرفع مؤشر البقاء داخل التطبيق، لأنه سريع، ومتلاحق، ويدفع المستخدم من مقطع إلى آخر، وهو ما يترجم إلى أرباح إعلانية أعلى». وأردف: «وفي المقابل، تصبح النصوص الطويلة، والروابط الخارجية عبئاً، لأنها تخرج المستخدم من المنصة، فتتراجع فرص انتشارها».

عن انعكاس هذا التغير على استراتيجيات عمل الناشرين، يرى النجداوي أن «المؤسسات الصحافية والإعلامية أمام أزمة، لأن النموذج المعتاد للوصول للجمهور تغيّر... ذلك أننا نعيش الآن عصر (الزيرو كليك)، أي أن الروابط لم تعد مُجدية، وزيارات المواقع الصحافية انخفضت، ما يعكس ضرورة أن تغير نموذج العمل». وأوضح من ثم أن هذا التحوّل صنع ما يُسمّى بـ«النيوز إنفلونسر».

وتابع الدكتور النجداوي بقلق قائلاً إن «السرعة يمكن أن تدفع البعض للتبسيط المُخِلّ، أو للإثارة، ما يعني أن مُجاراة الخوارزميات يمكن أن تدفع الناشرين لتقديم محتوى بلا تأثير حقيقي، أو معلومة واضحة، فالمعادلة صارت صعبة؛ كيف تصنع فيديو يناسب الخوارزمية من دون أن تخسر التحقق، والدقة، والثقة؟».

من جهة ثانية، وفق بيانات وفرها «تشارتبيت» لصالح تقرير «رويترز» تراجع متوسط الإحالات إلى مواقع الأخبار من «فيسبوك» بنحو 43 في المائة خلال العامين الماضيين ونصف العام، بينما انخفضت الإحالات من «إكس» بنسبة 46 في المائة، في مؤشر على أن الانتشار عبر الروابط لم يعد يضمن حركة زيارات كما كان سابقاً.

وهنا علّق محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات المتحدة، قائلاً إن الاستثمار في منصات الفيديو مثل «يوتيوب» و«تيك توك» بات خياراً أكثر جدوى من الاعتماد المفرط على الوصول من خلال المنصات التقليدية للتواصل الاجتماعي، أو «غوغل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «صحيح أن (غوغل ديسكوفر) كان مصدراً ضخماً للزيارات، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جذرية، وبات من الصعب الاعتماد عليه، لا سيما أنه يخضع بالكامل لخوارزميات تتغير باستمرار، وقد ترفع أو تخفض الزيارات بشكل حاد خلال أيام». وتابع أن «سياسة (غوغل) أصبحت واضحة في استهداف إبقاء المستخدم داخل منظومتها عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما يقلل من قيمة الزيارة نفسها، ويضعف العائد التحريري والاقتصادي للناشر».

أيضاً اعتبر عاطف أن «يوتيوب» و«تيك توك» باتتا بيئة استهلاك حقيقية للجمهور اليومي، و«الاستثمار فيهما، لا يعني فقط تحقيق مشاهدات، بل بناء حضور متكرّر، وهوية بصرية، ونمط سردي يتعرف عليه الجمهور بسهولة». وحسب رأيه فإن «الاستراتيجية الأكثر واقعية في 2026 هي التحول من عقلية مصادر الزيارات إلى عقلية أماكن وجود الجمهور، لأن الفيديو القصير أصبح اللغة السائدة... بل حتى (غوغل) نفسها باتت تكافئه داخل (ديسكوفر)، لذلك الاستثمار في الفيديو لم يعد خياراً إضافياً».

واختتم موضحاً أن «إدراج الفيديو القصير ضمن منتجات المؤسسات الصحافية بات ضرورة، لضمان الوصول إلى فئات عمرية جديدة من الجمهور... لكن الفيديو القصير يعد تحدياً أمام الناشرين، لأنه يفرض منطقاً مختلفاً بالكامل في السرد الصحافي. وعلينا أن نقر بأن الجمهور بات أسرع في سلوكه التفاعلي، فهو لا يمنح أكثر من ثوانٍ قليلة قبل اتخاذ قرار المشاهدة، أو التمرير، ما يجعل نوع المحتوى وزاوية تقديمه عاملين حاسمين في النجاح».


الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.