الأدب في مواجهة الحرب

كتّاب عرب: ألقت بظلالها الثقيلة على حياتنا وأعمالنا

أحمد طيباوي
أحمد طيباوي
TT

الأدب في مواجهة الحرب

أحمد طيباوي
أحمد طيباوي

«بشعة وآلامها لا تموت بالتقادم»، هذه خلاصة هذا التحقيق الذي تحدث فيه عدد من الكتاب العرب عن الحرب بكل تراجيديتها وتداعياتها المدمرة على الإنسان والمجمتع، وبالضرورة على الكتابة، كما رأينا في تجارب كتاب وشعراء وفنانين عبر التاريخ الإنساني، خاض بعضهم الحرب، وجسدوها في أعمالهم، من هوميروس إلى شعراء الحربين العالمية الأولى، والثانية، والحرب الإسبانية التي شارك فيها همنغواي وأندريه مارلو وجورج أورويل وغيرهم كثير، وبعضهم قد قتل في هذه الحرب أو تلك، خصوصاً في القرن العشرين:

الروائي الجزائري أحمد طيباوي: ضحايا أبديون
الناجون من الحرب ضحايا أبديون، والذين ماتوا سيبقون عالقين في الذاكرة وحتى في ذاكرة أجيال قادمة لزمن طويل. تفيد التجربة الإنسانية في هذا الصدد بأن بعض الآلام لا تموت بالتقادم. بعد محنة سنوات التسعينات التي عاشتها الجزائر، كُتب كثير من الروايات، شيء قريب من التخفف، والتطهّر، القول إن الحياة ما زالت ممكنة على نحو ما، وفاء للضحايا، أو إنقاذ الذاكرة الجماعية والفردية، وبعض النصوص كانت أقرب لسيرة ذاتية أو يوميات هذا الكاتب أو ذاك أثناء الأزمة الدموية. لم تكن فترة صعبة تجاوزناها زمنياً وانتهى الأمر، لقد كانت المعاناة والآلام تجلّ عن الوصف، وسيبقى أثرها فينا طويلاً، نحن الذين تفتح وعينا في تلك السنوات، وما نكتبه يعكس ذاكرتنا القريبة والبعيدة، والترسبات التي تخلفها بداخلنا المراحل القاسية وشديدة الوطأة في حياتنا. وقد كانت أول رواية كتبتها، وهي «المقام العالي»، عن تلك الفترة بالتحديد. الرواية سجّل آخر للإنسانية، ما يسقط من التاريخ نجده في الروايات، وعندما يعيش الروائي محنة الحرب وما بعدها، يمكنني أن أفترض بأن ما يحركه هو دافع أخلاقي وإبداعي بالأساس، ويكون عليه بعد ذلك أن يتمثّل جيداً ما حدث. الماضي القريب والأليم والملغم قد يكون أكبر من قدرتنا على التجاوز السريع، ويجب أن تأخذ الأمور وقتها الطبيعي. نكتب في الروايات تاريخاً - ولو متخيلاً - للإنسان في صعوده وسقوطه، لكن يجدر بنا الابتعاد عن إعادة إنتاج خطاب الكراهية ولو بالتضمين، وعدم محاكمة هذا الطرف أو ذاك، وهذا لا يعني أن نساوي بين الضحية والجلاد، والانتصار لقيم التعايش والسلام. الاستعجال وضيق الرؤية والاكتفاء بنقل التجارب الكتابية والسماعية الأخرى ومحاولة مضاهاتها، والتحيز لأطراف الصراع على حساب الناس ومعاناتهم، كل ذلك لن يعطينا سوى روايات محدودة القيمة والأثر.


فاتنة الغرة

الشاعرة الفلسطينية فاتنة الغرة: غزة نموذجاً يتجدد
بالنسبة لي دائماً ما يتعثر حرف الراء بين الباء والحاء، فتارة تراه معلقاً في الكلمة وعندها تشحذ أسلحتك الخفيف منها والثقيل، الموبايل المشحون والسماعة للمكالمات الممنوعة وقت الحرب حيث نتراص جميعنا في مكان واحد مثل الدجاج ويكثر الضحك في هذا الوقت، يتعالى الضحك، تنزل الدموع من الضحك، نتقلب على الأرض من الضحك، أو نرتجّ أيضاً.

أذكر قصة حدثت في حرب 2014 على غزة والحروب كثيرة عليها، حيث تم تجميع العائلات في مدارس وكالة الأونروا، واستمر الحال على هذا الوضع أسابيع طويلة وثقيلة العيار، إذ أي هنّة تصدر من السرير المقابل الذي يفصلك عن متابعة ما يحدث عليه ستارة رقيقة من القماش، كانت تكفي لستر النظر، ولكن السمع كان يتخطى طرقات المدرسة.
في الطريق إلى غزة كما أتخيل، تخيم صور الحرب على ذاكرتي، التي طال عمرها أكثر من 13 عاماً لم أعد فيها لزيارة هذا المكان، تمر كشريط سمعي أمام عيني، وعقلي ينشط خلاياه من أجل حفظ المشاهد القديمة وتخزينها حتى لا تتعرض للإتلاف، السؤال الذي أخاف من ألا أجد إجابته هو: هل سأتعرف على المدينة؟ وكم بقي من الذاكرة التي خرجت بها من غزة؟ أظن أن بشاعة الحرب تتلخص عندي في الذاكرة، في الضحكات التي ألملمها مثل عقد تفرطت حباته، مثل رقصة وراء باب ولمة حول نار الشتاء، وأصوات أشخاص كانوا يسكنون هذا المكان وروائح أجساد مختلطة وثياب كل منها تحمل رائحة صاحبها، وتأتي أوقات الحرب حيث أراقب فيها بلادي من على بعد آلاف الكيلومترات وعند كل قصف أحسب كم حضن، كم ضحكة تم قصفها وكم رائحة زالت من فوق سطح الأرض. في الحرب لا يتبقى لديك سوى الذاكرة التي لا تخص أحداً سواك، وربما ستكون هي الدليل والإشارة على أن هناك روحاً قد مرّت من هنا.


ضحى عاصي

الروائية المصرية ضحى عاصي: مخاوف وأطماع بشرية
الحرب تعبير عن الاختلاف في أعنف صوره، وهي ترجمة دموية لكل الأطماع والمخاوف البشرية، الأنانية وحب السيطرة. لم أقصد يوماً الكتابة عن الحرب، ولكنني اكتشفت أنني كتبت في أعمالي الروائية الثلاثة عن الحرب، وأن مصائر شخصياتي وملامحهم النفسية، وأقدارهم البائسة، كان للحروب دور فيها.

ففي رواية «104 القاهرة» تطل علينا حرب 1967 وظلال الهزيمة، التي تلقي بتأثيرها على شخصية البطلة، وعلاقتها بالعالم وشعورها بالأمان. في النص وصف لليلة قضتها الشخصية الرئيسية، وهي ليلة وفاة جدها، وهي تلك الليلة التي تم إعلان الهزيمة فيها... وفى هذه الليلة يظهر بطل موازٍ وهو الزائر الليلي، الذي يبدو كضمير البطلة الذي جاء ليعينها على تقبل الفقد والهزيمة، لتبدأ رحلة «انشراح» المهزومة في الحياة، ومعها بطلها الافتراضي وتتوالى الأحداث.
وفي رواية «غيوم فرنسية» بدت الحرب أكثر وضوحاً، ولكن الحرب هنا مختلفة، وتراوحت أسئلة الرواية ما بين: هل كانت الحرب بين الفرنسيين والمصريين في فترة حمله نابليون؟ أم أنها كانت بين الفرنسيين والسلطنة العثمانية؟ أم كانت الحرب بين الحداثة المتمثلة في أفكار الثورة الفرنسية التي تدعو إلى الإخاء والمساواة والحرية، والأفكار التقليدية التي جعلت من مصر ولاية من ولايات السلطنة العثمانية؟ تبدأ الرواية بحرب فى مصر وتنتهي بحرب في روسيا.
في رواية «صباح 19 أغسطس» تتغير حياة البطلة وتفقد الوطن في حرب أخرى، حرب غير مرئية، أخطر من الحروب التقليدية، تُستخدم فيها كل الأفكار الطيبة والمثالية.


يعرب العيسى

الروائي السوري يعرب العيسى: الحماقة الأكثر تكراراً
في كل مبدع شيءٌ من شاعر، والشاعر لا يظن نفسَه مسؤولاً عن أهله وبلده فقط، بل عن النوع البشري، والحيوانات والنباتات والمناخ والأفلاك كذلك. وهو يعتقد بأنه منذورٌ لجعل العالم مكاناً أفضل.
يسوقه هذا الوهم الجميل الى أماكن محددة. يلقي به في آبار مهجورة، يغرقه بالشغف، فيجد نفسه أسيرَ الموضوعات الأكثر تناقضاً مع تصوّره للعالم. وأفترض بديهياً أن المبدع نصير الحياة، وبما أن مؤرخي الحروب يقيسون حجم انتصاراتها بحجم نهر الدماء البشرية الذي أَسالَتْه فعلاقة الجذب تصبح بديهية أيضاً.
فالحرب، بوصفها الحماقة البشرية الأكثر تكراراً، والأعمق أثراً، لا بدّ أن تقود المبدعين واحداً تلو الآخر إلى تلة الجماجم التي تخلّفها وراءها، وتدفعهم لهجائها. أو لهجاء أحد طرفيها دوناً عن الآخر، تصور العالم عنها، أثرها على الشجر، على العمارة، على الفتيات، على الخبز، على الحب.
أدبيات التاريخ تكاد تقتصر على الحروب، ومعظم ما بين أيدينا من التاريخ الإنساني هو تاريخ الحروب التي شنتها الإمبراطوريات والدول على بعضها، دون أن نعرف ما شعرت به تلك المرأة التي تبيع البيض في ساحة طروادة يوم اقتحامها بحصان خشبي، ولا المرأة الأخرى التي كانت تحاول ضبط انقباضات رحمها لتؤخر ولادة ابنها فيما تدكُّ منجنيقات محمد الفاتح بيوت القسطنطينية.
وأظن هذه مهمة الأدب، وهو ما يفعله حقاً، فالتاريخ الرسمي الذي يكتبه الحكام، جعل حكايتنا البشرية تلّة من الأكاذيب. هناك مبدعون كتبوا ورسموا عن الحرب، منهم هيمنغواي، وهو، مع جورج أورويل، برأيي من أفضل من كتب عن الحرب، فكلاهما شهد ويلاتها عن قرب، واختبر بشاعتها بكل حواسهما حين كانا مراسلين حربيين على الجبهات.
أيضاً أتذكر هنا إجابة الشاعر المكسيكي أوكتافيو باز، حين سألته صحافية: هل تظن الأدب سينقذ العالم؟ فقال: ربما أنقذه مرات عديدة من قبل، من يدري؟


يسري عبد الله

الناقد د. يسري عبد الله: مأزق المصير الإنساني
لا تحمل سرديات الحرب مواد حكائية فحسب، فهي تخترق القشرة الصلدة للحروب باحثة عما يضمر في أعماقها، كاشفة عن مأزق الإنسان الفرد حين يجد نفسه في قلب مرمى المأساة، والفقد، والوحشة. ولطالما عبر الأدب عن جدل الموت والحياة، وعن حركة الإنسان وهو يسعى للنجاة، والوجود، ما يفضي به إلى الهلاك، وهنا مثلت سردية الحرب إحدى السرديات الكبرى في الأدب العالمي، منها نذكر ملحمة «الحرب والسلم» للكاتب الروسي ليو تولستوي، التي تم تصنيفها بوصفها إلياذة العصور الحديثة، ومثلت استجابة جمالية لجدل الحياة والموت الممتد، وهي تُسائل الحروب في مراجعة نقدية مستمرة. داخل «الحرب والسلم» كان تولستوى يُنقب عن الجوهر الإنساني الثري، عبر مسارات سردية متقاطعة لواقع الحرب المعبأة بالضغينة والكراهية، وإن كان لا يزال قادراً على إيجاد خيوط من المحبة والرومانسية، في بناء مركب يحمل سؤال المصير الإنساني، والتاريخ الدموي، والمشاعر التي تجدل بين القسوة والرهافة، وتطلع البشر لصناعة المحبة، والبحث عنها رغم كل ما يحيط بهم من موت، وخراب.
اتسع أفق رواية «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» للروائي الألماني إيريك ريمارك، لكل من صخب الحرب، ووحدة الإنسان الداخلية. وكان عنوان الرواية إشارة إلى العبارة التي عبرت عن حالة الحرب في التقرير الحربي المعتاد، وهي الجملة المركزية ذاتها التي تتوازى مع موت بطل الرواية الشاب العشريني (باول)، الذي حولته الحرب من محبة الحياة والشغف بها إلى اقتناعه بضرورة الموت وحتميته؛ باعتباره الخلاص من الخوف، والرعب، والاغتراب والمعاناة. وكانت أمه هي خط دفاع أخير عن انتمائه لهذا العالم، وعن كونه لا يزال موجوداً حاضراً قادراً على الفرح ولو من بعيد، لكنها تموت أيضاً، ككل شيء في عالم أصبح الموت سبيله الوحيد.
تطرح رواية ريمارك تساؤلات مثيرة عن جدوى الحروب، وخطورة اعتيادية القتل، تلك التي لم تخلف داخل سيكولوجية البطل الممزق (باول) سوى الوحشة، والإحساس العام بالاغتراب عن محيطه الاجتماعي، ففى زياراته القليلة إلى قريته يجد نفسه عازفاً عن التواصل مع من حوله، بينما يسأله أبوه أسئلة لا يعرف إجاباتها عن مدى تقدم القوات، وهو الجندي الذي لا يملك من أمره شيئاً سوى البحث عن فرصة جديدة للنجاة، لتتعمق الآلام النفسية لديه، وتستمر حتى موته المنتظر.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».