اتهامات للاتحاد الأوروبي بممارسة «الغسل الأخضر»

تباين المصالح وضعف المعايير يهددان الاستثمارات المستدامة

الطاقة البديلة النظيفة للبيئة (شتر ستوك)
الطاقة البديلة النظيفة للبيئة (شتر ستوك)
TT

اتهامات للاتحاد الأوروبي بممارسة «الغسل الأخضر»

الطاقة البديلة النظيفة للبيئة (شتر ستوك)
الطاقة البديلة النظيفة للبيئة (شتر ستوك)

من أجل تلبية أهداف الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالمناخ والطاقة لعام 2030، وتحقيق أهداف «الصفقة الأوروبية الخضراء»، أعلنت المفوضية الأوروبية إقرارها تصنيفاً مشتركاً للأنشطة الاقتصادية المستدامة. ويمثّل هذا التصنيف لغة مشتركة وتعريفاً واضحاً لما هو «مستدام»، ويجعل الاقتصادات والأعمال والمجتمعات أكثر مرونة في مواجهة الصدمات المناخية والبيئية.
ويتبنى التصنيف الأوروبي مراجعة للأنشطة الاقتصادية، من خلال مساهمتها في تحقيق ستة أهداف بيئية، هي التخفيف من آثار تغيُّر المناخ، والتكيُّف مع تغيُّر المناخ، والاستخدام المستدام وحماية الموارد المائية والبحرية، والانتقال إلى الاقتصاد الدائري، ومنع التلوُّث والسيطرة عليه، وحماية واستعادة التنوُّع البيولوجي والنظم البيئية.
ويساهم هذا التصنيف في خلق بيئة آمنة اقتصادياً للمستثمرين، ويدعم الشركات في سعيها لتصبح أعمالها أكثر توافقاً مع الأهداف المناخية، ويقلل من تجزئة السوق، ويساعد في تحويل الاستثمارات إلى حيث تشتد الحاجة إليها، كما يحمي مستثمري القطاع الخاص من «الغسل الأخضر»، أي تغطية ممارسات مسيئة للبيئة بعناوين خادعة.
وعلى عكس ما هو مُعلَن، يرى ناشطون بيئيون ومؤسسات مالية أن التصنيف في حد ذاته يمثل غطاءً للغسل الأخضر، عبر إدراجه مشاريع الغاز الطبيعي والطاقة النووية ضمن الاستثمارات المستدامة، وإن كان هذا الإدراج في ظل شروط صارمة ومحددة. وتشمل قائمة معارضي التصنيف باعتباره غسلاً أخضر سياسيين بارزين، من بينهم وزير الاقتصاد والعمل المناخي في ألمانيا، ووزيرة العمل المناخي في النمسا، ووزير الطاقة في لوكسمبورغ.

- «غسل أخضر» أم نشاط انتقالي ضروري؟
«الغسل الأخضر» مصطلح حديث نسبياً، يتمثّل في تضليل المستهلكين حول الممارسات البيئية التي تقوم بها مؤسسة ما، أو الفوائد البيئية المفترضة لمنتجاتها أو خدماتها. وفي عملية الغسل الأخضر، تقوم المؤسسة بإنفاق الوقت والمال لتسويق نفسها على أنها صديقة للبيئة، بدلاً من تقليل تأثيرها البيئي الفعلي، وهي بالتالي وسيلة تسويقية تهدف إلى خداع المستهلكين الذين يفضلون شراء السلع والخدمات التي تحمل العلامات الخضراء.
ويدرك فريق الخبراء التقني، الذي قدم المشورة حول التصنيف الأوروبي المشترك للأنشطة الاقتصادية المستدامة، الإشكاليات المرتبطة بالغسل الأخضر للطاقة النووية والغاز الطبيعي. وفيما يتماشى رأي الفريق مع مواقف بعض الخبراء من أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من محطات الطاقة النووية طيلة دورة حياتها أقل من الانبعاثات عن مصادر الطاقة المتجددة، فإن الفريق كان أقل حسماً فيما يتعلق بالتأثيرات البيئية الأخرى للطاقة النووية، وتوافقها مع معيار «عدم إلحاق ضرر كبير».
ولذلك يلحظ التصنيف بعض أنشطة الطاقة النووية التي يمكن أن تلعب دوراً في انتقال الاتحاد الأوروبي نحو الحياد المناخي، وفق شروط صارمة فيما يتعلق بالسلامة النووية والبيئية. وتشمل هذه الأنشطة التقنيات المتقدمة ذات دورة الوقود المغلقة (الجيل الرابع من المفاعلات) من دون قيد زمني، ومحطات الطاقة النووية التي تستخدم أفضل التقنيات المتاحة حالياً لغاية سنة 2045، والتعديلات والتحديثات الخاصة بالمنشآت النووية القائمة لأغراض تمديد العمر الافتراضي حتى سنة 2040.
وعلى عكس الطاقة النووية، يطلق الغاز الطبيعي كميات متوسطة من ثاني أكسيد الكربون عند حرقه للحصول على الكهرباء أو الحرارة. ولكن في المقابل، يمكن استخدام تقنيات تعتمد مقاييس الكفاءة والتقاط الكربون في المصدر، للتخفيف من انبعاثات الغاز الطبيعي والنفط.
ووفقاً للمسارات المنسجمة مع «اتفاقية باريس المناخية»، من المتوقع أن يمثّل الغاز الطبيعي 22 في المائة من استهلاك الطاقة الأوروبية سنة 2030، و9 في المائة سنة 2050، وصولاً إلى الحد من استخدامه بعد ذلك. لكن الأكيد أن أزمة إمدادات الطاقة التي تفاقمت مع الاجتياح الروسي لأوكرانيا لن تخفف من وقع المشكلة، بل ستحدُّ من الخيارات المتاحة؛ فقد اكتشف العالم أن التحوُّل السريع إلى الطاقات المتجددة دونه عقبات، والمطلوب ضخ استثمارات أكبر لتطوير تكنولوجيات الكربون الدائري، التي تسمح بالتقاط الكربون المنبعث من حرق الوقود الأحفوري، لإعادة استخدامه أو تخزينه بأمان.
وللحصول على تصنيف الاستدامة، يجب أن تحقق محطات الطاقة أو الحرارة العاملة على الغاز انبعاثات كربونية محددة منخفضة باستخدام تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه، أو أن يتم استخدام الغاز الطبيعي بديلاً للمصانع التي تعمل على الفحم الأكثر تلويثاً. ويجب أن تلحظ هذه الأنشطة التحول السريع نحو مصادر الطاقة المتجددة قبل سنة 2035.
وكان فريق الخبراء التقني أوصى باستبعاد الطاقة النووية والغاز الطبيعي من تصنيف الأنشطة الاقتصادية المستدامة في مارس (آذار) 2020، مما أثار انقساماً بين الدول الأعضاء في المفوضية الأوروبية. ومنذ ذلك الحين، مارست شركات الطاقة النووية والغاز الطبيعي عمليات ضغط مكثّفة، عبر مؤسسات علاقات عامة ومجموعات مصالح، للتراجع عن هذه التوصية. وخلال السنتين الماضيتين، تعزز هذا الضغط من خلال دعم الدول التي تخطط لتطوير مشاريع في هذين القطاعين، مثل المجر وبولندا والتشيك. كما لعبت فرنسا دوراً رئيسياً في التحالف مع هذه الدول لتمرير صفقة تسمح بالطاقة النووية في مقابل الغاز.

- معايير غائبة ومواقف متباينة
يصعب على المستهلكين والشركات والجهات الفاعلة في السوق اليوم فهم العلامات والمبادرات العديدة المتعلقة بالتصنيف البيئي للمنتجات والشركات. وتوجد حالياً أكثر من 450 علامة تصنيف بيئية نشطة في جميع أنحاء العالم، من بينها أكثر من 200 علامة في الاتحاد الأوروبي وحده. كما توجد أكثر من 80 مبادرة وطريقة إشعار مستخدمة على نطاق واسع لانبعاثات الكربون فقط. بعض هذه الأساليب والمبادرات موثوق، وبعضها الآخر متغيّر حسب القضايا التي يغطيها.
وتوجد أمثلة عديدة عن «الغسل الأخضر»، كتسويق المنتجات الغذائية على أنها صحية بسبب استخدامها مكونات طبيعية فقط، سواء أكانت تحتوي على سكريات أو دهون أو غيرها. وتتضمن العديد من مواد التغليف شارات بيئية أو تستخدم رسومات صديقة للبيئة، رغم أن أكثر الشركات الصانعة لا تبذل جهداً حقيقياً لتقليل الأثر البيئي للمنتَج نفسه.
ومن أشهر فضائح «الغسل الأخضر» قيام شركة «فولكسفاغن» بتزويد سياراتها العاملة على الديزل بنظام برمجي للتحايل على اختبار الانبعاثات. وقد سمح هذا النظام، الذي قادت تحقيقات أميركية لاكتشافه في سنة 2015، بتسويق هذه السيارات على أنها موافقة لمعايير الهواء النظيف المطبقة في الولايات المتحدة، بينما كانت انبعاثاتها الحقيقية تتجاوز المعدل المسموح لأكسيد النيتروجين بأربعين مرة. وقدّرت مجلة «فوربس» أن هذه الفضيحة كلّفت الشركة خسائر بأكثر من 35 مليار دولار.
كما أن كثيراً من المصطلحات المتداولة، مثل «الفحم النظيف» و«الطمر الصحي» و«البلاستيك الحيوي» و«السيارات الخضراء» و«الحياد الكربوني» و«الطاقة النظيفة»، يمكن أن تنطوي بشكل أو بآخر على «غسل أخضر». وتُتهم منظمات دولية كثيرة باتباع عمليات «غسل أخضر»، كاللجنة الأولمبية الدولية التي تنظم دورات أولمبية تصفها بالصديقة للبيئة، متجاهلة التعدي على الموائل الطبيعية، أو الأمم المتحدة التي تعقد مؤتمرات للمناخ ينتج عن فعالياتها وحضورها انبعاثات كبيرة.
وتتباين سياسات الدول حول مواجهة الغسل الأخضر؛ فالقانون الأسترالي يعاقب الشركات التي تقدم ادعاءات بيئية مضللة بغرامة يمكن أن تصل إلى 6 ملايين دولار. ويمنع مكتب المنافسة الكندي الشركات من تقديم ادعاءات حول التأثير البيئي لمنتجاتها، ما لم تكن هناك بيانات متوفرة عنها. وفي المملكة المتحدة، تخضع الشركات إلى قانون الادعاءات الخضراء، الذي يهدف إلى حماية المستهلكين من الادعاءات البيئية المضللة، وحفظ حقوق الشركات من المنافسة غير العادلة.
وفي الولايات المتحدة، تملك لجنة التجارة الفيدرالية الحق في ملاحقة الادعاءات الكاذبة والمضللة التي تخالف الإرشادات الطوعية الخاصة بالتسويق البيئي. وكانت اللجنة اتخذت قبل سنوات إجراءات صارمة ضد ست شركات مختلفة تتعلق بإعلانات كاذبة أو مضللة أو غير موثوقة حول قابلية التحلل البيولوجي لمواد بلاستيكية. مع الإشارة إلى أنه تم تسويق أنواع من الأكياس البلاستيكية في دول عربية على اعتبارها قابلة للتحلل من دون أن تترك مخلّفات ضارّة، ليتبيَّن لاحقاً عدم دقة هذه المزاعم.
وفي المقابل، لا تتبع أكثر الدول سياسات واضحة تتعلق بالغسل الأخضر؛ فالصين، التي عملت على إضعاف صيغة القرار الخاص بالتخلص التدريجي من الفحم في قمة المناخ «كوب 26» في غلاسكو 2021، خصصت أكثر من 30 مليار دولار لتمويل مشاريع ما تسميه «الفحم النظيف»، وهي في الوقت ذاته لا تملك معايير وطنية للتحقق من ادعاءات الحياد الكربوني التي تزعمها الشركات أو أرصدة الكربون التي تديرها المؤسسات.
إن سعي الشركات للنهوض بمسؤولياتها الاجتماعية يجب أن يقوم على قواعد سليمة، لا مجرد ادعاءات لا أساس لها من الصحة، بهدف اجتذاب المستهلكين الذين يميلون إلى المنتجات الصديقة للبيئة. وفي ظل إجراءات التعافي الاقتصادي العالمي، ومع زيادة الطلب على الاستثمارات التي تأخذ في الاعتبار عوامل البيئة والمجتمع والإدارة الرشيدة، يصبح «الغسل الأخضر» قضية معقدة لديها القدرة على إلحاق الضرر بالبيئة والتأثير سلباً في المستثمرين الذين يتطلعون للقيام باستثمارات مستدامة.


مقالات ذات صلة

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

بيئة الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
بيئة أقدام الديناصورات التي اكتشفها علماء حفريات إيطاليون (أ.ب)

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

اكتشف علماء حفريات إيطاليون الآلاف من آثار أقدام الديناصورات على صخرة شبه عمودية على ارتفاع أكثر من ألفي متر فوق مستوى سطح البحر في متنزه ستلفيو الوطني.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية خلال اجتماعها مع أحد المستثمرين (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية

عقدت وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية اجتماعاً مع أحد المستثمرين لبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)

الأرض «تضمد جروحها» بعد الزلازل القوية

توصل فريق من علماء الجيولوجيا في الولايات المتحدة إلى أن الصدوع الزلزالية العميقة في باطن الأرض يمكن أن تلتئم في غضون ساعات بعد حدوث الهزات الأرضية القوية.

«الشرق الأوسط» (سان فرنسيسكو)
صحتك الأشخاص الذين مارسوا ما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين الرياضية أسبوعياً انخفض لديهم خطر الوفاة (رويترز)

المشكلة الشائعة التي تُقلّل من فوائد التمارين الرياضية

معروف أن ممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن الصحة النفسية، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتُحسّن محيط الخصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.