طهران تطالب بـ«نهج عملي» أميركي لإحياء «النووي»

رئيس «الطاقة الذرية» الإيرانية: العودة إلى الالتزامات ليست مطروحة لبلدنا

مفاعل الأبحاث النووية في طهران (أرشيفية - أ.ب)
مفاعل الأبحاث النووية في طهران (أرشيفية - أ.ب)
TT

طهران تطالب بـ«نهج عملي» أميركي لإحياء «النووي»

مفاعل الأبحاث النووية في طهران (أرشيفية - أ.ب)
مفاعل الأبحاث النووية في طهران (أرشيفية - أ.ب)

لليوم الثاني على التوالي، رهن وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان إمكانية إحياء الاتفاق النووي الموقع عام 2015 في مفاوضات فيينا على المدى القصير، بإظهار الولايات المتحدة «نهجاً عملياً» والتحلي بالواقعية.
وصرح عبد اللهيان، خلال مؤتمر صحافي، في بيروت، أمس: «إذا كانت الولايات المتحدة براغماتية، يمكن التوصل لاتفاق نووي في المدى القريب». مشيراً إلى أن مسألة رفع العقوبات عن بلاده لم تتم تسويتها بالكامل بعد. وتابع قائلاً: «بدلاً من تضييع الوقت بالتلاعب بالكلمات والوقت، يتعين على الولايات المتحدة أن تتبع الطريق الصحيح، وتتصرف بشكل عملي. نحن مستعدون لاتفاق جيد وقوي ومستقر، ولكن ليس على حساب خطوطنا الحمراء».
وخلال زيارة لدمشق أول من أمس (الأربعاء)، قال أمير عبد اللهيان إن بلاده والقوى العالمية أقرب من أي وقت مضى للتوصل لاتفاق في فيينا.
لكن مسؤولين أميركيين أبدوا حذراً أكبر في تقييمهم لمساعي إحياء الاتفاق الذي يحدّ من البرنامج النووي الإيراني، مقابل رفع عقوبات اقتصادية مفروضة عليها. وقال مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، أول من أمس، إن الولايات المتحدة وحلفاءها أحرزوا تقدماً في محادثات إيران النووية، لكن لا تزال هناك مشكلات قائمة، ومن غير الواضح إن كانت ستحل.
وأجرى مسؤولون روس وإيرانيون، أمس، مشاورات في فيينا بشأن المحادثات النووية التي دخلت مرحلة توقف لأجل غير مسمى، بعد طلب مفاجئ من موسكو للحصول على ضمانات أميركية، بألا تضرّ العقوبات المفروضة على موسكو بسبب غزوها أوكرانيا بتجارتها مع إيران.
والتقى السفير الروسي لدى المنظمات الدولية، ميخائيل أوليانوف، رئيس البعثة الإيرانية محمد رضا غائبي، لبحث مسار المفاوضات، بشأن إعادة العمل بالاتفاق النووي.
جاء الاجتماع الروسي - الإيراني، بعدما قال رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، محمد إسلامي، إن «إيران لم تعتمد على المفاوضات في مجال الاقتصاد والقرارات والخطط التنفيذية في المجال النووي»، حسبما أوردت وكالتا «إرنا» و«إيسنا» الحكوميتان.
وأشار إسلامي ضمناً إلى الخطوات الإيرانية المطلوبة للتفاهم المتحمل في فيينا، وقال إسلامي: «أجرينا محادثات تقنية في إطار المفاوضات، وكل شيء مرهون بالقرار السياسي الأميركي للعودة إلى التزاماتهم» وأضاف: «قضية العودة إلى الالتزامات ليست مطروحة لبلدنا» لكنه تابع: «على الطرف الآخر هناك التزامات يجب العودة إليها، لقد أوفت إيران بالتزاماتها بالكامل، لكن الطرف الآخر لم يفِ بالتزاماته، وهذان العملان متبادلان، والآن إذا أرادوا العمل بالتزاماتهم، سنقوم أيضاً بخطوات تتناسب مع خطواتهم، وسنتوصل لاتفاق».
وتطرق إسلامي إلى إعلان إيران إحباط عملية تخريبية في منشأة فوردو في وقت سابق من هذا الشهر. وقال إن الخطوة «رسالة واضحة للكيان الصهيوني، وهي يقظة الجهاز الأمني الإيراني ضد أي تهديد».
وأعلنت السلطات الإيرانية في 14 مارس (آذار) الحالي عن إحباط أجهزة أمنية محاولة لتخريب منشأة فوردو النووية المحصنة تحت الأرض في مدينة قم على بعد 180 كيلومتراً جنوب طهران.
وزعم التلفزيون الإيراني أن جهاز استخبارات «الحرس الثوري» أوقف «شبكة» كانت تتواصل مع عناصر مرتبطين بالاستخبارات الإسرائيلية، وتخطط لتخريب منشأة فوردو، في خضم استمرار التجاذب في المفاوضات بين إيران وقوى كبرى، هادفة إلى إحياء اتفاق العام 2015 بشأن برنامج طهران النووي.
وقال إسلامي، في تصريح إذاعي، أول من أمس، إن منظمته تعد أهدافاً واسعة لمستقبل الصناعة النووية الإيرانية، متحدثاً عن إزاحة الستار عما وصفه بـ«الوثيقة الشاملة للتنمية الاستراتيجية في الصناعة النووية» في «اليوم الوطني للتكنولوجيا النووية» الذي يصادف 9 أبريل (نيسان)، دون أن يكشف تفاصيل.
وأفادت تقارير، الأسبوع الماضي، أن الوكالة الدولية تحقق من بدء إيران في تحويل ثلث مخزونها من اليورانيوم بنسبة 60 في المائة إلى مواد تستخدم في إنتاج النظائر المشعة الطبية، لكن العملية يصعب معها استرداد اليورانيوم، بالإضافة إلى تخفيفه وشحنه إلى خارج البلاد.
وذكرت وكالة «رويترز» أن فرنسا وبريطانيا وألمانيا حذرت إيران من تداعيات الخطوة على العودة إلى حدود الاتفاق النووي، أي تخلص إيران من مخزون اليورانيوم المخصب فوق درجة النقاء 3.67 في المائة. لكن وكالة «بلومبرغ» توقعت أن تؤدي الخطوة إلى خفض التوترات بين إيران والقوى الكبرى، لأن العملية «تجعل المواد غير صالحة للاستخدام لتصنيع أسلحة».

البروتوكول الإضافي
مع استمرار الترقب بشأن مصير مفاوضات فيينا، أعادت الوكالات الرسمية الإيرانية إثارة ملفات على صلة مباشرة بالاتفاق النووي، ومنها ملف العلاقات بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تشدد على ضرورة مراقبة البرنامج النووي الإيراني بمهمة خاصة من الأمم المتحدة، في إطار الاتفاق النووي، جنباً إلى جنب مع بنود معاهدة حظر الانتشار النووي التي تعتبر إيران من الموقعين عليها.
وقدّمت وكالة «إرنا» الرسمية، أمس، رواية عن أبرز محطات توتر العلاقات بين الوكالة الدولية وطهران، منذ الكشف عن الأنشطة الإيرانية، قبل جلوس طهران على طاولة المفاوضات مع الترويكا الأوروبية في 2003، عندما كان الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني يتولى منصب أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي، ويترأس مهمة التفاوض. وذكرت في هذا الصدد: «مع بداية أنشطة توفير الوقود النووي، تزعم الوكالة الدولية أن إيران تكتمت على التقارير المتعلقة بالتفتيش، وذلك في حين لم تكن هناك حاجة لإبلاغ الوكالة بشأن القضايا المعلنة».
ومن بين القضايا التي أشار إليها التحليل، تحديداً قبول إيران الانضمام إلى البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر الانتشار النووي في 2003، قبل أن تنسحب منه في فبراير (شباط) العام الماضي، بعدما قررت تقليص التعاون مع الوكالة الدولية، ما منع المفتشين من الوصول إلى تسجيلات كاميرات المراقبة التي توثق بعض الأنشطة الحساسة. وترهن إيران منذ ذلك الحين وصول الوكالة الدولية إلى التسجيلات بالتوصل لاتفاق في محادثات فيينا.
وتشير وكالة «إرنا» إلى 5 عوامل لقبولها البروتوكول الإضافي. 1؛ تلوث أجهزة الطرد المركزي المستوردة. 2؛ تسريب المعلومات من جانب السماسرة والدول التي كانت مرتبطة بالبرنامج النووي. 3؛ إعلان إيران وقف تخصيب اليورانيوم (حينذاك). 4؛ مشروع البرلمان (ذي الأغلبية الإصلاحية حينذاك) لقبول البروتوكول الإضافي. 5؛ إعلان الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي.
كما ألقت باللوم على المدير العام السابق للوكالة الدولية محمد البرادعي، الذي «حذر روحاني من هجوم إسرائيلي - أميركي على إيران».
ومن غير الواضح هل تعود إيران مرة أخرى إلى قيود البروتوكول الإضافي، إذا ما توصلت إلى اتفاق في فيينا، في ظل إصرار الحكومة الحالية على المضي قدماً في برنامجها النووي.

عقدة «فاتف»
يُتوقع أن يعود النقاش بشأن الانضمام إلى مجموعة مراقبة العمل المالي الدولي وتمويل الإرهاب (فاتف)، مع استعداد إيران لرفع العقوبات. ومن باب التذكير بضرورة الخطوة، تناولت وكالة «إيسنا» الحكومية، أمس، محاولات الحكومة السابقة برئاسة روحاني، لتمرير مشروع للانضمام إلى المجموعة الدولية، دون أن تسفر محاولاتها عن أي نتيجة تذكر، بعد التوصل للاتفاق النووي في عام 2015.
وكان الحكومة السابقة قد توصلت إلى تفاهم جانبي في مفاوضات فيينا عام 2015، بشأن إبعادها من القائمة السوداء، وإدراجها على القائمة الرمادية، مقابل أن تمتثل إيران لمعايير المنظمة التي تراقب المخاطر المالية.
وتمكنت الحكومة السابقة من تمرير لائحتين للانضمام إلى «فاتف»، إضافة إلى تعديل قوانين داخلية في البرلمان، لكن مجلس صيانة الدستور (الهيئة المشرفة على قرارات البرلمان) رفض المصادقة على المشروع، ما تسبّب في إحالته إلى مجلس تشخيص مصلحة النظام، للبتّ في خلافات الحكومة و«صيانة الدستور». ومنذ نحو عامين لم يعلن المجلس قراره بشأن قرار الحكومة.
ويختار المرشد الإيراني علي خامنئي جميع أعضاء مجلس «تشخيص مصلحة النظام»، ويختار نصف أعضاء «صيانة الدستور» مباشرة.
وإذا ما توصلت إيران والقوى الكبرى إلى تفاهم سياسي بشأن إعادة العمل بالاتفاق النووي في محادثات فيينا، فإن التبادلات التجارية والبنكية الإيرانية تواجه تحدياً جدياً بشأن إذا لم توافق إيران على الانضمام لمعايير مجموعة «فاتف» التي أعادت تصنيف إيران على قائمتها السوداء منذ فبراير من العام الماضي.
وفي هذا الصدد، كتبت وكالة «إيسنا» أن مجلس تشخيص مصلحة النظام «لا يواجه ضغوطاً من أجل الموافقة على المشروع، بعد التخلص من حكومة روحاني، وأحال المشروع إلى الأرشيف، لكنه لم يرفضه رسمياً»، وأضافت: «ينتظر تحديد مصير مفاوضات فيينا حتى يتمكن من إعادة فتح القضية إذا تم رفع العقوبات».
وتشدد طهران في مفاوضات فيينا على أولوية رفع العقوبات والتحقق من ذلك وضمان عدم تكرار الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي. ومن شأن عدم امتثال طهران لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، أن يعرقل ذلك رفع القيود على علاقاتها البنكية والتعامل بالدولار إذا توصلت لاتفاق في فيينا.



رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
TT

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)

نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد الرحيم موسوي، قوله إن بلاده لن تبدأ الحرب أبداً، لكنها لن تتردَّد لحظة في الدفاع الحاسم عن أمنها القومي في حال تعرُّضها لأي تهديد.

وأضاف أن أي عمل عسكري يهدف إلى فرض الحرب على إيران سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع وتفاقم الأزمة في جميع أنحاء المنطقة، محذراً من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليميَّين.

وأكد رئيس الأركان، بحسب الإعلام الإيراني، أن إيران تحتفظ بحقها الكامل في الرد، وأن قواتها المسلحة في جاهزية تامة للتعامل مع أي تطورات أو تهديدات محتملة.

وجاءت تصريحات موسوي غداة مفاوضات عُقدت مع واشنطن في مسقط.


الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
TT

الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

عكست الصفحات الأولى للصحف الإيرانية الصادرة صباح السبت، مقاربات متشابهة لجولة المفاوضات التي جرت في مسقط يوم الجمعة بين إيران والولايات المتحدة، حيث هيمنت ثنائية القوة الميدانية والدبلوماسية المشروطة على العناوين الرئيسية، مع اختلاف في الزوايا والأسلوب بين الصحف.

وأجمعت الصحف الصادرة في طهران، عقب مفاوضات الجمعة، على تقديم الحوار من موقع قوة، وحصر جدول الأعمال بالملف النووي، وربط الدبلوماسية بالجاهزية العسكرية، مع تباين في النبرة بين الخطاب الآيديولوجي لمؤسسة الحكم، والمقاربة الحكومية التي تدعو إلى ضبط التوقعات، وعدم تحويل المفاوضات إلى ساحة صراع داخلي، أو رهان مطلق على النتائج.

الصفحة الأولى لصحيفة «إيران» الحكومية على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

وإلى جانب الصحف التي ركزت على التفاوض من موقع القوة والجاهزية العسكرية، حضرت صحيفة «إيران»، الناطقة باسم الحكومة، بعنوان رئيسي هو «بداية جيدة»، في إشارة إلى انطلاق محادثات مسقط.

وقدمت الصحيفة صورتين متقابلتين في صدر صفحتها الأولى، تظهران لقاء وزير الخارجية الإيراني مع نظيريه العماني والأميركي، معتبرة أن الجولة الأولى تشكل انطلاقة إيجابية حذرة.

غير أنها أرفقت العنوان المتفائل بمقاربة تحذيرية في افتتاحية حملت عنوان «المفاوضات ليست ساحة للصيد الجناحي - السياسي»، وكتبت أن قرار التفاوض مع واشنطن هو قرار صادر عن مؤسسة الحكم في الجمهورية الإسلامية ككل، وليس قراراً حكومياً أو جناحياً. وأكدت أن تأمين مصالح البلاد عبر التفاوض هو مهمة الحكومة ووزارة الخارجية ضمن هذا الإطار.

إيراني يقرأ عناوين الأخبار لصحف معروضة للبيع على كشك في شارع وسط طهران اليوم (إ.ب.أ)

وأضافت الصحيفة أن ربط جميع شؤون البلاد، أو ما يسمى «حياة وموت الدولة»، سواء في بعدها الإيجابي أو السلبي، بمسار المفاوضات، ليس طرحاً صحيحاً ولا فرضية قابلة للدفاع، محذرة من تحويل المفاوضات إلى أداة للمزايدات الداخلية أو التجاذبات السياسية. وشددت على أن التفاوض هو إحدى أدوات إدارة المصالح الوطنية، لا بديلاً عن بقية عناصر القوة أو المسارات السياسية والاقتصادية للدولة.

وفي تغطيتها الخبرية، ربطت «إيران» استمرار المفاوضات بمدى التزام الطرفين، معتبرة أن «استمرار الحوار واتخاذ قرارات متقابلة يعتمد على سلوك الأطراف»، من دون رفع سقوف سياسية أو الدخول في خطاب تصعيدي، مع إبراز دور سلطنة عُمان بوصفها وسيطاً، والتأكيد على أن الحكم على المسار لا يزال مبكراً.

صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران تبرز صورة المفاوضين الإيرانيين

في المقابل، تصدرت صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران، المشهد بعنوان «اقتدار في الميدان وقدرة في الدبلوماسية»، مبرزة صورة الوفد الإيراني في مسقط، ومقدمة الجولة على أنها جاءت بعد فشل الضغط العسكري الأميركي. وربطت الصحيفة بوضوح بين المسار التفاوضي ورفع الجاهزية العسكرية، حيث حضر الحديث عن الصاروخ الإيراني في العمود الأيسر للصفحة الأولى، باعتباره أحد عناصر الردع التي تشكّل خلفية مباشرة لأي حوار سياسي.

«عصر الردع الهجومي»

أما صحيفة «فرهيختغان» التي يرأس إدارة تحريرها علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، فاختارت عنوان «المفاوضة في الميدان»، وقدمت المفاوضات باعتبارها محطة تأتي بعد عام من التوتر وتجربة حرب الـ12 يوماً، مشددة على أن الدبلوماسية الإيرانية تتحرك بذاكرة مفتوحة تجاه تجارب الماضي.

وطرحت الصفحة الأولى تساؤلات حول محاولات إعادة إنتاج مسارات الضغط السابقة، مقابل تأكيد أن طهران تدخل الحوار من دون التخلي عن خيارات أخرى إذا فُرضت عليها شروط غير مقبولة.

وذهبت صحيفة «جام جم» التابعة للتلفزيون الرسمي، إلى خطاب أكثر تعبئة تحت عنوان «عصر الردع الهجومي»، حيث أبرزت الصواريخ والتأهب العسكري بوصفهما السند الأساسي للمفاوضات، وربطت بين تطور القدرات العسكرية وارتفاع القدرة التفاوضية، مقدمة الأمن القومي وتوازن الردع إطارين حاكمين لأي تفاوض مع الولايات المتحدة.

من جهتها، عنونت صحيفة «آكاه» المحافظة المشهد بعبارة «اقتدار في الميدان وقدرة في الدبلوماسية»، مع صورة جماعية للوفد الإيراني، معتبرة أن جولة مسقط جاءت بعد إخفاق سياسة التهديد والضغط، وقدّمت المفاوضات بوصفها نتيجة اضطرار واشنطن للعودة إلى طاولة الحوار بعد فشل الخيارات الأخرى.

صحيفة «طهران تايمز» التابعة لمؤسسة «الدعاية والتبليغ الإسلامي» تحت عنوان «بداية جيدة لمحادثات إيران - أميركا لكن الطريق لا يزال غير واضح» (إ.ب.أ)

ومن المؤسسة نفسها التي تصدر صحيفة «آكاه»، قدمت صحيفة «طهران تايمز» الصادرة بالإنجليزية، قراءة أكثر توازناً، معتبرة أن الجولة تمثل «بداية جيدة للمحادثات، لكن الطريق لا يزال غير واضح»، مع إبراز استمرار انعدام الثقة بين الطرفين. وفي الوقت نفسه، أفردت مساحة بارزة للحديث عن تعزيز الوضع الهجومي الإيراني عبر نشر صاروخ «خرمشهر - 4»، مقدمة ذلك رسالةً موازية للمفاوضات.

أما صحيفة «قدس» المحافظة، فركزت على البعد السياسي الخارجي، بعنوان بارز عن «استقلال أوروبا... فعلياً على الورق»، مشككة في جدوى الدور الأوروبي. ورافقت العنوان صورة الوفد الإيراني مع عبارة «دبلوماسية بإصبع على الزناد»، في إشارة إلى أن الحوار يجري مع بقاء أدوات الردع حاضرة، مع تأكيد حصر جدول الأعمال بالملف النووي، ورفض إدراج الصواريخ أو القضايا الإقليمية.

«المنطقة الرمادية»

وفي مقاربة تحليلية مغايرة، عنونت صحيفة «شرق» الإصلاحية صفحتها الأولى بـ«الدبلوماسية في المنطقة الرمادية»، ونأت بنفسها عن الحسم المسبق للنتائج. وكتبت أن استمرار المسار الحالي قد يفتح الباب أمام التوصل إلى إطار تفاهمي لجولات لاحقة، لكنها ربطت بعاملين حاسمين؛ هما طبيعة القرارات التي تتخذ في طهران ومدى توافر الإرادة السياسية لدى الطرف الأميركي، معتبرة أن المفاوضات لا تزال تتحرك في مساحة غير محسومة.

صحف معروضة للبيع على كشك في شارع وسط طهران اليوم (إ.ب.أ)

حسابات حذرة

من جهتها، ركزت صحيفة «اعتماد» في تغطيتها لمحادثات مسقط على توصيف الجولة الأولى بأنها «بداية جيدة» للحوار غير المباشر بين واشنطن وطهران، لكنها رأت أنه لا يعني تجاوز مرحلة الاختبار أو ضمان استمرار المسار.

واعتبرت الصحيفة أن المحادثات تمثل خطوة افتتاحية تهدف إلى جس النيات وتحديد إطار العمل، وليس تحقيق نتائج نهائية سريعة.

وأشارت «اعتماد» إلى أن استمرار الحوار مرهون بقدرة الطرفين على ضبط سقف التوقعات والالتزام بطابع تفاوضي تدريجي، مؤكدة أن الحكم على مسار المفاوضات يجب أن يبنى على ما ستسفر عنه الجولات اللاحقة.

وأظهرت القراءة الحذرة للصحيفة توازناً بين الإشارة إلى إيجابية الانطلاق، والتنبيه إلى أن مسار التفاوض لا يزال في بدايته، وأن نتائجه ستتحدد وفق السلوك العملي للأطراف خلال المرحلة المقبلة.

الميدان والدبلوماسية

أما صحيفة «جوان»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، فقد شددت على تلازم المسارين العسكري والدبلوماسي تحت عنوان «تكامل الميدان والدبلوماسية في مواجهة العدو»، معتبرة أن «يد التفاوض على الطاولة، فيما إصبع الردع على الزناد».

وأشارت إلى زيارة رئيس هيئة الأركان إلى إحدى المدن الصاروخية التابعة لـ«الحرس الثوري»، ووجود الصاروخ الباليستي «خرمشهر - 4» بقدرات عملياتية عالية وقوة تدميرية كبيرة، بوصفه أحد أعمدة منظومة الردع الإيرانية، معتبرة ذلك رسالة مباشرة بأن طهران تدخل الدبلوماسية من موقع اقتدار، لا من موقع ضعف.

وفي سياق أكثر حدة، أفردت صحيفة «كيهان» افتتاحيتها لمفاوضات مسقط بعنوان «أميركا غير قابلة للثقة، ويجب أن تبقى الأصابع على الزناد». وكتب رئيس تحريرها حسين شريعتمداري، أن واشنطن اضطرت للقبول بإطار التفاوض الذي حددته طهران، والقائم على حصر النقاش بالملف النووي، مشيراً إلى تقارير تؤكد خروج الملفات الصاروخية والإقليمية من جدول الأعمال.

ونقلت «كيهان» عن وزير الخارجية عباس عراقجي، قوله إن «انعدام الثقة يشكل تحدياً ثقيلاً أمام المفاوضات»، وربطت ذلك بتحذيرها من تكرار تجارب سابقة لم تلتزم فيها واشنطن بتعهداتها. كما نشرت افتتاحية بعنوان «الحرب الإقليمية... الكابوس الأكبر لواشنطن وتل أبيب»، ربطت فيه بين مسار التفاوض واحتمالات التصعيد.

وذهبت كيهان أبعد من ذلك في أحد تقاريرها، معتبرة أنه «ليس مستبعداً أن يقدم الكيان الإسرائيلي على تصفية ترمب نفسه»، مشيرة إلى دور جاريد كوشنر، صهر ترمب ومستشاره المقرب، وواصفة إياه بأنه يتمتع بنفوذ واسع داخل البيت الأبيض، ويؤدي دوراً محورياً في صياغة خطابات الرئيس الأميركي وتعيينات إدارته.

وختمت الصحيفة طرحها بالتساؤل عمن تتجه إليه ولاءات كوشنر، معتبرة أن استمرار ترمب، في حال انتهاء «دوره الوظيفي»، قد يشكل عبئاً أمنياً على إسرائيل، في طرح يعكس النبرة التصعيدية التي طبعت مقاربة كيهان لمفاوضات مسقط.


عراقجي: مستعدون لاتفاق «مطمْئِن» بشأن تخصيب اليورانيوم

رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
TT

عراقجي: مستعدون لاتفاق «مطمْئِن» بشأن تخصيب اليورانيوم

رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)

أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الاتفاق مع واشنطن لعقد الجولة المقبلة من المحادثات النووية في وقت قريب، لكنه أشار إلى أنه ‌لم ⁠يتم بعد ​تحديد ‌موعد للجولة التالية من المحادثات، وذلك ⁠بعد يوم ‌من إجراء الجانبين محادثات في سلطنة عُمان.

عراقجي صافح الوفد الأميركي في محادثات مسقط

وقال عراقجي، في مقابلة تلفزيونية، إن ⁠طهران وواشنطن تعتقدان أنه يجب عقد الجولة الجديدة قريباً. وأكد عراقجي الاستعداد للتوصل لاتفاق «مطمْئِن» مع واشنطن حول تخصيب اليورانيوم، غير أنه أكد أن برنامج إيران الصاروخي «غير قابل للتفاوض» في المحادثات. وأضاف «هذا موضوع دفاعي بحت بالنسبة لنا، لا يمكن التفاوض بشأنه ليس الآن ولا في المستقبل».

وتابع وزير الخارجية الإيراني أن المحادثات التي جرت مع الولايات المتحدة في مسقط كانت «غير مباشرة»، لكنه صافح خلالها الوفد الأميركي.

وقال: «على الرغم من أن المفاوضات كانت غير مباشرة، فقد سنحت الفرصة لمصافحة الوفد الأميركي».

وأكد عراقجي أن بلاده ستستهدف القواعد الأميركية في المنطقة إذا هاجمت واشنطن الأراضي الإيرانية. وقال: «لا مجال لمهاجمة الأراضي الأميركية إذا هاجمتنا واشنطن، لكننا سنهاجم قواعدهم في المنطقة».

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.

وفي المقابل، قال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، إن المحادثات ساعدت في تحديد مجالات محتملة للتقدم.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ب)

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» خلال توجهه إلى مارالاغو في فلوريدا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع إن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً»: وأضاف: «يبدو أن إيران ترغب بشدة في إبرام اتفاق»، موضحاً أن الطرفين سيلتقيان مجدداً «مطلع الأسبوع المقبل».

وأحضرت الولايات المتحدة قائدها العسكري الأعلى في الشرق الأوسط إلى طاولة المفاوضات، في خطوة فُسّرت على أنها رسالة ضغط موازية للمسار الدبلوماسي، وسط تحذيرات متبادلة وحشد عسكري متواصل في المنطقة.

وجاءت المحادثات التي عقدت أمس في مسقط بسلطنة عمان، في أعقاب تهديدات واشنطن بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، على خلفية قمع الاحتجاجات الواسعة النطاق التي شهدتها البلاد، وأسفرت عن سقوط آلاف القتلى.

وعزّزت واشنطن قدراتها العسكرية في الشرق الأوسط، مع نشرها حاملة الطائرات أبراهام لينكولن ومجموعتها البحرية الضاربة في المنطقة، بينما توعدت إيران باستهداف القواعد الأميركية في المنطقة إن تعرضت لهجوم.

وتشدد إيران على أن تقتصر المحادثات على الملف النووي من أجل التوصل إلى رفع العقوبات الدولية التي تخنق اقتصادها، بينما تشدد الولايات المتحدة على ضرورة أن تتناول أيضاً برنامج الصواريخ الباليستية ودعمها تنظيمات مسلحة في المنطقة.

التوسع الإسرائيلي وأمن المنطقة

وفي وقت سابق، صرّح عراقجي بأن التوسع الإسرائيلي يؤثر بشكل مباشر على أمن دول المنطقة، داعياً لفرض عقوبات دولية على إسرائيل.

وأكد على أن «الحصانة والإفلات من العقاب اللذين منحا لإسرائيل» أخلا بالنظام القضائي الدولي.

وأضاف عراقجي في مؤتمر منتدى الجزيرة في العاصمة القطرية الدوحة أنه «لو استمر الوضع في غزة وفق ما تخطط له إسرائيل، فالضفة الغربية ستكون التالية».

وشدد على أن القضية الفلسطينية ليست قضية كباقي القضايا، بل هي «بوصلة لمدى فاعلية القانون الدولي»، موضحاً أن «ما نراه بغزة ليس حرباً، ولا نزاعاً بين أطراف متكافئة، بل هو تدمير متعمد للحياة المدنية، وإبادة».

وتابع أن المشكلة ليست فلسطين وحسب، و إنما هناك كيان ينتهك القوانين، ولا يردعه شيء، وأن ما قامت به «إسرائيل كان له أثر في زعزعة الاستقرار في المنطقة بأسرها».

وفي إشارة إلى الدور الأميركي في المنطقة، قال وزير خارجية إيران إنه لا يمكن فرض السلام والاستقرار على المنطقة عبر «لاعب واحد».