عباقرة وليسوا مجانين

لا يستطيعون أن يعيشوا بشكل طبيعي

شوبنهاور
شوبنهاور
TT

عباقرة وليسوا مجانين

شوبنهاور
شوبنهاور

قد نتوهم أن العباقرة أشخاص محظوظون جداً، لأن الله زودهم بأعظم هدية مجانية يمكن تصورها: النبوغ والعبقرية. ولكن عندما نقرأ سيرهم الحياتية نكتشف شيئاً آخر، نكتشف أن الأمور أكثر تعقيداً بكثير. أولاً العبقرية شيء مزعج جداً بالنسبة للآخرين، شيء لا يحتمل ولا يطاق. يقول جوناثان سويفت: «عندما يظهر عبقري حقيقي في العالم فأول علامة تدل عليه هو أن جميع الحمقى يتألبون ضده». نعم إن العبقري شخص مهدد بالخطر ما إن يكتشف الناس وجوده. ولذلك من مصلحته ألا يظهر عبقريته كثيراً على الأقل في البداية. ألم يقل ديكارت: الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ؟ الكثير من العباقرة ماتوا قتلاً. المتنبي سقط مضرجاً بدمائه وهو في الخمسين فقط. المعري لو لم يكن أعمى لقتلوه حتماً بتهمة الكفر والزندقة. ولكن لا أحد «يتمرجل» على شخص أعمى. ابن سينا قبلهما مات مسموماً على الأرجح. كل حياته كانت ملاحقات ضارية. هل يمكن «لعبقري العباقرة» أن يعيش بشكل طبيعي مرتاح البال؟ عبقريته المتفجرة هي التي قتلته. لو كان أقل ذكاء وعبقرية لعاش أكثر من 57 سنة ولمات بشكل عادي. ديكارت أيضاً مات مسموماً وأحشاؤه تتمزق بعد أن وصلوا إليه في نهاية المطاف. تلميذه سبينوزا تعرض لطعنة خنجر حماه منها معطفه السميك لحسن الحظ. والقائمة طويلة. وماذا عن المفكر الإصلاحي العظيم جمال الدين الأفغاني؟ هل تعتقدون أنه مات بشكل طبيعي؟ هو الآخر مات مسموماً في الآستانة وبالكاد بلغ الستين. السؤال المطروح: لماذا ذهب إلى مملكة الظلام والظلاميين العثمانيين؟ من الذي استدرجه إلى هناك؟ هو الآخر كانت عبقريته متفجرة لا تحتمل ولا تطاق. لقد قتلته!
لكن ليس عن هذا الموضوع سوف أتوسع في الحديث الآن. سوف أتحدث عن المعركة الداخلية للعباقرة، عن الخطر الآخر الذي يتهددهم. وأقصد به المعركة الضارية التي يخوضها العبقري ضد ذاته: إنها المعركة الحاسمة للذات ضد الذات. وهي أخطر عليه من التهديدات الخارجية لأن العدو يصبح منك وفيك. وذلك لأن العبقري شخص «مريض» بالمعنى الحرفي للكلمة. إنه مريض بشيء مبهم، غامض، يتجاوزه كلياً:
يقولون لي ما أنت في كل بلدة
وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى
ولكن العبقري يستطيع الانتصار على هذا المرض العضال الذي ينخر فيه من الداخل عن طريق إبداع شيء خارق: قصيدة شعرية، أو رواية خالدة، أو عمل فلسفي جبار، إلخ. كم شعر فلوبير بالسعادة عندما توصل إلى «مدام بوفاري»؟ أو ستندال عندما توصل إلى «الأحمر والأسود»؟ أو نجيب محفوظ عندما توصل إلى «أولاد حارتنا»؟ إلخ. كل العباقرة مرضى بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولولا الإبداع لجنوا تماماً وانهاروا. شكراً إذن للإبداع! شكراً للروايات العبقرية! وهنا يكمن الفرق بين العبقري والمجنون. المجنون لا يستطيع أن يتوصل إلى أي شيء. إنه يدور في حلقة مفرغة. وبالتالي فجنونه مجاني، عقيم، على عكس العبقري.

ديكارت

العبقري باختصار شديد شخص عُصابي متوتر إلى أقصى الحدود ولكنه ينجح في التغلب على مرضه عن طريق إبداع خارق في مجال ما من المجالات. وعندئذ يتوازن وينجو بجلده. يقول الشاعر الكبير هاينه: «إن المرض النفسي هو أساس كل إبداع خلاق. عن طريق الإبداع شفيت من قلقي وجنوني. عن طريق الإبداع استرددت صحتي وعافيتي».
يكفي أن نقرأ سير العباقرة لكي نتأكد من ذلك. يقول أحد المحللين النفسانيين عن الشاعر الكبير ريلكه ما معناه: لقد أمضى رينيه ماريا ريلكه معظم حياته وهو ملاحق بقلق مرعب لا يكاد يتصوره العقل. وكل هذا ناتج عن طفولته الجهنمية. لم يستطع تجاوزها رغم محاولاته السيزيفية المستمرة. لقد أمضى حياته كشخص يمشي على حافة الهاوية، على حافة الكارثة الشيزوفرينية، ولكن دون أن يسقط فيها تماماً كما حصل لهولدرلين الذي جن تماماً، وبشكل نهائي لا مرجوع عنه.


المتنبي

كان الكاتب الفرنسي المعروف أندريه موروا، قد طرح على أحد الأطباء النفسانيين الكبار هذا السؤال: «وإذن دكتور جميع الروائيين العباقرة رجالاً ونساء هم مرضى نفسانيون، مهووسون، مجانين؟» فرد عليه الطبيب قائلاً: «لا، الأصح أن نقول إنهم كانوا سيصبحون مجانين لولا أنهم أصبحوا روائيين عباقرة. العُصاب النفسي يا سيدي هو الذي يصنع الفنان، والإبداع العبقري هو الذي يشفيه». كلام ولا أروع. كلام مقتضب يلخص الموضوع كله من أوله إلى آخره. لا عبقرية من دون حبة جنون! وذلك لأن الجنون هو الذي يشجعك على الإقدام والاقتحام. «لحظة حسم القرار لحظة جنون» كما يقول كيركيغارد. الإنسان العادي، الطبيعي، لا يتجرأ على حسم القرار، لا يتجرأ على تجاوز الحدود أو انتهاك المحرمات. وبالتالي فلا يمكن أن يبدع شيئاً. وحدهم العباقرة يتجرأون على ذلك. وحدهم العباقرة يغامرون ويقتحمون. من هنا فائدة جرعة معينة من الجنون أو حتى جرعات. ينبغي أن نعلم أن هذه المسألة قديمة قدم التاريخ الفلسفي للبشرية. نقصد مسألة العلاقة بين العبقرية والجنون. أرسطو نفسه كان قد عالجها. وهل يخفى شيء على المعلم الأول الذي طالما أنار البشرية بعبقريته؟ كان قد طرح هذا السؤال: لماذا يبدو الأشخاص الاستثنائيون غالباً مهمومين، محزونين، سوداويين؟ هذه الفكرة أخذها عنه ديدرو الذي ربط لأول مرة بشكل محكم بين العبقرية والجنون. وانتشرت عندئذ الفكرة التي تقول بأن العبقري شخص غير طبيعي، شخص يختلف عن بقية البشر. إنه قلق، سوداوي، غير مستقر نفسياً. إنه مهووس بإبداعه إلى حد الجنون. نتأكد من صحة هذا الكلام عندما نقرأ سيرة حياة المبدعين الكبار من أمثال: بودلير، ورامبو، وفان غوخ، وموزارت، وشومان، وغوته، وهمنغواي، وبلزاك، وفلوبير، ونيتشه، وجان جاك روسو، إلخ.
سلفادور دالي استطاع تدجين جنونه الداخلي عن طريق اختراع المنهجية الهذيانية - النقدية في الفن. وهي منهجية ذات تقنية سريالية تجمع في اللحظة ذاتها بين العقلانية النقدية وشطحات الجنون. وقد مكنته من رسم لوحات عبقرية، هيجانية، جنونية، تخلب الأبصار، تدوخ العقول. وبعد أن توصل إلى كل ذلك استطاع أن يسترد توازنه النفسي تماماً. نقول ذلك رغم أنه استمر في ألاعيبه البهلوانية لكي يرعب الناس أو يسليهم. الله أعلم. انظر لشاربيه المعقوفين كمنجلين متقاطعين. وانظر زمجراته المفاجئة وحركاته الغريبة على مائدة الطعام حيث يزعزع الضيوف. وذلك لأن الشهرة واعتراف الملايين بك وإعجابهم بلوحاتك تعطيك ثقة هائلة بالنفس. وهي ثقة تفتقدها عندما كنت لا تزال نكرة، مجهولاً، قلقاً، لم تصل بعد. بعدئذ استطاع سلفادور دالي أن يقول هذه العبارة: «الفرق الوحيد بيني وبين المجنون هو أنني، أنا، لست مجنوناً». والواقع أنه كان مجنوناً ولكن النجاح الصارخ وملايين الدولارات عن كل لوحة، كل ذلك شفاه من الفقر المدقع والجنون في آن معاً.
وماذا عن دوستيوفسكي الذي كتب رسالة في بداية حياته الأدبية إلى أخيه ميشيل يقول له فيها: «عندي مشروع ضخم: أن أصبح مجنوناً»! لولا رواياته العبقرية المتتالية وراء بعضها البعض أما كان سيصبح مجنوناً بالفعل؟ أما كان سيسقط في لجة الهاوية؟ الإبداع العبقري هو الذي حماه من الجنون أو أجله في كل مرة. وقل الأمر ذاته عن بودلير. من يستطيع أن يقيس حجم التمزقات الداخلية لشارل بودلير؟
أخيراً اسمحوا لنا أن نختتم بأستاذنا أو أستاذ أستاذنا: شوبنهاور (أستاذ نيتشه). كان هذا الشخص يعتقد أنه ضحية مؤامرة عالمية كبرى تهدف إلى خنق عبقريته. وكان يعتقد أيضاً أنه خلق لكي يقود الناس على طريق الحقيقة. ولكن الأعداء الشرسين يتربصون به من كل جانب. نقول ذلك رغم أنه لم يكن يوجد أي شخص يهتم به آنذاك لأن شهرته لم تندلع إلا لاحقاً. كان شبه نكرة عندما قال هذا الكلام. وبالتالي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ومع ذلك فكان يعتقد أنه ملاحق من قبل أعداء حقيرين، أوغاد. ولذلك فكان يسكن دائماً في الطابق الأرضي لكي يهرب بسرعة إذا ما اندلع حريق في البناية مثلاً. وإلا فسوف يضطر إلى رمي نفسه من الطابق الثالث أو الرابع. وهذه عملية مزعجة لا تحمد عواقبها. وكان يمتشق سيفه ما إن يسمع أدنى ضجة ولو خفيفة في الخارج، إلخ. كل هذا لم يمنعه من أن يصبح أحد كبار الفلاسفة في تاريخ البشرية. هذا الجنون الداخلي، هذا الهوس الجنوني، هو الثمن المدفوع للعبقرية. العبقرية لا تعطي نفسها بسهولة. العبقرية يُدفع ثمنها عداً ونقداً. العبقرية مهرها غالٍ جداً. لو عرفنا كل هذه الأشياء المخبوءة، كل هذه الأسرار الجهنمية، كل هذه التمزقات النفسية والأوجاع الداخلية، لحمدنا الله ألف مرة على أننا لسنا عباقرة!



ماهر شفيق فريد... ناقداً

ماهر شفيق فريد
ماهر شفيق فريد
TT

ماهر شفيق فريد... ناقداً

ماهر شفيق فريد
ماهر شفيق فريد

لم أُحصِ عدد المقالات التي كتبها ماهر شفيق فريد، الأكاديمي والمترجم والناقد المصري واسع العلم غزير الإنتاج، الذي أثرى الحياة الثقافية بإسهاماته المتنوعة منذ ستينات القرن الماضي وحتى اليوم، إذ يخطو في عقده التاسع. والأرجح أنها تُحصى بالمئات لا العشرات. فماهر شفيق هو آلة مبرمجة لأداء عملين هما القراءة والكتابة. وإن كنا نميل لاعتبار وصف الإنسان بالآلة نوعاً من التحقير، فليس أبعد من هذا عن قصدي. إنما أستعير من أوصاف الآلة النظام الصارم، ودقة العمل على مدار الساعة بغير كلل، وغزارة الإنتاج. ومن الصفات الآلية في كتابة ماهر شفيق الالتزام بتركيب أو بناء بعينه لمقالاته مهما اختلفت الموضوعات. قرأت، في الآونة الأخيرة، ما لا يقل عن مائة من مقالاته المنشورة عبر عدة عقود زمنية، ما يسمح لي بأن أستخلص بعض القواسم العامة منهجياً وفكرياً لديه في كتابة المقالة النقدية.

أول ما يعنّ لي من ملاحظات هو اتساع مجالات الاهتمام من عصر الإغريق والرومان إلى عصرنا الحديث وما بينهما. وعلى الرغم من تخصص الكاتب في الأدب الإنجليزي، فإن إحاطته بالمشهد الثقافي المصري بكل تفرعاته، منذ بداية عصر نهضتنا الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم، مدهشة في شمولها، فهو يُعدُّ بحق نموذجاً للمثقف العام الذي ينهل من تخصصه الأجنبي ليصبّ في المجرى العام لثقافة بلده رافداً إياها في كل اتجاه. كما تنمّ مقالاته عن دراية تاريخية بالتراث الثقافي العربي والإسلامي ينضح بها محتوى كتاباته وأسلوبه ومفرداته جميعاً.

لماهر شفيق في مقالاته منهج متواتر يتمثل في التزامه شبه الدائم بالعودة إلى النماذج الأولى والمقاربات السابقة وأصول الأنواع الأدبية، وهو ضرب من ضروب الالتزام بأداة المقارنة في النقد، تُعينه عليه قراءاته الواسعة وقدرة ذاكرته الجبّارة على الاحتفاظ بما يقرأ واستدعائه حسب المقام. أما عن منهجه النقدي فأحسب أنه بقي عمره ممارساً مخلصاً للقواعد النقدية التي سار عليها ت. س. إليوت من اعتماد التحليل والمقارنة أداتين رئيسيتين للنقد، وما أضافه إلى ذلك أصحاب مدرسة «النقد الجديد» في أميركا وأضرابهم من الإنجليز الذين سيطروا على الفكر النقدي من ثلاثينات القرن الماضي إلى ستيناته. ظل ماهر شفيق في نقده على مسافة آمنة من البنيوية والتفكيكية وما بعد الكولونيالية وسائر الصراعات النقدية التي استشرت بين الأكاديميين في العقود الأخيرة وما زالت.

عنده أيضاً ما يمكن تسميته الولع الببليوغرافي. هو كاتبٌ مُحصٍ، مُعِدٌّ للقوائم، مُثبتٌ للعناوين، مُدرِجٌ لتواريخ النشر. هو حُلم كل كاتب أن تنجو أعمالُه من النسيان، حُلم كل شاعر ألا تضيع قصيدة من قصائده ولو كانت غثّة. لكن ما السر في هذا الولع الببليوغرافي عند الكاتب؟ لا أظنُّه هوساً مَرضياً، ولا أظنُّه وُلد بمورِّثات أرشيفية. الأمر عندي أن ماهر شفيق الناقد لا يحب النظر إلى كاتب أو قاصّ أو شاعر إلا باعتباره كلاً واحداً، باعتباره مجموعَ إنتاجه، وليس عدة أعمال متفرقة في مراحل حياته وكأنها صادرة عن أشخاص مختلفين، وأنه لا ينظر إلى ما كُتب عن أديب بعينه من نقد باعتباره متفرقات بلا رابط من فريق لا يجمع بين أفراده جامع، ولكن باعتباره محاولات متعددة لفهم كاتبٍ بعينه أو عمل بعينه، يسهم كل منها بشيء في محاولة الفهم. فالنقد جهد تعاضدي تراكمي.

ماهر شفيق أستاذ الإنجليزية يكتب ويترجم في لغة عربية جزلة أنيقة واضحة، لا يكتب بتقعر أكاديمي ولا ينزلق إلى وهاد المصطلحات الكهنوتية التي تفتن بعض الأكاديميين بينما تعزلهم عن المثقف العام، لكنه لا يتدنى إلى لغة الصحافة السيّارة. وهو يكتب النقد الأدبي كما لو كان يبدع الأدب، ما يُذكِّر بجيل الرواد، أمثال عباس العقاد وطه حسين ومحمد حسين هيكل ولويس عوض ومحمد مندور وحسين فوزي وغيرهم.

ومن خصائص المقالة النقدية عنده أن يختمها بتعداد أخطاء النحو والأسلوب لدى الكاتب موضوعِ النقد. قد يكون أنفق جُلَّ المقالة يعدِّد مناقبه الفكرية والأدبية وغزارة علمه وطلاوة أسلوبه وما أسَّس من مجلات عظيمة أو حبَّر من كُتب ستبقى على مر الزمن وأفضاله على الجيل وعلى هذا النوع الأدبي أو ذاك، لكن شيئاً من هذا لن ينفعه حين تحين ساعة الحساب النحوي أو التدقيق الإملائي أو الأسلوبي في آخِر المقالة.

مِن مجموع المقالات يمكنك أن تستخلص أن ماهر شفيق يمكن ضمه إلى قائمة الكُتاب المصريين الحائزين لقب «عدو المرأة»، يقفز إلى الذهن اسما عباس العقاد وتوفيق الحكيم، ولكن في حالة ماهر شفيق الأمر ليس بهذا الوضوح، فليس في المقالات المائة التي أعتمد عليها هنا مقالة واحدة مكرَّسة للهجوم على المرأة أو بخْس حقوقها، لكننا نجد إشارات وتلميحات وعبارات تُلقى جزافاً في كثير من النصوص تشي بنزعة ذكورية بطركية متعالية على النساء. انظر مثلاً كيف أنه في مقالة له عن الناقد والأكاديمي «عز الدين إسماعيل» يصف أسلوبه النقدي بأنه يتسم «بنبرة رجولية حازمة»، وهو تعبير ينم على نزعة ذكورية مستهجِنة نحو المرأة. فالحزم صفة بشرية عامة تُنسب للرجال كما تُنسب للنساء. وفي مقالة بعنوان «ثلاثة دواوين وشاعر» يُعرّض بشعراء قصيدة النثر تعريضاً عاماً، لكنه يضيف تعميماً بلا أسماء يخص فيه الإناث منهم بكونهم «أبعد ضلالاً، وأقتل لدغةً، من الذكور». وقِسْ على هذا كثيراً في ثنايا مقالاته وبعض كتبه، لكنك أيضاً ستجد مدحاً لهذه الكاتبة أو تلك، لهذه الأكاديمية أو تلك، لأستاذةٍ له من الماضي أو أخرى، ما يقطع بأن مظلته الذكورية تقبل أن تتفيأ تحتها بعض النسوة الفرادى، مُستثنَياتٍ من الاستهجان العام.

على امتداد حياته في أروقة الجامعة وفي الساحة الثقافية العامة، كان ماهر شفيق - ولا يزال - قوة إيجابية معطاءة، حمل الشعلة غير هيّابٍ من أجيال التنوير السابقة على مدى القرنين السابقين، ومثلما كانوا لا تجده محصوراً في تخصصه الأكاديمي، فهو في كل مكان، في كل عصر، في كل ثقافة، في كل لغة، يقيم الصلات ويربط الوشائج. إنه من بقايا جيل المثقفين المتلاشي الذي كان يؤمن بوحدة الثقافة الإنسانية، والذي اصطلحنا على تسميته المثقف الموسوعي، وهو ما يجعله عملةً نادرة في عصر التخصصات الدقيقة والتفتت المعرفي، تجده حريصاً على التراث قدر حرصه على التجديد، منفتحاً على الثقافة الغربية قدر حرصه على الخصوصية المصرية والعربية وقدرتها على تمثل الملقِّحات الغربية. لكن هل فينا جميعاً بذرةٌ من المحافظة والرجعية تنمو داخلنا كلما تقدَّم بنا العمر؟ ألم نشهد كثيراً من مجدِّدي الشباب يصبحون محافظي الشيخوخة؟ ألم نرَ العقاد الثائر على الإحيائيين في شبابه يرفض شعر التفعيلة في شيخوخته ويُحيل شعر صلاح عبد الصبور إلى لجنة النثر في المجلس الأعلى للآداب والفنون للاختصاص؟

انظر إلى ماهر شفيق مثلاً في مقالة له عن القصاص «إبراهيم المصري (1900-1979) رائد القصة التحليلية»، حيث يصف أسلوبه بأنه «جزل اللفظ، مستحكم القوة. إن في نثره العضلي فحولة وقوة يفتقدها المرء في قصاصي عصرنا، مثلما يفتقد في شعر حلمي سالم ومحمد آدم وعبد المنعم رمضان - أكبر ثلاثة شعراء في جيلنا - فحولة البارودي وشوقي وحافظ والجارم». تأملْ وصف الأسلوب «بالفحولة» و«العضلية»، ما يُذكِّر بوصفه أعلاه لنقد عز الدين إسماعيل «بالرجولة الحازمة». تأملْ أيضاً تعريضه مروراً بشعراء الجيل الحاضر؛ لأن لغتهم تفتقد «فحولة» جيل الإحيائيين. أحقّاً يريد لحلمي سالم وجيله أن يكتب بلغة البارودي وشوقي وحافظ الذين كانوا يكتبون بلغة شعراء العصر العباسي؟في الختام، قد نتساءل: تُرى أين يقف ماهر شفيق فريد آيديولوجياً؟ أظنُّه سؤالاً مشروعاً، فلكل إنسان، ناهيك بأن يكون كاتباً، موقف آيديولوجي معلَنٌ أو مُضمَّن. لم أجد في المقالات المائة موقفاً آيديولوجياً معلَناً. على أن ناقدنا لم يتردد، على الأقل، في إعلان صريح عما هو ليس آيديولوجيته، إذ كتب، في مفتتح مقالة له بعنوان «لطيفة الزيات والنقد الإنجليزي الحديث»: «فلأقلْ، بادئ ذي بدء (...) إني فكرياً أختلف مع منظور الالتزام اليساري الذي تُمثله كتابات لطيفة الزيات، كما تُمثله (...) كتابات سلامة موسى، ومحمد مندور، ولويس عوض، وعلي الراعي، ومحمود أمين العالم، وعبد العظيم أنيس، وعبد المنعم تليمة، وسيد البحراوي، وأمينة رشيد، وإدوار الخراط، وغالي شكري، وصبري حافظ، وفريدة النقاش، وأمير إسكندر، ورضوى عاشور، وبشير السباعي، وفاروق عبد القادر، وألفريد فرج، ورمسيس يونان... إلخ إلخ». يا لها من قائمة! مَن مِن مفكري مصر ومبدعيها ونقادها وأكاديمييها لم تشمله هذه القائمة؟ وإن كان ماهر شفيق يقف بمنأى عن كل هؤلاء، فأين يقف؟ لا أملك إلا أن أسأله: فأين إذًا تلتزم فكرياً؟ لا أراك يمينياً. كتاباتك تنضح بحب الناس وحب الحرية الفكرية وبالروح الليبرالية (ما عدا فيما يتعلق بالنساء). وأظنُّك لا تجد بأساً في العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والتضامن الاجتماعي والفصل بين الدين والدولة. وفي ظنِّي أن مَن اجتمعت له هذه المبادئ لن يكون إلا يسارياً، وإن كره التسمية. هناك فارق بين الروح اليسارية، وبين الإيمان اليساري الكتابي أو الفقهي الذي يعيش ويفكر ويكتب بالشرائع الماركسية والسنن اللينينية وما أشبه. أعدّكَ في زمرة الروح اليسارية العامة، لا يسارياً سلفياً. وإن لم ترضَ بهذا فإني لأخشى عليك من صقيع الانعزالية.

يكتب فريد النقد الأدبي كما لو كان يبدع الأدب ما يُذكّر بجيل الرواد أمثال عباس العقاد وطه حسين ومحمد حسين هيكل


هل العربية عرقٌ أم لسان؟

هل العربية عرقٌ أم لسان؟
TT

هل العربية عرقٌ أم لسان؟

هل العربية عرقٌ أم لسان؟

لم أتقبل قط فكرة أن هناك علماً ضاراً أو علماً لا ينفع، وظللتُ وفياً لفكرة العلم بالمطلق، ولكن حدث أن سمعت مقاطعَ تتالت عليَّ مصادفة للعالم الجليل بشار عواد معروف (رحمه الله)، وكأنها تدقّ جرس تنبيه لي من غفوة علمية غلبت عليَّ العمر كله، لتكشف لي خطل ظني بأن ليس هناك علمٌ ضار.

وهنا أعدتُ النظر في قناعتي، لأرى أمامي عالماً وباحثاً جسوراً ومخلصاً لشرطه العلمي الذي نذر نفسه له وخدم التراث العربي تحقيقاً وبحثاً ودراسة، لكنه وقع في فتنة العلم، وهو ما تكشف عنه تلك المقاطع التي تصادفت كلها بأنها عن قضية واحدة حول مقولات لباحثين عرب ومستشرقين تقول إن عدد الباحثين العجم أكثرُ من العرب في خدمة القرآن واللغة العربية. والمقصود بالعجم هنا هم المستعربون ممن خدم العربية والإسلام. والقول إنهم هم الأكثر لا يثير عندي أي حساسية علمية ولا قومية، وكنت وما زلتُ أباهي بمثل هذا القول، وأراه مزية وليس مثلبة نسعى لنفيها عن سوء ظن منا بأنها تهدم هرم الثقافة العربية.

وكان بشار عواد وعمه ناجي من المتحمسين وباذلي الوقت والجهد لنفي هذه الدعوى.

وقبل الخوض في هذه الفتنة، أود التأكيد على رأيي في أن المعروفين معاً عالمان بارزان وعميقان ومخلصان، لكن تحرّجهما من أعجمية مَن خدموا لغتنا وتراثنا لن تكون إلا فتنة علمية. وأستطيع مقارنة هذه الدعوى بافتراض دعوى بأن اليهود والأفارقة هم من صنعوا أميركا؛ فتشومسكي يهودي، وكيسنجر يهودي، ومارتن لوثر كينج أفريقي، وترمب نفسه ابن مهاجرَين، أحدهما من قرية في اسكوتلندا، وزوجته (أم ترمب) من قرية في ألمانيا، وكذلك فلغة أميركا مستعارة من الإنجليز. وهذه معلومات صحيحة من جهة ومغلوطة من جهة أخرى؛ فالإنجليزية تأمركت، والشخوص المذكورون هنا تأمركوا، ولم يعد العرق ولا الدين ولا اللون ولا اللكنة تُلغِي كونهم أميركيين، وأميركا كلها قامت على المهاجرين الذين لا يمتون لها بعرق ولا لون ولا لغة. ولكن كل منجز يتحقق منهم هو منجز أميركي بالحتمية الثقافية؛ فالثقافة نسب ومعنى وجذر معنوي يصنع ويعلي كل قيمة. وقد كان لنا مثالٌ مجيد من العصر العباسي بكل نماذجه الشعرية واللغوية والفلسفية والفقهية، وكلها تتداخل فيها الأعراق وألوان الوجوه ولهجات الألسنة وتعدد المشارب داخل بنية كلية شاملة. ومنجزاتهم كلها هي منجزات عربية في حقبة عربية مجيدة. ومنهم الفارسي والرومي، ومن الأعراق القديمة من شعوب ما بين النهرين وشمال أفريقيا.

ولابن خلدون مقولات حاسمة هنا، وهي أن العرب أنواعٌ، هم كالتالي:

1 - العرب العاربة

2 - العرب المستعربة

3 - العرب التابعة للعرب

4 - العرب المستعجمة.

وعبر هذا التصنيف، فإن مَن خدم تراثنا وثقافتنا لن يخرج عن واحدة من هذه الفئات. حتى إن مصطلح المستشرقين بات اليوم يُستبعَد، ويحل محله مصطلح المستعرب، وذلك لأن كلمة مستشرق أصبحت موشومة ومرتبطة بالاستعمار، وأحياناً تتلبس بتهمة التجسس.

وأهم من ذلك الحديث الشريف «ليست العربية بأب لأحدٍ منكم أو أمّ، وإنَّما هي اللسان؛ فمن تكلم العربية فهو عربي»، وإن شكك بعض المحدّثين بصحته، فقد أثبته بعض آخر، لكن الجميع يتفقون على مطابقة معناه للقيم الإسلامية الجوهرية، ومن ثم صحته كمعنى وقيمة.

وإن كان العجم هم الأكثر، فهذا أعظم منجَز يتحقق لثقافتنا وديننا ولعقليتنا، وإن حاول بعضنا نفي ذلك، فإنهم يضعون علمهم ومهاراتهم في متاهة عبثية لا معنى لها، وهي خلط مشين لا وجه له، وهذه هي الفتنة الخادعة.

ثم لنفترض أننا طرحنا سؤالاً عن العرب الذين يغطون خريطة الجامعة العربية اليوم، وهل شعوب المنطقة كلها عربٌ بشرط العرق أم هم أجناس عرقية وثقافية متنوعة تجمعها اللغة وهوية المعنى والقيمة؟ ولو كانت العروبة بالعرق للزمنا إثبات عروبتنا بالفحص الجيني.

والواقعي أن كل باحث ومعجمي ومحدث وفقيه وفيلسوف يكتب بلغتنا ويشتغل بفكرنا فهو عربي بالانتماء الثقافي وبالمنتج العلمي. والثقافة سلوك ذهني وعملي يتجلى أبرز ما يتجلى في اللغة التي هي بوتقة صاهرة تذيب كل التمايزات العرقية واللونية والدينية، ولا معنى للسؤال عن العرق هنا.

ولا شك أن للعلم جوانبه السالبة، وقد تحدث فتنة العلم نتيجة لنوع من التخمة العلمية حين يستولي علمنا على أذهاننا، ومن هذا قصة طريفة ودالَّة عن العالم الجليل محمود شاكر، وحدثت القصة عام 1980 في مكتب صلاح عبد الصبور بـ«الهيئة المصرية العامة للكتاب»، وقد صدر وقتها العدد الأول من مجلة «فصول»، وهي مجلة متخصصة بالنظرية النقدية الحداثية، ووقعت المجلة بيد الشيخ محمود شاكر، وحين تصفحها صدمته مصطلحاتها النقدية ونظرياتها التي رآها حالة عجمة وليست حالة علمية، وجاء للمكتب وبيده المجلة، وهزَّها أمام وجه صلاح، وقال بصوته القوي والبليغ: «أنا لم أفهم كلمة واحدة مما نشرتم هنا؛ فهل تتصورون أي قارئ شاب سيفهم عنكم...؟!!»، وكانت المجلة تصدر عن «الهيئة المصرية للكتاب»، وعبد الصبور هو المسؤول عنها، واختار صلاح أن يقدّر عِلْم شاكر ومقامه فقال له: «معاك حق يا مولانا»، وحين خرج الأستاذ شاكر علق عبد الصبور على الحدث بقوله: «هذا رجلٌ أضرَّ به علمه». وقد سمعتُ القصة من صلاح فضل، حيث كان حاضراً حينها، وهو أحد أعضاء هيئة تحرير المجلة، رحم الله الجميع.

وهذه حالة خبرتها عند كثير من سلفنا من الباحثين العرب، والعنت الذي كنت أراه عندهم مع النظريات النقدية الحديثة؛ إذ ضاقت صدورهم بعلمٍ لم يألفوه فاستوحشوا منه.

تلك أمثلة توضح أن ما نكتسبه من علمٍ يتجذر فينا حتى ليستحوذ على أذهاننا ويدير رد فعنا. وكل جديد يأتي بغير ما يتسق مع أنظمتنا الذهنية، فإن هذه الأنظمة ستشكل سياجاً ضد الطارئ المتحدي لقناعاتنا العميقة. وهنا نقول عن فتنة العلم بمثل ما نقول عن فائدة العلم.


الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي
TT

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

أثارت الكتب الثلاثة التي ألفها المؤرخ البريطاني فيليب وود عن سوريا والعراق في نفسي، ذلك السؤال الذي ظل غائباً عن الذهن طويلاً: ماذا جرى للعراق بعد سقوط بابل على يد الإمبراطور الأخميني، قورش الكبير، عام 539 ق.م. حتى الفتح العربي - الإسلامي عام 637؟

أسأل الأستاذ فيليب: هل هناك صورة واضحة عن التنوع الإثني للعراق خلال تلك الفترة الممتدة لأكثر من ألف سنة، عدا عن كون اللغة التي سادت آنذاك هي الآرامية؟

يجيب: «أنا مهتم جداً بمعرفة الهوية الإثنية أو الدينية في ذلك الوقت، وهذا لأن الحكام الساسانيين أو المسلمين الذين أعقبوهم، لم يكونوا مهتمين بذلك الجانب».

على ضوء ذلك، يرى وود أن الدولة العراقية الحديثة (خصوصاً خلال حكم صدام حسين) كان لديها حرص على اعتبار أن العراقيين كانوا جميعاً عرباً، وهذا مخالف للواقع. «على سبيل المثال، أنت تجد أهل الحلة يتكلمون العربية القريبة للجماعات البدوية، ولكن ذلك لا ينطبق على سائر العراق، فكما تعلم أن العربية العراقية هي نفسها متنوعة داخلياً، فالعربية التي يتكلمها المسيحيون واليهود في بغداد خلال الخمسينات من القرن الماضي، كانت أقرب إلى العربية السائدة في الموصل منها إلى العربية التي يتكلم بها البغداديون المسلمون... لذلك فإن العراق كما أرى، كان متعدد الإثنيات والديانات بشكل يجعل من الصعب اليوم استكشافه... هناك بعض منها له أصواته، بينما ربما مجموعات دينية محلية كثيرة أصبحت منقرضة، بحيث أصبحت غير سهلة علينا الكتابة عنها».

ولعل الحالة مماثلة، أو أكثر قليلاً، مع اللغة الآرامية السائدة في العراق عشية الفتح العربي - الإسلامي.

تعلم اللغات المحلية

يجرنا الحديث إلى مشوار تعلمه اللغة العربية. أسأله: ما الذي دفعك إلى تعلم لغة معقدة كلغتنا؟ فكأن السؤال أثار ذكريات محببة إلى نفسه قضاها في دمشق.

خلال فترة الزمالة الدراسية التي حصل عليها لما يعرف بـ«ما بعد الدكتوراه»، تبلورت في نفسه قناعة بأنه سيحتاج إلى تعلم العربية جنباً إلى جنب مع السريانية (التي هي واحدة من لهجات اللغة الآرامية)، وإذا كان فيليب قد تعلم قسطاً مهماً من الأخيرة خلال سنوات دراسته للدكتوراه، فإنه شعر وهو يشاهد المصادر الكثيرة المترجمة عن العربية في مكتبة الكلية التي انتسب إليها خلال تلك الفترة الواقعة بين عامي 2010 و2012، بضرورة تعلم هذه اللغة، فقد أدرك أن كثيراً من الدراسات المعنية بالإرث المكتوب بالسريانية، يهمل الدراسات السياسية والثقافية الأوسع. وقد شعر فيليب وود بأن السريانية تكون مفهومة أكثر عند تحاورها مع لغة أخرى: السريانية مع الإغريقية أو السريانية مع العربية.

لذلك لم يكن أمامه خيار سوى العثور على مدرس خاص يبدأ معه أولى الخطوات: «كان بروفسوراً متقدماً كثيراً في السن، وراغباً في تعليمي قواعد العربية من دون قاموس... كان مسرفاً في التدخين، وهو مهتم فقط بالفلسفة لكنه كان لطيفاً جداً معي».

في دمشق سجل فيليب بمعهد يقع في منطقة المزة، خاص بتعليم العربية لغير الناطقين بها، لكنه كان محظوظاً بعثوره على مدرس فلسطيني. «كان شخصاً عظيماً ومدهشاً ورائعاً»، يردد مبتسماً: «قال إنه لن يعلمني الفصحى فقط؛ بل هو طلب مني أن أبدأ بالكتابة بالعربية، طلب أن أكتب عن أي موضوع أريده، لذلك كتبت شيئاً عن السياسة المعاصرة، أو اكتشاف أميركا أو عن فيلم بريطاني... كانت طريقته أن يصحح لي أسلوبي، ويجعلني أقرأ بصوت عالٍ من كتاب، ثم نبدأ بالجدال حول موضوع ما. كنت أقدم عرضاً ما فيهاجم وجهة نظري ويدفعني كي أدافع عنها... كان يدخن باستمرار... وكان عليّ دائماً أن أزيل الرماد من أوراقي».

في مساء كل خميس، كان مدرس فيليب ينظم حفلات؛ فهو عضو في تنظيم يساري، فيلتقي خلاله برفاقه الشباب. «بعد العمل، كان يطبخ، وكنت أساعده في إعداد العشاء... كان وقتاً ممتعاً جداً... درّسني العربية مدة ستة أشهر في دمشق، وكنت هناك من وقت إلى آخر».

الموسوعي أدّاي شير

أسأل: «هل يمكنك إضاءة ما دار في مدينة سِعِرْت التي ذكرها عدد من المؤرخين المسلمين؛ مثل ياقوت الحموي والمقدسي وابن الأثير، باسم آخر هو (سِعِرْد)؟».

«هي مدينة تقع في شرق أناضوليا، ومكتشف الحولية (التي كانت موضوع كتابي الثاني) رجل اسمه أدّاي شير الذي كان رئيس الأساقفة في سِعِرْت، وهو الذي نقّحها وترجمها للفرنسية، وقد أُرسلت لحسن الحظ إلى الموصل قبل مقتله خلال الإبادة الجماعية التي ارتكبت عام 1915 على يد جماعات غير نظامية من الأتراك والكرد».

«كان من المفترض أن المكتبة أخفيت في بئر داخل منشفة»، يقول فيليب، «لكن لم يتم العثور عليها... وكان شير قد وضع فهرساً لهذه المخطوطات، قبل تدميرها. وهذا الفهرس يضم ملاحظات عديدة عن تلك النفائس غير القابلة للتعويض».

«كان شير فصيحاً في العربية والفرنسية والسريانية والتركية. لهذا السبب كان ذلك عالمه. لذلك أكملت - مع صديق هو مايل بونر - ترجمة مخطوطة الفهرست والهوامش التي كتبها والتعليق عليها، وستتولى دار النشر (كرومات) إصدارها بالإنجليزية».

كأن هذا الحوار الطويل مع البروفسور فيليب وود أثار في مخيلتي صورة العراق في تلك الحقبة الفارسية - الإغريقية: نخب صغيرة متفرقة في أماكن عديدة، وتيارات دينية متعددة، ولهجات مختلفة للغة نفسها: الآرامية؛ هناك الآرامية المندائية، والآرامية السريانية، والآرامية البابلية التي كان اليهود يتحدثون بها، والآرامية المانوية. من بين الحركات الدينية الكبرى التي ظهرت خلال تلك الحقبة كانت المانوية في القرن الثالث الميلادي، كما يقول وود، وهذا يتوافق مع ما جاء في رواية أمين معلوف «حدائق النور» المكرسة لحياة ماني.

استخدم ماني اللغة الآرامية في تأليف ما عُرف بـ«التراتيل المانوية» التي قال عنها فيليب «إنها آسرة».

علق محاوري على اللهجات المختلفة للآرامية، مستنداً إلى سليمان البصري مطران مدينة البصرة في القرن الثالث عشر، الذي قال إن هناك 12 لهجة آرامية تمتد ما بين سيناء والبصرة، لكن قد تكون اللهجات التي يتحدث بها الناس في الهلال الخصيب أكبر بكثير من هذا الرقم.

وأشار فيليب وود إلى أن «اللغة الآرامية المسيحية لغة مناسبة متطورة، وهي بمثابة الفصحى بالنسبة للناس الذين يتحدثون بلغة أخرى في الحياة اليومية، وهذه العملية حدثت أيضاً للمندائية حين أصبحت اللهجات الآرامية (آرامية مندائية). والشيء نفسه مع الآرامية المانوية، ولغات غيرها كان لها تاريخ باعتبارها لغات محلية، ثم أصبحت تُعرَّف بدين محدَّد، وبذلك أصبحت صيغاً معيارية مرتبطة بجماعات دينية».

مكان تدوين حولية سِعِرْت

أسأل فيليب عن مكان تدوين الوقائع التي تضمنتها هذه الحولية بالذات. «كثير مما حدث وكُتب عنه في الحولية، كان في طيسفون (المدائن)». يجيبني البروفسور وود: «كذلك هناك كثير من النشاطات جرى على نهر دجلة. كثير من الوصف لأديرة تقع في شمال العراق، وأماكن أخرى. وأديرة كثيرة من المذكورة لا يمكننا تحديد مواقعها... طبعاً سيكون أمراً رائعاً لو كانت هناك خريطة جميلة مع أسهم ونقاط صغيرة ودقيقة أستطيع أن أحدد كل شيء بدقة عليها».

العراق الوثني

يحضرني هذا السؤال: كيف كان لقاء الفاتحين العرب الذين أغلبهم من قبائل بدوية أو شبه بدوية، بالعراقيين الذين كانوا بالدرجة الأولى فلاحين؟

«حين فتح العرب المسلمون العراق، كانوا يسخرون ممن أطلقوا عليهم بالنبط الذين هم من دون أصول قبلية مثلهم، والذين لا يستطيعون التفاهم مع أحد خارج قريتهم. كثير من السكان آنذاك كان يتحدث بلهجات مختلفة من اللغة الآرامية، مع مجموعات دينية محلية كل واحدة منها قد لا تكون لديها آصرة مع غيرها، ثم تم جمعهم على يد فاتحين متعددين، مثل الفرس ثم العرب».

يستنتج وود موضحاً: «إذن بمعنى ما نحن نتكلم عن العراقي... هذه تصنيفات استخدمها الحكام، وربما لم تكن مدرَكة من قبل السكان أنفسهم؛ إذ لم تكن هناك هوية مشتركة يقر بها الفاتحون».

مع ذلك، فأمام النظرة الفوقية للفاتحين الجدد القادم أغلبهم من البوادي والصحارى، جاء الرد عبر كتاب «الفلاحة النبطية» لابن وحشية النبطي، «حيث تكلم فيه عن معتقدات ومعرفة الكلدانيين، ووصف نفسه بأنه كلداني اعتنق الإسلام».

وتضمن كتابه، الذي زعم أنه ترجمه عن السريانية، كثيراً من تراث قديم يعود إلى ما قبل سقوط بابل قبل أكثر من ألف سنة: أي إلى العراق الوثني. غير أن المادة الأساسية فيه، كما كشفت دراسات حديثة عنه، تعود إلى فترة متأخرة تقع بين القرنين الخامس والسادس الميلاديين، فهي تعكس تقاليد عراقية متأخرة جداً عن العصور السومرية أو الأكدية أو الآشورية البائدة.

يسلط هذا الكتاب الضوء على جوانب مهمة في ابتكارات سكان وادي الرافدين القدامى بدلاً من سيرة الملوك. إنه يثير أسئلة من هذا النوع: من اكتشف الزراعة؟ ومن غرس أول نخلة؟ ومن علّم الناس الري؟ ومن صنَّف أنواع التربة؟ كأن الروايات التي تضمنها الكتاب، كما يرى البروفسور فيليب وود، تكشف عن اهتمام ابن وحشية النبطي، مؤلف العصر الوسيط في العراق، بأصول المعرفة العراقية القديمة، وتكشف ما يميز هذا الخليط الواسع من الإثنيات والأعراق التي استوطنت وادي الرافدين طويلاً، عن الفاتحين الجدد. وهذا بالضبط ما جعل مترجم الكتاب الفنلندي هامين أنتيلا، أن يعدّه محاولة لإحياء ذاكرة العراق القديم وتراثه الزراعي والحضاري.

لكأن هذا السؤال يفرض نفسه عليّ، بعد هذا الحوار الشيق مع فيليب وود أستاذ التاريخ والأديان المقارِنة: كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟

كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟