17 مليار دولار حجم الاستثمارات السعودية في مجال تحلية المياه

ارتفاع عدد المدن الصناعية السعودية إلى 34 بنهاية 2014

الأمير فيصل بن بندر أمير منطقة الرياض صرح بأن العاصمة ستشهد مزيدا من مشاريع تحلية المياه قريبا («الشرق الأوسط»)
الأمير فيصل بن بندر أمير منطقة الرياض صرح بأن العاصمة ستشهد مزيدا من مشاريع تحلية المياه قريبا («الشرق الأوسط»)
TT

17 مليار دولار حجم الاستثمارات السعودية في مجال تحلية المياه

الأمير فيصل بن بندر أمير منطقة الرياض صرح بأن العاصمة ستشهد مزيدا من مشاريع تحلية المياه قريبا («الشرق الأوسط»)
الأمير فيصل بن بندر أمير منطقة الرياض صرح بأن العاصمة ستشهد مزيدا من مشاريع تحلية المياه قريبا («الشرق الأوسط»)

تضخ السعودية حتى عام 2020 نحو 17.3 مليار دولار (65 مليار ريال) لتشييد مشاريع محطات تحلية المياه المالحة وأنظمة نقل المياه، ونحو 133.3 مليار دولار (500 مليار ريال) للشركة السعودية للكهرباء في مجالات التوليد والنقل والتوزيع، وذلك لمواجهة الطلب المتزايد على الماء والكهرباء.
تلك المبالغ كشف عنها المهندس عبد الله الحصين وزير المياه والكهرباء السعودي، مشيرًا إلى أن صناعة تحلية المياه متغيرة بشكل متسارع، وعليه فإن خطة الوزارة هي مواكبة مشاريع تحلية المياه عالميًا، وليس بالصناعة المحلية فقط.
وبحسب المهندس الحصين فإن تلك المبالغ تشكل فرصًا ضخمة للقطاع الخاص الوطني الذي ستكون مشاركته بالتعاون مع المصنعين المحليين للمعدات عاملاً أساسيًا لتوطين صناعة قطع الغيار خلال العمر التشغيلي لتلك المحطات.
جاءت تلك التصريحات خلال افتتاح الأمير فيصل بن بندر بن عبد العزيز، أمير منطقة الرياض، ملتقى ومعرض توطين صناعات التحلية بعنوان «التصنيع أمان واستثمار» الذي تنظمه المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة.
وذكر الأمير فيصل بن بندر، أمير منطقة الرياض، خلال تصريحات صحافية له، أن العاصمة ستشهد مزيدًا من مشاريع تحلية المياه، ومشاريع توليد الكهرباء قريبًا.
وبالعودة إلى تصريحات وزير المياه والكهرباء، فقد أكد أن الانقطاعات في حال حدوثها فهي تكون بأوقات متباعدة جدًا، مشيرًا إلى التعاون مع عدد من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مجالات تحلية المياه.
وأشار في كلمته إلى أن صناعة التحلية من أهم الصناعات الحيوية عالميًا، ولندرة الموارد المائية المتجددة في السعودية أضحت تحلية المياه المالحة خيارًا استراتيجيًا.
وذكر أن السعودية تعد في الوقت الراهن أكبر منتج للمياه في العالم حيث يبلغ إنتاجها من المياه المحلاة 3.5 مليون متر مكعب يوميًا، و87 ألف ميغاوات ساعة من الطاقة الكهربائية عن طريق 28 محطة لتحلية المياه والقوى الكهربائية، أما في مجال نقل المياه فيتم نقلها من ساحل البحر الأحمر والخليج العربي إلى المدن الداخلية، كمنطقة الرياض والقصيم والمرتفعات الجبلية كمنطقة مكة وعسير والباحة بواسطة 45 محطة ضخ و243 خزان و15 محطة خلط، وبخطوط أنابيب لنقل المياه إلى مدن المملكة تجاوزت 7 آلاف كيلومتر التي تعد الأكبر في العالم حيث يتم تصنيع معظمها محليًا.
وكشف أن مؤسسة تحلية المياه أصبحت تمتلك إحدى التقنيات الحرارية المستخدمة في تحلية المياه المالحة، وذلك عن طريق إنشاء أكبر وحدة إنتاج من ذلك النوع على مستوى العالم بطاقة إنتاجية تقارب 70 ألف متر مكعب يوميًا، وبتكلفة رأسمالية لا تتجاوز 70 هللة للمتر المكعب على مدى العمر التشغيلي المتوقع للوحدة وهو 30 عامًا.
وبين وزير المياه والكهرباء أن مؤسسة تحلية المياه أسهمت في تشجيع إقامة مصنع مشترك سعودي - ياباني متكامل لصناعة الأغشية في مدينة رابغ، ويوفر جميع احتياجات المؤسسة من هذا النوع من الأغشية التي تشكل حاليًا نحو 30 في المائة من إجمالي إنتاج المؤسسة.
وذكر أنه تم توطين 85 في المائة من المواد الكيميائية المستهلكة في محطات تحلية المياه، وأصبحت تصنع محليًا، حيث تقدر مشتريات مؤسسة تحلية المياه المالحة السنوية منها بنحو 80 مليون دولار (300 مليون ريال) سنويًا، متوقعًا أن ترتفع إلى 133.3 مليون دولار (500 مليون ريال) مع دخول المحطات الجديدة التي تعمل بالتناضح العكسي.
وبين وزير المياه والكهرباء أن المؤسسة تهدف إلى زيادة نسب التوطين بخطط واضحة وطموحة بما لا يؤثر على الجودة أو الإنتاج.
من جانب آخر، قال المهندس صالح الرشيد، مدير عام الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية إن عدد المدن الصناعية في السعودية تضاعف من 14 مدينة صناعية في عام 2008 إلى 34 مدينة بنهاية عام 2014 بزيادة 145 في المائة، وعرض المهندس الرشيد خلال مشاركته في ملتقى ومعرض توطين صناعة التحلية الجهود التي بذلتها «مدن» في مجال محطات تحلية المياه ومعالجتها وتوزيعها في المدن الصناعية، لافتًا النظر إلى أن تطوير الطاقة الإنتاجية لخدمات المياه بلغ أرقاما قياسية، وتمكنت «مدن» من توفير 103 آلاف مكعب يوميا من المياه المحلاة للشرب، فيما بلغت طاقة محطات معالجة الصرف الصحي والصناعي 158 ألف متر مربع لكل يوم.
وتطرق إلى الجهود المبذولة في مجال المياه المعالجة واستخدامها في الصناعة وجهود الحفاظ على البيئة، مشيرًا إلى أن أحد المكتسبات التي تحققت هو إنشاء أكبر بحيرة صناعية مطورة «بحيرة مدن» بمساحة 400 متر مربع جعلت المدينة الصناعية الثانية بالدمام وجهة سياحية، إضافة إلى دور «الحاضنات الصناعية» التي أنشأتها «مدن» ودعم مجالات عمل المرأة.
إلى ذلك أكد صندوق التنمية الصناعية، أمس، دعمه القوي لمشروع توطين صناعة التحلية، مبينا أنه منذ إنشائه وهو يأخذ بالاعتبار نقل وتوطين التقنية، ويعطي هذه المشاريع أولوية، في الوقت الذي عرضت فيه الهيئة الملكية للجبيل وينبع أكثر من 100 فرصة استثمارية في هذا المجال، وذلك خلال مداولات اليوم الثاني لمنتدى توطين صناعة التحلية المقام حاليا في الرياض.
من جانبه، اعتبر الدكتور عبد الرحمن الزامل أن الصرف الكبير على البنية التحتية الذي يبلغ يوميا أكثر من مليار ريال، من أكبر الحوافز لتوطين التقنية، ونقلها إلى البلاد، في حين ركز الدكتور عبد الله بن ربيعان على أهمية العمل على تذليل العقبات التي تواجه توطين صناعة التحلية من خلال تضامن المؤسسات السعودية الكبرى مثل أرامكو، التحلية، سابك، وغيرها.
وقدم مساعد مدير عام صندوق التنمية الصناعية السعودي المهندس عادل بن عبد الرحمن السحيمي ورقة عمل بعنوان «دور الصندوق في دعم الصناعة وتوطينها»، تطرق فيها إلى الدور الذي يقوم به الصندوق في دعم وتمويل القطاع الصناعي بالمملكة من خلال تقديم القروض التمويلية للمشروعات الجديدة ومشروعات التوسعة والانتقال والتطوير والتحديث، إضافة إلى تقديم خدماته الاستشارية في المجالات الفنية والإدارية والمالية والتسويقية للمستثمرين في قطاع الصناعة.
وقال: «إن إجمالي عدد القروض التي اعتمدها الصندوق منذ إنشائه وحتى نهاية العام المالي 1435 - 1436 هـ بلغ 3769 قرضًا بلغت قيمتها الإجمالية 118 مليار ريال قدمت للمساهمة في إقامة 2717 مشروعًا صناعيًا في مختلف مناطق المملكة».
كما تطرق إلى اهتمام الصندوق في دعم القطاعات والمشروعات التنموية التي يتوقع أن تسهم بدرجة كبيرة في تحقيق الأهداف الرئيسية للخطط التنموية مثل نقل وتوطين بعض التقنيات الخاصة ومشاريع الخدمات الصناعية التي منها مشاريع توزيع الغاز الطبيعي وتحلية المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي التي تخدم المدن الصناعية، وكذلك مشاريع معالجة النفايات الكيميائية الصناعية.



«مأزق هرمز»... هل صار نفط إيران «ضرورة اقتصادية» لواشنطن؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
TT

«مأزق هرمز»... هل صار نفط إيران «ضرورة اقتصادية» لواشنطن؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

تخوض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، سباقاً محموماً مع الزمن لتأمين كل برميل نفط متاح في الأسواق العالمية، في محاولة لاحتواء أزمة طاقة متفاقمة وضعت الاقتصاد العالمي في «حالة طوارئ». فبعد 3 أسابيع من اندلاع المواجهة العسكرية مع إيران، وجدت واشنطن نفسها أمام خيارات مريرة؛ دفعها أحدها إلى رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني العالق في البحار، في خطوة وصفها محللون بأنها «فعل يأس» يعكس استنزاف الأدوات السياسية والاقتصادية للقوة العظمى.

ففي خطوة أثارت ذهول المراقبين، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً يسمح ببيع 140 مليون برميل من النفط الإيراني المحمّل على السفن. وبرر وزير الخزانة، سكوت بيسنت، القرار، يوم الجمعة، بأنه وسيلة لـ«استخدام البراميل الإيرانية ضد طهران نفسها» لخفض الأسعار، بينما عدّ السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، الخطوة «مؤقتة للغاية»، بهدف «إفشال الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى رفع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية».

وأضاف والتز: «لذا، سنسمح بتصدير البراميل بشكل مؤقت إلى بعض حلفائنا مثل الهند واليابان وغيرهما، حتى لا تنجح هذه الاستراتيجية الإيرانية؛ أي النظام الإيراني».

هو الإعفاء الثالث الذي تمنحه وزارة الخزانة الأميركية مؤقتاً من العقوبات المفروضة على النفط من دول «معادية» في غضون ما يزيد قليلاً على أسبوعين، ويأتي في إطار مساعي الإدارة المتعثرة لكبح جماح أسعار الطاقة التي تجاوزت 100 دولار للبرميل، مسجلةً أعلى مستوياتها منذ عام 2022.

وكانت الإدارة قد بدأت سلسلة التنازلات هذه بتخفيف العقوبات المفروضة على النفط الروسي الموجود في البحر. كما وسعت نطاق الإعفاءات من العقوبات المفروضة على فنزويلا (في فترات سابقة) لدعم الإمدادات العالمية.

وتُعادل كمية 140 مليون برميل المتوفرة في البحر ما يقارب استهلاك النفط العالمي ليوم ونصف يوم تقريباً، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وزير الخزانة الأميركي متحدثاً للصحافيين في باريس بعد يومين من المحادثات مع وفد صيني (رويترز)

سياسة «الأبواب المغلقة»

ونقلت الشبكة عن مصادر مطلعة، أن الولايات المتحدة استنفدت بالفعل جميع أدواتها السياسية المعتادة لتخفيف صدمة العرض التي تعصف بالاقتصاد العالمي؛ فبعد 3 أسابيع من الحرب، باتت الخيارات المتبقية تتراوح بين «غير فعالة» و«غير مقبولة بتاتاً».

ويقول المسؤول السابق في وزارة الطاقة بعهد ترمب، نيليش نيروركار: «هذا أكبر اضطراب يمكن تصوره في أسواق النفط. النقص هائل لدرجة أن الإجراءات المتاحة تبدو ضئيلة أمام كمية النفط التي لا تصل إلى السوق».

هذا الاعتراف يتقاطع مع ما ذكره المسؤول السابق في الأمن القومي، لاندون ديرينتز، الذي قال إن «الوضوح هنا هو غياب البدائل... لا أحد يملك فكرة عبقرية أخرى».

ناقلة نفط خام في ميناء فوس سور مير التجاري والصناعي جنوب فرنسا (أ.ف.ب)

«أسطول الظل»

وبينما قال بيسنت إن إتاحة هذا المخزون سيوفر إمدادات سريعة، طرح الاقتصادي جيم بيانكو رؤية مغايرة تماماً؛ إذ أوضح أن هذه البراميل ليست «مخزونات إضافية»، بل هي جزء من المعروض العالمي الفعلي الذي ينقله «أسطول الظل» بانتظام إلى الصين بخصومات كبيرة.

وكتب بيانكو في حسابه على منصة «إكس»، أن قرار واشنطن لن يضيف برميلاً واحداً جديداً للسوق؛ بل سيسمح لإيران ببيع نفطها لوجهات إضافية مثل اليابان وكوريا الجنوبية، مما يرفع سعر البرميل الإيراني نتيجة المنافسة وتوقف الخصومات.

وبحسب بيانكو، فإن النتيجة النهائية هي: «لن تنخفض الأسعار عالمياً؛ بل سيزداد ثراء الخزينة الإيرانية عبر منحها القدرة على البيع بأسعار السوق الرسمية المرتفعة».

خيارات محدودة

يُبرز رفع القيود المفروضة على النفط الإيراني محدودية الأدوات التي تمتلكها الإدارة الأميركية لكبح جماح أسعار النفط؛ فقد سمحت بالفعل بالإفراج عن كميات هائلة من النفط من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي، ورفعت العقوبات عن النفط الروسي الموجود في البحر، وألغت مؤقتاً العمل بقانون جونز الذي يحظر شحنات النفط بين المواني الأميركية على متن سفن ترفع أعلاماً أجنبية. ورغم هذه الإجراءات، استمرت أسعار النفط في الارتفاع؛ إذ تُشلّ الهجمات الإيرانية حركة ناقلات النفط في الخليج العربي، وتُلحق أضراراً جسيمة بمنشآت إنتاجية حيوية في الشرق الأوسط.

مصفاة بيغ سبرينغ في تكساس (أ.ف.ب)

سيولة نقدية

ما يثير ريبة المحللين والمراقبين ليس مجرد فشل هذه الخطوة في خفض الأسعار، بل الثمن الباهظ الذي ستدفعه الولايات المتحدة «أمنياً» مقابل هذا الإعفاء؛ فمن خلال السماح ببيع 140 مليون برميل بأسعار السوق الرسمية (التي تتجاوز 110 دولارات)، تمنح إدارة ترمب النظام الإيراني «قبلة حياة» مالية وتدفقات نقدية بمليارات الدولارات في ذروة الصراع.

ويؤكد المدير الإداري لشركة «أوبسيديان ريسك أدفايزرز» المتخصصة في المخاطر التنظيمية والجرائم المالية، بريت إريكسون، أن هذا الإجراء يوفر للنظام الإيراني سيولة نقدية فورية ومهمة، في وقت يسعى فيه بنشاط إلى استهداف الجنود الأميركيين في ساحة المعركة. ويضيف إريكسون: «إننا أمام مشهد سريالي؛ فبينما تقصف الطائرات الأميركية والبريطانية المواقع الإيرانية، تفتح وزارة الخزانة الأبواب لتدفق السيولة إلى طهران لتمويل صواريخها وطائراتها المسيرة». وأضاف: «هذا ليس تصرف إدارة تملك مخرجاً استراتيجياً؛ بل هو تصرف إدارة استنفدت كل أوراقها ولم يبقَ أمامها سوى ما أسميه اليأس الاقتصادي».

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن بريت إريكسون، قوله إن هذه الخطوة تعد دليلاً على أن الإدارة «لا تملك مخرجاً واضحاً»، واصفاً الأمر بـ«اليأس». ورأى أن جهود الإدارة للسيطرة على الأسعار لن يكون لها تأثير ملموس حتى يُفتح المضيق أمام السفن، وأن «تخفيف العقوبات يثير مخاوف بشأن الاستنزاف السريع لأدوات واشنطن الاقتصادية» لكبح أسعار النفط. وأضاف: «إذا وصلنا إلى مرحلة تخفيف العقوبات على الدولة التي نخوض معها حرباً، فإننا في الواقع نفقد خياراتنا».

شبكة معقدة من أنابيب ومعدات النفط الخام مع رفرفة علمي الولايات المتحدة وتكساس في الخلفية (رويترز)

في المقابل، أشاد مارك دوبويتز، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة بحثية غير ربحية تُعدّ متشددة تجاه إيران، بهذا القرار. وقال: «لقد عملنا على فرض عقوبات على صناعة النفط الإيرانية لسنوات. هذه خطوة ذكية... للمساعدة في كسب المعركة ضد النظام».

وبينما يرى الصقور في واشنطن أن الخطوة تكتيك ذكي لكسر استراتيجية طهران، يظل السؤال القائم: هل تنجح مقامرة ترمب بـ«البراميل الإيرانية» في حماية المستهلك الأميركي وصناديق الاقتراع؟ أم أنها مجرد «قبلة حياة» مالية لخصم تخوض معه واشنطن حرباً مفتوحة؟


بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
TT

بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)

لطالما انفردت بكين، أكبر مستورد للخام في العالم، بالحصة الكبرى من النفط الإيراني، مستفيدةً من «خصومات العقوبات» التي وفَّرت لمليارات الدولارات. غير أن هذا الاستفراد بات اليوم تحت مجهر الاختبار؛ فمع صدور الإعفاء الأميركي لمدد محددة، تجد الصين نفسها مضطرة لخوض منافسة شرسة مع قوى آسيوية أخرى كاليابان وكوريا الجنوبية، وهو ما يهدد بتبخر «امتياز الخصم» وتحول البرميل الإيراني من صيد صيني ثمين إلى سلعة تتنازعها الأسواق العالمية بأعلى الأثمان.

واستغلت بكين، التي كانت أيضاً أكبر مستورد للنفط من فنزويلا وأحد كبار مستوردي النفط من روسيا، مشترياتها من الدول الثلاث التي تواجه عقوبات غربية مختلفة لتوفير مليارات الدولارات من فاتورة وارداتها في السنوات الأخيرة.

لقد أظهرت بيانات شركة التحليلات «كبلر» لعام 2025 أن الصين تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المُصدّر. وقد كان مشتري النفط الإيراني محدودين بسبب العقوبات الأميركية التي تهدف إلى قطع التمويل عن البرنامج النووي الإيراني. بحسب شركة «كبلر»، اشترت الصين ما معدله 1.38 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني العام الماضي. ويمثل هذا نحو 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها البحرية من النفط، والتي بلغت 10.27 مليون برميل يومياً.

مشترو النفط الإيراني في الصين

تُعدّ مصافي التكرير الصينية المستقلة، المعروفة باسم «مصافي الشاي»، والتي تتركز بشكل رئيسي في مقاطعة شاندونغ، المشترين الرئيسيين للنفط الخام الإيراني، وذلك بفضل سعره المخفّض مقارنةً بالبراميل غير الخاضعة للعقوبات. وتستحوذ «مصافي الشاي» على ما يقارب ربع طاقة التكرير الصينية، وتعمل بهوامش ربح ضيقة، وأحياناً سلبية، وقد تأثرت مؤخراً بضعف الطلب المحلي على المنتجات المكررة.

وأفاد تجار وخبراء بأن شركات النفط الحكومية الصينية الكبرى امتنعت عن شراء النفط الإيراني منذ عامي 2018، 2019.

سعر النفط الإيراني

قال تجار إن سعر خام النفط الإيراني الخفيف انخفض بنحو 8 إلى 10 دولارات للبرميل عن سعر خام برنت في بورصة إنتركونتيننتال عند التسليم إلى الصين منذ ديسمبر (كانون الأول)، بعد أن كان أقل بنحو 6 دولارات في سبتمبر (أيلول). وهذا يعني أن مصافي التكرير الصينية توفر ما بين 8 و10 دولارات للبرميل إذا اشترت خام النفط الإيراني الخفيف بدلاً من خام عُمان غير الخاضع للعقوبات، وفقاً لحسابات أحد التجار ووكالة «رويترز».

في فبراير (شباط)، اتسع الفارق بين سعر خام النفط الإيراني الخفيف وسعر خام عُمان إلى أكثر من 10 دولارات للبرميل. ومنذ الضربات الأميركية الإسرائيلية الأولى على إيران في 28 فبراير، شهدت تجارة النفط الإيراني شحاً كبيراً. وكانت الصفقات القليلة التي أُبرمت بخصم 9 دولارات للبرميل. وقد تقلصت الخصومات قليلاً بسبب عدم اليقين بشأن الإمدادات مع تصاعد الصراع.

وقدّرت شركة «إنرجي أسبيكتس» في 19 مارس (آذار) وجود ما بين 130 و140 مليون برميل من النفط الإيراني الملوث بالمياه، أي ما يعادل أقل من 14 يوماً من خسائر الإنتاج الحالية في الشرق الأوسط.

تشير بيانات شركة «كبلر» إلى أن مخزون النفط الإيراني في المياه بلغ 171.6 مليون برميل.

تأثير العقوبات الأميركية

أعادت واشنطن فرض عقوبات على طهران عام 2018، وفرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عدة جولات جديدة من العقوبات على تجارة النفط الإيراني منذ توليها السلطة العام الماضي. وشملت عقوبات ترمب فرض عقوبات على ثلاث شركات صينية لتصنيع أباريق الشاي، مما أدى إلى تقليص مشتريات العديد من الشركات المستقلة متوسطة الحجم التي تخشى إدراجها على قائمة العقوبات، وفقاً لـ«رويترز».

من جهتها، ترفض بكين العقوبات الأحادية وتدافع عن مشروعية تجارتها مع إيران. وعادةً ما يصنف التجار النفط الإيراني الذي تستورده الصين على أنه مستورد من دول أخرى، مثل ماليزيا، وهي مركز رئيسي للشحن العابر، وإندونيسيا. لم تُظهر بيانات الجمارك الصينية أي شحنات نفطية من إيران منذ يوليو (تموز) 2022.


المصافي الهندية والآسيوية تتأهب لاستئناف شراء النفط الإيراني بضوء أخضر أميركي

ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
TT

المصافي الهندية والآسيوية تتأهب لاستئناف شراء النفط الإيراني بضوء أخضر أميركي

ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)

قال تجار يوم السبت إن مصافي التكرير الهندية تخطط لاستئناف شراء النفط الإيراني، بينما تدرس مصافي التكرير في دول آسيوية أخرى هذه الخطوة، بعد أن رفعت واشنطن العقوبات مؤقتاً لتخفيف أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأفادت 3 مصادر في قطاع التكرير الهندي، بأنها ستشتري النفط الإيراني وتنتظر توجيهات الحكومة وتوضيحات من واشنطن بشأن تفاصيل مثل شروط الدفع.

وسارعت مصافي التكرير في الهند، التي تمتلك مخزونات نفط خام أصغر بكثير من كبار مستوردي النفط الآسيويين، إلى حجز النفط الروسي بعد أن رفعت الولايات المتحدة العقوبات مؤقتاً مؤخراً.

وقال عدد من المطلعين على الأمر، إن مصافي تكرير آسيوية أخرى تجري تحقيقات لمعرفة إمكانية شراء النفط.

وأعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أن إدارة ترمب أصدرت يوم الجمعة، إعفاءً من العقوبات لمدة 30 يوماً لشراء النفط الإيراني الموجود بالفعل في البحر.

ويسري الإعفاء على النفط المحمّل على أي سفينة، بما في ذلك ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات، في أو قبل 20 مارس (آذار)، والمُفرَّغ بحلول 19 أبريل (نيسان)، وفقاً لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية. وهذه هي المرة الثالثة التي تُصدر فيها الولايات المتحدة إعفاء مؤقتاً من العقوبات المفروضة على النفط منذ بدء الحرب.

تحرير ملايين البراميل من النفط

قال مدير أول بيانات سوق النفط الخام في شركة «كبلر»، إيمانويل بيلوسترينو، إنه يوجد نحو 170 مليون برميل من النفط الخام الإيراني في البحر، على متن سفن منتشرة من الخليج العربي إلى المياه القريبة من الصين.

وقدّرت شركة «إنرجي أسبيكتس» الاستشارية، في 19 مارس، وجود ما بين 130 و140 مليون برميل من النفط الإيراني في البحر، أي ما يعادل خسائر إنتاج الشرق الأوسط الحالية لأقل من 14 يوماً.

وتعتمد آسيا على الشرق الأوسط في 60 في المائة من إمداداتها من النفط الخام، ويُجبر الإغلاق شبه التام لمضيق هرمز هذا الشهر، المصافي في جميع أنحاء المنطقة، على العمل بمعدلات أقل وتقليص صادرات الوقود.

وقد أعاد ترمب فرض عقوبات على إيران في عام 2018 بسبب برنامجها النووي. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الصين العميل الرئيسي للنفط الإيراني، حيث اشترت مصافيها المستقلة 1.38 مليون برميل يومياً العام الماضي، وفقاً لبيانات شركة «كبلر»، مدفوعةً بالخصومات الكبيرة، نظراً لعزوف معظم الدول عن استيراد النفط الخام بسبب العقوبات.

مشكلات أخرى تُعقّد عملية الشراء

أفاد تجار بأن من بين التعقيدات المحتملة لشراء النفط الإيراني عدم اليقين بشأن كيفية الدفع، وحقيقة أن جزءاً كبيراً منه مُخزّن على متن سفن أسطول الظل القديمة.

كما ذكر مصدران في قطاع التكرير أن بعض المشترين السابقين للنفط الإيراني، كانوا مُلزمين تعاقدياً بالشراء من شركة النفط الوطنية الإيرانية. مع ذلك، ومنذ أن أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات في أواخر عام 2018، أصبح النفط الإيراني يُباع في جزء كبير منه عبر تجار من أطراف ثالثة.

وقال تاجر مقيم في سنغافورة: «عادةً ما يستغرق الأمر بعض الوقت لإتمام إجراءات الامتثال والإدارة والمعاملات المصرفية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الناس سيحاولون إنجاز العمل في أسرع وقت ممكن».

إلى جانب الصين، شملت قائمة كبار مشتري النفط الخام الإيراني قبل إعادة فرض العقوبات، كلاً من الهند وكوريا الجنوبية واليابان وإيطاليا واليونان وتايوان وتركيا.