لويس أوكامبو: أمام ليبيا فرصة ذهبية الآن لإنهاء الفوضى العارمة

مدعي «الجنائية الدولية» السابق لـ «الشرق الأوسط»: سنجمع معلومات وأدلة عن أمراء الحرب في طرابلس.. وسنحاكمهم قانونيًا

لويس أوكامبو
لويس أوكامبو
TT

لويس أوكامبو: أمام ليبيا فرصة ذهبية الآن لإنهاء الفوضى العارمة

لويس أوكامبو
لويس أوكامبو

يعود اليوم لويس مورينو أوكامبو، المدعي العام لسابق للمحكمة الجنائية الدولية، إلى ملف ليبيا، لكن هذه المرة من القاهرة، حيث سيشارك في المؤتمر الذي تقيمه مؤسسة «العدالة أولا» غير الحكومية، التي تهدف لمحاكمة قادة الإرهاب والتطرف في ليبيا للمرة الأولى بعد نحو أربع سنوات من الإطاحة بالنظام السابق.
وقبل ساعات من انطلاق المؤتمر اليوم، بمشاركة بعض أعضاء مجلس النواب الليبي ومسؤولين حكوميين وناشطين سياسيين، خص أوكامبو «الشرق الأوسط» بحوار، اعتبر فيه أن ليبيا بصدد ما وصفه بـ«فرصة ذهبية» لوقف الفوضى الراهنة على كل المستويات السياسية والعسكرية والأمنية، لافتا إلى أن الوضع الآن يختلف جذريا عما كان عليه الحال لدى زيارته الأولى إلى ليبيا بعد الإطاحة مباشرة بنظام حكم العقيد الراحل معمر القذافي عام 2011.
واعترف أوكامبو بأن مهمته لإدانة القائمين على ممارسة الإرهاب والعنف في ليبيا ليست سهلة، لكنه شدد في المقابل على أن المتطرفين لا يجب أن يكونوا أبدا طرفا في أي مفاوضات للسلام أو للحوار الوطني.
وفي ما يلي نص الحوار:
* عندما كنت المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، ألم تكن تري المشهد في ليبيا يتجه نحو التطرف الذي نراه الآن؟
- أنا قمت بزيارة ليبيا في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011، وكان أول يوم لتولي الحكومة الجديدة.. وكان الجميع في سعادة كبيرة. وأنا معتاد أن ليبيا شعبها مترابط يقوم على أساس عائلات وعلاقات قوية، والشعب غني، ولا يوجد أي سبب للنزاع الموجود حاليا. وأعتقد أن ليبيا تتاح لها فرصة ذهبية الآن لكي تثبت للعالم كيف يمكن للعرب أن يقوموا بإصلاح ذات البين، ونحن الآن نقابل قيادات القبائل الليبية حتى يمكننا أن نرى إذا ما كان يمكننا أن نجد طريقة لحل النزاع القائم حاليا. ونحن الآن نحاول أن نقدم أيضا رابطا للعائلات القوية جدا في ليبيا، ونحاول أن نستفيد منها في حل النزاع القائم. لقد استقينا هذه الفكرة عندما رأينا الأم التي قامت بصفع ابنها في مظاهرات بالتيمور، وذلك لتقوم بجره من المظاهرات، تخيلنا أن هناك 500 أمّ من هذا القبيل يمكنها أن تصفع ابنها وتقوم بجره من الميليشيات لإيقاف هذا القتال.
* لكن القذافي في خطاباته كان دائما ينادي الليبيين ليسحبوا أولادهم ولم يسمع أحد؟
- أعتقد أن القذافي في قوته لا يقابل كبراء القبائل الليبية، فقوتهم أكبر بكثير.
* إذن، كيف تفسر عدم نجاح قبيلة ليبية واحدة في سحب أبنائها من الميليشيات المنتشرة؟
- إنني أفهم فكرتك، لكنني أعتقد أنني شخص غير متحيز، وإن لم أكن كذلك فإنني سأكون واحدا من القبائل التي تتنازع مع قبائل أخرى. إن كل اهتماماتي بهذا الموضوع أنني شخص غير منحاز لأي من الطرفين، ومن ثم يمكنني أن أساعدهم في التوصل للحقيقة. نحن نعترف بأن هناك بعض الجرائم التي ارتكبت، لكنني أعتقد أننا يمكن أن نجد حلا لهذه النقطة، وأنا أجنبي وأعترف بذلك، لكنني أشرف بأنهم تقبلوني لأجلس معهم وأتفاهم معهم وأحاول أن أحل هذه المشكلة معهم.
* خلال فترة منصبك ألم تتلق أي تقارير أو معلومات أو بيانات موثقة تتحدث عن الإرهاب والتطرف في ليبيا؟
- لقد تركت منصبي في يوليو (تموز) من عام 2012، ولم يكن الحال في ليبيا بهذا السوء الذي فيه ليبيا الآن.
* بعض من ظهروا على شاشات التلفزيون عام 2011، وكأنهم من حرروا طرابلس، هم قادة الميليشيات الذين من المفترض محاكمتهم؟
- ما نقوم به الآن هو جمع المعلومات والتوصل لهؤلاء الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم، ويجب منعهم من الاشتراك في المفاوضات، هذه هي خطوتنا الأولى. عندما كنت في المحكمة كان علي أن أرجع إلى القضاء، الأمر ليس كذلك الآن. سنجمع معلومات، وإذا ما أثبت أن هناك شخصا ارتكب جريمة ما فسوف يتم استبعاده من المفاوضات، وسنقدم الأمر برمته للأمم المتحدة، ولا يمكننا أن نترك هؤلاء الأشخاص ليكونوا طرفا في المفاوضات.
* هل أفهم من ذلك أنك ضد ما يفعله مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا الذي يسعى الآن لعقد اجتماع لقادة الميليشيات المسلحة في ليبيا؟
- السيد برنادينو ليون لديه تفويض من الأمم المتحدة حتى يوجد نوعا من التطور، ونحن ندعم هذه الفكرة، لكننا لا نقبل أبدا أي إرهابيين من أعضاء «القاعدة» أو «داعش»، الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية.
* لكن ثمة من يقول إن من بين من يلتقيهم في طرابلس بعض كبار أمراء الحرب هناك؟
- أنا لا أعلم شيئا عن ذلك، لكن يبدو أن الأشخاص الموجودين في الأمم المتحدة وفي نيويورك لا توجد لديهم صورة ومعلومات كاملة عما يحدث، لكنني أعلم أن السيد ليون لديه توجيهات بألا يسمح للإرهابيين أو أي ممن ارتكبوا جرائم حرب للاشتراك في المفاوضات.. وهناك نقطة قانونية، إذا سمح لأي من أمراء الحرب بأن يشغلوا منصبا في الحكومة؛ فهل تتخيل هؤلاء الأشخاص عندما تتاح لهم الأموال كيف سيدعمون الإرهاب داخل الحكومة نفسها؟
* في نهاية المفاوضات، سيعود المتفقون إلى قادة الميليشيات في طرابلس لكي يقنعوهم.. أليس كذلك؟
- أنا أعلم أن الأمر ليس بالسهل، لكني أعتقد أن إعطاء الفرصة للإرهابيين والمجرمين ليأخذوا مكانا في الحكومة سوف يزيد الأمر تدهورا، وأعتقد أن اجتماعات القاهرة ستكون نتيجة لها أن تتغير الديناميكية، وأن يعطي الأشخاص ممن يريدون صالح ليبيا إحساسا بأنهم يمكنهم أن يغيروا الأمور.
* ما الذي يمتلكه مؤتمر القاهرة الذي ستشارك فيه من أدوات لكبح جماح قادة الحرب؟
- نحن نحاول الآن أن ندعم قادة القبائل الليبية، وبعض أعضاء البرلمان ممن سيأتون، ونحن نحاول أن ندعم البرلمان الليبي. ليبيا لديها مبعوث في الأمم المتحدة قوي جدا، ونحن نعلم أننا عندما نقوم بدعم كبار رجال القبائل والبرلمان والأمهات فإننا يمكننا أن نقلل من قوة رؤساء الميليشيات. أنا أرى أن الأمر ليس بالهين البسيط؛ لكن ليبيا لديها المال، وإذا ما ثبتت العدالة في ليبيا فسوف يكون هناك سلام وتنمية اقتصادية.
* البعض يقول إن ليبيا بالنسبة لبعض أمراء الحرب هي فقط ساحة للفوضى؟
- أنا أوافقك في ما تقوله، لهذا نحن هنا في مصر نحاول أن نصلح الأمور، فإذا ما تركنا الأمر لملوك الحرب فإن الأمر سوف يزداد تدهورا.
* في مرحلة لاحقة ألا تخشى من أنك ستصطدم بقادة الميليشيات الذين لديهم جنسيات أخرى؟
- لماذا يعد هذا مشكلة؟
* لأن الأمر سيتطلب أن تحصل على موافقة تلك الدول، سيلوحون في وجهك بجوازات السفر..
- كون الشخص مواطنا فرنسيا أو أميركيا لا يعفيه من المثول أمام القضاء.
* هل سيشمل عملك استدعاء برنارد ليفي الأديب الفرنسي الذي أسهم في جلب الناتو وفرنسا؟
- بالطبع أنا ليست لدي السلطة القضائية لأستدعي، لكن السلطة القضائية دائما تقوم بمخاطبة الحكومة، وفي الواقع انتماء الشخص لدولة كبرى لا يمنحه الحصانة، والسيد ليفي لم يكن الوحيد الذي استدعى وطالب بوجود الناتو على الأرض، فكل ليبي على أرض ليبيا في عام 2011 كان يطالب بمساندة الناتو.
* لكن سمعنا مؤخرا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتحدث عن المهمة غير المكتملة للناتو هناك..
- عليكم أن تعودوا مرة أخرى لاستجلاء الأمر مع سيادة الرئيس السيسي للتعرف على ماهية المهام الذي كان يتخيل أن يضطلع بها الناتو في ليبيا، وأنا لا أستطيع أن أتنبأ بما يدور بخلد الرئيس السيسي، لكن مهمتنا هنا هي مساعدة الفصيل الليبي أن يصل ويساعد نفسه، ونرحب بأي مجهودات تأتي مثل مجهود الرئيس السيسي أو من غيره؛ لكن بالأساس نحن هنا نقوم بمساعدة الليبيين للتوصل لحل.
* هل لديك قائمة أو تصور أو معلومات عن حجم أمراء الحرب الموجودين في ليبيا؟
- لا، نحن الآن نقوم بجمع المعلومات الخاصة بذلك.
* هل ستقوم بالذهاب إلى هناك لجمع المعلومات في المستقبل؟
- لا، سأتوجه لنيويورك، وجمع المعلومات لا يحتاج بالضرورة للوجود على الأرض، ولن أخاطب أي حكومة أوروبية لجمع المعلومات، والآن هدفنا تمكين الشعب الليبي للوصول لحل بمساعدة القبائل والعوائل الليبية وإرشادهم على سبيل المثال لمخاطبة مجلس الأمن.
* ثمة من يقول إن القبائل خذلت نظام القذافي..
- هنا قادة القبائل يخدمون مصالحهم ومصالح ليبيا، ولا يخدمون مصلحة للأنظمة.
* هل تعتقد أن القبائل الليبية في حاجة لأجنبي أن يفهمهم مصلحة بلادهم؟
- بالطبع لا، لكن وجود طرف أجنبي وقبول هذا الطرف المحايد قد يساعدهم في معالجة الصراع القائم بينهم.
* هل ما زلت تطالب بتسليم بعض الأشخاص؟
- هذا هو دور محكمة العدل الدولية، وليس الدور المخول لي.
* وهل ما زالت وجهة نظرك الشخصية تتفق مع ما كنت تقوم به وقت أن كنت مدعيا بالمحكمة الدولية؟
- هذا قرار يعود لمحكمة العدل الدولية، وليس قراري أنا، فأنا الآن تحولت إلى العمل مع القبائل الليبية ومع الشعب الليبي.. أنا أتفهم أن المحاولة صعبة، لكنها البديل الآخر. أنا أحاول الحل الأقل مرارة، وهو البديل الآخر أمام الشعب الليبي، ويكون بمكافأة أمراء الحرب على الجرائم التي ارتكبوها بحق الشعب بإعطائهم مناصب في الحكومة وميزانية أوسع وذلك لنشر المزيد من العنف.. الموقف صعب لكن البديل المتاح هو المزيد من الفوضى والمزيد من المشكلات في ليبيا.
* هل إذن أنت جاهز لمعركة مع الدول التي تدعم الإرهاب وقادة التطرف الذين تعتزم محاكمتهم؟
- أنا أساعد الشعب الليبي لتحقيق مصلحته وإرساء دعائم الأمن والسلام، وهذه ليست مسؤوليتي أنا، ولكن مسؤولية كل من شارك في هذه القضية، وأي حكومة سوف تهاجمني لإعلاء كلمة الحق في ليبيا.
* هناك حديث عن روابط ودعم لوجيستي من دول أخرى؟
- ليست لديّ أي معلومات بهذا الشأن، وأعتقد أن الأمر يأتي من مستوى أعلى مني، لكن يجب أن يتوقف هذا الأمر.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.