السنيورة يسعى لاستنهاض سنّة لبنان وإخراجهم من الإرباك انتخابياً

TT

السنيورة يسعى لاستنهاض سنّة لبنان وإخراجهم من الإرباك انتخابياً

يفتح إقفال باب الترشُّح لخوض الانتخابات النيابية أمام انطلاق المشاورات لتشكيل اللوائح الانتخابية بوصفها الخطوة الأساسية لاستكمال التحضيرات لإنجاز الاستحقاق النيابي ترشُّحاً في موعده في 15 مايو (أيار) المقبل، وهذا ما يسلّط الأضواء على المشهد السنّي بخلوّه من المرشحين المنتمين إلى تيار «المستقبل» بعزوف زعيمه رئيس الحكومة السابق سعد الحريري عن خوضها، فيما العشرات من المرشحين الذين يدورون في فلك الحريرية السياسية تقدّموا بطلبات ترشُّحهم وكان آخرهم النائب محمد القرعاوي عن دائرة البقاع الغربي – راشيا، ويوسف النقيب وحسن شمس الدين عن دائرة صيدا – جزين، ما أدى إلى خلط الأوراق في عاصمة الجنوب.
فالمشهد في الشارع السنّي لم يكتمل حتى الساعة رغم أن للناخب السنّي تأثيراً تتراوح مفاعيله المباشرة على أكثر من ثلثي أعضاء المجلس النيابي، وهو يتوقف بنسب متفاوتة على الدور الذي يتولاّه رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة في رعايته للمشاورات الجارية لتشكيل اللوائح الانتخابية في الدوائر ذات الثقل السنّي وتحديداً في بيروت الثانية وطرابلس - الضنّية - المنية وعكار والبقاع الغربي - راشيا، وصيدا - جزين.
فالرئيس السنيورة يقف الآن أمام تحدٍّ انتخابي في سعيه لاستيعاب ما أمكن لـ«الحريرية السياسية» من جهة ولملمة الشارع السني لملء الفراغ المترتّب على عزوف الرئيس الحريري من جهة ثانية، وذلك لقطع الطريق على إخلاء الساحة للفريق الآخر المتمثل بـ«محور الممانعة» بقيادة «حزب الله» وامتداداته التحالفية وصولاً إلى «التيار الوطني الحر» وجمعية المشاريع الخيرية الإسلامية «الأحباش» وإن كانت ستخوض الانتخابات في بيروت الثانية منفردة مع تمسكها بخياراتها السياسية التي تجمعها بـ«حزب الله»، وهي على نقيض مع النائب فؤاد مخزومي الذي أوشك على تشكيل لائحته البيروتية.
ورغم أنه من السابق لأوانه حرق المراحل قبل أن يستكمل السنيورة مشاوراته على طريق رعايته لتشكيل اللائحة التي ستخوض المنافسة في دائرة بيروت الثانية، فإنه يرفض تقديمه على أنه يعدّ العدّة لوراثة الحريرية السياسية وإن كان لا يرى من أفق سياسية لإخلاء الساحة بعدم الترشُّح مع أنه شخصياً ينأى بنفسه عن خوض الانتخابات، ويراهن على استنهاض الشارع السنّي وهو يتناغم مع ترشُّح النقيب وشمس الدين اللذين لا يحظيان بمباركة من نائبة صيدا بهية الحريري ولا بضوء أخضر منها لأنها منسجمة مع موقفها بعزوفها عن خوضها الانتخابات التزاماً بقرار الرئيس الحريري حتى إنها آثرت عدم التدخّل في الانتخابات، رافضةً العروض التي قُدّمت لها بدعم مرشح بالإنابة عنها وبصورة غير مباشرة.
كما أن السنيورة الذي يتفرّغ لمتابعة اتصالاته لتأمين الأجواء أمام تشكيل لائحة بيروتية يتولى شخصياً رعايتها، لم ينقطع عن التواصل مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لتشكيل لائحة توافقية لخوض الانتخابات عن دائرة طرابلس - الضنّية - المنية، رغم أن ميقاتي كان قد انضم إلى الرئيسين الحريري وتمّام سلام بالعزوف عن خوض الانتخابات.
ولم يُفاجأ نادي رؤساء الحكومات بعزوف ميقاتي وهو كان قد أبلغ الرؤساء الحريري والسنيورة وسلام، منذ أشهر، رغبته في عدم خوض الانتخابات من دون أن ينسحب عزوفه على دوره في رعاية تشكيل لائحة توافقية كونه الأقدر للعب هذا الدور ويتمتع بحضور انتخابي يتيح له التدخل، وهذا ما ظهر جلياً من خلال طلبات الترشيح التي تقدّم بها عدد من المرشحين المحسوبين عليه وأبرزهم: النائب الحالي علي درويش، وسليمان جان عبيد، وروبير عبد، ووهيب ططر، وأليسار ياسين، والنائب السابق كاظم صالح الخير، وكريم كبارة، نجل النائب الحالي محمد كبارة.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن إقفال باب الترشُّح سيفسح المجال أمام تكثيف المشاورات بين ميقاتي والسنيورة بدءاً من اليوم، على أن يكون من أولوياتها البحث في تركيب ائتلاف طرابلسي يُفترض أن ينسحب على الضنية والمنية، وهذا ما اتفقا عليه في اجتماعهما السبت الماضي في حضور الوزير السابق أحمد فتفت.
وأكدت مصادر طرابلسية أن النائب السابق مصطفى علوش الذي ترشّح عن طرابلس، يواكب عن كثب لقاء ميقاتي السنيورة من خلال تواصله مع الأخير إضافةً إلى فتفت، وقالت إن علوش لم ينقطع عن التواصل مع الجماعة الإٍسلامية والنائبين الحاليين المنتميين إلى كتلة «المستقبل» النيابية سامي فتفت وعثمان علم الدين اللذين تقدّما بطلب ترشّحهما، إضافةً إلى المرشح عن الضنية عبد العزيز الصمد والمرشحة عن طرابلس ربى دالاتي، ولفتت إلى استبعاد التحالف مع الوزير السابق أشرف ريفي، وعزت السبب إلى أن المرشحين للدخول في اللائحة الائتلافية يحاذرون الإقدام على مثل هذه الخطوة لأنهم ليسوا في وارد استيراد مشكلة مع الحريري وجمهور «التيار الأزرق».
وإلى أن يتقرر مصير المشاورات المفتوحة بين ميقاتي والسنيورة، وما إذا كانت ستؤدي إلى توافق يمكن أن يتمدد إلى دائرة عكار، فإن المشهد الانتخابي في الشارع السنّي يكتنفه الغموض ويساوره القلق حتى الساعة، وهو ينتظر ما ستؤدي إليه من نتائج ليكون في وسع مَن تبقى من ناخبين كبار في هذا الشارع أن يبنوا على الشيء مقتضاه، خصوصاً أن الطائفة السنّية تُعد واحدة من المكوّنات السياسية الرئيسية في البلد، وهي تمر الآن في مرحلة حرجة واختبار دقيق بخلاف الطوائف الكبرى الأخرى التي حسمت خياراتها، وإن كانت الطائفة الشيعية خرجت من المنافسة بداخلها وتكاد تكون الوحيدة التي تتحصن وراء تحالف حركة «امل» و«حزب الله»، فيما يسعى الحراك المدني إلى تسجيل اختراق ولو محدود.
ويمكن أن يصعب على الحراك المدني تسجيل هذا الاختراق بخلاف قدرته على اختراق القوى التقليدية في الشارع المسيحي، وربما بنسبة أقل في الشارع الدرزي، إذا قرر «حزب الله» ترشيح مَن يمثل النائب طلال أرسلان، عن دائرة بيروت الثانية، مع أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري يفضّل مراعاة رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط بالإبقاء على خطوط التواصل معه مفتوحة ومن موقع اختلافه مع الحزب.
كما أن «الحراك المدني» في الشارع السني لا يزال في طور التأسيس لخوض الانتخابات بلوائح موحّدة، خصوصاً أن العشرات من المنتمين إليه أو من يتحدثون باسمه كانوا قد تقدّموا بطلبات الترشح، وهذا ما سجله الإقبال على الترشُّح في اليومين الأخيرين من انتهاء الفترة المحددة لقبول طلبات الترشيح.
ويبقى السؤال: هل يتمكن السنيورة من استنهاض الشارع السني لسد ما أمكن من الفراغ الذي تركه الحريري بعزوفه وتياره الأزرق عن خوض الانتخابات؟ ومع من سيتحالف النقيب وشمس الدين من المرشحين في جزين، خصوصاً أنه لم يبقَ سوى المرشحين المدعومين من حزب «القوات اللبنانية»، إلا إذا وجدوا البدائل في مرشحين آخرين من المستقلين لتفادي إحراج النائبة بهية الحريري في مسقط رأسها في صيدا التي انطلقت منها الحريرية السياسية؟
وينسحب السؤال نفسه على الدوائر المختلطة الجامعة للناخبين الذين يدورون في فلك الحريرية السياسية والآخرين من جمهور ومحازبي «القوات»، وهل يمكن تجاوز الخطوط الحمر بتركيب تحالف الضرورة بين اللوائح التي يرعاها السنيورة ولوائح مدعومة مباشرةً من رئيس حزب «القوات» سمير جعجع، مع أن التحضيرات الجارية لتشكيل اللوائح تنطلق حتى الآن من استبعاد التعاون الانتخابي على خلفية الأزمة القائمة بين الحريري وجعجع، خصوصاً أن السنيورة ليس في وارد القفز فوقها، وهو يصر على مراعاتها وعدم التفريط بموقف يزعج السواد الأعظم من جمهور التيار الأزرق.
وفي المقابل فإن السنيورة على تواصل مع الجماعة الإسلامية ورئيس «التقدمي» جنبلاط، وهو ينظر إليه كحليف استراتيجي في مواجهة المشروع الذي يتزعّمه «حزب الله»، فيما يتطلع في نفس الوقت إلى إخراج الشارع السني من الإرباك بدعوة الناخبين للإقبال بكثافة على صناديق الاقتراع لزيادة نسبة الاقتراع لأن تدنيها يأتي لمصلحة «محور الممانعة».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.