الروائي السوداني حمور زيادة بنى عالمًا «شكسبيريًا» أضعفته الحبكة

«شوق الدرويش».. في القائمة القصيرة لجائزة «البوكر العربية» التي تعلن اليوم

الروائي السوداني حمور زيادة بنى عالمًا «شكسبيريًا» أضعفته الحبكة
TT

الروائي السوداني حمور زيادة بنى عالمًا «شكسبيريًا» أضعفته الحبكة

الروائي السوداني حمور زيادة بنى عالمًا «شكسبيريًا» أضعفته الحبكة

اقتربت البوكر.. تفصلنا ساعات قليلة عن إعلان الفائز بجائزة الرواية العربية لهذا العام، التي تعلن 6 مايو (أيار)، وقد احتلت رواية السوداني حمور زيادة «شوق الدرويش» عن دار العين، مكانها في القائمة القصيرة بوصفها «تناولت منمنمات النفس البشرية في صراعها مع صرامة المقدس». ونالت نصيبا كبيرا من النقد بعد فوزها عام 2014 بجائزة نجيب محفوظ التي تمنحها الجامعة الأميركية بالقاهرة، والآن ونحن قاب قوسين أو أدنى من إعلان الجائزة الكبرى، هل تنال الرواية الضخمة «460 صفحة» الجائزة؟
يعطينا عنوان الرواية، مكثف المعنى والدلالة، مفتاحا تأويليا عن النشوة الصوفية في الحب. وبشكل عام جاء العنوان منسجما مع مسارات المحكي. واتخذ زيادة من مقولة ابن عربي «كل شوق يسكن باللقاء، لا يعول عليه» عتبة دفاعية عن نصه؛ فمنذ بداية الرواية خلع الروائي على بطليه عباءة المثالية وأعطى القارئ لمحة عن الدافع المحرك وراء شخصية البطل العبد «بخيت منديل» الذي يتحرك وفقا لعشقه لليونانية السكندرية «ثيودورا» الراهبة ضمن بعثة تبشيرية. تدور الأحداث في مناطق مختلفة من السودان وتعكس أحوالها في بدايات القرن التاسع عشر وتحديدا في الفترة التي سبقت الثورة المهدية وحتى موت مهدي الله. للوهلة الأولى تخطف الرواية أنفاس القارئ بلغتها والمشاهد العنيفة التي تجسدها ما بين أسر وقتل وعبودية ووحشية وخوضها لتلك الفترة التاريخية المجهولة، لكنه تدريجيا يشعر بأنه ينزلق مع البطل في متاهة من الشخصيات والأحداث.
قد تذكرنا «شوق الدرويش» برواية ويليام فوكنر «وردة لإميلي» 1939 حيث تتطلب الرواية القراءة المتكررة عشرات المرات فهو يدفع القارئ إلى توقعات مسبقة في اضطراب مدبر يحتاج إلى قراءة مزدوجة ما بين بداية الرواية وسير أحداثها وخاتمتها.
ويبدو جليا أن الروائي أراد أن يكون الأساس الصلب الواضح في الرواية هو «الخيط العاطفي» والعلاقة التي تتكشف تدريجيا ما بين الأحداث الصاخبة، فيتبين أن قصة العشق ما هي إلا عشق أفلاطوني غير منطقي خاصة في الحوارات التي تدور بين البطل ومعشوقته، فلا نعرف أبدا هل هو عشق متبادل أم أنها شفقة من الجميلة اليونانية على «العبد القبيح»؟ على حد وصف الراوي، روحه بيضاء كنور القديسين. تشفق عليها أنها محبوسة في جسد أسود غليظ الشفتين، قبيح كمدينة أم درمان، لكن روحه مشرقة كالإسكندرية (ص 246) مما يرهق القارئ بينهما وبين عشرات الشخصيات التي يرغب بخيت في الثأر منها لأجل محبوبته التي لم تبادله الحب قط!
ويبدو أن رغبة المؤلف الجامحة في تنوع محفله السردي أفلتت منه زمام اللعبة السردية، فقام بتكديس اقتباسات من القرآن الكريم والإنجيل وكتابات ابن عربي والحلاج، والاستعانة بـ«السرد، والشعر، والحوار، والرسائل، والمذكرات، ومقاطع أغان تراثية مصرية وسودانية».
تتحرك الرواية في الزمن إيابا وذهابا، فمنذ بدايتها نجح زيادة في أن يأخذنا بإيقاع مليء بالإثارة والتشويق إلى أحداث متواترة في حياة البطل تبدأ منذ دخول المصريين أم درمان والفوضى التي صاحبت سقوط دولة المهدي، وتحفزه للانتقام ممن قتلوا معشوقته بعد خروجه من السجن «أتتهم الحرية على بوارج الغزاة وخيولهم في سبتمبر 1898 مع دخول الجيش المصري للبلاد. انكسرت دولة مهدي الله». لكنه وقع في فخ الترابط الزمني للرواية لا ندري تحديدا ترابط الأحداث التي وقعت على مدى 17 عاما ما بين خروج البطل من السجن عام 1898 في البداية لينتقم لأجل «ثيودورا» أو «حواء»، ففي منتصف الرواية يذكر المؤلف نتفا من مذكرات «ثيودورا» في عام 1881 بعد أن تم استرقاقها على يد إبراهيم ود الشواك. ونجح الروائي في استغلال تلك المذكرات (ص: 255 إلى 258) في استعراض الحياة السودانية آنذاك بعيدا عن السرد التقليدي للتاريخ. وهنا، تضعنا الرواية في مفارقة الفهم التاريخي لعمل تدور أحداثه في الماضي ويستلهم أحداثا وشخصيات حقيقية، وبين الاستمتاع بالرواية باعتبارها حكاية شعبية أسطورية؛ حيث ضجت الرواية بعدد غير مترابط من المؤشرات الزمنية «منذ 7 أعوام، وبعد أربعة شهور..».
ووقع الروائي في فخ تقنية «التلاعب بالتعاقب الزمني» التي استهلكها في كل الفصول وأتصور أنه لا يفترض أن ينهك القارئ في هذا الجهد العقلي لإعادة بناء حكايته عشرات المرات كي تكتمل القصة أمامه! فقد اختار أن يخبرنا بداية قصة حب بطله والقديسة «حينما رأها تسير في بيت إبراهيم ود الشواك الذي استعبدها» في صفحة 406، أي قبل نهاية الرواية وكنت أفضل أن أعرف سر ولعه بها في الصفحات الأولى كي أستطيع أن أفهم وأقتنع بمشاعره وتصرفاته وسر رغبته في الانتقام! وكل هذا الهيام في الحوارات بين البطل وجميع شخصيات الرواية حول الحب والعشق الذي أنهك القراء دون أن يقنع القارئ بقصة الحب المتأججة، ربما لأنه استطاع أن يتعرف على صوت الروائي مثل «الملقن» المسرحي للممثلين، فتنتابك رغبة عارمة في هجر الرواية.
كما أنه روى لنا في الثلث الأول للرواية كيف كانت نهاية البطلة ثم دخلنا في متاهة الأحداث والتفاصيل التي لا تنتهي حتى أعاد علينا قبل نهاية الرواية في الصفحات 444 إلى 446 قص النهاية الدرامية للقديسة ثيودورا، وأعاد الكثير من الحوارات بينها وبين بخيت في محاولة لصبغ الرواية بتقنية «بلاي باك» السينمائية لكنها كانت في غير محلها.
يؤخذ على الرواية بعض المماطلة في الثلث الأخير من الرواية ومنها المشهد الذي يصور فيه البطل مع سيده المصري وهما يقضمان القصب ويدور بينهما حوار يخوض به في تفاصيل مملة حيث يستمر الخوض في تفاصيل علاقة السيد بزوجته وكيف أنه كان يهرب منها ليجالس العبد يقرئه الشعر ويتحدث معه عن العشق وقيس وليلي.
لم تقدم الرواية نسيجا قصصيا جديدا فهي تشبه رواية الكاتب الفرنسي ألكسندر دوماس «الكونت دي مونت كريستو» الكلاسيكية في تناولها لحياة البطل المظلوم المقهور الذي سجن وأبعد عن حبيبته وظل سنوات ليفكر في الانتقام ممن زجوا به إلى السجن، هكذا كان حال بخيت منديل الذي ظل طوال الرواية يهدف لقتل طرائده الست، وظل يراوغ القارئ بما يظنه بخيت من قصة عشق وهمية بين القديسة و«يونس ود جابر» استطال في سرد تفاصيل مبهمة عنها وتمادى في الحوارات الغامضة بين البطل والبطلة حول ذلك الغريم وكأنه لغز، يعطي مفتاحه للقارئ في (يونس هو مهربها) ص 416، ثم يوالي فك طلاسم ذلك اللغز بأنه أيضا أبلغ عنها وكان سببا في مقتلها على يد سيدها «إبراهيم ود الشواك» أراد الروائي أن يزيد من درامية وملحمية روايته فاختار أن يجعل البطل هو من قام بدفن معشوقته، وأنهى الرواية بيأس العبد العاشق من الحياة بعد أن قتل بعضا ممن قتلوا محبوبته إلا أنه لم يقتل «يونس ود جابر» الذي كان السبب في قتلها، وتنتهي الرواية برغبة البطل في أن ينهي حياته وأن يسلم نفسه لينتهي على مشانق السوق.
زج الروائي بعدد كبير من الشخصيات منهم: جوهر (رفيق بخيت في السجن)، وإدريس النوباوي (كان يجلس ليسامر بخيت تحت نصبته في السوق)، كما أن بعض الجمل الفلسفية على لسان بخيت الذي وصفه بالجاهل لم تبد منطقية، مثل: «فقط حين نكف عن الاحتفاء الزائف بالحياة نعرف قيمة الموت» ص 331.
ورغم ما يحسه القارئ من شكسبيرية مصطنعة ما بين صفحات الرواية، فإن «شوق الدرويش» لها قاموسها اللغوي وشبكتها الدلالية التي انفردت بها لتعكس وحدات اجتماعية وتاريخية وعادات لغوية سودانية قديمة في الحكايات والغزل والتهديد والتحية والأفراح وغيرها. وجمل السرد كانت تتراوح بين جمل رومانسية وأخرى تأملية تحليلية تحاول مد الرواية بالحياة والإدهاش، ولعب الحوار في بعض المشاهد دورا بنائيا هاما في عكس العنف الداخلي للشخصيات.
فقد برع زيادة في غرس القارئ في المحيط الاجتماعي الخاص بذاك الزمان والمكان، واستطاع أن يضفي على نصه صفة «الملحمية» فاستعان بالاستعارة الموسعة والاستعمال المتعمد للمفارقة في عناصر الصوت والكلمة والصورة والإيقاع والتيمة (انكسار العبودية، لهفة العاشق، عذاب الفقر ووحشيته، الصراع الديني والسياسي، صراع البقاء)، ويتجلى ذلك في سرده لما حل بأهالي السودان من جوع شديد عبر حكاية شخصية «مريسيلة» التي قدمها لنا في بداية الرواية باعتبارها المرأة القوية التي يلجأ إلى البطل فور خروجه من السجن وهي التي تتكفل به وتحميه حتى يتمكن من الانتقام من قتله معشوقته. فكشف لنا عن سر جبروتها في منتصف الرواية. إنها «مريسيلة» التي أرادت أمها بيعها مقابل طاستين من الذرة لكنها لم تفلح، فأراد رجل أن يأخذها لكي يأكلها أولاده، وبعد أن طردتها أمها لم تعرف إلى أين تذهب فعادت للمنزل لتجد أمها أكلت أخيها الرضيع. «في الغرفة اليتيمة وجدت أمها على الأرض تبكي ملوثة بالدم. وبقايا طفلها الوليد في قدر نحاسية» ص 239.
لكن حلاوة اللغة شابها بعض العطب في استخدام الاستعارات والتشبيهات، مثل: «رائحة بخيت التي كقرحة أليفة»، و«حليب البلابل»، وغيرها وبعض التشبيهات كانت فظة وغليظة التي كان استخدامها مع توظيف الجنس في الرواية مقززا، يجعلك تصل لحد كراهية المجتمع السوداني.
على مستوى المتخيل الحكائي، كنت أتوقع كغيري من القراء أن تكون نهاية البطل ومعشوقته مغايرة لحتميات الواقع كما كانت الرواية توحي. صرح زيادة في أكثر من محفل أنه «مجرد حكاء يريد أن يروي حكاية قد تكون مسلية أو لا»، وقد وجدها عدد من القراء مسلية لكنني ضمن الزمرة التي لم تتسلَ، ولم تجد احتفاء النقاد والبوكر بها مستحقا.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».