سوسن حسن: أستلهم شخصيات رواياتي وأجواءها من حياة البسطاء

الروائية السورية هجرت مهنة الطب إلى الأدب

سوسن حسن
سوسن حسن
TT

سوسن حسن: أستلهم شخصيات رواياتي وأجواءها من حياة البسطاء

سوسن حسن
سوسن حسن

«للطب فضل كبير على كتابتي فقد فتح لي أبواباً واسعة على الواقع».
تستلهم الروائية سوسن حسن في أعمالها الواقع السوري بتحولاته الحادة وتغيراته العنيفة في السنوات الأخيرة. لكن صاحبة «ألف ليلة في ليلة» و«النباشون» و«خانات الريح» مشغوفة في روايتها الجديدة «اسمي زيزفون»، تذهب بعيداً في الزمان فترصد إيقاع الحياة في مدينة «اللاذقية» مرتع صباها وأحلامها، التي تتمتع بمكانة خاصة في أعمالها. وسوسن حسن هي طبيبة أصلاً، قبل أن تغادر سوريا وتستقر في ألمانيا منذ سنوات مستبدلةً بمشرط الطب والجراحة مشرط الأدب.
هنا حوار معها حول روايتها الجديدة، والمحطات التي مرت بها روائيا وحياتياً.

> ترصد روايتك الأخيرة «اسمي زيزفون» تحولات المجتمع السوري في ستينات القرن الماضي، ما مبررات العودة لتلك الحقبة الزمنية فنياً؟
- في الواقع هي ترصد تغيّرات المجتمع السوري، بخاصة الساحلي والريفي، منذ تلك الحقبة إلى عام «كورونا»، في محاولة لفهم هذا التاريخ، وكيف تأثّرت حياة الشعب، منذ هزيمة يونيو (حزيران)، ثم إجهاض كل محاولات النهوض، منذ أن استوطن اليأس النفوس مترافقاً مع أنظمة استبدادية شلّت الحياة السياسية وشلّت المجتمعات إلّا بما يخدم مصالحها بالدرجة الأولى، فتركت هذه الشعوب تعيش حياة القاع المديدة، إلى أن وصلنا لهذه المرحلة من الجحيم الحارق.
> استلهمتِ طويلاً عالم المهمشين في أكثر من عمل حتى بات يشكل «ثيمة» أثيرة لديك...
- رواياتي في مجملها تستلهم شخصياتها وأجواءها من الحياة العادية، حياة البسطاء من الناس، تنشغل بالقضايا والمشكلات المجتمعية، سواء تلك التي كانت موجودة قبل السنوات العشر الماضية، أو ما كشف عنه الواقع خلالها، وما طرأ على المجتمع من انهيارات قيَميّة وسلوكيّة ومعرفية وغيرها الكثير. «اسمي زيزفون» هي روايتي الثالثة خلال الأزمة السورية الراهنة، وفيها أتابع ما كنت قد بدأته من تعرية الواقع وكشفه، مثل مريض على سرير الفحص الطبي، في محاولة لإثارة الوعي العام في وجه ما، بما مورس عليه من إهمال وتضييق وتضليل، بهذا السياق تتشارك روايتي الأخيرة مع ما قبلها.
> لكن الرواية تستعيد بشكل خاص الكثير من طقوس ومفردات الحياة اليومية الحميمة في «الضيعة» بسوريا قبل عقود، هل هو نوع من الحنين؟
- كل كتابة عن الماضي فيها قدر من الحنين، حتى لو امتلك الكاتب ناصية الحيادية والموضوعية، لكن بالنسبة للرواية هذه، ليس الحنين ما كان وراء الكتابة التي وصفتِها بالحميمة، فأنا لم أعش في الريف قط، فقط كنتُ أزور بيت جدّي لأبي في طفولتي زيارات متباعدة، وكانت الحياة بتفاصيلها وغرابتها بالنسبة لي تسحرني في حينها وتركت الكثير من الصور والمشاهد في ذاكرتي، إنما الكتابة هي التي فرضت أحداثها وأجواءها وأسلوبها ولغتها أيضاً. الرواية تحكي قصة فتاة من هذا الريف منذ طفولتها، لذلك فإن السرد سوف يُعنى بتفاصيل وطقوس ذلك المجتمع وكيف تغيّر مع الزمن، مثله مثل أي بقعة في سوريا.


غلاف الرواية الجديدة


غلاف «ألف ليلة في ليلة»

> في روايتكِ «قميص الليل» ترصدين أزمة الانقسام الطائفي وثنائية «نحن وهم» التي تهدد النسيج الاجتماعي في المجتمع، لكن يأخذ عليكِ البعض تناولكِ هذه الجزئية بشكل مباشر، كيف ترين الأمر؟
- تقولين «البعض» وهذه قراءة من القراءات التي هي أمر بدهيٌّ بالنسبة لأي نص روائي، الكاتب يكتب ولكل قارئ قراءته، أمّا الرواية فهي كُتبت في نهاية عام 2013 وكانت الانهيارات في حينها قد وصلت إلى حد رأيناه آنذاك منتهى ما يمكن أن توصل الحربُ البلادَ إليه، وكان الغطاء قد كشف واقعنا المتهتك، وانكشفت أمراض المجتمع المتجذرة ومنها الانقسامات الكثيرة؛ طائفية أو قومية بشكل أساسي، التي كانت «مكبوتة» بفعل القمع، بينما في الحقيقة هي كانت أحد مظاهر مجتمع الظلّ بمكنوناته المتشكّلة عبر الزمن، وتجذره في سوريا، كل ما فعلت الحرب أنها جعلتها تطفو على السطح. ما كان يعد سابقاً من المحرمات «التابو»، صار الناس يتلفظون به علناً، وأصبحت الطائفية أحد أهم عوامل الفتنة والحرب والانقسام، والحديث فيها صار متاحاً وبغزارة، تم الاشتغال عليها من كل الأطراف الضالعة في مأساة الشعب السوري. الرواية أساساً قائمة على هذه التيمة التي حملت النص، بل تبدأ بمشهد موت المتشرّد «جيغا» المقيم في الحارة منذ سنوات حتى ألفه الناس ولم يخطر في بال أحد أن يسأل عن دينه أو طائفته، إلى أن جاءت لحظة الحقيقة، لحظة موته التي شكّلت معضلة بالنسبة لسكان الحارة، لأنهم لم يسألوا عن دينه وطائفته قبلها، واشتعلت الفتنة فيما بينهم أمام سؤال: على أي طائفة يجب دفنه؟ هذا هو الواقع الذي كان موّاراً في تلك الفترة، لذلك حضرت الطائفية والانقسام الذي تتحدثين عنه، وهي صور واقعية لما بات طافياً على السطح بغزارة «هم ونحن».
> برأيكِ هل سقط قسم المثقفين السوريين في مستنقع «الطائفية» أيضاً، بعد أم كانوا يساريين أو ليبراليين؟
- لا يمكن التعميم، إنما للأسف طالت البعض منهم اللوثة الطائفية وانزلقوا إليها، وهذا كان بسبب مضاف أيضاً، أن بعضهم استُقطب سياسياً وصار متاحاً بوفرة على الشاشات وفي الصحف ومختلف الوسائط، وكانوا، يدرون أو لا يدرون، يروّجون لأجندات سياسية. ربّما تسارُع الأحداث ومآل الحراك وانزلاق البلاد إلى العسكرة والأسلمة والعنف والعنف المضاد، استثار العواطف ونبش النزعات وضعضع المناعة لدى البعض، وهذا أمر يمكن تفهّمه. المثقف في النهاية إنسان وله نوازعه ونقاط ضعفه، ولو كان مطالباً بمناعة أقوى، هذا الأمر شهدناه في التاريخ لدى النخب في أماكن كثيرة، حيث وقف بعضهم مع النازية ومع الفاشية... مؤسف أن ترى بعض المثقفين المحسوبين على اليسار، ومنهم من دفع أثماناً باهظة في نضاله ضد الظلم والقمع وتكميم الأفواه والفساد، أن ينزلق إلى اصطفاف من هذا النوع أو غيره في موقفهم من الأحداث على نحو لا يليق بتاريخهم، أو أن يفقدوا بوصلتهم التي وجهت طريقهم في يوم ما.
> عشتِ معظم حياتكِ في سوريا بمدينة «اللاذقية» ذات الخصوصية الجغرافية والتاريخية... إلى أي حدٍّ يتردد صدى المدينة في أعمالكِ؟
- أنا من مواليد دمشق، عشت فيها طفولتي الأولى، وغادرتها ثم عدت إليها مرة أخرى حتى منتصف المرحلة الإعدادية، من بعدها استقرت أسرتي في اللاذقية، حيث تفتحت مداركي، وأتممتُ أغلب مراحلي التعليمية، وفيها أمضيت عمري المهني. لقد شغلتني الأسئلة بينما أغوص في لجّة حياتها، اللاذقية المدينة البحرية العريقة، التي عانت من الظلم والتهميش وتنمّر الكثير من رموز السلطة أو المحسوبين على النظام بحق ناسها، مع ذلك كان المجتمع اللاذقي منفتحاً قياساً بالكثير من المدن السورية، ربما كونها مدينة ساحلية، ومتنوعة بما يخصّ الخليط السكاني، لم تنقطع علاقتي بدمشق إلّا بعد السنة الأولى من الحراك الشعبي، فلها أيضاً مكانة روحية لديّ، لكن معظم رواياتي تدور في فضاء اللاذقية، المدينة التي رغم بشاعتها وفوضاها كغيرها من المدن السورية، التي أحدثها الإهمال والفساد، راسخة في وجداني. مَن يقرأ في رواياتي سوف يرى حاراتها وأسواقها، ويشم رائحة زواريبها وأزقتها وبحرها، سوف يسمع لهجات ساكنيها، بل يمكن أن يسمع الهمس الذي لا يجرؤون على البوح به!
> انشغال الأدباء السوريين في المهجر برصد تحولات المأساة السورية التي تمتد على مدار أكثر من عقد كامل، ألا يمكن أن يهدد بتحول أعمالهم إلى «وثيقة ناقصة» حول حدث وواقع سريعَي التغير والتحول؟
- حتى في المهجر يتشكل جزء من الصورة الكليّة للمأساة، فالسوريون الذين غادروا تحت ضغط الحرب والدمار والتهجير والقتل، هم جزء من الشعب، وجزء من نتائج الحرب، ولا يمكن إغفال معاناتهم والهزات الارتدادية التي تلاحقهم، هم مرتبطون بوشائج عاطفية ببلادهم التي غادروها، ويتابعون بشكل آنيٍّ ما يحصل، نحن في عصر الإنترنت والتواصل اللحظي والوسائط المتعدّدة، حتى معاناة من هم في الداخل ينغمس فيها سوريو الخارج بمتابعتهم لها، ويعانون فوق ذلك من كل ما تجرّه عليهم غربتهم من أوجاع واضطرابات ومفارقات وتحدّيات وجودية. المأساة السورية إشكالية ومتشعّبة وتمتد خارج الحدود. لذلك يمكن القول إن ما يكتبه الأدباء وهم في الخارج جزءٌ أساسي من أدب الفاجعة السورية.
> أنتِ طبيبة بالأساس ثم قررتِ التفرغ للأدب، هل كان القرار سهلاً، وكيف ترين ثنائية الأدب والطب... إلى أي حد انعكست خلفيتك الطبية على أعمالك؟
- بالنسبة إليّ، لم يكن قرار هجري الطب والتفرغ للكتابة سهلاً، فقد كان يلزمه حدّ كبير من الشجاعة، وهذا هو سبب تأخّري في نشر أوّل رواية؛ الخوف من عدم تمكّني من المتابعة، لذلك لم أجمع بين الاثنين، لم أكن أملك الإمكانات التي تخوّلني لهذا الجمع، وكي أكون واضحة، فإن الكتابة في عالمنا العربي لا يمكن عدّها مهنة تؤمّن للكاتب معيشته، خصوصاً الكتابة الإبداعية، لذلك كان الطب مهنتي الحياتية، وهو يستهلك وقتي، وعندما صارت ظروفي مناسبة إلى حدٍّ ما، أغلقت عليه كمهنة وتفرّغت للكتابة. أما بالنسبة للعلاقة بين الأدب والطب، فهي علاقة تواشج برأيي، بما ينغمسان فيه من الهم الإنساني والمعاناة الإنسانية، ليس أقرب من الطبيب إلى مكنونات النفس، وبالتالي إذا توفرت لديه الموهبة والهدف والشغف في الكتابة، فلا بدّ أن يقدّم تجربة مميّزة.للطب فضل كبير عليّ في الأدب، فتح لي أبواباً واسعة على الواقع، الطب يقلّص المسافة بين الطبيب والمريض، بل يمحوها غالباً، وأمامه يتعرّى المريض جسدياً ونفسياً واجتماعياً، يقترب الطبيب كثيراً من النفس البشرية، خصوصاً أن المريض يأتي من تلقاء نفسه إليه، وغالباً ما يكون هشاً بسبب الألم، ومعاناته المتزايدة في مجتمعاتنا، يمكن للطبيب أن يقرأ المجتمعات من خلال مريضه، بحمولتها الثقافية وملامحها البيئية.
> تعيشين في ألمانيا منذ سنوات، ما أثر ذلك على كتابتكِ وأنتِ تعيشين خارج وطنكِ؟
- إنّها تجربة مربكة، خصوصاً أن الأمر لا يتعلّق بالذاكرة فقط، بل هو رجعٌ لحظي لما يحدث هناك، حيث يشعر المرء بأنه ترك جزءاً من روحه، ويحمل في داخله روحاً منقوصة، ارتباط معذِّب مع وقع الحياة هناك، وأسئلة تتوالد من نفسها في كلّ لحظة، أمام حياة أخرى يعيشها في بلد الغربة. رغم يُسر العيش في ألمانيا فإن هناك ما يشتغل عميقاً في نفسي، يجعلها مرتبطة عاطفياً مع الناس في سوريا، والأمر لا يتعلّق بسوريا وحدها، بل بكل ما يحاصرني، وغيري، من مآسٍ إنسانيّة وانتهاكات لبلدان وشعوب، خصوصاً منطقتنا.
في روايتي «خانات الريح»، التي صدرت 2018 عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب»، جانب مهم عن حياة السوريين في ألمانيا، انشغال بمسألة وعي الذات والعالم، العلاقة بين السوري والآخر الألماني، تصوّر لما يمكن أن تكون عليه كعلاقة تكاملية من دون تعالٍ أو سيطرة أو استتباع أو فوقية.



«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية
TT

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام العالمية بالنمو التكنولوجي الهائل للعملاق الصيني ومعدلات نموه القياسية، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» للصيني «هو أنيان» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لعامل بسيط قضى عقدين من الزمن، وهو في صراع من أجل لقمة العيش، بل هو صرخة الأيادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي.

يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتباً مشهوراً بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب في الصين إلى 3 ملايين نسخة، وهو ما يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُرحت الترجمة الفرنسية للكتاب في الأسواق الفرنسية في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي عن دار «أوترومون» في 320 صفحة، وكانت مسبوقة بالنسخة الإنجليزية التي نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كما تم الإعلان عن صدور قريب للنسخة الألمانية.

«حياتي كعامل توصيل في بكين» توثّق بدقة ظروف العمل القاسية التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصفاً تلك الفترة بأنها «استنزاف للروح قبل الجسد»، حيث يجد الإنسان نفسه مجرداً من هويته، لا ينظر إليه إلا كـ«رقم تتبع» في تطبيق إلكتروني. الكاتب وصف الدوام الذي يمتد لـ12 ساعة متتالية، والفترات التجريبية بلا أجر، والبرد القارس والحرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الطرود، كما وصف أيضاً كيف يعيش عمال التوصيل في غرف مقسمة إلى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهي وحدات محمولة لا تتجاوز حجم السرير. الكتاب قُسم لفصول قدمت كـ«يوميات معركة»، ففي الفصل الأول «سباق ضد الزمن» يستعرض هو أنيان الضغط النفسي الهائل الذي تفرضه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكيف تتحول الشوارع إلى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الثاني «المدينة غير المرئية» إلى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «فلسفة الطرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلى التأمل الفلسفي، متسائلاً عن قيمة العمل والكرامة الإنسانية في عصر يتم فيه تشييء البشر.

في واحد من أكثر المقاطع تأثيراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كنت أقود قدري المترنح بين زحام السيارات. في عيون الزبائن، أنا لست بشراً، أنا مجرد مهمة يجب أن تنتهي بسرعة. ولكن في أعماقي، كنت أخزّن كل نظرة ازدراء لأصنع منها درعاً من الكلمات». وفي مقطع آخر، يحلّل الكاتب علاقته بالخوارزمية التي تتحكم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تعرف التعب، ولا تعرف أنني أب أو أنني مريض. إنها تطلب مزيداً من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين».

يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً ضد توحش اقتصاد العمل الحر

صحيفة «لوموند»

حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والفرنسية، حيث وُصف «هو أنيان» بأنه أحد أبرز المواهب الأدبية الصينية الجديدة من قبل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. وقد اختار ثلاث من أبرز المنابر الثقافية: «الغارديان»، و«صنداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن أفضل كتب عام 2025. في صحيفة «الغارديان» أشارت الناقدة ريبيكا ليو إلى أن الكتاب يتناول موضوع الطبقة الاجتماعية، وتحديداً القوة العاملة منخفضة الأجر التي لا تحظى بالاعتراف، والتي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفي مراجعتها بصحيفة «نيويورك تايمز»، اعتبرت الناقدة ليا غرينبلات أن الكتاب يقدم شهادة حية من خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحلة الكاتب من عامل متنقل بين الوظائف منخفضة الأجر إلى مؤلف مشهور عالمياً تحمل طابعاً استثنائياً.

أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حيث رأى نقّادها أن قوة «هو أنيان» لا تكمن في كونه ضحية لنظام اقتصادي جائر فقط، بل في امتلاكه تلك «النظرة السوسيولوجية» الثاقبة التي تحلل الطبقة الاجتماعية الصينية الجديدة. واعتبرت الصحيفة أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الحر، مشيدةً بقدرة الكاتب على وصف «استنزاف الروح» الذي يسبق انهيار الجسد، وكيف يتحول الفرد في شوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أما صحيفة «لفيغارو»، فقد ركّزت في قراءتها على الجانب الجمالي والأخلاقي للنصّ، واصفة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تهدف إلى استدرار العطف، بل إلى إثارة التأمل الفلسفي حول قيمة الكرامة الإنسانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، من العيش في «بيوت القواقع» ووحدات الحاويات الضيقة إلى منصات التوقيع في كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصاراً للوعي على المادة. وذهبت «لفيغارو» إلى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المدن الكبرى، تلك الحرية التي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين».


نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد
TT

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي، ثم ظهرت إلى جانبه محاولات نقدية مشكلة وإياه نواة منظورة لحركة النقد الأدبي العراقي متمثلة بتجارب الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري، لكن الطاهر كان الأبرز تمثيلاً لها والأوضح تحفيزاً لفرسان النقد العراقي الذين بدأت مشاريعهم النقدية أواخر ستينات القرن الماضي؛ عبد الجبار عباس، وشجاع مسلم العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير الذين شيّدوا متناً نقدياً عراقياً نهض كل منهم في صياغة جانب منه؛ لتنطلق حركة نقدية جادة قوية التأثير في العمل الإبداعي العراقي؛ شعرياً وسردياً، آتت أكلها في إغنائه بكشوفات نقدية تنهل من حركة النقد عربياً وعالمياً بالانفتاح على مناهج ومدارس وتجارب نقدية وفكرية فيها... موضوعات ومفاهيم ومصطلحات. ولن تفوتنا إسهامات عبد الرحمن طهمازي لكن صوته الشعري كان الأطغى والأعلى نبرة في مسيرته الإبداعية.

وخلال عقد السبعينات ظهرت أسماء جديدة لشبان واعدين مثل محمد جبير وعبد الرحمن عناد ومؤيد الطلال وعبد الكاظم عيسى وسليم عبد القادر.

خلال الثمانينات ولدت تجربتان نقديتان مهمتان مثلتهما كتابات الدكتورين مالك المطلبي وحاتم الصكر؛ الأولى اقتفت أثر المدرسة الفرنسية في تمظهراتها البنيوية. أما الثانية، أي تجربة الصكر النقدية، فبرعت في النهل من المنهج القرائي وتعدد مستويات قراءاته، وإلى جوار هاتين التجربتين المهمتين اللتين أثرتا تأثيراً كبيراً في فحص الإبداع العراقي وأضافتا لبنات واضحة في مدماك النقد التطبيقي وفي ظلهما بدأت تجارب لافتة للنظر تتلفع بالأكاديمية التي كانوا يدشنونها آنذاك؛ صالح هويدي وعبد الله إبراهيم وباقر جاسم ومحمد صابر عبيد.

خلال العقدين المنصرمين بزغ في المشهد النقدي العراقي اسم نسوي لا ذكوري. إنه اسم الناقدة الدكتورة نادية هناوي؛ اسم اعتلى عتبات النقد الأدبي وطرق أبوابه بقوة وجرأة واضحتين لفتتا انتباه المبدعين الكبار عراقياً وعربياً؛ بجهدها المثابر واجتهادها الفريد؛ ليشغل عطاؤها مساحات واسعة من الصحف من خلال مقالات وكتب قيمة أصدرتها دور نشر محترمة، فاستقبل مشروعها النقدي بالإعجاب والثناء والتقدير. وكان أول المرحبين والمبشرين به الناقد الكبير فاضل ثامر الذي وصفها براهبة النقد، وتتبع عطاءها بالبحث المعمق وبانبهار وخلص إلى القول «يحق لنا أن نحتفي بولادة منظرة أدب عربية». ووصفها الناقد شجاع مسلم العاني بكونها ناقدة «قادرة على خرق المسلمات النقدية العراقية والإتيان بما هو جديد ومختلف... إنها ناقدة كبيرة وموهبة نقدية كبيرة».

ومن خارج دائرة النقد العراقي، عربياً، تواتر الإقرار بمشروعها النقدي.

ومرد ذلك متانة ورصانة مشروعها النقدي وأهميته وفاعليته النظرية والإجرائية. ومن التوصيفات الدقيقة لهذا المشروع، ما أكدته الباحثتان الدكتورة رواء الخزاعي ومها فاروق الهنداوي والدكتور عزيز الموسوي في الندوة التي عقدها اتحاد الأدباء تحت عنوان «استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي»، إذ أكدوا، وهم باحثون أكاديميون وأساتذة متخصصون في السرديات بكبرى الجامعات العراقية، أن «الناقدة الكبيرة نادية هناوي ذات مشروع ريادي ليس بمعزل عما بعد الحداثة، وأنه مشروع بنيوي معرفي شهد تحولات مهمة وشكَّل مرحلة مفصلية في النقدية العراقية والعربية، بالأخص في كتاباتها عن السرد والتاريخ»؛ ولاحظوا أن التحول من نصاني إلى معرفي فلسفي والنفس للحداثة واضح فيه، إذ لم تتعامل هناوي بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بل تحاوره وتسائله وتنتزع مصطلحاً ينتمي إلى فضائها، كما هو الحال في اجتراحها مصطلح «رواية التاريخ» بعد مساءلة فكرية فلسفية مفندة مصطلح المتخيل التاريخي الذي ذهب إليه بعض النقاد. فالتاريخ لديها ليس استحضاراً، بل استدعاء للمساءلة، والاستدعاء كسر لسلطة التاريخ.

لقد أجمعت بحوث الندوة أن «هناوي امتلكت أدوات الناقد النظرية والإجرائية والملكة النقدية، وأن مشروعها الكبير شكلته عدة روافد، منها المدونات الغربية غير أنها لم تكن ناقلة لها، بل فاحصة ومحاورة ومجترحة داخلة نظرية المعرفة بشجاعة عالية ولم تكن بمعزل عن الموروث العربي، لكنها لم تستدعه للمباهاة أو المباهلة، بل لإثبات التلاقح الفكري والإبداعي، وأنها تُغني قارئها بقراءاتها الموسوعية الاستقصائية، وقد تجاوزت الكتابة في التخصص الدقيق مخاطرة عن وعي منتقلة من النظرية السردية إلى علم السرد والسرد ما بعد الكلاسيكي».

ويأتي الكتاب الأربعون «أقلمة سرديات الرحلة عربياً وأجنبياً»، الصادر مؤخراً عن دار «أبجد»، في الوقت الذي تصارع فيه ناقدتنا الكبيرة وحشية المرض اللعين.

والكتاب ضمن سلسلة أبحاثها التي محورها أقلمة السرد العربي مستندة على أصول ومتون في مصادر ومظان ترود فيها بفرادتها وغزارتها منذ سنوات عدة.

ويتمحور الكتاب على السرد (الرحلي) من ناحيتي التأصيل النظري والنمذجة الإجرائية عبر فصوله الثمانية؛ إذ يهتم الفصل الأول باستقصاء القاعدة التي قامت عليها الأصول وتمخضت التقاليد الأدبية فتشكلت الأجناس، وبذلك تأصلت الرحلة كنوع سردي.

بينما يركز الفصل الثاني على دور رحلة غلغامش في نشأة التقاليد موضوعياً وفنياً كونها - أي الرحلة الغلغامشية - مصدراً أصلياً ساهم في البناء الشعري الملحمي، أولاً، والتدوين والنسخ، ثانياً، في ترسيخ أصالة هذا المصدر الذي تمظهرت أقلمته بأشكال مختلفة لا في مرويات الرحلات العربية فقط بل قبل ذلك في المرويات الصينية ذات التاريخ العريق - إلى عصور ما قبل الميلاد - وفيها شكلت الرحلة موضوعاً رئيسياً.

وتنتقل د. هناوي في الفصل الثالث إلى أقلمة الرحلة العربية والأجنبية في ضوء علم السرد غير الطبيعي باحثة في دور المؤلف وأهمية المكان في السرد الرحلي عبر ضمير المتكلم على مستويي الإنشاء النصي وموثوقية التوصيل القرائي، ثم تعرج على مركزية الهوية في تأليف الرحلة العربية التي تراها الأكثر تمثيلاً لموضوعة الذات والآخر والهوية من خلال المحاور التالية: 1- موقع المؤلف هامشاً في الثقافات الأجنبية، 2 - موقع المؤلف مركزاً في الثقافات الأحادية، 3 - أساليب أقلمة السرد الرحلي عامة ورحلة ابن فضلان خاصة (أقلمة كتاب الرحالة الحسن بن محمد الوزان؛ وصف أفريقيا).

يذكر أن هذه الرحلة كانت مدار رواية الكاتب أمين المعلوف «ليون الأفريقي»، وكتاب «وصف أفريقيا» الذي تراه هناوي نصاً مصدراً تمت أقلمته تاريخياً، وقد تمت أقلمة الكتاب نقدياً أيضاً من قبل محمد مهدي الحجوي بعنوان «حياة الوزان الفاسي وآثاره»، ودراسة أخرى بعنوان «ليون الأفريقي» للمستشرق كراتشوفسكي في مؤلفه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي». وفي دراسة أساليب النصوص الرحلية المؤقلمة تقف عند رحلة الوزان عبر النص الروائي لأمين معلوف.

ولا يفوتها إجراء مفاضلة بين الأنا والآخر في الرحلة المتخيلة روائياً، أسلوباً ونمذجةً، ومدى درجة تقاربها والرحلة الفعلية، وآفاق بناء المتخيل السردي وتغيراتها تاريخياً متخذة من روايتي «الخميائي» لباولو كويلو ورحلة «ابن فطومة» لنجيب محفوظ مثالاً. وفي الفصل الأخير تعرج الباحثة على دراسة إقلمة سردية الرحلة الأجنبية من وجهة نظر الدراسات الثقافية على قلة ما يتعلق منها بأدب الرحلات ومؤلفة حديثاً ككتاب «نظرات إمبريالية: كتابة الرحلة والعبور الثقافي» و«مفردات مفتاحية في دراسة أدب الرحلات... مسرد نقدي».


بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»
TT

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً، فنحن في واقع الحال نكون أمام ثقافة موازية لما تعلمناه في قاعات الدرس، وهي ثقافة مختلفة إلى حد بعيد، كما أن هذه المخطوطات دائماً ما تثير قضايا خلافية وتدفع إلى بلورة أفكار جديدة، سواء على مستوى الموضوعات أو القضايا المنهجية. فاختلاف طبيعة المخطوط ومضمونه يحتّمان بلا شك طبيعة الإجراءات والأدوات الناجعة في التعامل معه».

بهذه النبذة يقدم د. هشام عبد العزيز كتابه «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي... حدود المصطلح والإجراءات المنهجية»، الذي جاء في مقدمة وأربعة فصول، والذي يستعرض مفهوم علم التحقيق وحدود المنهجية، وتحقيق التراث الشعبي بشكل خاص، كما يتعرض في أحد الفصول للاختلاف في بنية المفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي. لكن من أهم الفصول الذي أفرد له المؤلف مساحة وافية هو الفصل الأخير الذي يتناول النماذج التطبيقية التي تحدث فيها عن تجاربه في تحقيق مخطوطات التراث الشعبي. يرى عبد العزيز أن تحقيق التراث الشعبي يختلف بشكل يكاد يكون كلياً عن تحقيق التراث المعروف، ليس من حيث مادته فحسب، بل من حيث فلسفة العمل ومنهجه وبنية المفاهيم الحاكمة لعمل المحقق.

وفي هذا الإطار، يؤكد المؤلف حاجة تحقيق مخطوطات التراث الشعبي إلى ما يسميه «المحقق المتخصص»، فمثل هذا المحقق وحده الذي يستطيع استنطاق المخطوط «الشعبي» بمعارف حقيقية وآمنة، ومن دونه سيكون العمل أشبه بفوضى لا تقدم جديداً. وقد ضرب المؤلف، في هذا السياق، أمثلة كثيرة لأعمال محققة بالفعل، من بينها أعمال حصلت على جوائز، لكنها في حقيقة الحال لا تقدم شيئاً، بل إنها تحتوي على «تدليس علمي»، حسب ما يقول. ويرى أن «كل مخطوط جديد يحمل خبرة جديدة وتجربة علمية وتعليمية تعزّ عن الوصف... بعد هذا المشوار الطويل الذي أكمل ثلاثة عقود، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن تحقيق التراث بشكل عام أكثر من مجرد علم وأوسع بكثير من قاعات الدرس». إنه، كما يضيف، «عملية تعليمية فيها جانب يشبه إلى حد بعيد تعليم الحرف الشعبية التي تقتضي المعايشة اليومية والمشكلات المتجددة مع كل عمل جديد... وكذلك كل مخطوط جديد يحتاج خبرة جديدة بهذا المخطوط تحديداً، وبمؤلفه، وبزمن تأليفه، وبزمن نسخه. ثم وهو الأهم: بالمجال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المخطوط. وكل عنصر مما سبق يحتاج إلى خبرات محددة وعميقة للتعامل معه بالكيفية التي تنتج معرفة حقيقية نافعة».

وسبق للمؤلف أن أصدر في مجال تحقيق مخطوطات التراث الشعبي خاصة عدة كتب، منها: «ألف ليلة وليلة... حكايات أخرى»، و«معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية»، و«المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»، كما صدرت له عدة مؤلفات في مجال الثقافة الشعبية، منها: «فضل الخرافة»، و«معجم النيل»، و«السيرة الشعبية... جدل النوع وجغرافيا التداول».