«محمد السادس.. ملك الاستقرار» كتاب عن ملكية متعددة الأبعاد

صدر حديثًا في باريس.. وقدم لأول مرة في معرض الصحافة والكتاب بجنيف

«محمد السادس.. ملك الاستقرار» كتاب عن ملكية متعددة الأبعاد
TT

«محمد السادس.. ملك الاستقرار» كتاب عن ملكية متعددة الأبعاد

«محمد السادس.. ملك الاستقرار» كتاب عن ملكية متعددة الأبعاد

جرى أخيرا في جنيف عرض كتاب «محمد السادس.. ملك الاستقرار» الصادر حديثًا في باريس لكاتبه جان كلود مارتينيز، وذلك في معرض الصحافة والكتاب المنظم ما بين 29 أبريل (نيسان) و3 مايو (أيار) الحالي.
ويقول مارتينيز في مقدمة الكتاب: «توجد أمامنا اليوم سوريا، والعراق، وليبيا، وهي دول تعيش حالة تمزق، وجنوبا على الحدود مع الساحل توجد دولة مالي مع وقف التنفيذ، بينما تعاني تونس (شرق) من العمليات الإرهابية. مصر بدورها تعيش حالة ارتباك، وما زالت غزة تبحث بحثا محموما دائمًا عن سلام مستحيل، وحتى الجزائر، بلد العسكر والغاز، يؤرقها المستقبل الهش للملايين من الشباب بلا أفق».
ويضيف مارتينيز، وهو خبير فرنسي في القانون الدستوري، ويدرس حاليا بجامعة «أساس» الشهيرة بباريس، كما كان عضوا بارزا بالبرلمان الأوروبي: «في هذا الفضاء المتوسطي، حيث يسود العنف والرعب، يبقى القطب الوحيد للاستقرار ممثلا في الوطن العلوي العريق (نسبة إلى الأسرة العلوية المالكة في المغرب)، بمعية ملكه وبملكيته الضاربة جذورها في الأعماق».
إن هذا الكتاب «ليس كتابا إضافيا عن الملك»، يقول مارتينيز، لكنه كتاب عن التحديات التي لا يمكن لفرنسا ولأوروبا أن ترفعها إلا «بمعية الملك».
لماذا يا ترى؟ يتساءل الكاتب. والجواب هو أن الملك محمد السادس سيكون دائما موجودا، عندما يكون خمسة أو ستة رؤساء قد تعاقبوا على قصر الإليزيه، وحتى عندما سينقضي القرن الحالي، سيكون هناك دائما وأبدا ملك حاضر، وهذا الملك هو الحسن الثالث (ولي العهد الحالي).
ويشدد الكاتب على القول: «هناك بالملموس معجزة مغربية. نحن، بالفعل أمام بلد لائحة الأشياء غير المستحبة فيه طويلة. لدينا 20 في المائة من الشباب العاطل، والقناطر الحديثة البناء التي جرفتها السيول، والموظفون الذين يرحلون (المغادرة الطوعية) رويدا رويدا من دون وجود الكفاءات الضرورية لتعويضهم، إضافة إلى التجهيزات الصحية المطلوب إنجازها، لا سيما في القرى الجبلية، حيث لا يجري وصول الأدوية، في أحسن الأحوال إلا على ظهور البغال، وصدمة الشيخوخة القادمة، من دون الموازنات الاجتماعية لمواجهتها، علاوة على وجود هجرة من الجنوب يجب الآن استيعابها، وكل هذا مصحوب بكلفة 40 سنة من الحرب (حرب الصحراء) لا بد من تحمل أعباء موازنتها.
ويضيف مارتينيز قائلا: «الوقت الذي يعز فيه علينا، نحن الأوروبيين، أن نعرف مآل اليونان، وما إذا كانت عملة اليورو ستبقى أم لا، وما إذا كان تسونامي انتخابي في 2017 بباريس سيكنس أم لا قصر الإليزيه، في هذا الوقت نملك جارا حكمه متواصل ومستمر على مدى 34 سنة بالنسبة لمحمد الخامس، و38 سنة مع الحسن الثاني، وها قد مضت حتى الآن 16 سنة بالنسبة لمحمد السادس.

* سهر على الجنوب الكبير
في السابع من يونيو (حزيران) 2013، وُقّع في لوكسمبورغ بين المغرب و9 دول من الاتحاد الأوروبي، ضمنها فرنسا، الإعلان المشترك، بقيام شراكة حول حرية التنقل بين المغرب والاتحاد الأوروبي، لفائدة الطلبة والباحثين ورجال الأعمال. وينص الإعلان من بين ما ينص عليه، على فتح مفاوضات من أجل اتفاق استقبال وإدماج المهاجرين غير الشرعيين في إطار محاربة الهجرة السرية من جنوب الصحراء باتجاه أوروبا شمالا.
والحال، أن الأرقام المالية والبشرية المتعلقة بالمهاجرين ذات الصلة بهذه الموجة ومآسيها، تشهد بصورها المنقولة عبر نشرات الأخبار التلفزيونية الإيطالية على الكارثة: جثث هامدة مثل هياكل عظمية حيوانية، رضع في أحضان بحارة إيطاليين بالبدلات العازلة البيضاء خوفا من العدوى، والجثث بالآلاف في أقبية البواخر أو طافية فوق الموج، علاوة على 63 ألفا وصلوا خلال ستة أشهر فقط من 2014، و24 ألف قتيل في ظرف 15 سنة، حسب ما قالته منظمة العفو الدولية.
هو ذا الوضع، هي ذي سياسة الجوار، هي ذي الآثار الناجمة عن الصراعات في سوريا، من دون الحديث عن الصومال، بل هي ذي بالأساس الآثار الناجمة عن قصف ليبيا، الذي زعزع مالي، ويزعزع اليوم تونس.
لم تعد هناك حدود، ولا مراقبة، لأنه لم يعد هناك، إذا ما استثنينا الجزائر مؤقتا، سوى دولة واحدة قبالة أوروبا، وهذه الدولة هي المغرب تحديدا.
فكل سياسة الجوار الأوروبي، لم تعد تعتمد، في ما هو أساسي، سوى على هذا البلد واستقراره، وبالتالي على مَلَكيّته التي تضمن هذا الاستقرار، وإذا ما تمت زعزعة استقرارها، أو استقراره، فإن كل منطقة النزاعات من الحوض المتوسط إلى أفريقيا جنوب الصحراء ستتوقع وتيرة انتشار اضطرابها.

* الضامن لاستقرار المغرب
في الجزائر العاصمة، يفضي فوز حزب إسلامي إلى حرب أهلية، بالدم والنار، وفي الرباط، يفضي فوز حزب إسلامي آخر إلى حكومة تشتغل بشكل عادي، فلماذا هذا الفرق؟
بكل بساطة، لأن للمغرب ملكا يُلَطّف الصدمات السياسية، ويقي من العواصف، سواء كانت عواصف عسكرية في السبعينات أو اجتماعية في عقد الألفية الثانية (2000)، أو عواصف إعلامية سياسية في العقد الحالي بسبب الربيع. إن كل خصوصية واستثنائية النموذج السياسي المغربي تكمن هنا؛ أي في التركيبة الذكية بين العناصر المؤسساتية والقانونية للديمقراطيات الكلاسيكية، كما نتصورها لدى أساتذة القانون، وبين تفاعل دينامي لا نجده في أي مكان آخر.
وفي مكان آخر، يقول مارتينيز عن قضية الصحراء، إنها تظل القضية الشائكة، والقوى الغربية، من الولايات المتحدة إلى فرنسا، حتى وإن كانت اشتراكية أو عالما ثالثا، تنظر بحنين إلى أسطورة الثورة الجزائرية، نجدها مع الاستقرار. وعليه، فإن قدر المغرب في الصحراء، مُقَدر له مواصلة ممارسة سيادته، لأن أي حل آخر سيكون وراء اندلاع موجة توتر تقلب كل أجزاء الدومينو: أولا، في الجنوب إلى حدود مالي، ثم في الشمال حيث مخاطر مؤجلة لا تخطر على بال.
وإذا كان الصراع في سوريا أو في غزة، إبان شهر يوليو (تموز) 2014، قد ولّد التخوف من تصديره إلى الضواحي الأوروبية، فَمَنْ بإمكانه أن يتصور أن الرباط بعد زعزعة استقرارها، ستظل من دون أثر على ساكنة نفس المناطق؟ والحال، أنه، في كل الأماكن وبكل الأشكال نجد الجمهورية «الجزائرية» الصحراوية الديمقراطية (جمهورية البوليساريو) تخوض ضد المغرب حربا باطنية، في الدول، وفي الجماعات، والمنظمات غير الحكومية والبرلمانات، بل حتى في المهرجانات الشعرية. وما فتئ النادي الرياضي الدبلوماسي بتندوف (جنوب غربي الجزائر) يمارس الضغط ويكون مجموعات الضغط، باسم حقوق الإنسان.
ووصل الأمر بمنظمة غير حكومية إلى حد أنها بعثت إلى إقامة سفير المغرب في باريس استدعاء لمدير «مديرية المحافظة على التراب الوطني» المعروفة اختصارا باسم «الديستي» للمثول أمام القضاء بتهمة انتهاك حقوق الإنسان في الصحراء. هذا الحدث مهم، ليس فقط لأن القاضية الفرنسية، التي سمحت بـ«إرسال» قضائي من أصول جزائرية، بما يكشف مرة أخرى حدود حياد العدالة، بل لأن الوضع اختمر فيه وقتها احتياطي توتر كان من الوارد أن يتفاقم إلى أزمة جدية، خصوصا عندما خرج آلاف المغاربة، وسط موجة من الأعلام الوطنية «ليتظاهروا أمام سفارتنا في الرباط، وقد زاد من ألمهم ذلك الاستخفاف القضائي الفرنسي والتصريحات بمسحتها الاندفاعية المرضية المنسوبة إلى سفير فرنسا في الأمم المتحدة».
ويتحدث الكتاب عن دور المغرب في أفريقيا، فيقول إنه في الوضع الجغرافي الذي يؤهله لأن يَلْعَب دور المحور الاقتصادي الدبلوماسي لمجموع منطقة شمال غربي أفريقيا، يمثل المغرب جزءا لا يتجزأ من كل هيئات ومؤتمرات القارة، وغالبا ما يساند المغرب المواقف الفرنسية للتهدئة في صراعات أفريقيا السوداء، كما كان الحال في زئير سابقا، ومالي حاليا، وذاك هو دوره كساهر على السلام في صراعات الساحل، ذلك هو مغرب «ملك القبعات الزرق» إلى جانب المغرب الساهر على اندماج أفريقيا الأطلسية.
فهناك اليوم ما يسميه «حرب الذهنيات» في الإسلام الأفريقي، التي تُسَمّم دينيا الصراعات القبلية وتُشْعل من جديد الخصومات الإثنية الاجتماعية القديمة، لكن عمليات التدمير التي تقوم بها «بوكوحرام» في نيجيريا، وهي التي تضخم بطبيعة الحال، من حجم المشكل الإسلاموي المطروح على أفريقيا. وبمقدور المغرب، في هذه الحالة، بتوجهه نحو أفريقيا أن يقدم الكثير؛ إذ إن إسلامه المعتدل، وسلطته الروحية - الدينية، وسوسيولوجية الزوايا الدينامية، والوضع الاعتباري الديني لملكه، كلها عناصر حاسمة في إيجاد حل للتطرف.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».