ديمة الشكر: شغفت بشخصية ريتشارد بورتون حتى أنني زرت مقبرته

«أين اسمي؟» فازت على اللائحة الطويلة لجائزة البوكر

ديمة الشكر
ديمة الشكر
TT

ديمة الشكر: شغفت بشخصية ريتشارد بورتون حتى أنني زرت مقبرته

ديمة الشكر
ديمة الشكر

واحدة من الروايات، على اللائحة الطويلة لجائزة البوكر لهذا العام، تلك التي كتبتها ديمة الشكر، وحملت عنوان «أين اسمي؟»، صادرة عن «دار الآداب». هي العمل الروائي الأول للمترجمة والناقدة، التي قررت الانتقال إلى عالم الرواية، خلال فترة الحجر، منطلقة من بحثها المزمن والقديم عن حكاية مدرسة طفولتها في باب توما المهددة باستثمار تجاري تحوم حوله الشبهات، وينزع عنها صبغتها التاريخية. ديمة الشكر تابعت طويلاً حكاية هذا المبنى الذي كان في الأصل بيتاً شامياً بناه الوجيه أنطوان شامية، من التعويضات التي دفعها العثمانيون لضحايا مجزرة 1860 في دمشق، أو ما بات يسمى بعد ذلك «طوشة النصارى»، ليؤكد أن المسيحيين باقون، ولن يغادروا بيوتهم، رغم ما حلّ بهم من تقتيل.

مدرسة ومجزرة

قصة المدرسة فتحت الباب، إذن، للكاتبة على حكاية المجزرة حين اكتشفت أنها ارتكبت في الجوار. 12 سنة وهي تتابع، وتبحث عما حدث في تلك الفترة الأليمة من حياة دمشق، وكيف عاش الناس المقتلة وبعدها. كيف يفكر الضحايا، وما هي التحولات الاجتماعية التي مروا بها إثر تهجيرهم من بيوتهم، ومغادرتهم أماكن سكنهم، وكيف يتصرف المرء بعد أن يفقد غالياً بوحشية تصبغ ذاكرته.
تقول ديمة الشكر لـ«الشرق الأوسط»: «سكنني شغف كبير للبحث عن مجزرة 1860 في دمشق. وهي حتماً على صلة بالمذبحة التي حصلت في الفترة نفسها في جبل لبنان، فالضحايا في الحالتين مسيحيون.
صحيح أنني كتبت الرواية في فترة 4 أشهر، لكنني كنت قد جمعت قبلها كل المعلومات، وقرأت كثيراً حول تلك الفترة. لفتني أن المذبحة غالباً ما يطلق عليها اسم حوادث، لتخفيف الوقع على الأذن. وكان ثمة حرص من قبل السلطات العثمانية على التكتم، بل منع الكلام عنها، فيما تصمت الضحية عادة، لأنها تشعر بالعار».

البطلة الضحية

تولد قمّور بطلة رواية «أين اسمي» من رحم المذبحة في دمشق. كانت في السابعة بعد ظهر 9 يوليو (تموز) 1860 تلعب قرب بركة الدار حين هوى نصل حادّ على رأس أمها شاجّاً إياه، وقضت مع من قضوا. آلت حال الصغيرة بعد حين، لأن تصبح خادمة، في منزل إيزابيل وزوجها القنصل الإنجليزي ريتشارد فرنسيس بورتون.
وهو مكتشف وأثري وباحث ومترجم معروف، له يرجع الفضل في نقل «ألف ليلة وليلة» و«الروض العاطر» والـ«كاماسوترا» إلى الإنجليزية. ليس غريباً أن نرى قمّور خادمة، وأن يتبدّل حال الناجين من المجزرة، «فأي كارثة تحلّ على الطبقة المتوسطة، تهوي بها إلى أسفل، وهذا ما حدث لكثير من شخصيات الرواية في باب توما، بعد المجزرة التي فرقتهم، وجعلت أقدارهم تتحول، رغماً عنهم. لكن ما يعود وينقذ هذه الطبقة ويرفعها هو التعليم»، تقول لنا الكاتبة.
بين الحقيقة التاريخية، وأجواء دمشق بأسواقها وديباجها وروائحها وحارتها، ومسحة الخيال التي تضفيها الشكر على عملها، يستعين القنصل بخادمته قمّور لتجمع له المعلومات عن المجزرة وتدونها، وهو ينهرها عن التدخل في رواية التفاصيل، يلزمها بحيادية النقل، وبرود المشاعر: «أنت مدوّنة ولست كاتبة»، يقول لها حين تحيد عن النهج الذي رسمه لها. لكن ما جمعته قمّور على أهميته لا يتحول إلى مادة صالحة للنشر، تحاول ولا تستطيع. كانت تحتاج مسافة من الوقت بين المأساة والتدوين الفعلي لها. تؤكد الشكر أن «قصة الخادمة قمّور ليست من نسج الخيال بالكامل. فمن الممارسات التي كانت شائعة استعانة الإنجليز بالأهالي لجمع الشهادات والمعلومات. ومما فعله السير ريتشارد بورتون نفسه أنه طلب ترجماناً ليجمع له الأمثال السورية، ويترجمها إلى الإنجليزية ونشرها بعد ذلك». وتضيف: «نعلم أن ثمة فتاة سورية أخذها معه ريتشارد بورتون وزوجته إلى بريطانيا، كما هي حال قمّور».
قمّور كاتبة، لكننا لا نعلم عنها الكثير. وبالتالي، فإن شخصية قمّور هي مزيج روائي تاريخي. «مقاطع كثيرة من الرواية، مستلهمة من حقائق وجدت بالفعل، لكن كان لا بد من نسج خط قصصي يربطها». بمعنى آخر، فإن المعلومات الغزيرة للأديبة عن المرحلة، وعن القنصل الإنجليزي ومساره، كل هذا ساعدها كي تحبك قصتها من الخلفيات التي تمتلكها. فإذا بنا أمام حكاية، تقرب قدر الممكن روح تلك المرحلة، في نهاية القرن التاسع عشر التي كانت مفصلية ومضطربة.
بورتون وزوجته يعودان إلى بلادهما، وقمور تريد أن تنسى نزف الماضي، لتعيش حياة جديدة برفقة زوجها حنا. ويوم يصلها مبلغ من المال، بعد وفاة بورتون وزوجته التي أوصت لها بـ50 جنيه إسترليني، تتذكر قمّور وصية برتون لها بالكتابة، وتعود تنبش فيما نسخت وخبّأت، يوم كان يطلب منها التسجيل. «هذه المرة تكتب قمّور، لأنها تريد أن تكتب، هي تمتلك إرادتها وحريتها، ترجع إلى القديم، وتتحول هي نفسها إلى شاهد عيان على ما رأت وسمعت. لكن زوجها الذي كان قبل ذلك ترجمان القنصلية البريطانية، سيصدر الكتاب بدون اسمها، وعلى غلافه (قرين حنّا المسك)». من هنا يحق لها أن تسأل، وهي صاحبة الجهد والشاهد الحقيقي: «أين اسمي؟» تشرح الكاتبة: «في النهاية، صار التأجيل بالنسبة لقمّور أمراً لا يحتمل بعد انتظار 22 سنة. تدون هي الحكاية، لكن النسخة المكتوبة تحمل اسم زوجها. ولأن الكلام كان لا يزال محظوراً، يقول أحد الباحثين؛ الآن عرفنا سبب وجود عدة نسخ عن المخطوطة، ذلك لأن تناقلها كان سرياً وتأخر طبعها حتى عام 1901».
تتحدث الشكر على جزئية غاية في الأهمية في الرواية، وهي أن «قمّور لفتت القنصل بذكائها، في وقت كان فيه التعليم قد بدأ ينتشر في المنطقة، فوجد أنه لا بد أن يعلمها الإنجليزية، كي تتواصل مع زوجته التي لم تتحدث العربية. وما أردت أن أبرزه هو أن قمّور فشلت في الكتابة في البداية، لكن مع التدرج في التعلم، وبعد اكتمال الأدوات لديها، قررت أن تكتب من تلقاء نفسها». فالقصة تدور أحداثها على أعتاب عصر النهضة، والروائية لم تفوت الفرصة، لتجعل من بطلتها الخارجة من مجزرة، امرأة لا تكف عن التطور، سواء في مظهرها أو في عاداتها، بعد أن تذهب مع مخدوميها إلى لندن وتريستا، أو بشكل أخص في فكرها وقدرتها على التعبير عن نفسها.

روايتان في كتاب

الكتاب عبارة عن روايتين، تحكيان قصة امرأتين دمشقيتين، من زمنين مختلفين. ففي القسم الثاني هي حكاية زينة الهاربة من جحيم هي الأخرى، لكنها الحرب السورية هذه المرة. تدرس المعمار في لندن بفضل منحة حصلت عليها، وتقرر أن تتخصص في البلاط القيشاني. يصادف أن يعطيها أستاذها رواية قديمة، فيها معلومات تفيدها في اختصاصها. الصلة بين المرأتين وطيدة، رغم فارق الزمن الذي يقارب 100 سنة. الاثنتان ذهبتا إلى لندن، وعادتا مختلفتين. وتتشارك ديمة الشكر مع بطلتيها عيشها، هي أيضاً لفترة في لندن: «كتبت عما أحب، عما أعرف. تدور أحداث الروايتين في أماكن تحركت فيها، وأعلم تفاصيلها، وصفت كثيراً المعمار، فهذا أمر يهمني». شغفت الروائية بشخصية بورتن، قرأت عنها، تتبعت سيرته، ذهبت وزارت مقبرته. «لم أتمكن من أن أحمّل الرواية كل ما عرفته عنه. الروائي كالخياط، حين يخيط حكايته، لا بد أن ثمة معلومات تفيض عن حاجة القص، فيهملها. لكن معلوم أن زوجة بورتون بعد وفاته أحرقت كتبه. كانت سيدة متعصبة مسيحياً، وهو منفتح وغير عابئ بالدين، ويحب المسلمين. أرادت أن تخفي هذا الوجه عنده، الذي لم يكن يريحها، ويموت مؤمناً كاثوليكياً. وقد عني كثيراً في حياته بدراسة الممارسات الجنسية عن الشعوب، من هنا جاءت ترجمته للكاماسوترا. وتعمق في الأنثروبولوجيا ودرس الأفارقة والهنود والعرب. لكن كل هذا لم يكن له من مبرر لذكره في الرواية».
بالعودة إلى زينة بطلة القسم الثاني من «أين اسمي؟» فهي الأخرى تتعلم من أستاذها الإنجليزي كما تعلمت قمّور على يدي القنصل ريتشارد بورتون. وفي نهاية الرواية، نراها تستمع إلى ملاحظاته التي تبدو ألطف وأكثر لياقة من ملاحظات ريتشارد الفظة المستعلية لقمّور. لكن القارئ يترك الرواية على عطش، ويبقى يعنّ على باله سؤال، لا يجد له جواباً؛ لماذا تتطور البطلتان قمّور وزينة وتترقيان في مراتب المعرفة، على اختلاف الزمنين، على يدي رجلين إنجليزيين؟ بالتأكيد ليس في الأمر من مصادفة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.