ماكرون: بوتين عازم على «السيطرة التامة» على كل أوكرانيا

الرئيس الفرنسي يتهم نظيره الروسي باختلاق الروايات والبحث عن ذرائع للحرب

رغم الرفض الذي يواجه مطالب ماكرون بوقف العمليات العسكرية الروسية فإن فرنسا متمسكة بمواصلة عملها الدبلوماسي (أ.ف.ب)
رغم الرفض الذي يواجه مطالب ماكرون بوقف العمليات العسكرية الروسية فإن فرنسا متمسكة بمواصلة عملها الدبلوماسي (أ.ف.ب)
TT

ماكرون: بوتين عازم على «السيطرة التامة» على كل أوكرانيا

رغم الرفض الذي يواجه مطالب ماكرون بوقف العمليات العسكرية الروسية فإن فرنسا متمسكة بمواصلة عملها الدبلوماسي (أ.ف.ب)
رغم الرفض الذي يواجه مطالب ماكرون بوقف العمليات العسكرية الروسية فإن فرنسا متمسكة بمواصلة عملها الدبلوماسي (أ.ف.ب)

للمرة الثالثة منذ انطلاق العمليات العسكرية الروسية ضد أوكرانيا، يجري الرئيسان الفرنسي والروسي محادثة مطولة من 90 دقيقة وصفتها المصادر الروسية بأنها كانت «صريحة» ما يعني، في اللغة الدبلوماسية أنها كانت «عاصفة». وبعكس المرات السابقة، فإن بوتين هو من اتخذ مبادرة الاتصال بماكرون من أجل «إطلاعه على الوضع وعلى ما ينوي القيام به وذلك في إطار الحوار الصريح بين الطرفين». وتجدر الإشارة إلى أن بوتين أبلغ ماكرون في اتصال الاثنين الماضي أنه «منفتح» على مواصلة الحوار معه. ورغم أن الحوار المتواصل بين المسؤولين لم يفض حتى اليوم إلى أي نتيجة إيجابية، فإن ماكرون، كما أعاد تأكيد ذلك في كلمته للفرنسيين مساء أول من أمس، ما زال مصمماً على مواصلة الحوار وأمله إسماع نظيره الروسي صوت العقل والتخلي عن العمل العسكري ضد أوكرانيا. وقال ماكرون ما حرفيته: «اخترت أن أبقى على اتصال، قدر ما أستطيع وقدر ما هو ضروري مع الرئيس بوتين للسعي من غير هوادة لإقناعه بالتخلي عن السلاح» وأيضاً «لتجنب انتشار واتساع الصراع قدر ما يمكننا». وقالت مصادر رئاسية أمس إنه «رغم الرفض الذي يواجه مطالب ماكرون بوقف العمليات العسكرية الروسية، فإن فرنسا متمسكة بمواصلة عملها الدبلوماسي وأن ماكرون يعتبر من الضروري إطلاقاً الاستمرار في التواصل» مع بوتين. وأضافت هذه المصادر أن ماكرون، رغم ذلك، «يريد التمسك بالحوار للمحافظة على حياة المدنيين والحصول من بوتين على بادرات في المجال الإنساني ومواصلة جهوده الحثيثة لحمله على وقف عملياته العسكرية».
لكن يبدو بوضوح أن ما يجري بين الرئيسين هو في الواقع «حوار طرشان» إذ إنهما لا يتحدثان على الموجة نفسها وأن بوتين ليس معنياً بتغيير نهجه العسكري وهو ما أكده صراحة لنظيره الفرنسي، وبالتالي فإن السؤال الذي يطرح نفسه يتناول الفائدة المرجوة من استمرار التواصل علماً بأن ماكرون هو المسؤول الغربي الوحيد الذي ما زال يسعى للحصول على شيء ما من بوتين المتمسك بمواقفه رغم العقوبات متعددة الأشكال التي فرضت عليه وعلى بلاده. وكما في آخر اتصال له، خرج الرئيس الفرنسي بالغ التشاؤم لجهة نوايا بوتين التي يكشفها بصراحة متناهية بحسب ما نقلته مصادر رفيعة في قصر الإليزيه عن ماكرون.
تقول المصادر الرئاسية، في العرض الذي قدمته لمجموعة من الصحافيين عن مجريات الاتصال الهاتفي أمس مع بوتين، نقلا عن ماكرون، إن الأخير خرج بانطباع فحواه أن «الأسوأ هو المرتقب بالنظر لما سمعه» من الرئيس الروسي في إشارة إلى اشتداد العمليات الحربية وعبثية المفاوضات بين الطرفين الروسي والأوكراني. وبحسب ما نقل عن ماكرون، فإن بوتين «متمسك بمواقفه بلا أدنى شك وبسعيه لنزع سلاح أوكرانيا واستسلامها» وأنه بالتالي «حازم للغاية» في موضوع استمرار العمليات الحربية الجارية التي «ستتواصل وفق المخططات الموضوعة لها حتى النهاية» وأن الهدف منها «السيطرة التامة» على كل أوكرانيا ما يعني عملياً أن الحرب مرشحة لأن تطول وأن ما جرى منذ انطلاقها في 27 فبراير (شباط) ليس سوى المقدمة. وتؤكد المصادر الرئاسية أن هذه الشروط «لا يمكن بطبيعة الحال قبولها» وبالتالي، فإلى جانب «التشدد في التمسك» بالمبادئ وبالعقوبات، «يتعين الاستمرار في البحث عن السلام من خلال الحوار».
فيما كان ينتظر أمس أن تجرى الجولة الثانية من المفاوضات بين الوفدين الروسي والأوكراني في بيلاروسيا قريباً من الحدود المشتركة مع بولندا، هدد بوتين، في رسالة موجهة للسلطات الأوكرانية وللغربيين بشكل عام، بتصعيد العمليات العسكرية في حال لم ترضخ كييف للشروط التي فرضها لا بل إنه هدد بفرض شروط جديدة في حال المماطلة. وبحسب بيان للكرملين عن المحادثة الهاتفية، فإن بوتين قال للرئيس الفرنسي إن ما يريده هو «نزع سلاح أوكرانيا وأن تكون حيادية حتى لا تمثل يوماً منطلقا لتهديد روسيا» في إشارة للحلف الأطلسي الذي تطمح كييف للانضمام إليه وهو ما ترفضه موسكو قطعياً، ونبه بوتين من أن «أي محاولة لكسب الوقت من خلال المفاوضات لن تسفر إلا عن زيادة المطالب من كييف». ويجدر التذكير بأن موسكو تريد، إلى جانب الحياد ونزع سلاح أوكرانيا، أن تعترف كييف بسيادة روسيا على شبه جزيرة القرم التي ضمتها في عام 2014 والاعتراف بانفصال جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الواقعتين شرق البلاد عنها.
تؤكد باريس بقوة أن هذه الشروط لا يمكن أن تكون صالحة كأساس للمفاوضات وأنه من العبث الطلب من كييف أن تنزع سلاح قواتها فيما هي عرضة للغزو الروسي. لكن باريس تعترف أنه رغم «شجاعة» القوات الأوكرانية في الحرب الدائرة في بلادها ورغم أن لا شيء نهائيا حتى اليوم، فإن «اختلال موازين القوى بين الطرفين المتحاربين كبير جدا» لصالح الجانب الروسي. وليس سراً أن الطرف الغربي يراهن على العقوبات متعددة الأشكال التي فرضت على روسيا وعلى عزلها سياسيا ودبلوماسياً وعلى استنهاض الشارع الروسي للتحرك ضد حكومته وخططها وعلى تسليح القوات الأوكرانية لزيادة الضغوط على الكرملين و«رفع كلفة الغزو» بحيث يعيد بوتين النظر في حساباته. ويرى الغربيون في تراجع قيمة الروبل الروسي والصعوبات الاقتصادية والحياتية في روسيا سبباً للاستمرار في فرض العقوبات وتغليظها. والحال أن بوتين، رغم ذلك كله، لا يخفي أهدافه ويؤكد أنه ذاهب حتى النهاية من أجل تحقيقها ووضع اليد على كل أوكرانيا وفرض شروط قاسية عليها وعدم التراجع في اللجوء إلى جميع العمليات العسكرية لإجبارها على الخضوع. من هنا «التشاؤم» الذي يلم بالرئيس ماكرون وفق مصادره من صيرورة الأحداث. ومع ذلك، فإن باريس التي تؤكد على تواصل دعمها لأوكرانيا، تبقى متمسكة بـ«حبال الهواء» أي بالحوار مع سيد الكرملين وها هي اليوم تنظر إلى الصين ولإمكانية أن تلعب بكين دور الوساطة. وقالت مصادر الرئاسة أمس إن فرنسا «مهتمة باقتراح الصين القيام بدور الوساطة» وأن التواصل قائم مع المسؤولين الصينيين.
ترى باريس أن بوتين ما زال يسير وفق النهج الذي اختطه منذ البداية، إذ إنه أكد لنظيره الفرنسي أن ما تقوم به قواته في أوكرانيا «سيتواصل من غير تهاون ضد المجموعات القومية التي ترتكب جرائم حرب». إلا أن ماكرون لم يتردد في مناقضة بوتين، بحسب الإليزيه، حيث أكد له أنه «يرتكب خطأ جسيماً بشأن النظام الأوكراني» الذي نفى عنه صفة «النازية» وأنه قال له ما حرفيته: «أنت تختلق الروايات وتبحث عن ذرائع» للحرب على أوكرانيا داعياً إياه «ألا يكذب على نفسه». وترى باريس أن الاتصال الهاتفي وفر الفرصة «لمراجعة الاختلافات بينها وبين موسكو ولقول الحقيقة» للجانب الروسي. وما يثير حفيظة الغربيين في اتهام السلطات الأوكرانية بـ«النازية» أن الرئيس فلوديمير زيلينسكي ينتمي إلى الطائفة اليهودية التي استهدفها الألمان النازيون أثناء احتلالهم لأوكرانيا خلال الحرب العالمية الثانية.
لا تختلف الروايتان الروسية والفرنسية عن بعضهما كثيرا بشأن مجريات الاتصال. لكن الكرملين، في بيانه، شدد على أن بوتين «فند» ما جاء في كلمة ماكرون للفرنسيين مساء الأربعاء الذي أشار «إلى أكاذيبّ روسيا» بأنها تحارب «النازيين» في أوكرانيا. وقال ماكرون في كلمته إن روسيا هي «المعتدية وليس المعتدى عليه»، وإن هذه الحرب «ليست حربا بين الغرب وروسيا» كما أنها «ليست حربا ضد النازية وهذه كذبة». وتدعي موسكو أن العمليات العسكرية ضد جارتها بأنها «عملية خاصة» هدفها «اجتثاث» نازية النظام الأوكراني.
ككل مرة، أتبع ماكرون اتصاله بالرئيس الروسي بالتواصل مع الرئيس الأوكراني الذي يحرص على مهاتفته بشكل يومي وأحياناً أكثر من مرة في اليوم.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».