مؤتمر «القرائية للجميع» يطالب بتغيير مناهج اللغة العربية جذريًا

منظمة اليونيسكو تبنت المصطلح وعنت به القراءة واستخدامها في الحياة اليومية

اللغوي عبد القادر الفاسي الفهري في مداخلته ({الشرق الأوسط})
اللغوي عبد القادر الفاسي الفهري في مداخلته ({الشرق الأوسط})
TT

مؤتمر «القرائية للجميع» يطالب بتغيير مناهج اللغة العربية جذريًا

اللغوي عبد القادر الفاسي الفهري في مداخلته ({الشرق الأوسط})
اللغوي عبد القادر الفاسي الفهري في مداخلته ({الشرق الأوسط})

ليس مبالغة القول إن مؤتمر «القرائية للجميع»، الذي عقد في المنامة الأسبوع الماضي، لمناقشة معضلة ضعف تعليم اللغة العربية، واستمر ليومين، نجا مما تقع به غالبية المؤتمرات المخصصة لهذا الموضوع، ألا وهو الإنشاء. وإن لم يتمكن المؤتمرون، وهم في غالبيتهم الساحقة من المدرسين والأساتذة الجامعيين ومسؤولي البرامج التربوية في بلادهم، من حل المشكلة التي مضت عليها عقود، فإنهم ربما وضعوا لبنة مهمة، بمشاركة الجهات المنظمة، أي «مشروع عربي 21» التابع لـ«مؤسسة الفكر العربي» و«الجمعية العربية للقراءة (تارا)» في مجال الإضاءة على الخيارات الممكنة.
لم تخف المشرفة على المؤتمر، د.هنادا طه، وهي القائمة بأعمال عميد كلية البحرين للمعلمين، أن هدف المؤتمر هو أن ينغمس المجتمعون في مفهوم «القرائية»، وشرحه والإفادة منه. وهو ما فعلته بنفسها، معترفة بأنه مصطلح لا يزال غامضًا بالنسبة لكثيرين. و«القرائية» التي حاول أن يقدمها القيمون على المؤتمر كحل القصد منها الابتعاد عن النحو والصرف كمنطلق لتعليم اللغة، والاعتماد على كل أنواع النصوص، وبغزارة، كسبيل لتعلم الفكر والتحليل كما القراءة والإملاء وقواعد اللغة. على اعتبار أن الهدف من العربية وغيرها من اللغات هو تسيير الحياة والتعبير عن الذات، وتحقيق التطور. وبدا أن بعض المداخلات كانت نظرية بحتة، مثل تلك التي كانت للعالم اللغوي المغربي المعروف د. عبد القادر الفاسي الفهري، الذي اعتبر أن اللغات عمومًا لها خلفيات آيديولوجية، وتحدث عن الإنجليزية والفرنسية ومساراتهما التاريخية وإقصائهما للهجات واللغات الأخرى، فيما اعتبر العربية لغة ليست لها خلفية آيديولوجية، وأنها كانت تاريخيا جامعة، متسامحة رحبة الصدر.
ولم يتردد الدكتور الفهري في أن يطلب من الحضور أن يتسامحوا مع الأخطاء النحوية، قائلا «إن اللغة تعيش بأخطائها، ولو بقيت الإنجليزية بيد الإنجليز الذين يحتسبون الأخطاء اللغوية لما انتشرت في العالم، لكنها وجدت ازدهارها بفضل الأميركيين الذين يهتمون بأن يفهموا المتكلم لا أن يصححوا له أخطاءه». ومن ضمن المداخلات النظرية أيضًا تلك التي قدمها محمد المومني، وهو محاضر بكلية البحرين للمعلمين، حول أدب الطفل في «موصولاته الجمالية والعرفانية»، وهو عنوان في حد ذاته كان يحتاج إلى توضيح بالنسبة للمعلمين الحاضرين. لكن المومني كان أكثر وضوحًا في خلاصاته، حيث اعتبر أن «الأدب المقدم للأطفال هو أدب كهول، وأن المقاربات لا تزال هي ذاتها منذ الاستقلال، ولا بد من تقديم أدب يرى الطفل نفسه فيه، وهذا حقه علينا، كما أننا يجب أن نعتني بتقديم أدب لأطفالنا يعتني بجمالية الحياة لا الموت».
سامي رحموني، محاضر في كلية البحرين للمعلمين، خصص محاضرته للتعريف بمصطلح «القرائية»، وهذا ما كان يحتاجه الحضور، حيث قال إن منظمة اليونيسكو أخذت المصطلح عام 1992، وأرادت به القراءة واستخدامها في الحياة اليومية وتوسيع المعارف والقدرات، ثم استقر التعريف في السنوات الأخيرة على فهم المكتوب كما يحتاجه المجتمع، أي بناء على الدلالة ومهارة الانخراط في المدرسة وخارجها. ولفت رحموني إلى تغير متواصل في معنى القراءة، بفعل النص الإنترنتي المترابط، بحيث صارت لهذا النص أنواع جديدة مثل التوريق والتوليف، وبالتالي فعل القراءة نفسه قد تغير. وبالتالي فتغيير المناهج وتطبيق القرائية يحتاج أستاذًا جديدًا، يعرف كيف يجعل المكتبة امتدادًا للصف، وكيف يعتمد النص الإلكتروني للتدريس. وشبه رحموني المعرفة الفاخرة بحياكة سجادة فاخرة، لا تستمد قيمتها من الخيوط التي تحاك بها وإنما من الأيدي التي تحكم حبكها.
المعلمون الذين لم يعجبهم كثيرًا هذا الجانب النظري، وجاءوا يريدون معرفة ما يجب فعله بشكل عملي في صفوفهم، وجدوا ضالتهم، في بعض ورش العمل التي أتت مطابقة لتطلعاتهم. في إحدى القاعات كان يمكنك أن تلحظ اكتظاظًا حول هالة صادق، المستشارة التربوية، التي سبق لها أن درّست استراتيجيات القراءة والاستماع. مع جمهورها الغفير، كانت تحاول أن تقدم طريقة عملية لكتابة نص، شيق وبليغ لا يخلو من بساطة ودقة. كيف تنطلق شرارة الفكرة؟ كيف نحث التلميذ على اختيار المفردة الدقيقة، والتمييز بين الجيد والأفضل؟ ما السبيل لتحسين أداء التلاميذ وشحذ مخيلتهم؟ كل هذا كان مقرونًا بخريطة واضحة لخطة العمل. ثم وزعت المدربة ورقة فيها جدول حول آليات تقييم التعبير الكتابي، كما أنها أرشدت الحضور إلى مواقع على الإنترنت مساعدة في هذا المجال، وموقع يقدم النحو بطريقة مبسطة.
جاء المعلمون، إذن، يريدون وصفة عملية، وجدوها في بعض الورش. النقاش الجانبي يوضح كم أن أستاذ العربية يشعر بالأرق لأنه يرى مدى التقصير، دون أن يعرف السبيل إلى سد الثغرات. بعضهم كان يسأل كيف له أن يتعلم تطبيق القرائية مع تلاميذه.. وما السبيل إلى تطبيقها ما دام الأستاذ مرتبطًا بمنهج يجب عليه الالتزام به.. وهو بالتالي ليس حرًا في تدريس ما يشاء، وكما يشاء، مهما بلغت رغبته في التطوير. وهذا ما تحدثت عنه مريم الهاشمي، رئيسة قسم المناهج الوطنية في أبوظبي والعين، وهي تشرح كيف تم تطبيق منهج القرائية في عدد من المدارس، وأتت بنتائج مذهلة، لكن كان لا بد لهذه التجربة أن تتوقف مع ضرورة الالتزام بالمنهاج، والوصول بجميع التلاميذ إلى الامتحان بصيغته التقليدية.
إذن العمل يجب أن يبدأ من رأس الهرم، من الوزارات التي يفترض أن تأخذ على عاتقها عمل انقلاب جذري على المناهج العتيقة التي لم تعد تصلح لمواجهة الزمن. الدكتورة سالي التركي، التي تعمل منذ أربعين سنة في مجالات تنمية التعليم لا سيما في مدارس الظهران الأهلية، أرادت أن تقدم نموذجًا حيًا، من خلال كلامها عن خوفها على حفيدها خالد الذي لا يزال في شهره الخامس، والذي سينهي دراسته عام 2040، متسائلة عن نوعية الحياة التي يجب أن نعده لها، وما شكلها، وأي تعليم يحتاجه اليوم. وذكرت د.سالي أن «الإجابة ليست بديهية، لأن 60 في المائة من الوظائف التي ستكون موجودة عام 2030 لم تولد بعد، و50 في المائة من الوظائف الحالية ستكون قد اختفت، وخالد قد تمتد حياته إلى 120 سنة بحسب التوقعات الطبية والعلمية. وبالتالي فما نعرفه عن مستقبل أحفادنا، وكيف يجب أن نعدهم لمواجهة الحياة، هو في جزء كبير منه لا يزال مجهولا، لهذا علينا أن نعلمهم التفكير النقدي والقراءة النقدية، وأن نزودهم بمهارات التعليم الذاتي الذي سيضطرون لممارسته طوال حياتهم، إضافة إلى تعليمهم المرونة وسعة الحيلة، والقراءة بين السطور».
تطبيق القرائية يستلزم أيضًا، كما شرحت المشرفة على المؤتمر د.هنادا طه، أمرين رئيسيين.. أولا: تبنّي فلسفة تعليمية تقوم على المعايير الموحدة، بمعنى أن باستطاعة كل طالب، وبصرف النظر عن بيئته ومستواه الاجتماعي، ومستوى مدرسته، أن يتساوى مع الآخرين في ما يتعلمه كمًا ونوعًا، بحيث نصل إلى ما سمته «المساواة التعليمية». أما الأمر الثاني فهو ضرورة تغيير الدور الذي تلعبه اللغة العربية كحاجة قومية، بإخراجها من «علبة النحو والصرف والبلاغة والشعر إلى مهارات القراءة والتحليل في مواضيع شتى». وقالت الدكتورة طه «لدينا الخيار نحن المعلمين أن نخرج أسوأ وأحسن ما في طلابنا. التعلم ليس مهنة محايدة، ولا مهنة يأس.. إنه مهنة أمل وعدالة، مهنة الفلاسفة والأولياء، والمعايير هي أول الطريق».



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».