أعداد كبيرة تفر من أوكرانيا إلى الدول المجاورة

أوروبا تشرع أبوابها لهم وتفعل «إجراءات حماية» غير مسبوقة لاحتضانهم

أوكرانيات فررن مع أطفالهن لحظة وصولهم إلى معبر ميديكا الحدودي مع بولندا أمس (أ.ب)
أوكرانيات فررن مع أطفالهن لحظة وصولهم إلى معبر ميديكا الحدودي مع بولندا أمس (أ.ب)
TT

أعداد كبيرة تفر من أوكرانيا إلى الدول المجاورة

أوكرانيات فررن مع أطفالهن لحظة وصولهم إلى معبر ميديكا الحدودي مع بولندا أمس (أ.ب)
أوكرانيات فررن مع أطفالهن لحظة وصولهم إلى معبر ميديكا الحدودي مع بولندا أمس (أ.ب)

في العام 2015 كادت حكومة المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركيل تسقط تحت وطأة الانتقادات الشديدة التي تعرضت لها بسبب من قرارها استقبال ما يزيد على مليون لاجئ سوري. أما اليوم، فإن القارة الأوروبية بأسرها تقريباً تشرع أبوابها لاحتضان اللاجئين الأوكرانيين الذين يهربون من بلادهم.
وتوافد آلاف من الأوكرانيين الفارين من غزو روسيا لبلادهم منذ الخميس إلى البلدان المجاورة، وفقا لسلطات الدول المضيفة. وقالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في جنيف أمس إن نحو 368 ألف لاجئ فروا من أوكرانيا باتجاه الدول المجاورة منذ بدء الغزو الروسي الخميس، وهو عدد «مستمر في الارتفاع». وأكدت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في تغريدة أن هذا الرقم «يستند إلى البيانات التي قدمتها السلطات الوطنية».
وكان مجلس وزراء الداخلية في الاتحاد الأوروبي عقد أمس اجتماعاً استثنائياً قرر فيه تفعيل «آلية التصدي للأزمات»، وهي منصة للتضامن على الحدود الخارجية للاتحاد، تهدف إلى تحشيد كامل الوسائل المتاحة لدى المؤسسات الأوروبية وفي الدول الأعضاء.
وصرح ناطق بلسان المجلس الأوروبي أن الوضع المأساوي المرتقب لهذه الأزمة يفرض عدم استبعاد أي تدبير استثنائي، من فتح معابر إنسانية لدخول اللاجئين، وإلغاء الإجراءات المطلوبة لمنح صفة لاجئ إلى الأوكرانيين الهاربين من القصف، أو حتى تفعيل التوجيه الذي يسمح بمنح الحماية على كافة الأراضي الأوروبية للنازحين بسبب الكوارث، وذلك لأول مرة في تاريخ الاتحاد الأوروبي. وكانت مسودة القرار الذي أعدته رئاسة المجلس تضمنت اقتراحاً ينص على تفعيل هذا التوجيه بصورة مؤقتة.
وتفيد مصادر المفوضية بأن أكثر من مائة ألف لاجئ أوكراني كانوا وصلوا حتى ظهر أمس الأحد إلى بولندا، حيث تم استقبالهم في مراكز على طول الحدود لتسجيلهم وتقديم العناية الطبية لهم قبل توزيعهم على أماكن للاستراحة تمهيداً لنقلهم في حافلات إلى مناطق داخل البلاد. وقال وزير الداخلية البولندي إن اللاجئين كانوا يتدفقون بمعدل عشرة آلاف في الساعة خلال نهاية الأسبوع، وإن جلهم من النساء والأطفال والرجال الذين تجاوزوا سن القتال.
وكانت بولندا أقامت ثمانية مراكز لاستقبال اللاجئين على طول حدودها مع أوكرانيا التي تزيد على 500 كيلومتر، علما بأن ثمة ما يزيد على مليون أوكراني يعيشون حالياً في بولندا، معظمهم وفدوا في العام 2014 إثر ضم روسيا شبه جزيرة القرم. وأعلنت الحكومة البولندية أمس أنها خصصت 70 ألف سرير في المستشفيات لجرحى الحرب، وأنها أعدت قطاراً لنقل المصابين من أوكرانيا إلى الحدود ثم إلى العاصمة وارسو.
وفي رومانيا، قال ناطق بلسان وزارة الداخلية إن عدد الأوكرانيين الذين وصلوا إلى الحدود منذ بداية الأزمة يزيد على عشرة آلاف، وإن غالبيتهم الساحقة طلبت مواصلة الرحلة إلى بولندا وسلوفاكيا، علما بأن الحدود الأوكرانية مع رومانيا تزيد على 600 كيلومتر.
وقال ناطق بلسان المفوضية أمس إن مجلس وزراء الداخلية سيحدد الإطار السياسي والخطوط العريضة للاستجابة الأوروبية، ليتولى الخبراء وضع التفاصيل التقنية اعتباراً من اليوم الاثنين تمهيداً لإقرار حزمة التدابير والمساعدات في الاجتماع العادي الذي يعقده المجلس يوم الخميس المقبل.
وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين صرحت بقولها: «إننا نأمل في وصول أقل عدد ممكن من اللاجئين، لكننا جاهزون لاستقبالهم جميعاً في البلدان المتاخمة لأوكرانيا، حيث وضعنا الخطط اللازمة للترحيب بهم».
من جهتها، أكدت وزيرة الخارجية الألمانية آنالينا باربوك أن «أبواب الاتحاد الأوروبي مفتوحة أمام جميع الذين يهربون من الغزو الروسي لأوكرانيا، ومن واجبنا أن نبذل ما بوسعنا لاستقبال الفارين من القنابل والدبابات بأسرع وقت ممكن»، وعرضت تقديم المساعدة اللازمة لبولندا والدول الأخرى. ويذكر أن تقريراً داخلياً أعدته المفوضية يقدر أن يتراوح عدد اللاجئين بين 1.7 مليون وثمانية ملايين وفقاً لتطورات الغزو وطول المعارك.

                                           مساعدات إنسانية في محطة قطار ببلدة بولندية قريبة من الحدود الأوكرانية أمس (إ.ب.أ)

وكانت جمهورية التشيك أرسلت أيضاً قطارات مخصصة إلى المناطق البولندية المحاذية لأوكرانيا لنقل مواطنين أوكرانيين يعيشون في التشيك ويرغبون في ملاقاة أفراد عائلاتهم أو أنسبائهم الهاربين من المعارك ومرافقتهم إلى المدن التي يعيشون فيها. وكانت الحكومة التشيكية قررت إعفاء الأوكرانيين من الرسوم في جميع وسائل النقل العام، كما أعلنت سلوفاكيا استعدادها لاستقبال كل اللاجئين الذين يعبرون حدودها، أسوة بالدول الأخرى. وكان ناطق بلسان المجلس الأوروبي أعلن أمس أن جميع المساعدات والتدابير التي سيقرها وزراء الداخلية تبقى مؤقتة وجاهزة للتعديل وفقاً لمقتضيات «الأزمة التي نعرف كيف بدأت، لكن لا يعرف أحد كيف ستكون نهايتها».
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الفتح العام وغير المشروط لحدود الاتحاد الأوروبي أمام النازحين من أوكرانيا، يتضارب مع إقفالها بوجه اللاجئين السوريين في العام 2015 عندما رفضت بلدان مثل بولندا والمجر استقبال طالب واحد للجوء، ما دفع بالنازحين إلى التوجه نحو ألمانيا. ويقول مسؤول أوروبي إن وجود أوكرانيا على حدود الاتحاد الأوروبي يجعل من المستحيل إقفال الحدود على طول ما يزيد على 1300 كيلومتر أمام الهاربين من القصف، فضلاً عن أن الروابط الثقافية والاجتماعية بين طرفي الحدود، خصوصاً في بولندا، حيث يعيش أكثر من مليون ونصف مليون أوكراني، تساعد على القبول والاندماج.
ومن جنيف، قال المفوض السامي لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي أمس إن الأمم المتحدة تشعر بقلق عميق من سرعة تدهور الأعمال العسكرية في أوكرانيا، وإن تداعياتها الإنسانية ستكون مدمرة بالنسبة للسكان المدنيين «لأن الحروب تمزق حياة الناس ولا أحد ينتصر فيها».
وكانت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وجهت نداءً مشتركاً مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر إلى أطراف النزاع لضمان وصول المساعدات الإنسانية وسلامة الأشخاص الذين يقومون بإيصالها.
بدوره، أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تادروس أدحانوم غيربيسوس عن قلقه العميق أيضا من تدهور الوضع الصحي للسكان الأوكرانيين مع تفاقم الأزمة، وقال إن المنظومة الصحية يجب أن تبقى قادرة على تقديم العناية الصحية اللازمة للمصابين بـ(كوفيد) والأمراض الأخرى مثل السرطان والسكري والسل والاضطرابات النفسية، خصوصاً للمسنين والأطفال. ودعا جميع الأطراف إلى بذل أقصى الجهود لعدم استهداف المرافق الصحية وأفراد الطواقم الطبية والمرضى والإمدادات، وأعلن عن تقديم مساعدة مالية من صندوق المنظمة للطوارئ قدرها 3.5 مليون دولار لشراء مستلزمات طبية وتسليمها بسرعة لأوكرانيا.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».