السنيورة يسعى لملء الفراغ... وتحرّك صامت لـ«الحريريين»

المشهد الانتخابي في بيروت الثانية لن يكتمل

رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة (غيتي)
رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة (غيتي)
TT

السنيورة يسعى لملء الفراغ... وتحرّك صامت لـ«الحريريين»

رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة (غيتي)
رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة (غيتي)

لن يكتمل المشهد الانتخابي في دائرة بيروت الثانية (11 مقعداً نيابياً) قبل إقفال باب الترشح لخوض الانتخابات في 15 مارس (آذار) المقبل للتأكد من إمكانية إعادة خلط الأوراق الانتخابية تحالفاً واقتراعاً، أم أنها سترسو على تشكيل لوائح تخلو من المرشحين الذين يدورون في فلك تيار «المستقبل» بعد أن اتخذ زعيمه رئيس الحكومة السابق سعد الحريري قراره بالعزوف عن خوض الانتخابات من دون أن يدعو إلى مقاطعتها، مشترطاً على «أهل البيت» المنتمين إلى التيار الأزرق الاستقالة منه في حال ارتأوا خوضها، تاركاً في نفس الوقت للنواب الحاليين المستقلين الأعضاء في كتلته النيابية الحرية في الترشح وإنما على مسؤوليتهم.
فالغموض الذي يكتنف المعركة الانتخابية في دائرة بيروت الثانية ذات الأغلبية للطائفة السنية يبقى قائماً إلى أن يتبلور التوجه العام للموقف الذي كان قد أعلنه رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة بدعوته للمشاركة في العملية الانتخابية ترشحاً واقتراعاً لقطع الطريق على إخلاء الساحة للذين يدورون في فلك «محور الممانعة» الذي يتزعمه «حزب الله»، الحليف الاستراتيجي لإيران، بالتناغم مع بعض القوى السياسية التي تدين بالولاء له برغم أنها تدعي معارضتها لمشروعه الذي يتعارض مع مشروع بناء الدولة.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن الرئيس السنيورة وإن كان تمايز عن الرئيس الحريري بدعوته للمشاركة في الانتخابات ترشحاً، فهو لا يزال يواصل لقاءاته بالتنسيق مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، فيما يستعد للتواصل مع رئيس الحكومة الأسبق تمام سلام الذي كان السباق في إعلان عزوفه عن خوض الانتخابات لأن هناك ضرورة لإعادة لملمة الوضع في الشارع البيروتي على قاعدة استمزاج آراء القيادات المعنية في الدائرة الثانية حول إمكانية رعاية الجهود الآيلة إلى خلق المناخ الذي يدفع باتجاه تشكيل لائحة من المرشحين تحظى بتأييد المزاج البيروتي ولديها القدرة على ملء الفراغ بعزوف المستقبل عن خوض الانتخابات.
ويركز الرئيس السنيورة على استمالة الحاضنة الشعبية التي تقف بأكثريتها الساحقة خلف الرئيس الحريري، إضافة إلى دور الرئيس سلام في تأمينه للرافعة الانتخابية التي يمكن أن تجمع بين مؤيديه والحريريين أكانوا من المنتمين إلى «المستقبل» أو من محازبيه، خصوصاً أنه من غير الجائز تجاهل المظلومية التي أُلحقت بالحريري وأدت لاستعادته القسم الأكبر من مناصريه الذين كانوا أخذوا عليه في السابق دخوله في تسوية مع رئيس الجمهورية ميشال عون الذي انقلب عليه ودفعه للاعتذار عن عدم تشكيل الحكومة من جهة، وموافقته على قانون الانتخاب الذي أدى إلى تشتيت الصوت السني، خصوصاً في بيروت.
وفي هذا السياق، ينطلق السنيورة في مسعاه بدعم تشكيل لائحة من المرشحين في بيروت الثانية بالتعاون مع مجموعة من الوجوه البيروتية، من عدم تجاوز الخطوط الحمر وضرورة احترامها والتقيد بها، وتحديداً بالنسبة إلى عدم التحالف مع «الثنائي الشيعي» («حزب الله» وحركة «أمل»)، والأمر نفسه ينسحب على «جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية» (الأحباش) والنائب فؤاد مخزومي الذي يخوض الانتخابات بلائحة من خارج هذه التحالفات، وكان بكر في تدشين معركته الانتخابية برفع لوحات عملاقة في أحياء الدائرة الثانية باللون الأحمر كُتب عليها «بيروت في القلب»، فيما يتواصل السنيورة مع «الجماعة الإسلامية» التي تشكل النقيض لـ«الأحباش».
كما أن السنيورة يتواصل مع سفير لبنان السابق لدى الأمم المتحدة نواف سلام الذي يشغل حالياً العضوية الدائمة في محكمة العدل الدولية في لاهاي، مع أنه لا يزال يتردد في حسم ترشحه لخوض الانتخابات، وهو يتهيب الموقف ويدرس خياراته ترشحاً أو عزوفاً تمهيداً لحسم موقفه قريباً وقبل إقفال باب الترشح، برغم أنه تردد بأنه يستعد للعودة إلى بيروت لإجراء جولة من المشاورات ليكون على بينة من القرار الذي سيتخذه.
كما علمت «الشرق الأوسط» من مصادر بيروتية أن مجموعة من الشخصيات، التي تدين بالولاء المطلق للحريري وبعضهم من المنتمين للحرس القديم في «المستقبل» من دون أن يتخلوا عن حريريتهم، تلتقي باستمرار بعيداً عن الأضواء وبمبادرة شخصية منهم، تحضيراً للموقف النهائي الذي يمكن أن تتخذه وحتماً قبل إقفال باب الترشح، مع أن موقفها حتى الساعة لا يزال يتأرجح بين دعمها لتشكيل لائحة لمنع سيطرة من لديهم مشروع يتعارض مع مشروع بناء الدولة وبين وقوفها على الحياد، وإن كانت تميل إلى عدم إخلاء الساحة للآخرين وتعمل حالياً على ابتداع المخارج السياسية لتبرير الخيار الانتخابي الذي يُفترض أن تستقر عليه.
وتردد بأن بعض الشخصيات التي تشارك في هذه اللقاءات ليست في قطيعة مع السنيورة لوجود قواسم مشتركة بين الفريقين، وإن كان بعضها الآخر غمز من قناة رئيس الحكومة الأسبق على خلفية دعوته للمشاركة في الانتخابات ترشحاً واقتراعاً، كما تردد بأن مرشح الحزب «التقدمي الاشتراكي» النائب الحالي فيصل الصايغ يمكن أن يترشح على اللائحة التي يمكن التوافق عليها في مواجهة اللوائح الأخرى، إلا في حال توصل رئيس المجلس النيابي نبيه بري إلى إقناع حليفه «حزب الله» بعدم ترشيح درزي آخر على لائحتهما المشتركة يسميه النائب الحالي طلال أرسلان، برغم أنه يقف حالياً أمام مهمة صعبة في ضوء تصاعد الخلاف بين التقدمي والحزب والذي تجاوز الأخير باستهدافه إيران.
أما على صعيد التحالفات الأخرى، فيبدو أن الحراك المدني بكل مجموعاته لم ينخرط حتى الساعة في معمعة الحمى الانتخابية بسبب انصرافه إلى تكثيف مشاوراته في محاولة لتوحيد موقفه بخوض الانتخابات بلائحة موحدة وببرنامج عمل سياسي، فيما ينتظر الثنائي الشيعي القرار النهائي لـ«الأحباش» للتأكد مما إذا كان سينخرط بالتحالف معه أو تخوض المعركة منفردة، برغم أن مصادر بيروتية كانت قد تحدثت عن أن «الأحباش» قررت أن تخوض معركتها الانتخابية بلا تحالفات.
وعزت المصادر البيروتية السبب إلى أن «الأحباش» وإن كانت منضوية في تحالف سياسي مع «الثنائي الشيعي»، فإنها لا تحبذ تعاونها الانتخابي لسببين: الأول يكمن في أن المقترعين المقيمين في الخارج والمنتمين إلى جمعية المشاريع يتخوفون من التحالف مع «حزب الله» لئلا يعرضوا أنفسهم إلى ملاحقات تؤدي إلى فرض عقوبات عليهم تستهدفهم شخصياً وتستهدف المؤسسات التابعة لـ«الأحباش» في عدد من الدول الأوروبية وأولها ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية كون جميع هذه الدول كانت قد أدرجت اسم الحزب على لائحة الإرهاب.
أما السبب الثاني فيتعلق بوجود فريق داخل «الأحباش» يفضل عدم التعاون الانتخابي مع «حزب الله» أو الالتصاق به في هذه المرحلة، لأنه يراهن بعزوف الحريري عن خوض الانتخابات على إمكانية تسجيل اختراق في صفوف «المستقبل» يمكن أن يعزز رهانه في الحصول على حاصلين انتخابيين.
وعليه، فإن الثنائي الشيعي ينتظر من «الأحباش» بأن يتبلغ منهم القرار النهائي، وإن كانت «جمعية المشاريع» هي من روجت لانفصالها بالتراضي عن حليفيها الدائمين حركة «أمل» و«حزب الله» من دون أن تنقلب على خيارها السياسي الداعم للمقاومة، فيما يتولى الحزب الوساطة بين حليفيه «التيار الوطني الحر» و«أمل» بعد أن توصل معهما إلى مهادنة إعلامية تتعرض إلى خروق من حين لآخر.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن «حزب الله» توصل مع حليفيه إلى رسم الخطوط العريضة للتعاون الانتخابي المثلث الأطراف، ويقتصر حالياً على خوضه الانتخابات بلائحة موحدة في دائرة بعبدا - المتن الجنوبي، وأخرى في دائرة بعلبك - الهرمل، على أن يبحث لاحقاً في تحالفهم في بيروت الثانية بخلاف الصعوبات التي تواجه جمع «أمل» و«التيار الوطني» في لائحة واحدة في دائرة البقاع الغربي - راشيا.
وبحسب المعلومات فإن «أمل» و«حزب الله» كانا قد توصلا إلى صيغة لتحالفهما الانتخابي - السياسي تقضي بوقوف الحزب إلى جانب من ترشحه «أمل» في جزين والبقاع الغربي، على أن تدعم الأخيرة مرشحي الحزب في جبيل - كسروان وزحلة، باعتبار أن لا مشكلة في تحالفهما في الدوائر ذات الأغلبية من الطائفة الشيعية، أكان في الجنوب أو في بعلبك - الهرمل، مع إعطاء الحرية لناخبيهما في الدوائر التي لا تتمثل فيها الشيعة.



القوات اليمنية تعزز مكاسب عملية «فجر اليمن» في يومها الثاني

اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)
اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)
TT

القوات اليمنية تعزز مكاسب عملية «فجر اليمن» في يومها الثاني

اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)
اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)

عززت القوات اليمنية، الثلاثاء، عملياتها العسكرية ضمن عملية «فجر اليمن» على امتداد عدد من الجبهات، في وقت بدأت فيه القوات المهاجمة تثبيت المكاسب التي حققتها في اليوم الأول، بالتزامن مع تسجيل تقدم جديد في محافظة تعز، واستمرار العمليات في مأرب والساحل الغربي، وضربات جوية استهدفت قدرات عسكرية حوثية في صنعاء وصعدة والحديدة.

يأتي ذلك غداة إعلان القوات الحكومية بدء عملية واسعة لاستعادة الأراضي التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، بدعم من «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في تحول نقل العمليات من محاولة احتواء التقدم الحوثي الأخير إلى هجمات متعددة المحاور. وأكدت القيادة العسكرية أن العملية مستمرة حتى تحقيق أهدافها المعلنة.

وفي محافظة تعز، أعلن المركز الإعلامي لمحور تعز أن القوات المسلحة، مسنودة بالمقاومة الشعبية، حققت، الثلاثاء، تقدماً جديداً في مديرية حيفان جنوب المحافظة، بعد تمكنها من تحرير جبال المنظرة والأشاريف وذيبان، في تطور يوسّع نطاق الضغط على القوات الحوثية في الريف الجنوبي.

وقال المركز إن المعارك اشتدت كذلك في عزلة قدس بمديرية المواسط، حيث تخوض القوات الحكومية والمقاومة الشعبية مواجهات مع الحوثيين، في وقت تواصل فيه قوات المحور عملياتها الهجومية ضمن «فجر اليمن».

كانت قوات محور تعز قد نفّذت، الاثنين، خمس عمليات هجومية في جبهات الأربعين شمال المدينة، والأقروض جنوباً، والعنين وجبل حبشي غرباً، والبيرين في أطراف جبهة الكدحة. وقال المركز إن تلك العمليات أسفرت، وفق حصيلته، عن مقتل نحو 100 من عناصر الحوثيين وإصابة 150 آخرين، إلى جانب إسقاط خمس طائرات مسيّرة وتدمير وإعطاب ستة أطقم ودبابة.

وتواصلت العمليات في جبهات جبل حبشي والأقروض والعنين والكدحة، في وقت تحدثت فيه القوات الحكومية عن انتقالها من وضع الدفاع إلى الهجوم، مستفيدةً من نتائج عمليات اليوم الأول.

وفي الأقروض، كانت القوات قد دحرت الحوثيين من مواقع عدة ودمرت دبابة وعربة واستولت على طاقم، بينما نفذت في العنين هجوماً خاطفاً على مواقع الجماعة، وفي البيرين نفذت هجوماً استهدف تجمعات ومعدات عسكرية، وأسفر عن إحراق طقم ومقتل عدد من العناصر وأسر آخرين، وفق المركز الإعلامي لمحور تعز.

جندي من قوات ألوية العمالقة خلال التقدم في جبهة باب المندب (رويترز)

وتكتسب جبهة تعز أهمية خاصة في العملية الجديدة، بعدما كان الحوثيون قد ضغطوا خلال الأيام السابقة على طرق المدينة ومنافذها الجنوبية، في محاولة لتوسيع نطاق سيطرتهم وعزل تعز عن المناطق الحكومية في اتجاه لحج وعدن. وتقول مصادر عسكرية إن العمليات الحالية تستهدف استعادة زمام المبادرة ومنع تثبيت تلك المكاسب الحوثية.

الساحل تحت الضغط

في الساحل الغربي، واصلت القوات الحكومية تثبيت نتائج الهجوم الذي بدأ الاثنين، بعد العمليات التي قادتها «قوات العمالقة» و«قوات درع الوطن» بدعم جوي من «التحالف».

كانت القوات قد أعلنت السيطرة على مطار ذوباب وقطع الطريق الرئيسي الرابط بين المخا وباب المندب، مع فرض ضغط على القوات الحوثية الموجودة في المنطقة، بالتزامن مع استمرار التحرك شمالاً باتجاه المخا والحديدة.

القوات الحكومية اليمنية تسعى إلى استعادة السيطرة على الساحل الغربي (رويترز)

وأفادت تقارير ميدانية بأن القوات الحكومية أحكمت سيطرتها على مواقع استراتيجية في محيط ذوباب ومعسكر العمري، فيما تواصلت التحركات باتجاه المخا، وسط تراجع عناصر حوثية من بعض المواقع.

وتقول مصادر ميدانية إن القوات تتمهل في دخول المخا، إذ تسعى لتأمين خطوط دفاعها شرقاً باتجاه مديرية الوازعية ومنطقة مفرق البرح؛ تجنباً لأي عملية التفاف تتعرض لها.

وتندرج هذه التحركات ضمن محور الساحل الغربي الذي يمثل أحد المسارات الرئيسية للعملية، إلى جانب تعز ومأرب والجوف وميدي، مع اختلاف مستوى العمليات من جبهة إلى أخرى، حسب الخطط العسكرية.

مأرب تتقدم

في مأرب، واصلت القوات المسلحة اليمنية عملياتها الهجومية في قطاعات عدة، بعدما تمكنت، وفق مصادر عسكرية، من دحر الحوثيين من مواقع في قطاع البور جنوب المحافظة، عقب مواجهات عنيفة وإسناد مدفعي.

وقالت المصادر إن القوات اخترقت تحصينات حوثية وفككت حقول ألغام، بينما شهد القطاع الشمالي إغارة على مواقع للجماعة تزامنت مع قصف مدفعي استهدف تجمعاتها ومرابض المدفعية والعيارات، مما أدى، حسب الرواية العسكرية، إلى سقوط قتلى وجرحى وإعطاب معدات وآليات.

وفي القطاع الشمالي الغربي، استهدفت القوات مصادر نيران حوثية وعدداً من العيارات والمعدات، فيما واصل الطيران الحربي والمسيّر غاراته على مخازن أسلحة وتحشيدات ومراكز قيادة في قطاعات مختلفة من المحافظة.

كانت القوات الحكومية قد أعلنت في اليوم الأول من العملية إطلاق هجمات من محاور متعددة في مأرب، بينها الجبهتان الجنوبية والشمالية الغربية، وتحقيق تقدم في مواقع قالت إنها مهمة، بالتزامن مع غارات على مخازن أسلحة ووسائل محملة بالذخائر.

ضرب القدرات الصاروخية

في تطور موازٍ، أعلن «تحالف دعم الشرعية» تدمير منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية في صنعاء، ومخزن للصواريخ داخل موقع جبلي في صعدة، قال إن المخزن كان يضم 20 صاروخاً باليستياً.

وقال المتحدث باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، إن الضربات استهدفت قدرات مرتبطة بالقدرات الصاروخية الحوثية، في إطار العمليات الجارية بالتزامن مع «فجر اليمن».

قوات الحكومة اليمنية تتقدم بحذر نحو المخا حيث تسعى لتأمين دفاعاتها شرقاً (رويترز)

كما أعلن التحالف تنفيذ عملية بحرية في محافظة الحديدة استهدفت، وفق روايته، مخازن أسلحة ومستودعات زوارق مفخخة وألغام بحرية، وقال إن العملية أحبطت مخططاً لهجمات وشيكة على الممرات المائية جنوب البحر الأحمر، في إطار مساعي حماية الملاحة في منطقة باب المندب.

من جهته قال رئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة في الجيش اليمني، الفريق الركن صغير بن عزيز، إن عملية «فجر اليمن» مستمرة ولن تتوقف حتى تحقيق أهدافها، وفي مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة والعودة إلى صنعاء، مؤكداً جاهزية القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية لتنفيذ المهام الموكلة إليها.


«التربة»... مدينة تنام تحت الرعب بعد الاقتحام الحوثي

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
TT

«التربة»... مدينة تنام تحت الرعب بعد الاقتحام الحوثي

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)

منذ ليلتين تنام مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب غربي محافظة تعز، قبل مغيب الشمس، ويسود أحياءها صمتٌ مطبق حتى الفجر، ما حدا بأحد سكانها إلى تخيلها كمقبرة لا تتحرك فيها سوى عناصر الجماعة الحوثية الذين شبَّههم بأشباح توزع الخوف وتعيشه بالقدر ذاته، بينما تعود الحركة خلال ساعات النهار بشكل محدود.

لم يكن الخوف وليد لحظة اقتحام الحوثيين للمدينة، إلا أنه تضاعف حال وصولهم إليها، وحسب مصادر محلية في مديرية الشمايتين؛ فإن عناصر الجماعة أصرت على تثبيته في قلوب السكان عندما قتلت مدنياً بشكل أشبه بالإعدام الميداني، ساعة اقتحامها مركز المديرية (مدينة التربة) بعد إعلانه رفض وجودهم فيها.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القتيل خرج من محله التجاري ليقف أمام العربات العسكرية الحوثية التي تتقدم إلى المدينة مطالباً بمغادرتها، فوجَّه عناصر الجماعة أسلحتهم نحوه وطلبوا منه إعلان الولاء بأداء الصرخة الخمينية، إلا أنه رد عليهم بالضحك، فأطلقوا عليه النار وأردوه في الحال.

وتسببت سيطرة الجماعة الحوثية على المدينة بدفع السكان إلى العودة إلى منازلهم، في حين أُغلقت المحال التجارية وخفَّت حركة التسوق، بينما سارع المتسوقون القادمون من مختلف مناطق المديرية والمديريات المجاورة إلى المغادرة، قبل أن يتمكنوا من شراء احتياجاتهم.

قافلة غذائية وجَّهها سكان مدينة التربة إلى جبهات غرب تعز قبل استيلاء الحوثيين عليها (فيسبوك)

وقبل أن تصل المعارك إلى أبواب المدينة، كانت أصوات القصف والصواريخ قد أصبحت جزءاً من يوميات الأهالي، وأدى التصعيد إلى نزوح عائلات من مناطق قريبة من خطوط المواجهة، فيما اتجه آخرون إلى مناطق أكثر أمناً داخل تعز أو نحو محافظة لحج.

محاولات لتطبيع النفوذ

قضى غالبية السكان ليلتهم الأولى في ظلام دامس، إذ أطفأوا أضواء المنازل وقضوا أوقاتهم في ترقب أي تطورات للأحداث، بينما كانت أصوات الاشتباكات تأتي من محيط المدينة، حيث استمرت الاشتباكات بين الجماعة وقوات من الجيش الحكومي إلى ساعات متأخرة من الليل.

تكشف إحدى ربات المنازل لـ«الشرق الأوسط» عن أن اضطرار السكان لإطفاء أضواء المنازل كان تخوفاً من إقدام عناصر الجماعة على اقتحامها أو تفتيشها أو اشتباههم بمن يضيء الأنوار، إلى جانب القلق من اقتحامها للمبيت أو طلب أي مساعدة.

مقاتل في الجيش اليمني يقف على مرتفع صخري بإحدى الجبهات الجبلية في تعز (فيسبوك)

كما لجأ عناصر الجماعة الحوثية إلى استخدام مكبرات الصوت ظهيرة الاثنين، لدعوة التجار والباعة إلى فتح متاجرهم ومحالهم، إلا أن تلك الدعوات لم تلقَ استجابة في البداية.

وحسب شهادات سكان في المدينة لـ«الشرق الأوسط» فإن المطالبة تحولت بعد نحو ساعة إلى تهديد بكسر أبواب المحال التجارية بالقوة، وهو ما دفع عدداً من الباعة إلى العودة لممارسة أنشطتهم خوفاً على سلعهم من النهب أو من أي عقوبات تطولهم جراء استمرار تعطيل التسوق، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لعودة الحركة في المدينة إلى وضعها الطبيعي.

وطلب عناصر الجماعة من السكان مساعدتهم في الحصول على المواد الغذائية، خصوصاً مع إغلاق المطاعم والمحال التجارية، واضطروا إلى تناول الأغذية المعلبة التي حصلوا عليها من المحال التجارية التي فتحت أبوابها تحت التهديد، بينما توسل عدد منهم إلى السكان لشراء أغذية مطبوخة من منازلهم.

يذكر أحد السكان، وهو ينتمي إلى مديرية المقاطرة المجاورة، والتابعة لمحافظة لحج، أن عدداً من أقاربهم حزموا بعض أمتعتهم الخفيفة ومقتنياتهم الثمينة وغادروا إلى قراهم التي قدِموا منها للسكن في التربة، أو لجأوا إلى أقارب لهم في مناطق أخرى.

مشهد من المعارك التي شهدتها مديرية الشمايتين خلال الأيام الماضية (الشرق الأوسط)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الخوف من ممارسات الحوثيين كان هو الدافع الأبرز للنزوح المستمر منذ بدء سيطرة الجماعة على المدينة، إلى جانب مخاوف العديد من الأسر الفقيرة على مدخراتها ومقتنياتها من النهب، وهو ما ظهر من خلال ازدياد حركة شاحنات النقل المحملة بالأثاث والممتلكات على عديد من الطرق.

توجس من السكان

تكشف مثل هذه الشهادات جانباً لا يظهر في البيانات العسكرية، فالمعركة التي توصف في نشرات الأخبار بأنها تقدم أو تراجع على محور قتالي، تعني بالنسبة إلى العائلات قراراً عاجلاً بشأن مغادرة المنزل، وإلى أين تذهب، وما الذي يمكن حمله معها، وما إذا كان الطريق الذي تسلكه سيظل مفتوحاً.

يروي ناشط اجتماعي في المدينة مشاهدته لتصرفات أظهرت توجس عناصر الجماعة من السكان، ومخاوفهم من ردة فعل شعبية على وصول النفوذ الحوثي إلى مساكنهم، وظهر ذلك من خلال تجنبهم الدخول إلى الأزقة الضيقة ونصب نقاط تفتيش في كل الشوارع المحيطة العامة وعلى أطرافها ومداخلها، وعقد اجتماعات مع أئمة المساجد.

محافظة تعز تستعد لحصار حوثي يفاقم سوء الأوضاع الإنسانية بعد استيلاء الجماعة على مدينة التربة (أ.ف.ب)

ويؤكد الناشط، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على إظهار هويته، أن الجماعة لم تطلب، حتى الآن، ترديد الصرخة الخمينية في المساجد، إلا أن عناصرها حذروا الأئمة من أي دعوات لمقاومتهم تنطلق منها، وطالبوا بالإبلاغ عن أي تجمعات فيها مهما كان الهدف منها.

واستخدم المقاتلون الحوثيون المساجد للاستراحة والمبيت والاغتسال وغسل ملابسهم في مرافقها، بعد أن جلبوا إليها مواد التنظيف وأواني بلاستيكية.

وتبسط الجماعة الحوثية نفوذها على مدينة التربة ومنطقة الصافية القريبة منها، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر أمنية، وبذلك يكون الطريق الرئيسي الرابط بين تعز وعدن خارج إدارة الحكومة اليمنية، مما سيؤدى إلى تطويق الحوثيين لمدينة تعز من جهات عدة.

بالنسبة إلى سكان المنطقة، لا يمثل الطريق مجرد خط على خريطة عسكرية، بل هو المسار الذي تمر عبره المواد الغذائية، والمرضى، والمسافرون، والعمال، وتتحرك من خلاله البضائع بين تعز وعدن. ومع إغلاق الطرق الرئيسية في المحافظة، تصبح المسارات البديلة أطول وأكثر تكلفة وأشد خطورة، في وقت تعاني فيه غالبية العائلات من تراجع قدرتها على تحمل تبعات الحرب.


صنعاء تترقب «فجر اليمن» بعد 12 عاماً من الانقلاب الحوثي

يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
TT

صنعاء تترقب «فجر اليمن» بعد 12 عاماً من الانقلاب الحوثي

يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)

يترقب سكان العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ما ستؤول إليه العملية العسكرية التي أطلقتها الحكومة اليمنية تحت اسم «فجر اليمن»، وسط آمال بأن تفتح الطريق أمام إنهاء سنوات الانقلاب والحرب، واستعادة مؤسسات الدولة، وعودة الحياة العامة إلى مسار أرسخ استقراراً.

وبعد نحو 12 عاماً منذ سيطرة الجماعة الحوثية المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية، يقول سكان إن الحديث عن العملية أعاد إلى كثير منهم مشاعر الأمل التي غابت طويلاً، وإن ما ينتظرونه «لا يقتصر على تحول عسكري، وإنما يتصل بعودة الدولة والقانون والحريات وتحسن الخدمات»، وإنهاء ما يصفونها بـ«سنوات من الخوف والجبايات والتضييق الأمني».

ويقول سكان تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» إن العاصمة «تبدو مثقلة بإرث طويل من الحرب والانقسام وتدهور الأوضاع المعيشية»، وإن كثيراً من المواطنين باتوا «ينظرون إلى أي تغيير محتمل بوصفه فرصة للخروج من واقع فرضته الجماعة على المدينة منذ سيطرتها عليها».

قوات من «ألوية العمالقة» تبدأ عملية «فجر اليمن» نحو الساحل الغربي (أ.ف.ب)

ويؤكد «عبد الله»، وهو موظف حكومي من صنعاء، أن الحديث عن عملية «فجر اليمن» أعاد إلى كثير من المواطنين شيئاً من الأمل، موضحاً أن ما يريده السكان هو «دولة تحميهم وتوفر لهم الأمن والخدمات، وليس مزيداً من القمع ومصادرة الحريات».

ويضيف أن الخوف من تبعات المواقف السياسية دفع كثيراً من المواطنين إلى تجنب النقاش في الشأن العام، حتى داخل منازلهم. ويقول: «هناك أشياء كثيرة يتحدث عنها الناس همساً فقط. المواطن يريد أن يتكلم بحرية، لكنه يخاف من أن يدفع ثمن كلامه».

بحث عن عودة الدولة

في السياق نفسه، تقول ناشطة من ضواحي صنعاء، إن السنوات الماضية «أكلت أعمار اليمنيين»، مشيرة إلى أن الأسر أصبحت منشغلة بتأمين الغذاء والدواء والإيجار، في ظل استمرار الأزمات.

وتضيف: «نحن لا نبحث عن الحرب؛ نبحث عن نهاية الحرب والانقلاب. نريد أن تعود الدولة ونعيش مثل بقية الناس».

وترى أن «النساء تحملن جانباً كبيراً من الأعباء التي خلفتها الأزمة، خصوصاً في الأسر التي فقدت معيلها أو مصدر دخلها»، مشيرة إلى أن استمرار الحرب «انعكس على تفاصيل الحياة اليومية للأسر وعلى قدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية».

سعيُ الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبّدهم مئات القتلى والجرحى خلال أسبوع (إعلام عسكري)

أما «صلاح»، وهو من محافظة إب ويعمل بائع خضراوات في صنعاء، فيقول إن المواطنين لم يعودوا يحتملون مزيداً من سنوات الخوف، مؤكداً أن مطلبهم الأساسي يتمثل في وجود مؤسسات وقانون يحمي الجميع.

ويضيف: «نريد أن نستيقظ يوماً ولا نخاف من حملات الجباية، أو الابتزاز في نقاط التفتيش، أو من اعتقال أحد أفراد الأسرة بسبب رأيه».

ويشير إلى أن تداعيات الحرب «انعكست على أوضاع الأسر، بعدما فقدت عائلات كثيرة مصادر دخلها، فيما اضطر آخرون إلى مغادرة البلاد بحثاً عن العمل والأمان».

مدينة تحت الضغط

على مدى السنوات الماضية، واجه سكان صنعاء أعباء اقتصادية وأمنية متصاعدة، مع انتشار نقاط التفتيش وتوسع الإجراءات القمعية والجبايات التي أثرت على التجار وأصحاب الأعمال والأسر.

ويرى ناشطون أن هذه الظروف عمقت حالة السخط داخل المجتمع، خصوصاً مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، بالتزامن مع تضييق المساحة المتاحة أمام التعبير عن المواقف المخالفة للجماعة.

ويقول «بشير» إن «الناس صمتوا طويلاً لأنهم خائفون، وليس لأنهم راضون»، عادّاً أن أي تحول يعيد للمؤسسات دورها سيحظى باهتمام واسع بين المواطنين.

عناصر أمن حوثيون يجوبون شوارع صنعاء (رويترز)

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أعلن، الاثنين، انطلاق العملية العسكرية «فجر اليمن»، قائلاً إنها تهدف إلى استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء انقلاب الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وقال العليمي في منشور على منصة «إكس»: «على بركة الله... انطلقت عملية (فجر اليمن) لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية».