لبنانيون بلا تغطية صحية بسبب ارتفاع تكلفة عقود التأمين

العقود تراجعت 20 % والشركات تصر على القبض نقداً بالدولار

TT

لبنانيون بلا تغطية صحية بسبب ارتفاع تكلفة عقود التأمين

لم يجدد اللبناني جهاد بوليصة تأمينه الصحي لدى استحقاقها مطلع شهر فبراير (شباط) الحالي، بعدما اتصل بأكثر من شركة تأمين للاستفسار عن الأسعار، وتلقى إجابة واحدة: «نتقاضى الدفعات بالدولار النقدي حصرا كشرط أساسي لتغطية كامل نفقات الاستشفاء».
ويشرح جهاد (30 عاما) الذي يعمل مدربا رياضياً لـ«الشرق الأوسط» أن «أسعار البوالص تتراوح بين 700 و800 دولار للدرجة الثانية، أي أكثر من 17 مليون ليرة لبنانية»، مؤكدا أن هذا المبلغ «يفوق قدرات من يتقاضون رواتبهم وبدل أتعابهم بالليرة اللبنانية»، وتابع: «التأمين أصبح للمقتدرين فقط».
وأصبح الدولار يتحكم بكل مفاصل معيشة اللبنانيين، وليس آخرها شركات التأمين الخاصة التي لم تعد تقبل الشيكات المصرفية أو بالدفع على سعر منصة «صيرفة» (8000 ليرة لبنانية للدولار الواحد) أو حتى على سعر صرف السوق السوداء (حوالي 21000 ليرة للدولار) لقاء تأمين تكلفة الاستشفاء، وتصر على تلقي الدفعات بالدولار النقدي حصراً لقاء التغطية الصحية.
ويسأل جهاد عن «أهمية التأمين الصحي» خصوصاً بعد «التجربة المخزية العام الماضي، مع إحدى الشركات الرائدة في هذا المجال»، على حد وصفه، ويخبر أن «التأمين لم يغط أكثر من 20 في المائة من فاتورة التحاليل الطبية التي أجريتها بحجة أن المختبرات والمستشفيات تطلب الدفع بالدولار النقدي»، سائلاً: «ما الجدوى من التأمين طالما أننا ندفع فارق التكاليف؟ نحن نسدد الفاتورة مرتين».
ورفضت شركات التأمين العام الماضي تغطية نفقات الاستشفاء كاملة بحجة أن المستشفيات تطلب التسديد بالدولار في حين أن المسجلين بالتأمين سددوا ثمن البوالص بالشيكات المصرفية أو على سعر منصة صيرفة (3900 ليرة لبنانية للدولار الواحد آنذاك)، ما كبد أصحاب البوالص فوارق مالية هائلة بسبب الكباش الحاصل بين المستشفيات وشركات التأمين، فالأولى تسعر الفواتير بالدولار والأخيرة ترفض التسديد على سعر صرف السوق السوداء متمسكة بالعقود المبرمة بين الطرفين.
وعصام الذي يعمل في واحدة من أهم شركات التأمين في لبنان يؤكد لـ«الشرق الأوسط» شكوك جهاد، ويكشف أن «تسديد البوليصة بالدولار غير النقدي لن يحمي المؤمن من إجباره على دفع جزء من الفاتورة الطبية»، موضحا أن «هناك مستشفيات تلتزم بالعقد المبرم مع شركات التأمين في حين يتهرب بعضها من الالتزام في ظل غياب الرقابة».
لكن نقيب المستشفيات الخاصة في لبنان سليمان هارون يشرح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاتفاق الحالي بين معظم المستشفيات وأغلبية شركات التأمين ينص على أن المريض يدفع ما نسبته 15 في المائة من الفاتورة الاستشفائية في حال كانت بوليصة التأمين لم تدفع بالدولار النقدي وسارية المفعول، أما تلك الجديدة المدفوعة بالدولار فتغطي الفاتورة الاستشفائية كاملة ما عدا الأمور التي لا تدخل ضمن تغطية شركات التأمين أو في حال كانت البوليصة تغطي الفاتورة لغاية سقف معين».
وفي هذا السياق، يلاحظ عصام أن «الكثير من موقعي عقود التأمين باتوا غير قادرين على تجديد بوالصهم بسبب الأزمة الاقتصادية، في حين يلجأ البعض إلى الحصول على بوالص بتقديمات أقل، كل حسب ظروفه».
ولم تسمح ظروف مصطفى، الموظف في إحدى الشركات والذي يتقاضى راتبه بالعملة الوطنية، تجديد بوالص التأمين الخاصة به وبعائلته، فأعطى الأولوية لابنه الصغير ووالده السبعيني على نفسه وزوجته «خوفا من أي عارض صحي يصيبهما»، حسبما يروي لـ«الشرق الأوسط».
ويقول مصطفى المنضوي تحت تغطية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي: «اضطررت إلى تخفيض درجة تأمين ابني ووالدي ليشمل الفاتورة الاستشفائية فقط، فأنا أخشى عليهما من أي انتكاسة صحية في هذه الظروف الصعبة، خصوصاً أن المرضى يموتون على أبواب المستشفيات، والأخيرة تطلب دفعات مسبقة بالدولار، أما الضمان الاجتماعي فحدث ولا حرج، ما الفائدة منه أصلا؟».
وأصبحت عملية دخول المرضى المشمولين بالجهات الضامنة، من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ووزارة الصحة وتعاونية الموظفين، إلى المستشفيات عملية مكلفة جدا، إذ ترفض المستشفيات استقبال المضمونين كافة إلا في حالة موافقة المريض على سداد 90 في المائة من الفاتورة الاستشفائية نقداً مقابل 10 في المائة للجهة الضامنة.
ويؤكد نقيب أصحاب شركات التأمين إيلي نسناس لـ«الشرق الأوسط»، أن «شركات التأمين بدأت تتقاضى أقساط البوالص بالدولار النقدي»، عازيا السبب إلى تقاضي المستشفيات فواتيرها على سعر صرف الدولار في السوق الموازية.
كما يذكر أن «التسديد بالدولار النقدي خفض فاتورة البوالص بنسبة تتراوح بين 20 و40 في المائة من السعر الذي كان يدفعه المؤمن في السابق، وحسب البرنامج الذي يختاره، فالبوليصة التي كانت تكلفتها 1000 دولار (3.9 ملايين ليرة لبنانية على سعر منصة صيرفة آنذاك) في السابق، انخفض سعرها وأصبحت بحدود الـ700 دولار (حوالي 15 مليون ليرة لبنانية على سعر السوق الموازية) تقريبا».
وإذ يوضح أن عدداً كبيرا من المؤمنين خفضوا درجات تأمينهم الصحي بسبب الظروف الصعبة التي يمرون بها، يشير إلى «استغناء ما نسبته 15 و20 في المائة عن البوالص بالكامل»، لافتا إلى «لجوء البعض إلى خيارات جديدة طرحتها شركات التأمين تؤمن من خلالها خدمات محدودة وبسعر أرخص لكي لا يبقوا من دون أي تغطية استشفائية».
- بوالص تأمين السيارات
ولا تختلف طريقة دفع تأمين السيارات عن التأمين الصحي، بعدما قضم انهيار سعر صرف العملة الوطنية 90 في المائة من قيمة الرواتب في ظل أسوأ أزمة اقتصادية تشهدها البلاد. وبحسب نسناس، خفضت شركات التأمين أسعار بوالص السيارات مقابل استيفاء ثمنها بالدولار النقدي، كما يشير إلى أن المواطنين خفضوا درجات التأمينات أيضاً، فمن كان يدفع تأميناً ضد جميع المخاطر اختار الذهاب إلى التأمين ضد الغير لتقليل الكلفة بعدما أصبحت البوليصة بالدولار.
وجملة واحدة من مندوب المبيعات لدى شركة التأمين كانت كفيلة بثني اللبناني علي عن تجديد بوليصة تأمين سيارته التي تستحق في مارس (آذار) رغم تخفيض سعرها من 600 دولار إلى 500، بعدما أبلغه أن البوليصة أصبحت تسدد بالدولار النقدي، حسبما يؤكد لـ«الشرق الأوسط».
والموظف الذي يتقاضى راتبا قدره 4 ملايين ليرة لبنانية، يشرح أنه قبل ارتفاع سعر صرف الدولار كان يدفع 600 دولار كلفة بوليصة السيارة وكانت تعادل 900 ألف ليرة لبنانية، ويستدرك قائلا: «مع ذلك كنت أسدد المبلغ على ثلاث دفعات».
ويتخطى مبلغ 600 دولار نقدي الـ12 مليون ليرة لبنانية في السوق السوداء، ويسأل علي «من أين يأتي الموظف بمثل هذا المبلغ خصوصاً من يتقاضى راتبه بالليرة اللبنانية؟». ويقول: «من الآن وحتى رفع الحد الأدنى للأجور أو انتعاش الليرة اللبنانية أو حصول معجزة ما، أنا مجبر على الاكتفاء بالتأمين الإلزامي».



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.