الرياض تستعد لإطلاق قمرين صناعيين باستثمار يتجاوز 650 مليون دولار

استراتيجية سعودية لتعزيز الاقتصاد التقني خلال الـ50 عامًا مقبلة

جانب من المؤتمر الصحافي الذي عقد بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بالرياض لإطلاق قمرين في عام 2018 (تصوير: سعد العنزي)
جانب من المؤتمر الصحافي الذي عقد بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بالرياض لإطلاق قمرين في عام 2018 (تصوير: سعد العنزي)
TT

الرياض تستعد لإطلاق قمرين صناعيين باستثمار يتجاوز 650 مليون دولار

جانب من المؤتمر الصحافي الذي عقد بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بالرياض لإطلاق قمرين في عام 2018 (تصوير: سعد العنزي)
جانب من المؤتمر الصحافي الذي عقد بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بالرياض لإطلاق قمرين في عام 2018 (تصوير: سعد العنزي)

تتجه السعودية نحو تعزيز استراتيجية، تهدف لإيجاد اقتصاد تقني قوي يساعدها، على تجاوز التحديات التي تواجه البنية الاقتصادية، في الخمسين عاما المقبلة.
ويأتي ذلك، بعد عزم السعودية أمس إطلاق قمرين صناعيين في عام 2018، تحقيقا لرؤيتها الاقتصادية لعام 2020 قائم على المعرفة والعلوم والابتكار، وتعزيز الاتصالات الخدمية في كافة المجالات، والتي يبلغ الاستثمار فيهما أكثر من 650 مليون دولار (2.4 مليار ريال).
وأوضح الأمير الدكتور تركي بن سعود رئيس مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، في تصريحات صحافية على هامش المؤتمر الصحافي الذي أطلقته المدينة، بمناسبة توقيع «عرب سات»، عقود تصنيع وإطلاق قمرين جديدين مع شركة «لوكهيد مارتن» و«أريان سبيس»، أن السعودية تهدف لتحقيق رؤيتها الاقتصادية والعلمية المبتكرة.
وأضاف أن المدينة تعمل على تصنيع الأقمار الصناعية محليا منذ عام 1998، وصنعت وأطلقت 13 قمرا، وهي مستمرة في هذا المجال، مشيرا إلى أن المدينة عملت للحصول على أفضل وأحدث التقنيات في مجال الأقمار الصناعية والاستفادة من جميع الإمكانات والقدرات في البلاد.
ولفت إلى أن الحكومة السعودية تستهدف امتلاك أنظمة اتصالات فضائية متطورة وآمنة وتخدم شريحة كبيرة من القطاعات الحكومية والتجارية استكمالا لعمل المدينة في مجال توطين تقنيات الأقمار الصناعية وتطبيقاتها بالبلاد.
ونوه أن الشراكة الاستراتيجية مع «عرب سات»، تعزز المفهوم المتكامل مع أبرز المشغلين للاتصالات الفضائية بالسعودية والمنطقة بشكل عام، بجانب الشراكة مع شركة «لوكهيد مارتن»، المتخصصة في مجال تصنيع الأقمار الصناعية وشركة «تقنية» الفضائية المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة لغرض الرفع من قدرات التصنيع المحلي للأقمار الصناعية بالبلاد.
من ناحيته، قال مارلين هيوسون، الرئيس التنفيذي لشركة «لوكهيد مارتن»: «إننا ملتزمون تجاه إنجاز السعودية لأهدافها الوطنية من خلال المبادرات والشراكات الاستراتيجية، من خلال تعزيز المعرفة وتنمية الخبرات والتطوير في المجال الصناعي والاقتصادي فيها، ولدينا شغف لزيادة الاستثمار في هذا المجال في المستقبل».
وأوضح هيوسون في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن السعودية تلتزم بتخصيص 12 في المائة من الميزانية لتطوير نظام التعليم العالي، معتبرا ذلك أعلى استثمار حكومي من نوعه على مستوى العالم. وأكد أن هذا التوجه السعودي، سيساهم في تسريع إيجاد مؤسسات جديدة مثل تقنية وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية التي دخلت حيز التشغيل خلال الخمسة أعوام الماضية. ولفت هيوسون إلى أن إطلاق قمرين صناعيين بالسعودية في عام 2018 سيمكنها من تعزيز النمو الاقتصادي من خلال الاتصالات الآمنة، بجانب تعزيزه لنمو قطاع الأعمال، مشيرا إلى أن ذلك يوفر أفضل خدمات للتلفزيون والراديو والإنترنت ذات النطاق العريض والهاتف المحمول.
وقال هيوسون: «نتطلع لتعزيز ابتكار يمكن السعودية من تحقيق رؤيتها لعام 2020 وإيجاد اقتصاد تقني قوي، حيث تنامت فيها روح الابتكار»، مشيرا إلى أن الاتفاقية تساعد السعودية على تطوير قدرات الصناعة في مجال الأقمار الصناعية، وخدمات الاتصالات في جميع المجالات.
من جهته، أوضح خالد بالخيور، الرئيس التنفيذي لـ«عرب سات»، أن انضمام القمرين «عرب سات 6A» و«هيلاسات – 4»، إلى أسطول الأقمار الصناعية، التي توفر للملايين من الناس سبل الوصول إلى خدمات التلفزيون والإذاعة، بالإضافة إلى خدمات النطاق الترددي العريض للاتصالات المتنقلة والأرضية.
ولفت بالخيور إلى أن إطلاق القمر 5C عام 2011. أثمر عن بناء قمر تجاري مشترك متكامل مع المدينة وهو القمر (SGS - 1) على موقع «أرب سات» المداري 39 درجة شرق، الذي من شأنه أن يلبي احتياجات المدينة لخدمة السعودية وستثمر الشراكة إن شاء الله عن اتفاقية مع شركة تقنية الفضائية للتعاون في مجال تقديم خدمات الاتصالات الفضائية.
وقدر بالخيور إجمالي الاستثمارات في هذين القمرين والشاملة التصنيع والإطلاق والتأمين في المدار بـ650 مليون دولار، مبينا أنه من شأن هذه الشراكة، توفير احتياجات المدينة لخدمة السعودية، مشيرا إلى أن هذه الشراكة ستثمر عن اتفاقية مع شركة تقنية الفضائية للتعاون في مجال تقديم خدمات الاتصالات الفضائية.
وفي هذا الإطار، بين المهندس عبد الله العصيمي الرئيس التنفيذي لشركة «تقنية» الفضائية أن الشركة ستقدم خدمات الاتصالات واسعة النطاق للمناطق النائية والاستخدام البحري والجوي لكل من القطاع الحكومي والخاص، مشيرا إلى الشراكة مع «لوكهيد مارتن» ستوفر متطلبات أسواق الشرق الأوسط من الأقمار في المدارات الثابتة والمدارات القريبة من الأرض والمحطات الأرضية.
يشار إلى أنه وقعت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية والمؤسسة العربية للاتصالات الفضائية (عرب سات) أمس بالرياض، عقود تصنيع وإطلاق قمرين جديدين مع شركتي لوكهيد مارتن وأريان سبيس ويقدر إجمالي الاستثمار في هذين القمرين والشاملة التصنيع والإطلاق والتأمين في المدار بـ650 مليون دولار.
ويلبي القمر الأول لمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية على الموقع 39 درجة شرقا بالمشاركة مع عرب سات وتصنعه شركة لوكهيد مارتن الأميركية الذي ستطلق عليه المدينة اسم القمر السعودي للاتصالات (SGS - 1) احتياجات خدمة قطاع الاتصالات والنطاق العريض في السعودية.
ويحمل هذا القمر حمولة خاصة لشركة «هيلاس سات» (المملوكة بالكامل لعرب سات) ويوقع عقد الإطلاق هذا القمر مع شركة «أريان سبيس» الفرنسية، أما القمر الثاني فهو قمر عرب سات (6A) على موقع عرب سات (30.5) درجة شرق.
ومن شأن هذه العقود، دعم المركز التنافسي لعرب سات وتأهيلها للبقاء كمزود أول في السوق العربية وأفريقيا ودول الجوار للسعات القمرية والخدمات الفضائية المتطورة.



مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.