«القاهرة للكتاب» يطوي صفحاته بقفزة في مبيعات المؤلفات المدعومة حكومياً

مليونا زائر... و«ثقافتك كتابك» تحقق رواجاً غير مسبوق

جانب من معرض القاهرة الدولي للكتاب
جانب من معرض القاهرة الدولي للكتاب
TT

«القاهرة للكتاب» يطوي صفحاته بقفزة في مبيعات المؤلفات المدعومة حكومياً

جانب من معرض القاهرة الدولي للكتاب
جانب من معرض القاهرة الدولي للكتاب

اختتم معرض القاهرة الدولي للكتاب فعالياته التي استمرت في الفترة من 26 يناير (كانون الثاني) الماضي حتى 7 فبراير (شباط) الحالي، محققاً قفزة كبيرة في عدد الزوار في أيامه الأربعة الأخيرة، نتيجة بدء إجازة منتصف العام الدراسي، حيث يشكل طلبة المدارس والجامعات القوة الضاربة لجمهور المعرض تاريخياً، ما أدى إلى انتعاشة جماهيرية لافتة، فقفز متوسط عدد زوار اليوم الواحد ليقارب ربع مليون زائر.
وحسب بيان صادر عن وزيرة الثقافة المصرية، د. إيناس عبد الدايم، فإن «هذه الدورة مثلت تظاهرة ثقافية عالمية جسدت قيمة ومكانة ريادة مصر الحضارية وتفرد هويتها وشخصيتها، حيث يعد المعرض أحد أكبر التجمعات الفعلية للناشرين على مستوى العالم؛ وشارك فيه هذا العام 1063 ناشراً مصرياً وعربياً وأجنبياً وتوكيلاً من 51 دولة ما يجعله عيداً للقراءة والكتاب». وذكر البيان أن عدد الزائرين خلال هذه الدورة 53 من عمر المعرض بلغ أكثر من 2 مليون زائر. وفيما يتعلق بقائمة الكتب الأكثر مبيعاً، حققت مبادرة «ثقافتك كتابك» نجاحاً كبيراً للدورة الثانية على التوالي، وتصدرت قائمة الأعلى رواجاً، حيث بلغت مبيعاتها ما يقرب من 143 ألف نسخة شملت الكثير من العناوين، كان منها «تحديات القرن الحادي والعشرين، الداء العربي، من هدي القرآن، تراثنا والمعاصرة، تجديد الخطاب الفكري، الشباب والبحث عن الذات، ملحمة أكتوبر»، بالإضافة إلى العناوين الصادرة عن سلاسل النشر التابعة للوزارة مثل «الذخائر» و«الهوية» و«الفلسفة» و«آفاق عالمية».
وتعد «ثقافتك كتابك» مبادرة حكومية أطلقتها وزارة الثقافة المصرية عبر منابرها المختلفة للنشر، لا سيما الهيئة العامة للكتاب والهيئة العامة لقصور الثقافة، تستهدف توفير مئات العناوين من المؤلفات الحديثة والتراثية بأسعار زهيدة تبدأ بجنيه واحد ولا تتجاوز العشرين جنيهاً بمشاركة بعض دور النشر الخاصة. وفيما يتعلق بالمنصة الرقمية، أشار البيان إلى أن هذه الدورة شهدت الانطلاقة الثانية لها، حيث سجلت أكثر من 128 مليون زيارة، كما بلغ عدد الزائرين المسجلين عليها قرابة مليون زائر، وبلغت عدد الجولات الافتراضية للمعرض أكثر من 102 ألف جولة، وبلغ عدد مشاهدات الكتب على المنصة للهيئات ودور النشر المشاركة في المعرض 2.5 مليون مشاهدة. ولكن المتابع للأرقام التي أوردها البيان يلحظ تواضعاً في المبيعات الفعلية عبر تلك المنصة، فقد بلغت مبيعات الكتب «أون لاين» على المنصة فقط 369 كتاباً رقمياً، و58 كتاباً ورقياً، وبلغ عدد طلبات الشحن للكتب من المنصة 364 طلباً.
من ناحية أخرى، بلغ عدد الأنشطة الثقافية المصاحبة 317 فعالية بين مؤتمرات ولقاءات وندوات، أبرزها الصالون الثقافي، ومن أبرز الندوات الفكرية العامة التي شهدها برنامج المعرض «المنصات الرقمية وثقافة الشباب»، «السياسة المصرية والتوازن الاستراتيجي»، «الخطاب الديني وهوية مصر»، كما حظيت الرواية بنصيب الأسد في مناقشات «ملتقى الإبداع»، ومن أبرزها روايات: «حانة الست» لمحمد بركة، و«رابطة كارهي سليم العشي» لسامح الجباس، و«عظومة» لعصام البرعي. وشهد البرنامج الفني 167 فعالية تنوعت بين العروض الموسيقية والغناء، والإنشاد الديني، والفنون الشعبية.

النشر وهموم الترجمة

شهدت الدورة برنامجاً مهنياً تضمن 17 فعالية متخصصة في مجال صناعة النشر هو برنامج «كايرو كولينج» للناشرين الأجانب، وحضره ناشرون من أكثر من 10 دول غير عربية، ثم «المؤتمر الدولي لتعاون الناشرين في عصر ما بعد كورونا»، الذي تم تنظيمه بالتعاون مع معرض بكين الدولي للكتاب افتراضياً، وضم كلمات مسجلة لأكثر من 30 متحدثاً من مختلف الدول حول موضوع: سبل التعاون وتعزيز التنمية المشتركة في صناعة النشر.
ومن أبرز أنشطة الدورة الأخيرة «مؤتمر الترجمة عن العربية جسر للحضارة - كتبنا تنير العالم» بمشاركة كل من وزارتي الأوقاف، والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، ومجمع اللغة العربية، ومركز أبوظبي للغة العربية، ودولة اليونان ضيف شرف المعرض، والاتحاد الدولي للناشرين، وبحضور مترجمين مصريين وعرب وأجانب معنيين بالترجمة، وشمل المؤتمر ثلاث ورش الأولى في موضوع «حضور الكتاب العربي في مكتبات العالم ما بين الواقع والطموح»، والثانية تناولت موضوع «صعوبات الترجمة عن العربية وأفقها»، والثالثة استعرضت «ماذا يريد الناشر الأجنبي وماذا يرشح الناشر العربي؟». وانتهى مؤتمر الترجمة إلى عدد من التوصيات؛ أبرزها أن يكون هذا المؤتمر مؤتمراً سنوياً تتبناه وزارة الثقافة المصرية، وأن تتبنى الدولة المصرية مشروعاً وطنياً للترجمة عن العربية، تقدم فيه الدعم للناشر والمترجم حتى يكون جسراً للثقافة والإبداع العربي إلى الخارج، وكذلك وضع سياسات واضحة ومحددة لخطة الترجمة عن العربية، مع دعوة أقسام وكليات اللغة العربية في الجامعات الأجنبية، ودور النشر العالمية المهتمة بالترجمة عن اللغات الأخرى، والمترجمين الأجانب عن اللغة العربية، لحضور فعاليات المؤتمر المقبل.

أنشطة متنوعة

من الأنشطة اللافتة الجديدة التي شهدتها هذه الدورة برنامج القاهرة التدريبي للناشرين «برديات»، الذي يضم خمس ورش تدريبية متخصصة، حاضر فيها ناشرون ومتخصصون في الجوانب المتعلقة بصناعة النشر، وهدفت إلى تقديم معرفة احترافية للناشر المصري والعربي، فضلاً عن أربع ندوات تغطي جوانب فنية وتسويقية وتثقيفية للعاملين في صناعة النشر. وتم إطلاق مبادرة معرض القاهرة لضخ دماء جديدة تنعش وتطور صناعة النشر تحت اسم «صنايعية الكتاب»، التي خصص لها مقر ثابت بالمعرض لاستقبال الصناع من الشباب وتجميع بياناتهم، وتقديمها لاحقاً للناشرين. وانتهى البرنامج بمحاوره السبعة إلى عدة توصيات منها، إعداد دراسة وطنية عن صناعة النشر، بفروعها كافة، في مصر، تتعاون في إعدادها جميع الجهات ذات الصلة، وكذلك إعداد برنامج تدريب وطني للارتقاء بصناعة النشر والقائمين عليها، تقوم بتنسيقه وزارة الثقافة ممثلة في الهيئة المصرية العامة للكتاب مع الجهات ذات الصلة.
كما أوصى الخبراء باتساع منصة الهيئة المصرية العامة للكتاب لبيع وتسويق الكتاب، لتشمل جميع جهات النشر في مصر، وتحتوي على قاعدة بيانات رقمية بكل الكتب المنشورة في مصر.
ولأول مرة في تاريخ المعرض، يتم استخدام أحدث أساليب التطور التكنولوجي والذكاء الصناعي، حيث ظهرت شخصية المعرض الأديب يحيى حقي بتقنية «الهولوغرام» في عرض تفاعلي مع الجمهور، وذلك من خلال شاشة تعمل باللمس، تمكن رواد القاعة المخصصة للأطفال من مشاهدة إحدى قصص الأديب الراحل عبد التواب يوسف شخصية معرض كتاب الطفل مجسمة افتراضياً باستخدام نظارات «ثرى دي».

آراء حول المعرض

يرى المترجم المتخصص في اللغة الإسبانية محمد الفولي، أنه رغم الإيجابيات التي شهدتها الدورة الحالية مثل تحسين منظومة الحجز الإلكتروني وخدمة توصيل الكتب عبر البريد المصري إلى باب البيت وغيرها، إلا أن هناك بعض النقاط التي أثرت سلباً، ويمكن تفاديها مستقبلاً، وأبرزها انطلاق الدورة في فترة تزامنت مع امتحانات نصف العام، ما تسبب في تراجع الإقبال بشكل ملحوظ في الأيام الأولى، وهو الأمر الذي تحول إلى النقيض بعد انتهاء الامتحانات، مضيفاً أن ثمة نقاطاً سلبية أخرى تتعلق بسبل راحة زوار المعرض، وأبرزها ضعف شبكة المحمول، وبالتبعية الإنترنت، خصوصاً في الأيام الأخيرة التي شهدت إقبالاً كبيراً، ما عرقل نوعاً ما عملية التواصل بين الأصدقاء من قراء وكتاب. وتؤكد الباحثة والكاتبة الصحافية سهير عبد الحميد، وجود نقص واضح في الخدمات المقدمة لجمهور المعرض عموماً، حيث لا توجد أماكن كافية للانتظار، غير الأماكن المخصصة داخل ساحة المعرض، ما أدى إلى عزوف الكثيرين عن زيارة المعرض كما هو المعتاد أكثر من مرة، كما لا توجد تغطية جيدة لشبكة الإنترنت.
تضيف عبد الحميد، «أن خدمة التعريف بأماكن دور النشر لم تكن متاحة بشكل جيد، خصوصاً للجمهور العادي، كما أن الأماكن المخصصة لدور النشر متجاورة بشكل كبير داخل القاعات بما لا يتناسب مع الجائحة التي تواجهنا، والزحام الشديد، خصوصاً في الدور التي يكون عليها إقبال كبير مثل جناح الهيئة العامة للكتاب والهيئة العامة لقصور الثقافة والمركز القومي للترجمة».
ويشيد د. محمد سعيد، عضو اتحاد المؤرخين العرب، بالتطور الكبير الذي شهدته الدورة الأخيرة للمعرض، لا سيما وجود صالة كاملة للطفل تقدم أنشطة وخدمات مجاناً متعلقة بالفئات العمرية الأصغر سناً، وكذلك جناح الأزهر الشريف الذي يقدم بانوراما ممتعة عن تاريخ هذه المؤسسة الدينية العريقة، متمنياً على إدارة المعرض في دوراته المقبلة أن تتوسع في فكرة عروض البانورما لاستعراض تاريخنا وثقافتنا ورموزنا العلمية والفنية والأدبية، وأن يكون هناك تنسيق كامل مع وسائل الإعلام لعرض أبرز الندوات والصالونات الثقافية، فضلاً عن تشجيع الصالونات الثقافية ومراكز الدراسات العلمية والبحثية على عقد المزيد من الندوات والمؤتمرات داخل المعرض، وكذلك تشجيع المدارس والجامعات، وذلك بالتنسيق مع وزارتي التربية والتعليم العالي على تخصيص أجنحة لها، لعرض الأنشطة الطلابية العلمية والأدبية والفنية.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».