«القاهرة للكتاب» يطوي صفحاته بقفزة في مبيعات المؤلفات المدعومة حكومياً

مليونا زائر... و«ثقافتك كتابك» تحقق رواجاً غير مسبوق

جانب من معرض القاهرة الدولي للكتاب
جانب من معرض القاهرة الدولي للكتاب
TT

«القاهرة للكتاب» يطوي صفحاته بقفزة في مبيعات المؤلفات المدعومة حكومياً

جانب من معرض القاهرة الدولي للكتاب
جانب من معرض القاهرة الدولي للكتاب

اختتم معرض القاهرة الدولي للكتاب فعالياته التي استمرت في الفترة من 26 يناير (كانون الثاني) الماضي حتى 7 فبراير (شباط) الحالي، محققاً قفزة كبيرة في عدد الزوار في أيامه الأربعة الأخيرة، نتيجة بدء إجازة منتصف العام الدراسي، حيث يشكل طلبة المدارس والجامعات القوة الضاربة لجمهور المعرض تاريخياً، ما أدى إلى انتعاشة جماهيرية لافتة، فقفز متوسط عدد زوار اليوم الواحد ليقارب ربع مليون زائر.
وحسب بيان صادر عن وزيرة الثقافة المصرية، د. إيناس عبد الدايم، فإن «هذه الدورة مثلت تظاهرة ثقافية عالمية جسدت قيمة ومكانة ريادة مصر الحضارية وتفرد هويتها وشخصيتها، حيث يعد المعرض أحد أكبر التجمعات الفعلية للناشرين على مستوى العالم؛ وشارك فيه هذا العام 1063 ناشراً مصرياً وعربياً وأجنبياً وتوكيلاً من 51 دولة ما يجعله عيداً للقراءة والكتاب». وذكر البيان أن عدد الزائرين خلال هذه الدورة 53 من عمر المعرض بلغ أكثر من 2 مليون زائر. وفيما يتعلق بقائمة الكتب الأكثر مبيعاً، حققت مبادرة «ثقافتك كتابك» نجاحاً كبيراً للدورة الثانية على التوالي، وتصدرت قائمة الأعلى رواجاً، حيث بلغت مبيعاتها ما يقرب من 143 ألف نسخة شملت الكثير من العناوين، كان منها «تحديات القرن الحادي والعشرين، الداء العربي، من هدي القرآن، تراثنا والمعاصرة، تجديد الخطاب الفكري، الشباب والبحث عن الذات، ملحمة أكتوبر»، بالإضافة إلى العناوين الصادرة عن سلاسل النشر التابعة للوزارة مثل «الذخائر» و«الهوية» و«الفلسفة» و«آفاق عالمية».
وتعد «ثقافتك كتابك» مبادرة حكومية أطلقتها وزارة الثقافة المصرية عبر منابرها المختلفة للنشر، لا سيما الهيئة العامة للكتاب والهيئة العامة لقصور الثقافة، تستهدف توفير مئات العناوين من المؤلفات الحديثة والتراثية بأسعار زهيدة تبدأ بجنيه واحد ولا تتجاوز العشرين جنيهاً بمشاركة بعض دور النشر الخاصة. وفيما يتعلق بالمنصة الرقمية، أشار البيان إلى أن هذه الدورة شهدت الانطلاقة الثانية لها، حيث سجلت أكثر من 128 مليون زيارة، كما بلغ عدد الزائرين المسجلين عليها قرابة مليون زائر، وبلغت عدد الجولات الافتراضية للمعرض أكثر من 102 ألف جولة، وبلغ عدد مشاهدات الكتب على المنصة للهيئات ودور النشر المشاركة في المعرض 2.5 مليون مشاهدة. ولكن المتابع للأرقام التي أوردها البيان يلحظ تواضعاً في المبيعات الفعلية عبر تلك المنصة، فقد بلغت مبيعات الكتب «أون لاين» على المنصة فقط 369 كتاباً رقمياً، و58 كتاباً ورقياً، وبلغ عدد طلبات الشحن للكتب من المنصة 364 طلباً.
من ناحية أخرى، بلغ عدد الأنشطة الثقافية المصاحبة 317 فعالية بين مؤتمرات ولقاءات وندوات، أبرزها الصالون الثقافي، ومن أبرز الندوات الفكرية العامة التي شهدها برنامج المعرض «المنصات الرقمية وثقافة الشباب»، «السياسة المصرية والتوازن الاستراتيجي»، «الخطاب الديني وهوية مصر»، كما حظيت الرواية بنصيب الأسد في مناقشات «ملتقى الإبداع»، ومن أبرزها روايات: «حانة الست» لمحمد بركة، و«رابطة كارهي سليم العشي» لسامح الجباس، و«عظومة» لعصام البرعي. وشهد البرنامج الفني 167 فعالية تنوعت بين العروض الموسيقية والغناء، والإنشاد الديني، والفنون الشعبية.

النشر وهموم الترجمة

شهدت الدورة برنامجاً مهنياً تضمن 17 فعالية متخصصة في مجال صناعة النشر هو برنامج «كايرو كولينج» للناشرين الأجانب، وحضره ناشرون من أكثر من 10 دول غير عربية، ثم «المؤتمر الدولي لتعاون الناشرين في عصر ما بعد كورونا»، الذي تم تنظيمه بالتعاون مع معرض بكين الدولي للكتاب افتراضياً، وضم كلمات مسجلة لأكثر من 30 متحدثاً من مختلف الدول حول موضوع: سبل التعاون وتعزيز التنمية المشتركة في صناعة النشر.
ومن أبرز أنشطة الدورة الأخيرة «مؤتمر الترجمة عن العربية جسر للحضارة - كتبنا تنير العالم» بمشاركة كل من وزارتي الأوقاف، والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، ومجمع اللغة العربية، ومركز أبوظبي للغة العربية، ودولة اليونان ضيف شرف المعرض، والاتحاد الدولي للناشرين، وبحضور مترجمين مصريين وعرب وأجانب معنيين بالترجمة، وشمل المؤتمر ثلاث ورش الأولى في موضوع «حضور الكتاب العربي في مكتبات العالم ما بين الواقع والطموح»، والثانية تناولت موضوع «صعوبات الترجمة عن العربية وأفقها»، والثالثة استعرضت «ماذا يريد الناشر الأجنبي وماذا يرشح الناشر العربي؟». وانتهى مؤتمر الترجمة إلى عدد من التوصيات؛ أبرزها أن يكون هذا المؤتمر مؤتمراً سنوياً تتبناه وزارة الثقافة المصرية، وأن تتبنى الدولة المصرية مشروعاً وطنياً للترجمة عن العربية، تقدم فيه الدعم للناشر والمترجم حتى يكون جسراً للثقافة والإبداع العربي إلى الخارج، وكذلك وضع سياسات واضحة ومحددة لخطة الترجمة عن العربية، مع دعوة أقسام وكليات اللغة العربية في الجامعات الأجنبية، ودور النشر العالمية المهتمة بالترجمة عن اللغات الأخرى، والمترجمين الأجانب عن اللغة العربية، لحضور فعاليات المؤتمر المقبل.

أنشطة متنوعة

من الأنشطة اللافتة الجديدة التي شهدتها هذه الدورة برنامج القاهرة التدريبي للناشرين «برديات»، الذي يضم خمس ورش تدريبية متخصصة، حاضر فيها ناشرون ومتخصصون في الجوانب المتعلقة بصناعة النشر، وهدفت إلى تقديم معرفة احترافية للناشر المصري والعربي، فضلاً عن أربع ندوات تغطي جوانب فنية وتسويقية وتثقيفية للعاملين في صناعة النشر. وتم إطلاق مبادرة معرض القاهرة لضخ دماء جديدة تنعش وتطور صناعة النشر تحت اسم «صنايعية الكتاب»، التي خصص لها مقر ثابت بالمعرض لاستقبال الصناع من الشباب وتجميع بياناتهم، وتقديمها لاحقاً للناشرين. وانتهى البرنامج بمحاوره السبعة إلى عدة توصيات منها، إعداد دراسة وطنية عن صناعة النشر، بفروعها كافة، في مصر، تتعاون في إعدادها جميع الجهات ذات الصلة، وكذلك إعداد برنامج تدريب وطني للارتقاء بصناعة النشر والقائمين عليها، تقوم بتنسيقه وزارة الثقافة ممثلة في الهيئة المصرية العامة للكتاب مع الجهات ذات الصلة.
كما أوصى الخبراء باتساع منصة الهيئة المصرية العامة للكتاب لبيع وتسويق الكتاب، لتشمل جميع جهات النشر في مصر، وتحتوي على قاعدة بيانات رقمية بكل الكتب المنشورة في مصر.
ولأول مرة في تاريخ المعرض، يتم استخدام أحدث أساليب التطور التكنولوجي والذكاء الصناعي، حيث ظهرت شخصية المعرض الأديب يحيى حقي بتقنية «الهولوغرام» في عرض تفاعلي مع الجمهور، وذلك من خلال شاشة تعمل باللمس، تمكن رواد القاعة المخصصة للأطفال من مشاهدة إحدى قصص الأديب الراحل عبد التواب يوسف شخصية معرض كتاب الطفل مجسمة افتراضياً باستخدام نظارات «ثرى دي».

آراء حول المعرض

يرى المترجم المتخصص في اللغة الإسبانية محمد الفولي، أنه رغم الإيجابيات التي شهدتها الدورة الحالية مثل تحسين منظومة الحجز الإلكتروني وخدمة توصيل الكتب عبر البريد المصري إلى باب البيت وغيرها، إلا أن هناك بعض النقاط التي أثرت سلباً، ويمكن تفاديها مستقبلاً، وأبرزها انطلاق الدورة في فترة تزامنت مع امتحانات نصف العام، ما تسبب في تراجع الإقبال بشكل ملحوظ في الأيام الأولى، وهو الأمر الذي تحول إلى النقيض بعد انتهاء الامتحانات، مضيفاً أن ثمة نقاطاً سلبية أخرى تتعلق بسبل راحة زوار المعرض، وأبرزها ضعف شبكة المحمول، وبالتبعية الإنترنت، خصوصاً في الأيام الأخيرة التي شهدت إقبالاً كبيراً، ما عرقل نوعاً ما عملية التواصل بين الأصدقاء من قراء وكتاب. وتؤكد الباحثة والكاتبة الصحافية سهير عبد الحميد، وجود نقص واضح في الخدمات المقدمة لجمهور المعرض عموماً، حيث لا توجد أماكن كافية للانتظار، غير الأماكن المخصصة داخل ساحة المعرض، ما أدى إلى عزوف الكثيرين عن زيارة المعرض كما هو المعتاد أكثر من مرة، كما لا توجد تغطية جيدة لشبكة الإنترنت.
تضيف عبد الحميد، «أن خدمة التعريف بأماكن دور النشر لم تكن متاحة بشكل جيد، خصوصاً للجمهور العادي، كما أن الأماكن المخصصة لدور النشر متجاورة بشكل كبير داخل القاعات بما لا يتناسب مع الجائحة التي تواجهنا، والزحام الشديد، خصوصاً في الدور التي يكون عليها إقبال كبير مثل جناح الهيئة العامة للكتاب والهيئة العامة لقصور الثقافة والمركز القومي للترجمة».
ويشيد د. محمد سعيد، عضو اتحاد المؤرخين العرب، بالتطور الكبير الذي شهدته الدورة الأخيرة للمعرض، لا سيما وجود صالة كاملة للطفل تقدم أنشطة وخدمات مجاناً متعلقة بالفئات العمرية الأصغر سناً، وكذلك جناح الأزهر الشريف الذي يقدم بانوراما ممتعة عن تاريخ هذه المؤسسة الدينية العريقة، متمنياً على إدارة المعرض في دوراته المقبلة أن تتوسع في فكرة عروض البانورما لاستعراض تاريخنا وثقافتنا ورموزنا العلمية والفنية والأدبية، وأن يكون هناك تنسيق كامل مع وسائل الإعلام لعرض أبرز الندوات والصالونات الثقافية، فضلاً عن تشجيع الصالونات الثقافية ومراكز الدراسات العلمية والبحثية على عقد المزيد من الندوات والمؤتمرات داخل المعرض، وكذلك تشجيع المدارس والجامعات، وذلك بالتنسيق مع وزارتي التربية والتعليم العالي على تخصيص أجنحة لها، لعرض الأنشطة الطلابية العلمية والأدبية والفنية.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».