ناصر الحلواني: ما أردت إثارته لدى القراء أن يحثهم النص على التفكير والبحث عن المعنى

القاص والمترجم المصري يقول إن التاريخ يعينه على فهم الواقع

ناصر الحلواني
ناصر الحلواني
TT

ناصر الحلواني: ما أردت إثارته لدى القراء أن يحثهم النص على التفكير والبحث عن المعنى

ناصر الحلواني
ناصر الحلواني

يؤثر القاص والمترجم المصري ناصر الحلواني منطقة الظل، ويرى أنها «الأنسب لطبيعتي الشخصية التي تميل إلى العزلة والتأمل الفلسفي». هذه الأجواء لم تنفصل عن مناخات أعماله القصصية والروائية التي تعتمد على التكثيف واستخدام الرموز، ومنها مجموعته الأولى «مدائن البدء» عام 1989، وروايته «مطارح حط الطير». والحلواني هو مترجم أيضاً، وقد ترجم أعمالاً لمجموعة من الكتاب منهم: توني موريسون، كالفينو، عبد الرازق جورنه، وأوسكار وايلد.
هنا حوار معه حول أعماله، ورؤيته الأدبية وهموم الكتابة.
> في مجموعتك القصصية «مدائن البدء» تكثيف شديد، ومشهدية تقترب كثيراً من التجريد، ما المؤثرات التي دفعتك للجوء لهذا الشكل في الكتابة، وما هو مبرره فنياً؟
- هذا صحيح، ولإدراكي باختلافها عن الكتابة السائدة في ذاك الحين (1989) أضفت، على غير عادة كتاب القصة القصيرة، مقدمة للمجموعة، كدليل إلى وجهتها وكيفية التعامل معها لتحقيق قراءة أفضل. كان المؤثر الجوهري هو نظرتي الفلسفية إلى العالم. كنت مشبعاً بنظرة مثالية، أفلاطونية تحديداً، جعلتني أتجاوز المادية إلى الجوهر المعنوي، اللبّ، وكنت أقصد تجسيد الفكرة، أكثر من مجرد التعبير عنها. كنت أرى ذلك في الموسيقى، والفن التشكيلي، وبعض الشعر، وبعض فنيات السينما، والعنصر الأهم كان هو اللغة، وأنت تعلم كم هي ثرية ودقيقة لغتنا العربية.
> لكن لماذا الغموض واللجوء لهذا الشكل المشفَّر الذي يبدو مستغلقاً أمام القارئ؟
- اسمح لي أن أختلف معك حول المفهوم؛ فالغموض إخفاء ومداراة وتعمية، أما ما قصدت أنا إليه فهو الترميز القابل لفك شفرته، والمجاز المتضمن لمفاتيحه، وإن كنت أتفق معك في صعوبة فك الشفرة، ويرجع ذلك ربما إلى محدودية الثقافة بشكل عام لدى القراء، ولعل هذا مرجعه إلى موضوع القراءة والتعلم في ثقافتنا، وما أردت إثارته لدى القراء، أن يُثري النص معارفهم، ويحثهم على البحث عن المعنى، لتنشيط ملكة النظر والنقد والفهم لواقعهم.
> ثمة حس صوفي يكاد يسيطر على أجواء أعمالك القصصية، ويظهر ممتزجاً مع ما هو حسي وجسدي. وما الذي ترمي إليه من خلال هذا المزج؟
- يرجع ذلك إلى طبيعتي الشخصية، وما أثر فيها من جوانب فلسفية وفكرية، فقد كنت، وما زلت، ميالاً للعزلة والتأمل، والعالم يسلبك هذه المتعة. التصوف، بمفاهيمه، وأحواله ومقاماته المجردة، وليس بشطحاته الفكرية، هو ما جذبني، أو لنقل انجذب إليَّ، حيث كانت نفسي بيئة خصبة له. أما تجليه أدبياً، فلأنه كان التعبير عن السمو والرفعة والنقاء، وهذا ما رغبت في نقله إلى قارئي، إضافة إلى الجانب المعرفي، وأقصد به الجانب الأخلاقي؛ فالجسد مادة أرضية معتمة تتسم بالشهوانية، ولكنه يؤوي روحاً من مادة سماوية نورانية تتسم بالأخلاقية، وبينهما يدور الصراع الأزلي الأبدي، ودعوتي أن على الإنسان أن يدرك أن مادة جسده تنطوي على روح نقية، فلا يهملها، وعلى علاقاته بالعالم أن تمضي بحسب هذا الجانب الروحي.
> في روايتك «مطارح حط الطير» تلجأ لتفكيك مركزية الحدث. وتعدد مستويات السرد والاجتراء على التناص، وهناك هيمنة للمتخيل السردي على الواقعي... ألم تخش أن يؤدي ذلك إلى تشكيل صعوبات في التلقي؟
- بالنسبة لبنية الرواية، ومسألة تفكيك الحدث، فقد رغبت في أن تتناول الرواية تاريخ الأندلس منذ عبور طارق بن زياد وموسى بن نصير إلى ساحل شبه جزيرة إيبيريا (الأندلس) وحتى تسليم أبي عبد الله مفاتيح غرناطة إلى فرديناند وإيزابيللا، وهي فترة بالغة الطول (711م إلى 1492م)، نحو ثمانمائة عام، بالإضافة إلى أنني لم أقصد إلى كتابة رواية تاريخية بالشكل المعروف، بل قصدت إلى التعبير عن الدلالات والمعاني، واستلهام الأحداث التاريخية، كنوع من فهم التاريخ، للإفادة منه في فهم واقعنا في زمن القراءة؛ ولهذا كان الشكل الأنسب لذلك، ولطبيعة أسلوبي المكثف والموجز، هو تقسيم التاريخ إلى لحظات حاسمة تعبر عنه، ولعلك تلاحظ، وهو أمر لم يلحظه أو يشير إليه أحد، أن فصول الرواية ثمانية، وتاريخ الأندلس بالقرون ثمانية. أما هيمنة المتخيل، فهو الأنسب لعمل أدبي لا يقصد إلى التاريخ، بل إلى خلق نص إبداعي وجمالي يثير في القارئ شغف النظر إلى الأحداث من وجهة مختلفة، أعمق وأكثر إحاطة. وعن صعوبة التلقي، فهذا ما حدث بالفعل، ولكن مرجعه ما سبق أن ذكرته عن الحالة الثقافية والمستوى المعرفي لدى القارئ عموماً، فالرواية حشد من الدلالات والإشارات والرموز، لذلك تحتاج إلى معرفة، ولو بسيطة، بتاريخ الأندلس وأهم أحداثه وشخصياته.
> حدثني عن موقفك من القارئ باعتباره ضلعاً مهماً من أضلاع أي عمل إبداعي؟
- تقوم العملية الإبداعية، بمعناها الأوسع، على ثلاثة أضلاع «الكاتب والناقد والقارئ». ويحدث الخلل في المجال الإبداعي بضعف واحد أو أكثر من هذه الأضلاع. بالنسبة لمسألة تصور الكاتب لقارئه فأضعها، كإشكالية، على هذا النحو، يبدع الكاتب الذي يوافق ذاته وخبراته وشخصيته، ويقرأه من يتوافق معه أو يجذبه ذلك، أو يجعل إبداعه على النحو الذي يوافق قارئ بعينه، وربما يكون ذلك مناسباً في كتابة القصص البوليسية، أو قصص الإثارة المسلسلة وما يشبهها، أما حدوثه من مبدع أدبي فهو أشبه بصنع أفلام رخيصة لأجل تحقيق مكاسب مادية، والأمر بالنسبة لي ليس فقط ما يريده الكاتب من قارئه، بل أيضاً ما يريد الكاتب لقارئه.
> هل هذا ما يبرر الحضور الشخصي للمؤلف في تضاعيف روايتك «مطارح حط الطير» والأحداث لديك؟
- مقدمتي لرواية «مطارح حط الطير» مهرتها بتوقيع «نون»، وهو الشخصية الرئيسية، ولكنها جاءت في أسلوب يغاير أسلوب خطاب الراوي في الرواية، أردت بذلك القول أنني المؤلف هو نفسه نون بطل الرواية، ورأيتني أشبه بالمايسترو، لا يعزف، ولكن يقود العازفين، فهو موجود، وكان الشكل الفني للرواية يستلزم وجوده، ولو على نحو خفي، ليوجه دفة السرد إلى غايته، فلا يتوهم القارئ أنه أمام رواية تاريخية بالشكل المعتاد، فيفوِّت بذلك الفائدة الجوهرية الكامنة في تخليق نظرة إلى ذلك الحدث المهم والخاص في تاريخه، والاستفادة منه، وكذلك نظرة إلى التاريخ عموماً، تقدر على تحصيل خلاصة جوهرية لمساره.
> ترجمت كثيراً من قصص وأعمال توني موريسون، وإيتالو كالفينو وعبد الرازق جورنه وأوسكار وايلد، وغيرهم... ما الذي أضافه المترجم ناصر الحلواني إلى وجهه الآخر «الكاتب»؟
- تمثل الترجمة لي نوعاً من القراءة المتأنية والعميقة لنوع الكتابة الذي أفضله، ويوافق شخصيتي الإبداعية؛ ولهذا لا أترجم، في غالب الأحيان، غير الأعمال التي تقترب في مزاجها من أعمالي، وأقصد بذلك الجانب الشعري والكثافة وتألق المجاز، فمعظم من ترجمت لهم هم إلى جانب كتابة القصة والرواية، شعراء. أما فعل الترجمة بالنسبة لي، فكان ذا فائدتين، الأولى: الانشغال بعمل في فترات الركود الإبداعي، والأخرى: نافذة ثقافية ومعرفية بالغة الأهمية، سواء من الوجهة الإبداعية؛ بالتعرف على الجديد من أساليب سردية، وتصوير إبداعي للأحداث وبنية العمل، ومن الوجهة المعرفية؛ بالاطلاع على مناهج فكرية، وأساليب تناول الأفكار العميقة ببساطة متمكنة، وكذلك التعرف على حيوات المبدعين، وتأثيرات واقعهم وشخصياتهم على إبداعهم.
> في مجموعتك القصصية «غوايات الظل» هناك محاولات للبعد عما قيل عن مجموعتك السابقة «مدائن البدء» التي يغلب عليها التجريد واللغة الشعرية المحلقة... لماذا لم تسع في الطريق نفسها وتحفر في الاتجاه نفسه؟
- بعد صدور مجموعتي «مدائن البدء»، لمست الإعجاب الواضح بكتابتي وتميزها لدى القراء من الكتاب والنقاد، ولكنني لمست أيضاً صعوبة في التلقي لدى القارئ العادي، بل لدى بعض الكتاب؛ لما ذكرته من نظرتي المثالية التي دفعتني إلى الاهتمام باللغة والتجريد، وحيث إني كثير المراجعة لنفسي، ولا أنشغل بمسألة الشهرة، وصنع ما يعجب الجمهور، شعرت أني لم أحقق مبتغاي الأصلي والأهم، وهو دوري مع القارئ، بخاصة العادي، فهو من أرغب، بقدر استطاعتي، في تنمية ذائقته الجمالية، ليتخلق لديه معيار يميز به بين الجيد والرديء، وليجد ما يجذبه في العمل فيستمر في القراءة، فشرعت في إعادة النظر في نصوصي الأولى، وبحثت وقرأت الكثير من الكتب النظرية والأعمال الأدبية، كما كانت محاولتي تلك نوعاً من التطور، حاولت فيه أن أمزج بين أسلوبي الشعري، وبين تطوير الجانب السردي، وأن أوازن، بقدر المستطاع، بينهما، ليجد القارئ جسداً واضحاً يأخذ به بسهولة إلى روح النص. ولعل هذا ما حققته بنحو أكبر في مجموعتي القصصية «أرواح تترى» (2019).
> لماذا رجعت في مجموعة «لحظات» إلى كتابة قصص قصيرة جداً، كأنك تكمل دائرة «مدائن البدء»، ما العناصر اللي اتكأت عليها في كتابة هذه المجموعة؟
- القصة القصيرة جداً، بالمناسبة، تعد من الأشكال الأدبية الصعبة، ففي نص قد لا يتجاوز حجمه ما بين عشرين إلى مائة كلمة يتحقق السردي، والبنية، والصورة، والمفارقة، والوجازة، بالإضافة للمعنى المقصود، فكأنما أنت النفَّرِي في مواقفه، أو صوفي تجلت له في لحظة وجْد حقائق وأسرار خفية، أو فيلسوف يضع في عبارة مجمل فلسفته، وأن تجعل ذلك في شكل واضح ومفهوم وبسيط، قادر على أن يحمل إلى ذهن القارئ حكمة، أو فهماً، يؤثر فيه ويجعله يغير من نظرته للعالم. وإذا رجعنا إلى أصل هذا الشكل من الكتابة فسنجده لدى الحكماء القدماء، وإبداعياً هو نوع من التطور الفكري والإبداعي لدى الكاتب. وربما جاء هذا الشكل الفني نتيجة للتطور الحاصل في العالم، ثقافياً وتكنولوجياً واجتماعياً، وصار هو الشكل المناسب لقارئ هذا العصر. وبالنسبة لي فأعمالي القصصية القصيرة جداً في مجموعة «لحظات» تختلف عن نصوص مجموعة «مدائن البدء» كثيراً، فهي مقصودة في هذا الشكل هنا، كما أنها سردية إلى حد كبير.
> هل من أعمال جديدة قادمة؟
- نعم، هناك مجموعة جديدة أوشك على إتمامها، عنوانها «معنى الوردة»، وهو عنوان إحدى قصصها، تتضمن عدداً من القصص القصيرة، بعضها أطول من المعتاد في نصوصي السابقة.



«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية
TT

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام العالمية بالنمو التكنولوجي الهائل للعملاق الصيني ومعدلات نموه القياسية، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» للصيني «هو أنيان» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لعامل بسيط قضى عقدين من الزمن، وهو في صراع من أجل لقمة العيش، بل هو صرخة الأيادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي.

يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتباً مشهوراً بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب في الصين إلى 3 ملايين نسخة، وهو ما يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُرحت الترجمة الفرنسية للكتاب في الأسواق الفرنسية في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي عن دار «أوترومون» في 320 صفحة، وكانت مسبوقة بالنسخة الإنجليزية التي نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كما تم الإعلان عن صدور قريب للنسخة الألمانية.

«حياتي كعامل توصيل في بكين» توثّق بدقة ظروف العمل القاسية التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصفاً تلك الفترة بأنها «استنزاف للروح قبل الجسد»، حيث يجد الإنسان نفسه مجرداً من هويته، لا ينظر إليه إلا كـ«رقم تتبع» في تطبيق إلكتروني. الكاتب وصف الدوام الذي يمتد لـ12 ساعة متتالية، والفترات التجريبية بلا أجر، والبرد القارس والحرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الطرود، كما وصف أيضاً كيف يعيش عمال التوصيل في غرف مقسمة إلى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهي وحدات محمولة لا تتجاوز حجم السرير. الكتاب قُسم لفصول قدمت كـ«يوميات معركة»، ففي الفصل الأول «سباق ضد الزمن» يستعرض هو أنيان الضغط النفسي الهائل الذي تفرضه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكيف تتحول الشوارع إلى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الثاني «المدينة غير المرئية» إلى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «فلسفة الطرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلى التأمل الفلسفي، متسائلاً عن قيمة العمل والكرامة الإنسانية في عصر يتم فيه تشييء البشر.

في واحد من أكثر المقاطع تأثيراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كنت أقود قدري المترنح بين زحام السيارات. في عيون الزبائن، أنا لست بشراً، أنا مجرد مهمة يجب أن تنتهي بسرعة. ولكن في أعماقي، كنت أخزّن كل نظرة ازدراء لأصنع منها درعاً من الكلمات». وفي مقطع آخر، يحلّل الكاتب علاقته بالخوارزمية التي تتحكم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تعرف التعب، ولا تعرف أنني أب أو أنني مريض. إنها تطلب مزيداً من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين».

يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً ضد توحش اقتصاد العمل الحر

صحيفة «لوموند»

حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والفرنسية، حيث وُصف «هو أنيان» بأنه أحد أبرز المواهب الأدبية الصينية الجديدة من قبل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. وقد اختار ثلاث من أبرز المنابر الثقافية: «الغارديان»، و«صنداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن أفضل كتب عام 2025. في صحيفة «الغارديان» أشارت الناقدة ريبيكا ليو إلى أن الكتاب يتناول موضوع الطبقة الاجتماعية، وتحديداً القوة العاملة منخفضة الأجر التي لا تحظى بالاعتراف، والتي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفي مراجعتها بصحيفة «نيويورك تايمز»، اعتبرت الناقدة ليا غرينبلات أن الكتاب يقدم شهادة حية من خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحلة الكاتب من عامل متنقل بين الوظائف منخفضة الأجر إلى مؤلف مشهور عالمياً تحمل طابعاً استثنائياً.

أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حيث رأى نقّادها أن قوة «هو أنيان» لا تكمن في كونه ضحية لنظام اقتصادي جائر فقط، بل في امتلاكه تلك «النظرة السوسيولوجية» الثاقبة التي تحلل الطبقة الاجتماعية الصينية الجديدة. واعتبرت الصحيفة أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الحر، مشيدةً بقدرة الكاتب على وصف «استنزاف الروح» الذي يسبق انهيار الجسد، وكيف يتحول الفرد في شوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أما صحيفة «لفيغارو»، فقد ركّزت في قراءتها على الجانب الجمالي والأخلاقي للنصّ، واصفة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تهدف إلى استدرار العطف، بل إلى إثارة التأمل الفلسفي حول قيمة الكرامة الإنسانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، من العيش في «بيوت القواقع» ووحدات الحاويات الضيقة إلى منصات التوقيع في كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصاراً للوعي على المادة. وذهبت «لفيغارو» إلى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المدن الكبرى، تلك الحرية التي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين».


نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد
TT

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي، ثم ظهرت إلى جانبه محاولات نقدية مشكلة وإياه نواة منظورة لحركة النقد الأدبي العراقي متمثلة بتجارب الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري، لكن الطاهر كان الأبرز تمثيلاً لها والأوضح تحفيزاً لفرسان النقد العراقي الذين بدأت مشاريعهم النقدية أواخر ستينات القرن الماضي؛ عبد الجبار عباس، وشجاع مسلم العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير الذين شيّدوا متناً نقدياً عراقياً نهض كل منهم في صياغة جانب منه؛ لتنطلق حركة نقدية جادة قوية التأثير في العمل الإبداعي العراقي؛ شعرياً وسردياً، آتت أكلها في إغنائه بكشوفات نقدية تنهل من حركة النقد عربياً وعالمياً بالانفتاح على مناهج ومدارس وتجارب نقدية وفكرية فيها... موضوعات ومفاهيم ومصطلحات. ولن تفوتنا إسهامات عبد الرحمن طهمازي لكن صوته الشعري كان الأطغى والأعلى نبرة في مسيرته الإبداعية.

وخلال عقد السبعينات ظهرت أسماء جديدة لشبان واعدين مثل محمد جبير وعبد الرحمن عناد ومؤيد الطلال وعبد الكاظم عيسى وسليم عبد القادر.

خلال الثمانينات ولدت تجربتان نقديتان مهمتان مثلتهما كتابات الدكتورين مالك المطلبي وحاتم الصكر؛ الأولى اقتفت أثر المدرسة الفرنسية في تمظهراتها البنيوية. أما الثانية، أي تجربة الصكر النقدية، فبرعت في النهل من المنهج القرائي وتعدد مستويات قراءاته، وإلى جوار هاتين التجربتين المهمتين اللتين أثرتا تأثيراً كبيراً في فحص الإبداع العراقي وأضافتا لبنات واضحة في مدماك النقد التطبيقي وفي ظلهما بدأت تجارب لافتة للنظر تتلفع بالأكاديمية التي كانوا يدشنونها آنذاك؛ صالح هويدي وعبد الله إبراهيم وباقر جاسم ومحمد صابر عبيد.

خلال العقدين المنصرمين بزغ في المشهد النقدي العراقي اسم نسوي لا ذكوري. إنه اسم الناقدة الدكتورة نادية هناوي؛ اسم اعتلى عتبات النقد الأدبي وطرق أبوابه بقوة وجرأة واضحتين لفتتا انتباه المبدعين الكبار عراقياً وعربياً؛ بجهدها المثابر واجتهادها الفريد؛ ليشغل عطاؤها مساحات واسعة من الصحف من خلال مقالات وكتب قيمة أصدرتها دور نشر محترمة، فاستقبل مشروعها النقدي بالإعجاب والثناء والتقدير. وكان أول المرحبين والمبشرين به الناقد الكبير فاضل ثامر الذي وصفها براهبة النقد، وتتبع عطاءها بالبحث المعمق وبانبهار وخلص إلى القول «يحق لنا أن نحتفي بولادة منظرة أدب عربية». ووصفها الناقد شجاع مسلم العاني بكونها ناقدة «قادرة على خرق المسلمات النقدية العراقية والإتيان بما هو جديد ومختلف... إنها ناقدة كبيرة وموهبة نقدية كبيرة».

ومن خارج دائرة النقد العراقي، عربياً، تواتر الإقرار بمشروعها النقدي.

ومرد ذلك متانة ورصانة مشروعها النقدي وأهميته وفاعليته النظرية والإجرائية. ومن التوصيفات الدقيقة لهذا المشروع، ما أكدته الباحثتان الدكتورة رواء الخزاعي ومها فاروق الهنداوي والدكتور عزيز الموسوي في الندوة التي عقدها اتحاد الأدباء تحت عنوان «استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي»، إذ أكدوا، وهم باحثون أكاديميون وأساتذة متخصصون في السرديات بكبرى الجامعات العراقية، أن «الناقدة الكبيرة نادية هناوي ذات مشروع ريادي ليس بمعزل عما بعد الحداثة، وأنه مشروع بنيوي معرفي شهد تحولات مهمة وشكَّل مرحلة مفصلية في النقدية العراقية والعربية، بالأخص في كتاباتها عن السرد والتاريخ»؛ ولاحظوا أن التحول من نصاني إلى معرفي فلسفي والنفس للحداثة واضح فيه، إذ لم تتعامل هناوي بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بل تحاوره وتسائله وتنتزع مصطلحاً ينتمي إلى فضائها، كما هو الحال في اجتراحها مصطلح «رواية التاريخ» بعد مساءلة فكرية فلسفية مفندة مصطلح المتخيل التاريخي الذي ذهب إليه بعض النقاد. فالتاريخ لديها ليس استحضاراً، بل استدعاء للمساءلة، والاستدعاء كسر لسلطة التاريخ.

لقد أجمعت بحوث الندوة أن «هناوي امتلكت أدوات الناقد النظرية والإجرائية والملكة النقدية، وأن مشروعها الكبير شكلته عدة روافد، منها المدونات الغربية غير أنها لم تكن ناقلة لها، بل فاحصة ومحاورة ومجترحة داخلة نظرية المعرفة بشجاعة عالية ولم تكن بمعزل عن الموروث العربي، لكنها لم تستدعه للمباهاة أو المباهلة، بل لإثبات التلاقح الفكري والإبداعي، وأنها تُغني قارئها بقراءاتها الموسوعية الاستقصائية، وقد تجاوزت الكتابة في التخصص الدقيق مخاطرة عن وعي منتقلة من النظرية السردية إلى علم السرد والسرد ما بعد الكلاسيكي».

ويأتي الكتاب الأربعون «أقلمة سرديات الرحلة عربياً وأجنبياً»، الصادر مؤخراً عن دار «أبجد»، في الوقت الذي تصارع فيه ناقدتنا الكبيرة وحشية المرض اللعين.

والكتاب ضمن سلسلة أبحاثها التي محورها أقلمة السرد العربي مستندة على أصول ومتون في مصادر ومظان ترود فيها بفرادتها وغزارتها منذ سنوات عدة.

ويتمحور الكتاب على السرد (الرحلي) من ناحيتي التأصيل النظري والنمذجة الإجرائية عبر فصوله الثمانية؛ إذ يهتم الفصل الأول باستقصاء القاعدة التي قامت عليها الأصول وتمخضت التقاليد الأدبية فتشكلت الأجناس، وبذلك تأصلت الرحلة كنوع سردي.

بينما يركز الفصل الثاني على دور رحلة غلغامش في نشأة التقاليد موضوعياً وفنياً كونها - أي الرحلة الغلغامشية - مصدراً أصلياً ساهم في البناء الشعري الملحمي، أولاً، والتدوين والنسخ، ثانياً، في ترسيخ أصالة هذا المصدر الذي تمظهرت أقلمته بأشكال مختلفة لا في مرويات الرحلات العربية فقط بل قبل ذلك في المرويات الصينية ذات التاريخ العريق - إلى عصور ما قبل الميلاد - وفيها شكلت الرحلة موضوعاً رئيسياً.

وتنتقل د. هناوي في الفصل الثالث إلى أقلمة الرحلة العربية والأجنبية في ضوء علم السرد غير الطبيعي باحثة في دور المؤلف وأهمية المكان في السرد الرحلي عبر ضمير المتكلم على مستويي الإنشاء النصي وموثوقية التوصيل القرائي، ثم تعرج على مركزية الهوية في تأليف الرحلة العربية التي تراها الأكثر تمثيلاً لموضوعة الذات والآخر والهوية من خلال المحاور التالية: 1- موقع المؤلف هامشاً في الثقافات الأجنبية، 2 - موقع المؤلف مركزاً في الثقافات الأحادية، 3 - أساليب أقلمة السرد الرحلي عامة ورحلة ابن فضلان خاصة (أقلمة كتاب الرحالة الحسن بن محمد الوزان؛ وصف أفريقيا).

يذكر أن هذه الرحلة كانت مدار رواية الكاتب أمين المعلوف «ليون الأفريقي»، وكتاب «وصف أفريقيا» الذي تراه هناوي نصاً مصدراً تمت أقلمته تاريخياً، وقد تمت أقلمة الكتاب نقدياً أيضاً من قبل محمد مهدي الحجوي بعنوان «حياة الوزان الفاسي وآثاره»، ودراسة أخرى بعنوان «ليون الأفريقي» للمستشرق كراتشوفسكي في مؤلفه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي». وفي دراسة أساليب النصوص الرحلية المؤقلمة تقف عند رحلة الوزان عبر النص الروائي لأمين معلوف.

ولا يفوتها إجراء مفاضلة بين الأنا والآخر في الرحلة المتخيلة روائياً، أسلوباً ونمذجةً، ومدى درجة تقاربها والرحلة الفعلية، وآفاق بناء المتخيل السردي وتغيراتها تاريخياً متخذة من روايتي «الخميائي» لباولو كويلو ورحلة «ابن فطومة» لنجيب محفوظ مثالاً. وفي الفصل الأخير تعرج الباحثة على دراسة إقلمة سردية الرحلة الأجنبية من وجهة نظر الدراسات الثقافية على قلة ما يتعلق منها بأدب الرحلات ومؤلفة حديثاً ككتاب «نظرات إمبريالية: كتابة الرحلة والعبور الثقافي» و«مفردات مفتاحية في دراسة أدب الرحلات... مسرد نقدي».


بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»
TT

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً، فنحن في واقع الحال نكون أمام ثقافة موازية لما تعلمناه في قاعات الدرس، وهي ثقافة مختلفة إلى حد بعيد، كما أن هذه المخطوطات دائماً ما تثير قضايا خلافية وتدفع إلى بلورة أفكار جديدة، سواء على مستوى الموضوعات أو القضايا المنهجية. فاختلاف طبيعة المخطوط ومضمونه يحتّمان بلا شك طبيعة الإجراءات والأدوات الناجعة في التعامل معه».

بهذه النبذة يقدم د. هشام عبد العزيز كتابه «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي... حدود المصطلح والإجراءات المنهجية»، الذي جاء في مقدمة وأربعة فصول، والذي يستعرض مفهوم علم التحقيق وحدود المنهجية، وتحقيق التراث الشعبي بشكل خاص، كما يتعرض في أحد الفصول للاختلاف في بنية المفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي. لكن من أهم الفصول الذي أفرد له المؤلف مساحة وافية هو الفصل الأخير الذي يتناول النماذج التطبيقية التي تحدث فيها عن تجاربه في تحقيق مخطوطات التراث الشعبي. يرى عبد العزيز أن تحقيق التراث الشعبي يختلف بشكل يكاد يكون كلياً عن تحقيق التراث المعروف، ليس من حيث مادته فحسب، بل من حيث فلسفة العمل ومنهجه وبنية المفاهيم الحاكمة لعمل المحقق.

وفي هذا الإطار، يؤكد المؤلف حاجة تحقيق مخطوطات التراث الشعبي إلى ما يسميه «المحقق المتخصص»، فمثل هذا المحقق وحده الذي يستطيع استنطاق المخطوط «الشعبي» بمعارف حقيقية وآمنة، ومن دونه سيكون العمل أشبه بفوضى لا تقدم جديداً. وقد ضرب المؤلف، في هذا السياق، أمثلة كثيرة لأعمال محققة بالفعل، من بينها أعمال حصلت على جوائز، لكنها في حقيقة الحال لا تقدم شيئاً، بل إنها تحتوي على «تدليس علمي»، حسب ما يقول. ويرى أن «كل مخطوط جديد يحمل خبرة جديدة وتجربة علمية وتعليمية تعزّ عن الوصف... بعد هذا المشوار الطويل الذي أكمل ثلاثة عقود، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن تحقيق التراث بشكل عام أكثر من مجرد علم وأوسع بكثير من قاعات الدرس». إنه، كما يضيف، «عملية تعليمية فيها جانب يشبه إلى حد بعيد تعليم الحرف الشعبية التي تقتضي المعايشة اليومية والمشكلات المتجددة مع كل عمل جديد... وكذلك كل مخطوط جديد يحتاج خبرة جديدة بهذا المخطوط تحديداً، وبمؤلفه، وبزمن تأليفه، وبزمن نسخه. ثم وهو الأهم: بالمجال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المخطوط. وكل عنصر مما سبق يحتاج إلى خبرات محددة وعميقة للتعامل معه بالكيفية التي تنتج معرفة حقيقية نافعة».

وسبق للمؤلف أن أصدر في مجال تحقيق مخطوطات التراث الشعبي خاصة عدة كتب، منها: «ألف ليلة وليلة... حكايات أخرى»، و«معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية»، و«المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»، كما صدرت له عدة مؤلفات في مجال الثقافة الشعبية، منها: «فضل الخرافة»، و«معجم النيل»، و«السيرة الشعبية... جدل النوع وجغرافيا التداول».