المخرج جووَل كوون منفرداً يقارع ماكبث

تصدّى لرواية شكسبير الأعنف

‫دنزل واشنطن في «مأساة ماكبث»
‫دنزل واشنطن في «مأساة ماكبث»
TT

المخرج جووَل كوون منفرداً يقارع ماكبث

‫دنزل واشنطن في «مأساة ماكبث»
‫دنزل واشنطن في «مأساة ماكبث»

الصورة الأولى التي تظهر على شاشة «تراجيديا ماكبث» سوداء مصحوبة بدقات جرس بعيد. ثم يفتح الفيلم على سماء رمادية مع موسيقى خافتة وموحية لكارتر بورتَل. في السماء ثلاثة غربان (أو ربما عقبان) تحلق في شكل دائري. بعد قليل نشاهد ساحرة مجثية تتحدث إلى الكاميرا ثم الساحرات الثلاث اللواتي وردن في مطلع مسرحية ويليام شكسبير وخلال بعض فصولها.
هذه مقدمة آخر اقتباس سينمائي لمسرحية «ماكبث» التي قُدمت على المسرح أول مرة سنة 1606 ميلادية. ولو أحصينا عدد الاقتباسات التي أمتها السينما منذ العقد الأول من القرن الماضي فإن العدد يتجاوز 400 اقتباس مباشر من نحو 20 دولة، ونحو ذلك كاستيحاء بعناوين أخرى. بالنظر إلى أن هناك ألوفاً من الأفلام التي اقتبست عن كل مسرحيات شكسبير، فإن هذا الكاتب المسرحي الألمع ما زال أكثر رواجاً من كل كاتب مسرحي، أو روائي، آخر.
بناء مُحكم
لا يتوقع أحد أن تكون معظم هذه الاقتباسات جيدة. يمكن لمن يمضي نحو أسبوع من البحث أن يلتقط أفلاماً تنهل من المسرحية الحدث وتكتفي. قيمة الاكتفاء بنقل المسرحية كحكاية أقل من قيمة تلك الأفلام القليلة التي تقرأ جيداً مفادات ما وضعه شكسبير في دفتي عمله كالخيانة والجشع ودوافع الاغتيال ثم نتائجه. والتي تقرأ كذلك العلاقة الغريبة التي ربطت بين ماكبث وزوجته. تلك التي فسرها سيغموند فرويد بأن موضع غرابتها يكمن في أنهما بلا أولاد، مضيفاً أن هذه هي مأساة ماكبث الحقيقية.
لكن هذا تأويل لم يذهب إليه آخرون، وكذلك المتأثرون بعلم فرويد لم يتبنوه. مأساة ماكبث واضحة في مسرحية شكسبير وفحواها أن ماكبث سمع من الساحرات ما أزال ستاراً خافياً عن رغباته الدفينة في تحقيق ذلك النوع المدمر من الذات. قلن له إنه سيصبح «سيد أرض» (الكلمة Thane تُستخدم لوصف من ينعم بأرض يهديها إليه الملك وبذلك يرتقي من العموم إلى ما دون مرتبة النبلاء). تكمل الساحرات «… ثم سيصبح ملكاً».
في البداية لم يفكر ماكبث طويلاً في هذا الأمر لكن خروجه من المعركة ضد النرويجيين والآيرلنديين منتصراً دفع ملك اسكوتلندا دنكن لمنحه لقب «سيد الأرض» فعلاً ما دفع ماكبث للتفكير بذلك الجزء الثاني من النبوة. يخبر زوجته التي سيكون لها التأثير الفعلي لقيامه باغتيال الملك وتنصيب نفسه ملكاً عوضاً عنه. خصوصا أن الملك أعلن عن أن ابنه الأكبر مالكولم هو من سيخلفه. هذا الإعلان هز ماكبث. تستطيع أن ترى ذلك في مشهد موجز يعبر عنه بلمحة قصيرة على وجه دنزل واشنطن.
ردة فعل لحظية تمر ولا يمر أثرها. كل هذا هو البناء المُحكم لما سيلي في فيلم المخرج جووَل كووَن المنفذ بكاميرا فيلم (وليس ديجيتال) وبالأبيض والأسود (كما فعل أكيرا كوروساوا وأورسن وَلز حينما قاما باقتباس المسرحية كل لفيلمه). سيفضى بماكبث لنزعات الخوف وتأنيب الضمير. تحاربهما زوجته وهي تحثه على فعل القتل. وعندما يترك خنجره في غرفة الملك شاعراً بهول ما ارتكب، تركض صوب تلك الغرفة وتعود بالخنجر لكي تبعد عن زوجها الشبهات.
الفيلم، في معظمه، نقل أمين لما قرأناه بقلم المؤلف. القليل المحذوف، بالمقارنة مع ما أبقاه من أحداث، كان بهدف توحيد سياق العمل وتنفيذ رؤيته الفنية لمسرحية تحتوي - كما «هاملت» و«الملك لير» وسواهما - على تلك الأزمات الإنسانية الناتجة عن الصراع مع الذات ومع الغير. وماكبث، كما يؤديه بجدارة دنزل واشنطن، نموذجي في هذا التوجه.
في نص شكسبير لا يتحول ماكبث إلى رجل واثق من نفسه وأقوى شأناً مما كان عليه قبل ارتكاب الجريمة بل تزوره الأشباح ويقع في هلوسات النفس، ولا يجد في النهاية بداً من الاندفاع نحو نهايته المأساوية كما يصفها العنوان. مما حذفه كووَن (في أول خطوة إخراج بلا شراكة شقيقه إيتان) تلك المناسبات التي التقطتها أفلام سواه. تحديداً المعارك العنيفة في مطلع الفيلم (الحرب ضد الآيرلنديين والنرويجيين) وتلك اللاحقة عندما يهجم جيش مالكولم الراغب في استعادة المُلك قصر ماكبث.
لمن يريد مشاهدة المعارك وضراوتها يستطيع اللجوء إلى نسخة الياباني كوروساوا (1957) ونسخة الفرنسي رومان بولانسكي (1971) ونسخة الأسترالي جوستين كورزال (2015). في الأفلام الثلاثة عمد مخرجوها إلى المعارك بفاعلية كبيرة. «ماكبث» كما كتبها شكسبير واحدة من أعنف أعماله. المعارك بين المقاتلين واردة في النص المُلقى لكنها المناسبة المُثالية لتحويلها لمشاهد فعلية تستعرض الحروب الطاحنة بأدواتها الدموية من سيوف وفؤوس ورماح.
لا يُعتبر ذلك خروجاً عن النص أو النيل منه، بل هو فعل مُبرر كون السينما لديها القدرة على استنفاد الفرص المتاحة لها لخلق الفاصل المناسب بين المسرحية والفيلم.
كوون
أين يضع هذا التوجه فيلم جووَل كووَن؟ هل كان عليه أن يطرق الباب ذاته ويصور المعارك الدموية كما فعل سواه؟
فيلم كووَن هو كل شيء باستثناء اقتناص مثل هذه الفرصة. الأمانة للنص واردة لا عبر التمسك بالحوار كما كُتب فقط، بل بالكيفية التي كُتبت بها المسرحية بكاملها. المساحة المكانية للأحداث تقع ضمن جدران القلعة وغرفها الخالية غالباً. هناك مشاهد خارجية مفتوحة بين الحين والآخر لكن المكان داخل القصر هو ما تقع فيه معظم الأحداث من دون أن يفتر الاهتمام بما يدور أو يثير الأمر أي داع للملل.
التزام المخرج بالنص وشروطه لا يعني أنه ألغى العنف لأن العنف موجود في شرايين العمل أصلاً. لكن بما أن كووَن لن يؤلف جيوشاً ويدير معارك لإرضاء نزعة الاختلاف عن النص، فإن عليه التعامل مع العنف الدائر بين ماكبث وذاته وبينه وبين صراعاته وأزماته النفسية وتفاعلاتها. في النهاية هناك معركة وحيدة وبين رجلين (دنزل واشنطن وكوري هوكينز الذي يؤدي دور الفارس ماكدوف).
مرة أخرى، عوض أن يختار المخرج لها مكاناً رحباً داخل القصر أو خارجه يضع المتحاربان في الممرات الضيقة التي عادة ما يستخدمها الجنود للدفاع عنها. كان ماكبث قتل زوجة ماكدوف وأطفالهما ما جعل الثاني يسعى للالتحاق بجيش مالكولم. المسألة شخصية بالنسبة إليه، أما بالنسبة لماكبث فهي قناعة بأنه سيواصل الحياة كونه خالداً، كما نبأته الساحرات. حتى عندما أدرك أنه ليس خالداً واجه ماكدوف بكل قوة.
تصوير المعركة بينهما في مساحة تفصل جدراناً ضيقة رائع. نلاحظ أن المساحة الممنوحة لهما أضيق من أن تمنحهما حرية الحركة. لكن هذا هو وضع الكاميرا (تحت إدارة برونو دلبونل المحكمة) أيضاً. مساحتها المحدودة، لمن يراقب بإمعان، تزيد من توتر المشهد برمته.
اللحظة التي يقطع بها ماكليف رأس ماكبث تتم بتوال مدهش وسريع. ما زال العنف سيد الموقف لكنه ليس العنف للعنف بل يعد تجسيداً لذلك الذي يجيش بصدور المتحاربين.
واشنطن
في الوهلة الأولى اختيار الأفرو أميركي دنزل واشنطن للعب دور الاسكوتلندي ماكبث (وهوكينز للعب دور ماكليف) يبدو غريباً. لا نتحدث هنا عن شخصية عطيل (التي أداها الأبيض أورسن وَلز) لكن ما يبدو مثيراً لبعض الدهشة يتلاشى مع أسلوب واشنطن المدهم والواثق. هذا ممثل تستطيع تصديقه يؤدي شخصية شكسبيرية بعيدة عن لون بشرته لكنها ملتصقة بفنه. حتى فرنسيس ماكدورمند، في دور زوجته، توفر جهداً مماثلاً لإتقان دور صعب. العلاقة الدرامية بين الاثنين هي بؤرة العمل بأسره. يتجاوب كل منهما حيال الآخر على نحو طبيعي. يلتحمان في بعض المشاهد ويعكسان حنان المصير المشترك. كلا الممثلين من مدرسة مختلفة. بالنسبة إليها إلقاؤها مباشرة كمن يلقي درسه. جيدة في تعابير الوجه وجيدة في التزام السير ضمن خطين محددين لكنها تركز على الكلمات.
دنزل أكثر تحرراً. هو الممعن في تجسيد معنى الكلمات وليس فقط نطقها. ويستطيع دنزل اختصار مراحل نفسية متعددة ويفعل ذلك بالفعل. النقاط المرسومة بين كل تحول في شخصيته، يمر هذا الممثل عليها بثقة وإقناع.
النقطة الأولى هي تلك التي نتعرف فيها عليه في المشاهد الأولى. شخص واثق من نفسه. معتد من دون فخر ويميل إلى البساطة. متعب (كونه عائدا من قتال) لكنه مرتاح. من تلك النقطة هو في صعود مع تصاعد وتيرة الدراما التي يؤديها. قلق. نتابعه واثقاً ثم قلقاً ثم مجنوناً. وهو إذ ينتقل بين هذه المواقع يجسد في كل مرة قدراً من انهيار الأخلاقيات ويمنح كل فترة ما تحتاجه من موقف يعبر عنها تعبيراً أو حواراً.
على ذلك، أحياناً ما ندرك بأن واشنطن ينتمي إلى الحاضر بسبب صياغته للكلمات. وهناك مرحلة منتصفة من الفيلم فارغة من التوتر المسبق والمقبل. لكن كل هذا لا يتعدى الملاحظات في كينونتها الفردية. ما يطغي من المشهد الأول إلى الأخير هو نتاج فني لم يسبق لأي «ماكبث» سينمائي آخر أن حققه على هذا النحو.
هذا ليس لتقليل أهمية «تاج من الدم» لكوروساوا أو المنحى التجريبي لوَلز، ولا حتى وصم نسختي كورزال وبولانسكي المهمتين بشوائب النقد، لكن لا أحد من هذه الأفلام الجيدة وضع فن السينما ليخدم فن النص على هذا النحو. لا أحد التزم بجغرافية المكان وبتفاصيل الزمان وخلق منهما عملاً لا يعبأ بالتنازل عن جدية الاقتباس لإرضاء أحد. لا السوق ولا أعضاء لجان المناسبات السينمائية المقبلة.



جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.