شاشة الناقد

مشهد من فيلم الرسوم المتحركة «بيلي»
مشهد من فيلم الرسوم المتحركة «بيلي»
TT

شاشة الناقد

مشهد من فيلم الرسوم المتحركة «بيلي»
مشهد من فيلم الرسوم المتحركة «بيلي»

حكايا بيتية
• إخراج: نضال الدبس
• مصر (2022)
• النوع: تسجيلي | عروض: خاصة

في نهاية فيلم نضال الدبس الأول، «تحت السقف» (2005) تواصل بعض شخصيات الفيلم برمي الفوط صوب السقف الذي يخر ماءً طوال الوقت غاية تجفيفه. كنا رأيناهم يفعلون ذلك في مشاهد سابقة، لكن المخرج شاء خاتمة تؤكد الرمز المنشود. بطل الفيلم (رامي حنا) والآخرون يحاولون سد ثغرات الوضع في بلد يعيشون تحت سقفه. بلا حلول لمشاكلهم الفردية والاجتماعية.
لا عجب أن المخرج السوري (و«تحت السقف» كان من إنتاج السورية العامة للسينما) وجد نفسه بعد ذلك بعيداً عن التداول شأنه في ذلك شأن محمد ملص وعمر أميرالاي (قبل وفاته المبكرة) وهو يذكر ذلك في مطلع فيلمه الجديد «حكايا بيتية» الذي يحمل الهوية المصرية (إنتاج مصطفى يوسف). يذكر أيضاً كيف ارتحل وزوجته وابنتاه الصغيرتان مع مطلع الحرب الأهلية من دمشق إلى بيروت ومنها إلى القاهرة حيث يعيش حالياً. لا يغفل ذكر المظاهرات التي اندلعت في العام 2010 وتأكيد موقفه ضد النظام، ذلك الذي أوحى به في فيلمه السابق.
مثل «لأجل سما»، الفيلم التسجيلي الذي حققته وعد الخطيب قبل ثلاث سنوات، والعديد قبله وبعده «حكايا بيتية» هو عن الأنا والعائلة. مثل الفيلم المذكور تحديداً هناك عناية بإظهار حبه وزوجته بابنتيه. يكاد الفيلم في ربع ساعته الأولى أن يوحي بأننا سنشاهد عملاً آخر من تلك الأفلام التسجيلية التي تدور حول عائلة المخرج في منفاها. العنوان المختار للفيلم يؤكد ذلك أساساً.
لكن «حكايا بيتية» ينتقل ما بين حكايتين في الأصل ليس هناك الكثير من «الحكايا» البيتية. هي ملخصة في ذكرياته للبيت الدمشقي الذي عاش فيه وهجره خشية من وصول موسى النظام إلى عنقه وكيف ترك فيه أشياءه وارتحل ويحاول الآن الحصول على ما تيسر منها مما تستطيع شقيقته إرساله إليه. كل هذه حكاية واحدة وفي مقابلها حكاية ليست بيتية فالمخرج ينطلق لتصوير محاولة بعض المهتمين بترميم صالة سينما مهجورة في منطقة الحلمية. الترميم لا يقع في الفيلم. لا نراه ولا نرى عودتها إلى الحياة. ما يعرضه المخرج هو ما استطاع الوصول إليه في الفترة السابقة لبدء العمل (هذا إذا بدأ فعلاً بعد إتمام فيلمه) ويحتوي على مقابلات مع رجال يعيشون في الجوار ويتذكرون جيداً الصالة وتاريخها. كذلك على تصوير الصالة من الداخل وما تحويه من جدران ومقاعد وستائر.
أفضل ما في الفيلم هو اللمسات الحانية في المشاهد العائلية الأولى. هو الجانب الذي تشعر بقربه العاطفي من المخرج كما بقرب دمشق التي تعيش فيه. لكن هذا الجانب غير قابل للذوبان مع حكاية الصالة المهجورة وما يحدث لها. كلاهما فيلم تم جمعه والآخر. صحيح أن التناوب بينهما طوال الوقت يخلق الفيلم الماثل أمامنا، لكن لكل منهما شأنه البعيد عن الآخر خصوصا أن نضال الدبس يتحول حين يتحدث عن تلك الصالة إلى مجرد متابع كونه ليس من سيقوم بنفسه بترميم الصالة وكونها ليست من معين الذكريات ذاتها.
العلاقة الوحيدة بين ذكرياته وبين الحاضر المتمثل بموضوع الصالة مُناطة بتأسيس نادي السينما في دمشق وإغلاق النادي (يضع مسؤولية ذلك على موقف السلطة من الثقافة البديلة). لكن حتى هذه العلاقة لا تتبلور جيداً كون التعليق المصاحب لوضع الصالة لا يمنحنا مشاعر المخرج العضوية حيالها. هو هناك ليلتقط كلاماً وصوراً.
يصاحب الفيلم طوال الوقت تعليقه المكتوب والمُلقى جيداً وعلى نحو كاف. في نهاية مطافه «حكايا بيتية» فيلم يختزن معانيه حول معاناة المخرج السوري المعارض. ليسوا جميعاً توجهوا إلى الغرب وانخرطوا فيه. فيلم نضال الدبس هو، في معظمه، عن تجربة حياتية ما زالت مستمرة. كان يمكن للفيلم أن يكون أفضل لو أتيحت للمخرج ظروف أفضل تابع من خلالها قضيته بمنوال واحد.
Belle
• إخراج: مامورو هوسودا
• اليابان (2021)
• النوع: دراما | عروض: تجارية

فيلم مخرج الرسوم الياباني مامورو هوسودا هو تاسع أعماله، وفي غضون أسابيع قليلة قد يفوز بواحد من الترشيحات الخمسة في مسابقة آني المتخصصة بسينما الأنيميشن. وربما ورد ذكره أيضاً حين إعلان ترشيحات الأوسكار في هذا الميدان الحافل.
نقاد السينما في أوروبا والولايات المتحدة أحبوا هذا الفيلم وبعضهم بالغ في حبه. هو بالتأكيد جيد التنفيذ ويأتي بحكاية فيها كل متطلبات وعناصر أفلام التحريك الرائجة، لكنه من ناحية أخرى يبدو تقليداً لأعمال والت ديزني أكثر مما ينتمي إلى سابق أعمال المخرج ذاته («الفتاة التي تقفز في الزمن»، «حروب صيف»).
الحكاية الغرائبية موجودة بطبيعة الحال. أفلام هوسودا السابقة في هذا المجال التزمت بها كونها باتت شرطاً أساسياً ما دام أن العنصر الطاغي في سينما الأنيميشن هو الفانتازيا. لكن يتبدى هنا أن الرغبة ما عادت توفير الفانتازيا الغريبة بل العمل من خلالها على تنقية شروط تنفيذ تتخلص من الانتماء الياباني لتسهيل حركة القبول عالمياً.
إنها ليست المرة الأولى التي تندفع فيها سينما الرسوم اليابانية في هذا المجال بالطبع، لكن الفواصل المفترضة بين ما هو محلي وما هو تسويقي - عالمي تضمحل هنا على نحو شبه كامل. الفيلم في مجمله يبدو كما لو كان من إنتاج مصنع وولت ديزني. الموسيقى والغناء والحركات التي تبدأ وتنتهي في ثانية يسبح خلالها الشخوص في الفضاء بكامله. الإيقاع ونوعية الرسم وحتى استخدام نسخة إنجليزية الحوار كلها تفضي إلى مسح خصوصية يابانية واستبدالها بواسطة أخرى.
بطلة الفيلم اسمها سوزو (كايلي مكنيل). هي شابة متواضعة وبسيطة كانت فقدت والدتها في حادثة قبل عدة سنوات فنشأت منعزلة وحذرة من الاختلاط. كانت تغني في الحفلات المدرسية وسواها لكنها الآن فقدت القدرة فزادها ذلك تقوقعاً. لكن عندما تدخل سوزو عالماً افتراضياً اسمه U تجد نفسها وقد تحولت إلى شخص جديد يجيد الغناء. وما لم تستطع سابقاً ممارسته في العالم الحقيقي باتت تمارسه الآن في ذلك الكيان الموازي وتحقق به نجاحاً كبيراً. لكن النجاح هو وجه واحد من وجهي العملة. الثاني يحمل معه متاعب جديدة.
غناء سوزو (التي أصبح اسمها Belle) عذب وجميل وهناك الكثير منه إنما ليس على النحو الذي يترك متعة في البال. ترقب الاستعراضات كحركات جيدة التصميم والتنفيذ وخالية من المتعة في الوقت ذاته. ومع حكاية تهدف لحث الصغار على التحدي، فإن المرء، وقد تخطى تلك الفترة اللينة من العمر، لا بد أن يتساءل ما إذا كان الصغار من المشاهدين يستطيعون استيعاب هذا الدرس وتنقيته ثم هضمه. هل يريد الفيلم تبني مبدأ أنه إذا كنت ما زلت شاباً (أو شابة) صغيراً ولديك أحلام لا تستطيع تحقيقها في الواقع عليك بالعالم الافتراضي رغم محاذيره؟ حتى الفيلم ذاته ينشغل عن رسالته هذه (أو رسالة أخرى) يريد توفيرها رغبة في دفع أولويات أخرى (مثل الإبهار البصري والإيقاع السريع) إلى الأمام.

Scream
• إخراج: مات بتينلي - أولبن وتايلر جيليت.
• الولايات المتحدة (2022)
• النوع: رعب | عروض: تجارية...

في العام 1996 أطلق المخرج الراحل وس كرافن سلسلة Scream بنجاح كبير: هناك كلية في بلدة اسمها وودسبورو (ولاية كاليفورنيا) وقاتل يحمل وجهاً مطاطياً وماهر في استخدام آلات القتل الحادة. يتعقب الفتيات والفتيان لقتلهم ولا أحد يعرف لماذا يفعل ذلك حتى هذه الساعة.
لكننا جميعاً نعلم لماذا علينا أن نخوض في هذا الموضوع مجدداً: هناك فرصة لإحياء المسلسل الذي احتوى سابقاً على أربعة أجزاء، والانطلاق به في أربعة أخرى أو أقل أو أكثر. لكن الحكاية لا يمكن أن تتعرض لتغيير كبير: الكلية. القاتل المجهول. الطلاب الأبرياء. القتل. الصراخ. الخوف الخ…
إذا فات القارئ أي من أفلام الأمس فإن الجزء الجديد يحمل ما يكفي من النوستالجيا. لكن إذا أراد مشاهدة ما هو أفضل منه عليه الانتقال إلى فيلم كرافن الذي من مميزاته مزج الخوف بالسخرية والرغبة في إطلاق الصرخات لجانب الضحكات في وقت واحد. هذا يبدو عصياً على الفيلم الجديد.



هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
TT

هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)

في 30 أغسطس (آب) الحالي، تكون قد مضت 20 سنة على وفاة نجيب محفوظ. عاش اسماً كبيراً ورحل محتفظاً بمكانته الرفيعة. نال شهرة واسعة، وأثرى الأدب العربي، في مصر وخارجها، بحكايات استمدّها من واقع الحياة في بلده. وفي الوقت نفسه، كتب محفوظ قصصاً وسيناريوهات للسينما، لكنه لم يتولَّ بنفسه اقتباس رواياته الأدبية للشاشة، بل ترك هذه المهمة لكتّاب سيناريو آخرين.

خلال مسيرته، اقتبست السينما عدداً كبيراً من رواياته وقصصه، بتوقيع مخرجين كثر. كذلك نهل التلفزيون والإذاعة والمسرح من أعماله، حتى بعد وفاته عام 2006، عن عمر ناهز 94 عاماً.

في عام 2020، قُدّمت مسرحية مقتبسة من روايته «أفراح القبة»، وفي العام التالي قُدّم على المسرح عملا «بين السماء والأرض» و«زقاق المدق»، وقد سبق تحويلهما إلى فيلمين سينمائيين شهيرين.

واقتبس التلفزيون عدداً كبيراً من روايات محفوظ وقصصه في مسلسلات وسهرات وأفلام تلفزيونية، ولا سيما منذ ثمانينات القرن العشرين. أما حضور محفوظ في السينما فبدأ عام 1947، عندما أخرج صلاح أبو سيف فيلم «المنتقم»، الذي شارك محفوظ في كتابة السيناريو عن قصة لإبراهيم عبود.

ومن بين الاقتباسات السينمائية المتأخرة لأعماله فيلم «النشوة في نوفمبر» عام 2009، وهو فيلم قصير أخرجته عايدة الكاشف عن قصة قصيرة لمحفوظ، وشاركت مع مصطفى يوسف في كتابة السيناريو والحوار.

«فتوات الحسينية» (أفلام محمد فوزي)

نوع جديد

لم يكن «المنتقم» واحداً من أهم أعمال صلاح أبو سيف، كما أن قصة الفيلم لم تختلف كثيراً عن الميلودرامات التي عرفتها السينما المصرية قبل ذلك التاريخ وبعده. لكنه مثّل بداية علاقة محفوظ بالكتابة السينمائية، وكان نجاح الفيلم كافياً لكي يعيد أبو سيف التجربة عام 1951، من خلال «لك يوم يا ظالم»، المقتبس من رواية «تيريز راكان» للكاتب الفرنسي إميل زولا، والذي شارك محفوظ وأبو سيف في كتابة السيناريو.

بعد ذلك، شارك محفوظ في كتابة سيناريو «ريا وسكينة»، الذي أُنتج عام 1952 وعُرض عام 1953. في عام 1954، شارك محفوظ في كتابة قصة وسيناريو فيلم «الوحش»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف، وقام ببطولته أنور وجدي وسامية جمال، بينما أدى محمود المليجي شخصية «الوحش». وفي العام نفسه، أخرج نيازي مصطفى فيلم «فتوات الحسينية»، الذي شارك محفوظ ومصطفى في كتابة القصة والسيناريو، وكتب السيد بدير حواره، ومن بطولة فريد شوقي وهدى سلطان ومحمود المليجي.

مثَّل «فتوات الحسينية» بداية مبكرة لنوع جديد من الأفلام المصرية التي تدور أحداثها في الحارة الشعبية، وتستمد شخصياتها من بيئتها، بينما تتناول الصراع على الزعامة والسلطة داخل تلك الحارة.

بداية ونهاية (دينار فيلم)

تساؤلات

لم تكن الحارة المصرية، في واقعها وصورتها السينمائية، نسخة مطابقة للحارات الموجودة في عدد من العواصم العربية. كان هناك دوماً «قبضايات» في لبنان وسوريا، وما يوازيهم في العراق وسواه، لكن الحارة المصرية بدت لنا، بوصفنا مشاهدين، أكثر درامية من سواها.

الصراع على زعامة الحي، أو الحارة، في كتابات نجيب محفوظ وفي الأفلام المقتبسة منها، كان عنيفاً في الشكل كما في الجوهر: الضرب بالعصي الغليظة، وإراقة الدماء، والقتل، وفرض الإتاوات، وإجبار النساء على الزواج ممن لا يحببن. وكانت هذه الممارسات جميعاً تندرج تحت الصراع على من يحكم الحارة، بينما كان صاحب السلطة غالباً جائراً.

يدفع ذلك إلى طرح أسئلة عدة؛ من بينها: هل كان الواقع على هذا النحو فعلاً؟ وهل كان نجيب محفوظ قاسياً على شخصياته عموماً؟

ضمن هذا التساؤل، نلاحظ أن أفلاماً مثل «فتوات الحسينية»، و«فتوات بولاق»، و«الفتوة»، و«زقاق المدق»، و«الجوع»، قدّمت نماذج بشرية تتصارع على السلطة والنفوذ. واستمر هذا النوع حتى أواخر الثمانينات، وشمل أيضاً أفلاماً لا علاقة لها بنجيب محفوظ، مثل «السلخانة»، و«شادر السمك»، و«الباطنية».

نلاحظ ذلك في عدد من الأفلام التي كتب نجيب محفوظ قصصها، والتي تصوّر نماذج بشرية سلبية عديدة. ففي «فتوات بولاق» (يحيى العلمي، 1981)، يحتفظ ميمون، الذي يؤدي دوره فريد شوقي، بزعامة الحي، بينما يحيك محروس، الذي يؤدي دوره نور الشريف، خطته لانتزاع الزعامة منه، مستخدماً الوسائل نفسها. وفي «الشيطان يعظ» (أشرف فهمي، 1981)، تدخل الحارة بأكملها في صراع بين سلطتين، تحاول كل منهما قهر الأخرى. وبينهما مكوجي مضطهد، يؤدي دوره نور الشريف، يجد نفسه منجذباً إلى عالم الفتوات، طمعاً في القوة والنفوذ.

أما في «الفتوة» (صلاح أبو سيف، 1957)، الذي شارك محفوظ في كتابة السيناريو، فتؤول الزعامة إلى رجل ثار على السلطة القائمة، لكنه ما يلبث أن يكرر أخطاءها ويمارس أساليبها نفسها.

إدانة

حتى في الأفلام البعيدة عن عالم الفتوات والسلطة والقوة الذكورية والنرجسية العمياء، نجد أن محفوظ أحاط شخصياته بنقاط ضعف واضحة.

يُعدّ «بين السماء والأرض»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1959، نموذجاً لهذا المنهج. كتب محفوظ قصة الفيلم مباشرة للسينما، بينما تولَّى السيد بدير وصلاح أبو سيف كتابة السيناريو والحوار. وتكشف الشخصيات العالقة في المصعد، خلال أحداث الفيلم، عن جوانب سلبية ونقاط ضعف متعددة.

ويقدّم «اللص والكلاب»، الذي أخرجه كمال الشيخ عام 1962 عن رواية محفوظ الصادرة عام 1961، نموذجاً أكثر جدية لهذا الاتجاه. بطله سعيد مهران، الذي يؤديه شكري سرحان، لص يخرج من السجن عازماً على الانتقام. أما الصحافي رؤوف علوان، الذي يؤديه كمال الشناوي، فقد شق طريقه من القاع إلى القمّة بالحيلة والنصب، في حين يشي عليش سدرة، الذي يؤديه زين العشماوي، بسعيد ويتزوج طليقته بعد دخوله السجن.

وفي «بداية ونهاية»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1960 عن رواية محفوظ، تعاني الشخصيات جميعها من وطأة الفقر ومن نقاط ضعف ذاتية. حتى الأم، التي تؤديها أمينة رزق، والتي وهبت حياتها لأولادها، تفتقر إلى الوعي والقدرة اللذين كان من شأنهما حمايتهم من الانهيار.


شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
TT

شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)

FAR FROM THE TREES

★★★★

> إخراج: ميريتشل كوليل أباريسيو

‫> إسبانيا، بيرو (2026)

> عروض مهرجان لوكارنو‬

«بعيداً عن الأشجار» فيلم مهرجانات على نحو مؤكد. نعم، سيُعرض في صالات منتقاة في أوروبا، وربما في بعض دول أميركا اللاتينية، غير أن هذا لن يعني انتشاره، فهو أصعب من أن يجذب حتى الباحثين عن سينما مبدعة.

هو فيلم روائي، لكنه ليس دراما، وليس فيلماً تسجيلياً، وليس زواجاً بين الدراما والتسجيلي، كما بات متوفراً في السنوات الأخيرة بكثرة. ما هو عليه حكاية امرأة مكسيكية اسمها أداليا (أنجليكا كاستيللو)، تعيش في فيينا، لكنها الآن تستكشف غابات بيرو المحاذية لنهر الأمازون. هي بصدد تحقيق تسجيل لصوت مواطني المنطقة ولغتهم التي تشرف على الاندثار. في الوقت نفسه، مهتمّة بلغة الطبيعة وأشجارها، والفيلم يتيح لهذين الاهتمامين (الناس والطبيعة) مشاهد متأنية في فيلم لا يكترث للإيقاع، بل يتقدّم كمركب صغير فوق سطح الماء بهدوء.

هذا هو جزء من توليفة الفيلم. الجزء الآخر يكمن في أنها تعيش في الماضي. تتذكر حياتها حين كانت فتاة صغيرة مع جدَّتها وجدِّها. كانت قد ترعرعت خلال الحرب الأهلية الإسبانية التي أثرت فيها وفي الشخصيات الأخرى التي واكبتها في تلك السن المبكرة.

تركيب قصَّة على هذه الحبكة صعب، لكن المخرجة تنجح في تأليف فيلم كامل عن حياة بطلته القلقة على مصير الناس والطبيعة، هائمة بين أمس حُرمت منه ومستقبل مجهول.

THE END OF OAK STREET

★★★

> إخراج: ديفيد روبرت ميتشل

‫> الولايات المتحدة (2026) ‬

> عروض: تجارية.

«نهاية شارع أوك» هو فيلم عائلي وفيلم كوارث في آن واحد. ينطلق بتقديم عائلة غير مرتاحة حيال وضعها الحالي ومستقبلها. تعيش في إحدى الضواحي بجانب عائلات أخرى. إيوان مكروغر هو الزوج العاطل عن العمل، الذي على شفير الإدمان على الكحول تحت عبء وضعه. زوجته دنيس (آن هاثاواي) تقوم بكتابة رواية تعكس وضعها، إذ تدور حول زوجة تسعى للانعتاق من الحياة الزوجية والانتقال إلى المدينة، وولداهما لديهما مشاكلهما الصغيرة التي قد تكبر إذا لم تتم معالجتها في الوقت المناسب.

آن هاثاواي في «نهاية شارع أوك» (وورنر برذرز)

الشارع ينتهي بجدار ليس بعيداً كثيراً عن منزل العائلة. المخرج ميتشل يقول في بعض أحاديثه إنه عاش في شارع مماثل ينتهي أيضاً بجدار، وكان يسأل نفسه دوماً، حين كان صغيراً، ما الذي يخفيه الجدار وراءه. في الفيلم، يبدو الجدار فاصلاً بين الحاضر وما قبله. ذلك لأنه في يوم عاصف ينتقل الحي بأسره إلى زمن بعيد، عندما كانت الديناصورات ما زالت حيَّة. فجأة، تغزو الديناصورات الحي بأسره، والجميع يصبحون في خطر، مهدَّدين بالموت بين أنياب تلك الوحوش.

العائلة التي في قلب هذا الفيلم تدرك أن الاتحاد العائلي هو الملجأ الأخير للدفاع عن نفسها أمام العدوان.

في «نهاية شارع أوك»، يُثمر الخطر الداهم عن وحدة مصير بين أفراد العائلة. يكتشف الزوج مسؤولياته، وتنبري الزوجة لقيادة العائلة صوب النجاة. يختار الفيلم الوحدة العائلية كرد على المخاطر المحدقة، وبذلك تصبح الوحوش مجازاً لمخاطر الحياة ذاتها، ومن بينها تفكك الروابط العائلية وتعثر تحقيق الحلم الأميركي. لا توجد قراءة أعمق من هذا المفاد السهل. إنه حل مريح لفيلم لا ينوي تعميق الدلالات، رغبة منه في الدفع باتجاه عنصرَي التشويق والحركة، وتجسيد حالة خيالية حول مواطنين عاديين في ظرف مفاجئ.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
TT

كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

كاظم فيّاض مخرج لبناني ينجز هذه الأيام فيلمه الروائي الطويل الثاني تحت عنوان «القضية رقم صفر». دراما سيكولوجية عن محامٍ وفريقه وأصحاب قضايا جنائية مختلفة. كلٌّ منهم يعرض ما قام به. هناك خلفيات متعددة، وقضايا متنوّعة، وشخصيات غريبة، وزحام من النقاشات، وكل ذلك داخل مكتب صغير تتردّد فيه، من حين إلى آخر، دقّات يسمعها الموجودون ولا يعرفون مصدرها. هذا إلى أن يكتشف المحامي أنه عالق بين الوهم والحقيقة، وبين التاريخ والحاضر.

يعمل فيّاض على النسخة النهائية (هذا الناقد شاهد النسخة صفر)، والحديث التالي يلقي ضوءاً على هذا المخرج الواعد، الذي نال فيلمه الأول «يوسف» جائزة مهمّة في مهرجان «آسيا وورلد فيلم» في لوس أنجليس.

كاظم فيّاض‬ (كوزموس كرياتورز)

* في أي فترة من حياتك قررت أن تصبح سينمائياً؟

‬- بدأت رحلتي سنة 2012. في ذلك الوقت، كنت أدرس العلوم السياسية، وجاءت أختي لتخبرني أنها سجّلت في دورة للتصوير باستخدام كاميرات «كانون» من نوع «DSLR»، ثم قالت لي: «ما رأيك أن تأتي وتسجّل معي؟» فوافقت. في ذلك الوقت، لم أكن أعرف شيئاً عن هذا العالم. ذهبت إلى الدورة، وأمسكت بالكاميرا للمرة الأولى، والتقطت أول صورة لي باستخدام كاميرا احترافية. نظرت إلى الصورة التي التقطتها، وكانت صورة عادية جداً، مجرد أشخاص داخل ورشة التدريب. لكنني شعرت بأن الصورة تتحدث. في تلك اللحظة، أحسست للمرة الأولى أنني أستطيع أن أتكلم من دون أن أنطق بكلمة، وأن أعبّر عبر صورة فقط.

المخرج كاظم فيّاض خلال التصوير (كوزموس كرياتورز)

* هل كان الدافع، أو أحد الدوافع، الهروب من حالة اجتماعية أو خاصة، أم الحاجة إلى التعبير عبر الصورة؟

- السينما بالنسبة ليّ ليست هروباً، بل على العكس، هي المواجهة الحقيقية. عندما تشاهد فيلماً، ترى الألوان والأحداث والحوارات، وتسمع الموسيقى، وتشاهد اللقطات وطريقة بناء الكادر والتكوين البصري. وكل هذه العناصر لا يمكن أن يعبّر عنها أي فن آخر بالطريقة نفسها. أعتقد أن السينما هي أسمى وسائل التعبير وأكثرها اكتمالاً، لأنها تستطيع أن تحتضن مختلف الحالات والأفكار. وهي الطريقة التي أستطيع من خلالها أن أولّد أفكاري، وأن أخرجها من رأسي إلى العالم.

* كيف كان استقبال فيلمك الروائي الأول «يوسف» نقدياً بشكل عام؟ وكيف استفدت من تلك التجربة؟

- بصراحة، لم تكن تجربة «يوسف» على المستوى النقدي غنية كما كنت أتمنى، لأن الفيلم لم يحظَ بالتغطية التي شعرت بأنه يستحقها. كانت هناك آراء مختلفة من أشخاص شاهدوا الفيلم، لكن لم يتحدث عنه كثير من النقاد ووسائل الإعلام، وأعتقد أن السبب يعود إلى أمور تتعلق بالتسويق والترويج. ومع ذلك، أعتقد أنني تعلّمت من التجربة كثيراً، وأتمنى أن أكون في هذه التجربة الجديدة أكثر نضجاً، ليس فقط على المستوى الفني، بل أيضاً على مستوى تقديم الفيلم وتسويقه.

الممثلة عزة زعرور في «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

* ننتقل إذن إلى فيلمك الجديد «القضية رقم صفر». كيف خطرت لك الفكرة وكيف نفَّذتها؟

- فكرة «القضية رقم صفر» بدأت في الأصل أثناء عملنا على مسلسل لـ«يوتيوب». كانت الفكرة تدور حول مكتب محاماة يستقبل قضايا لأشخاص لديهم مشكلات مختلفة، لكن المفارقة أن الحق كان دائماً عليهم. كنت أنا وإيدي شعب نمثل دور المحاميين، وكنا نستقبل هؤلاء الأشخاص ونواجههم بأخطائهم بطريقة ساخرة، وكانت القضايا ذات طابع اجتماعي. على سبيل المثال، كان هناك شخص طلى جسده باللون الأبيض لأنه أسمر، تحاشياً لسخرية الناس، وكانت هناك فتاة تريد أن ترفع دعوى قضائية على مارك زوكربيرغ لأنها لا تحصل على عدد كافٍ من «اللايكات».

حين انتهيت من تصوير العمل، شعرت بأنه لا يشبهني مطلقاً. جلست وحدي، وإذا بالفكرة تنزل عليّ دفعة واحدة. كان هناك «Download» في رأسي. فتحت جهاز الكمبيوتر، وخلال 3 أيام فقط كتبت الفيلم كاملاً. حين بدأت التفكير في المشروع، لم أكن أفكر فيه بصفتي مخرجاً فقط، بل بصفتي منتجاً أيضاً، وأعتقد أن عدم التفكير في الجانب الإنتاجي واحد من أكبر المشكلات التي يقع فيها كثير من المخرجين الشباب، إذ لا يولون الإنتاج أهمية موازية.

«السينما بالنسبة لي ليست هروباً، بل على العكس، هي المواجهة الحقيقية»

كاظم فياض

* ما رأيك في وضع السينما العربية المستقلة في الفترة الراهنة؟

- في الحقيقة، أفضل أن يكون السؤال: كيف تنظر إلى السينما العربية بشكل عام؟ وليس فقط إلى السينما العربية المستقلة. لأن السؤال بالنسبة ليّ يبدأ من الأساس: هل لدينا صناعة سينمائية عربية متكاملة حتى نتحدث عن سينما مستقلة؟ فالسينما المستقلة تحتاج أولاً إلى وجود سينما، والسينما العربية نفسها ما زالت بحاجة إلى أن تبني صناعة حقيقية.

أعتقد أن هناك نقصاً في التعليم السينمائي، ونقصاً في البنية التي تسمح لهذه الصناعة بأن تنمو بالشكل الطبيعي. كما أننا نعيش في منطقة تعاني من الحروب والصراعات السياسية والطائفية والاجتماعية، وكل هذه الأمور تشكل عائقاً أمام تطور السينما، سواء كانت مستقلة أو غير مستقلة. أنا لا أقول إن السينما رفاهية، وليست كذلك إطلاقاً، لكن أي صناعة سينمائية تحتاج إلى بيئة مستقرة حتى تنمو. ففي البلدان المستقرة نرى إنتاجات أكثر، لأن الظروف تسمح بذلك. أما هنا، فقد تكون في أثناء التصوير وتُفاجأ بحدث يوقف كل شيء، أو تجد أن هناك موضوعات لا تستطيع الحديث عنها، أو قيوداً مختلفة تمنعك من تقديم ما تريد.