شاشة الناقد

مشهد من فيلم الرسوم المتحركة «بيلي»
مشهد من فيلم الرسوم المتحركة «بيلي»
TT

شاشة الناقد

مشهد من فيلم الرسوم المتحركة «بيلي»
مشهد من فيلم الرسوم المتحركة «بيلي»

حكايا بيتية
• إخراج: نضال الدبس
• مصر (2022)
• النوع: تسجيلي | عروض: خاصة

في نهاية فيلم نضال الدبس الأول، «تحت السقف» (2005) تواصل بعض شخصيات الفيلم برمي الفوط صوب السقف الذي يخر ماءً طوال الوقت غاية تجفيفه. كنا رأيناهم يفعلون ذلك في مشاهد سابقة، لكن المخرج شاء خاتمة تؤكد الرمز المنشود. بطل الفيلم (رامي حنا) والآخرون يحاولون سد ثغرات الوضع في بلد يعيشون تحت سقفه. بلا حلول لمشاكلهم الفردية والاجتماعية.
لا عجب أن المخرج السوري (و«تحت السقف» كان من إنتاج السورية العامة للسينما) وجد نفسه بعد ذلك بعيداً عن التداول شأنه في ذلك شأن محمد ملص وعمر أميرالاي (قبل وفاته المبكرة) وهو يذكر ذلك في مطلع فيلمه الجديد «حكايا بيتية» الذي يحمل الهوية المصرية (إنتاج مصطفى يوسف). يذكر أيضاً كيف ارتحل وزوجته وابنتاه الصغيرتان مع مطلع الحرب الأهلية من دمشق إلى بيروت ومنها إلى القاهرة حيث يعيش حالياً. لا يغفل ذكر المظاهرات التي اندلعت في العام 2010 وتأكيد موقفه ضد النظام، ذلك الذي أوحى به في فيلمه السابق.
مثل «لأجل سما»، الفيلم التسجيلي الذي حققته وعد الخطيب قبل ثلاث سنوات، والعديد قبله وبعده «حكايا بيتية» هو عن الأنا والعائلة. مثل الفيلم المذكور تحديداً هناك عناية بإظهار حبه وزوجته بابنتيه. يكاد الفيلم في ربع ساعته الأولى أن يوحي بأننا سنشاهد عملاً آخر من تلك الأفلام التسجيلية التي تدور حول عائلة المخرج في منفاها. العنوان المختار للفيلم يؤكد ذلك أساساً.
لكن «حكايا بيتية» ينتقل ما بين حكايتين في الأصل ليس هناك الكثير من «الحكايا» البيتية. هي ملخصة في ذكرياته للبيت الدمشقي الذي عاش فيه وهجره خشية من وصول موسى النظام إلى عنقه وكيف ترك فيه أشياءه وارتحل ويحاول الآن الحصول على ما تيسر منها مما تستطيع شقيقته إرساله إليه. كل هذه حكاية واحدة وفي مقابلها حكاية ليست بيتية فالمخرج ينطلق لتصوير محاولة بعض المهتمين بترميم صالة سينما مهجورة في منطقة الحلمية. الترميم لا يقع في الفيلم. لا نراه ولا نرى عودتها إلى الحياة. ما يعرضه المخرج هو ما استطاع الوصول إليه في الفترة السابقة لبدء العمل (هذا إذا بدأ فعلاً بعد إتمام فيلمه) ويحتوي على مقابلات مع رجال يعيشون في الجوار ويتذكرون جيداً الصالة وتاريخها. كذلك على تصوير الصالة من الداخل وما تحويه من جدران ومقاعد وستائر.
أفضل ما في الفيلم هو اللمسات الحانية في المشاهد العائلية الأولى. هو الجانب الذي تشعر بقربه العاطفي من المخرج كما بقرب دمشق التي تعيش فيه. لكن هذا الجانب غير قابل للذوبان مع حكاية الصالة المهجورة وما يحدث لها. كلاهما فيلم تم جمعه والآخر. صحيح أن التناوب بينهما طوال الوقت يخلق الفيلم الماثل أمامنا، لكن لكل منهما شأنه البعيد عن الآخر خصوصا أن نضال الدبس يتحول حين يتحدث عن تلك الصالة إلى مجرد متابع كونه ليس من سيقوم بنفسه بترميم الصالة وكونها ليست من معين الذكريات ذاتها.
العلاقة الوحيدة بين ذكرياته وبين الحاضر المتمثل بموضوع الصالة مُناطة بتأسيس نادي السينما في دمشق وإغلاق النادي (يضع مسؤولية ذلك على موقف السلطة من الثقافة البديلة). لكن حتى هذه العلاقة لا تتبلور جيداً كون التعليق المصاحب لوضع الصالة لا يمنحنا مشاعر المخرج العضوية حيالها. هو هناك ليلتقط كلاماً وصوراً.
يصاحب الفيلم طوال الوقت تعليقه المكتوب والمُلقى جيداً وعلى نحو كاف. في نهاية مطافه «حكايا بيتية» فيلم يختزن معانيه حول معاناة المخرج السوري المعارض. ليسوا جميعاً توجهوا إلى الغرب وانخرطوا فيه. فيلم نضال الدبس هو، في معظمه، عن تجربة حياتية ما زالت مستمرة. كان يمكن للفيلم أن يكون أفضل لو أتيحت للمخرج ظروف أفضل تابع من خلالها قضيته بمنوال واحد.
Belle
• إخراج: مامورو هوسودا
• اليابان (2021)
• النوع: دراما | عروض: تجارية

فيلم مخرج الرسوم الياباني مامورو هوسودا هو تاسع أعماله، وفي غضون أسابيع قليلة قد يفوز بواحد من الترشيحات الخمسة في مسابقة آني المتخصصة بسينما الأنيميشن. وربما ورد ذكره أيضاً حين إعلان ترشيحات الأوسكار في هذا الميدان الحافل.
نقاد السينما في أوروبا والولايات المتحدة أحبوا هذا الفيلم وبعضهم بالغ في حبه. هو بالتأكيد جيد التنفيذ ويأتي بحكاية فيها كل متطلبات وعناصر أفلام التحريك الرائجة، لكنه من ناحية أخرى يبدو تقليداً لأعمال والت ديزني أكثر مما ينتمي إلى سابق أعمال المخرج ذاته («الفتاة التي تقفز في الزمن»، «حروب صيف»).
الحكاية الغرائبية موجودة بطبيعة الحال. أفلام هوسودا السابقة في هذا المجال التزمت بها كونها باتت شرطاً أساسياً ما دام أن العنصر الطاغي في سينما الأنيميشن هو الفانتازيا. لكن يتبدى هنا أن الرغبة ما عادت توفير الفانتازيا الغريبة بل العمل من خلالها على تنقية شروط تنفيذ تتخلص من الانتماء الياباني لتسهيل حركة القبول عالمياً.
إنها ليست المرة الأولى التي تندفع فيها سينما الرسوم اليابانية في هذا المجال بالطبع، لكن الفواصل المفترضة بين ما هو محلي وما هو تسويقي - عالمي تضمحل هنا على نحو شبه كامل. الفيلم في مجمله يبدو كما لو كان من إنتاج مصنع وولت ديزني. الموسيقى والغناء والحركات التي تبدأ وتنتهي في ثانية يسبح خلالها الشخوص في الفضاء بكامله. الإيقاع ونوعية الرسم وحتى استخدام نسخة إنجليزية الحوار كلها تفضي إلى مسح خصوصية يابانية واستبدالها بواسطة أخرى.
بطلة الفيلم اسمها سوزو (كايلي مكنيل). هي شابة متواضعة وبسيطة كانت فقدت والدتها في حادثة قبل عدة سنوات فنشأت منعزلة وحذرة من الاختلاط. كانت تغني في الحفلات المدرسية وسواها لكنها الآن فقدت القدرة فزادها ذلك تقوقعاً. لكن عندما تدخل سوزو عالماً افتراضياً اسمه U تجد نفسها وقد تحولت إلى شخص جديد يجيد الغناء. وما لم تستطع سابقاً ممارسته في العالم الحقيقي باتت تمارسه الآن في ذلك الكيان الموازي وتحقق به نجاحاً كبيراً. لكن النجاح هو وجه واحد من وجهي العملة. الثاني يحمل معه متاعب جديدة.
غناء سوزو (التي أصبح اسمها Belle) عذب وجميل وهناك الكثير منه إنما ليس على النحو الذي يترك متعة في البال. ترقب الاستعراضات كحركات جيدة التصميم والتنفيذ وخالية من المتعة في الوقت ذاته. ومع حكاية تهدف لحث الصغار على التحدي، فإن المرء، وقد تخطى تلك الفترة اللينة من العمر، لا بد أن يتساءل ما إذا كان الصغار من المشاهدين يستطيعون استيعاب هذا الدرس وتنقيته ثم هضمه. هل يريد الفيلم تبني مبدأ أنه إذا كنت ما زلت شاباً (أو شابة) صغيراً ولديك أحلام لا تستطيع تحقيقها في الواقع عليك بالعالم الافتراضي رغم محاذيره؟ حتى الفيلم ذاته ينشغل عن رسالته هذه (أو رسالة أخرى) يريد توفيرها رغبة في دفع أولويات أخرى (مثل الإبهار البصري والإيقاع السريع) إلى الأمام.

Scream
• إخراج: مات بتينلي - أولبن وتايلر جيليت.
• الولايات المتحدة (2022)
• النوع: رعب | عروض: تجارية...

في العام 1996 أطلق المخرج الراحل وس كرافن سلسلة Scream بنجاح كبير: هناك كلية في بلدة اسمها وودسبورو (ولاية كاليفورنيا) وقاتل يحمل وجهاً مطاطياً وماهر في استخدام آلات القتل الحادة. يتعقب الفتيات والفتيان لقتلهم ولا أحد يعرف لماذا يفعل ذلك حتى هذه الساعة.
لكننا جميعاً نعلم لماذا علينا أن نخوض في هذا الموضوع مجدداً: هناك فرصة لإحياء المسلسل الذي احتوى سابقاً على أربعة أجزاء، والانطلاق به في أربعة أخرى أو أقل أو أكثر. لكن الحكاية لا يمكن أن تتعرض لتغيير كبير: الكلية. القاتل المجهول. الطلاب الأبرياء. القتل. الصراخ. الخوف الخ…
إذا فات القارئ أي من أفلام الأمس فإن الجزء الجديد يحمل ما يكفي من النوستالجيا. لكن إذا أراد مشاهدة ما هو أفضل منه عليه الانتقال إلى فيلم كرافن الذي من مميزاته مزج الخوف بالسخرية والرغبة في إطلاق الصرخات لجانب الضحكات في وقت واحد. هذا يبدو عصياً على الفيلم الجديد.



«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
TT

«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩

بعد طول انتظار، يعود فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2» (The Devil Wears Prada 2)، لتعود معه صراعات ميرندا بريستلي وآندي ساكس، ولكن في عالم تغيَّرت قواعده؛ حيث لم تعد المجلات تحتفظ بمكانتها كما قبل عقدين، وأصبح التأثير موزعاً بين المنصات الرقمية وسلطة المُعلنين. يعكس الفيلم هذه التحولات الكبرى مقارنة بزمن صدور الجزء الأول عام 2006.

⁨آن هاثاواي وميريل ستريب في مشهد من الفيلم (imdb)⁩

يبدأ العمل بآندي ساكس (آن هاثاواي) على أعتاب لحظة انتصار مهني بعد فوزها بجائزة صحافية، قبل أن تتلقى في اللحظة نفسها خبر فصلها عبر رسالة قصيرة، بسبب قرار صحيفتها «نيويورك فانغارد» تسريح عدد من محرريها لتقليص الميزانية. وخلال التكريم، تلقي خطاباً حاراً عن تراجع قيمة الصحافة في ظل المتغيرات الراهنة، ومن هنا تأتي الدقائق الأولى للفيلم لتعيد تعريف موقع آندي بعد عقدين قضتهما في العمل الصحافي الجاد.

أما ميرندا بريستلي (ميريل ستريب)، فلا تزال على كرسي رئاسة تحرير «رَنواي» (Runway)، التي لم تعد مجلة تقليدية، بل منصة تسعى وراء الانتباه. غير أن سلطتها لم تعد مطلقة؛ إذ باتت محكومة بتوازنات مع المُعلنين ودور الأزياء. وتظهر منذ البداية وسط أزمة حادة بسبب فضيحة تتعلق بتقرير نشرته «رَنواي» أثار عاصفة من الجدل، مما يضع اسم المجلة تحت ضغط حاد من الإدارة والرعاة.

من غرفة تحرير إلى غرفة أرقام

⁨ميريل ستريب بشخصية ميراندا بريستلي المرأة الحديدية في عالم الأزياء (imdb)⁩

تعود آندي إلى «رَنواي» بصفتها محررة تحقيقات، في موقع متقدم مقارنة بالماضي. ويأتي لقاؤها الأول مع ميرندا مشحوناً بتوتر مكتوم، يعكس صراعاً بين خبرة متراكمة وسلطة قائمة. كما تبدو المجلة بملامح جديدة؛ حيث يدور الحديث في الاجتماعات عن نسب المشاهدة والتفاعل، والعناوين الجاذبة، وتتحوَّل طاولة التحرير التي كانت تنشغل بقصَّات الأقمشة وألوان المواسم إلى لغة رقمية باردة.

في هذا السياق، يظهر نايجل (ستانلي توتشي)، ذاكرة حية للمكان، بنبرة تمزج بين السخرية والمرارة، مستعيداً زمن الرحلات الطويلة للتصوير، مقارنة بإيقاع اليوم المضغوط. ورغم ثباته النسبي، يمنح حضوره الفيلم توازناً بين الحنين إلى الماضي والوعي بالحاضر.

في المقابل، تدخل إيميلي شارلتون (إميلي بلنت)، من موقع نفوذ داخل دار «ديور» للأزياء، حيث تتشكل علاقتها مع «رَنواي» عبر الإعلانات والشراكات، مما يجعل «ديور» داخل الفيلم لاعباً رئيسياً؛ وجهة قادرة على التأثير في قرارات المجلة، إلى جانب علامات أخرى تظهر في خلفية الفيلم، لتؤكد أن الصناعة أصبحت شبكة مصالح متداخلة.

«لم تعد رَنواي مجلة»

⁨آندي ونايجل وحديث من داخل غرفة الأزياء لمجلة «رَنواي» (imdb)⁩

يقدِّم الفيلم الذي يأتي من إخراج ديفيد فرانكل، وسيناريو ألين بروش ماكينا، تحية ضمنية للصحافة المطبوعة. ورغم التركيز التسويقي على عودة الأبطال، تكمن مفاجأة الفيلم في نبرته الرومانسية تجاه الصحافة وصناعة الأزياء بوصفها فناً، بدلاً من «إنتاج المحتوى». في أحد المشاهد، يختصر نايجل الفكرة بقوله: «لم تعد رَنواي مجلة»، في إشارة إلى نسخة مطبوعة بالكاد تُقرأ مقابل محتوى رقمي سريع الزوال.

لا يبدو الفيلم معنياً بجذب جمهور جديد بقدر ما يخاطب متابعيه القدامى، من خلال استدعاء مستمر لأحداث الجزء الأول. كل شخصية تستعرض مسارها وتحولاتها، ما يمنح العمل طابعاً أقرب إلى مرثية ساخرة لواقع ما بعد 2006، وهيمنة الشركات الكبرى، يتجلى ذلك في مشهد جنازة رمزي لما آلت إليه الصناعة.

ميلانو وليدي غاغا في قلب القصة

تبلغ الأحداث ذروتها في مدينة ميلانو خلال عرض أزياء تنظمه «رَنواي»، حيث تتصاعد الضغوط نتيجة تقليص الميزانية. ويظهر ذلك في مشهد ساخر تسافر فيه ميرندا على الدرجة الاقتصادية، في مفارقة تعكس تغيُّر الأولويات.

ويفاجئ الفيلم جمهوره بظهور النجمة ليدي غاغا، في مشهد يجمعها بميرندا، يكشف توتراً قديماً بينهما، ويعكس تحولات موازين القوة داخل هذا العالم.

⁨تعود آندي إلى مجلة «رَنواي» في الجزء الجديد وبتحديات أكبر (imdb)⁩

كما يقدم أحد أكثر مشاهده تأملاً خلال عشاء فاخر تستضيفه قاعة تاريخية مزينة بلوحة «العشاء الأخير» الشهيرة للفنان ليوناردو دا فينشي، إذ يجلس الحضور تحت اللوحة في تكوين بصري متقارب، في حين تتحدث ميرندا عن تفاصيلها إلى آندي، ليضع الفيلم الفن في مواجهة الاستهلاك، وتتحول لوحة تاريخية إلى خلفية لعشاء فاخر.

في الختام، لا يغيِّر الفيلم مواقع شخصياته جذرياً؛ تبقى ميرندا على رأس «رَنواي»، وتعود آندي إلى المجلة، لكن التحول الحقيقي يكمن في طبيعة العمل نفسه: من صناعة الفن إلى ملاحقة التفاعل، وهي الفكرة التي يرسِّخها الفيلم عبر تفاصيله.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
TT

حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف

تنطلق ما بين 3 و17 مايو (أيار)، عروض أفلام للمخرج حميد بن عمرة في بلد ولادته الجزائر، التي غادرها قبل عقود إلى فرنسا حيث يعيش ويعمل مستقلاً ومثابراً.

من يشاهد أفلامه يكتشف أن كل فيلم فريد في نوعه وطريقة تناوله، وهذا يتضمّن ما يقدمه الفيلم وكيفية تقديمه. البراعة في أفلامه (ومنها «هواجس الممثل المنفرد بنفسه»، 2015، و«حزام»، 2016، و«كوكيو: موسم حصاد الأفلام»، 2023) تكمن في شغله على حرية التناول، منتقلاً بين ما يختاره من مشاهد ولقطات على نحو مغاير تماماً عما يعمد إليه آخرون من جيله أو ما قبله. لذا، فإن أفلامه خارج التصنيف وطريقته في تنفيذها ليست مطلقاً تقليدية.

التالي مقابلة معه تتضمن إيضاحاً شاملاً لمنهجه بمناسبة الاحتفاء الذي سيشهده في بلد مولده.

من «كيوكو: موسم حصاد الأحلام»

اخترع لغتك

> ما الذي يعنيه لك عرض أفلامك في الجزائر على هذا النحو الاحتفائي؟

- الرجوع إلى الجزائر فضيلة، ولقاء المشاهد الجزائري فريضة. يصادف كل ذلك مجيء البابا إلى الجزائر ويتزامن مع انفتاح البلاد على العالم بشكل أكبر. إنها فرصة ثمينة للتواصل مع جمهور أعتقده جاهزاً اليوم أكثر من أي وقت مضى لاكتشاف الجديد.

> قبل عروض أفلامك في الجزائر شاركت في مهرجانات عدة، لكن هل تعتبر العروض الجزائرية احتفاءً بك؟

- أنا من يحتفي بالجمهور الذي كان شاهداً على عرض فيلمي الأول سنة 1981، كما أحتفي بمدير السينماتيك، الأستاذ بوجمعة كارش، الذي كان سنداً وداعماً. سأحتفي بشاشات الجزائر التي تحوَّلت في بعض المدن إلى كفن للأفلام. سأحتفي بعيون المشاهدين 24 مرة في الثانية، لأن قاعدة السينما بيتي، وأنا الذي أستقبل الجمهور على شاشتي.

> من الصعب وضع أفلامك في خانات تقليدية. بل من غير الممكن. كيف تقوم أنت بتصنيفها؟

- في الأمور الإدارية، ولضرورة الترتيب، يتفنن الموظف في وضع كل ملف في مكانه الصحيح لتسهيل الاطلاع عليه. في السينما، العارف بماهية هذا الفن لا يحتاج إلى خانة كبوصلة. من يعرف السينما يستطيع الارتقاء إلى مصاف قراءة حرية السرد، التي ليست عفوية وعشوائية، وإنما حرية تبتكر منطقها. هيتشكوك يقول: «اخترع لغتك، فقط أعطني أبجديتك كي أقرأ». هناك فرق بين الأسلوب المتفرد وتلصيق اللقطات ببعضها. التفسير للقرآن وللعلوم، لكن السينما لا تُفسَّر لأنها دوام الأسئلة البصرية. سينما «ڤيرتوف» والموجة السوفياتية لم تكن صامتة، وإنما غير ناطقة. أبيات المتنبي تُسمع لمن به صمم، ويراها الأعمى. التفسير للأطفال، وللمبتدئين، ولغير العارف بأدغال السينما.

آسيا غمرة من فيلم «حزام»

سينما جميلة

> تناولت أفلامك، مثل «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» و«حزام» و«كوكيو: موسم حصاد الأحلام»، قضايا اجتماعية وشخصية، لكنها ليست أفلام قضايا كما ليست أفلاماً تسجيلية. ما هو تعريفك لذلك؟- ليس هناك تعريف دائم وثابت، بل المعرفة بوزن كل لقطة. كل لقطة لها عيار وعمر. لقطات تذوب في المشهد وأخرى تُحنّط. السينما إلمام بمعارف شتى تُصقل لترويض العين وشحذها كي تنتقي للمشاهد نافذة جديدة تفتح فكره وذوقه. أفلامي بها قضية واحدة هي السينما.

إنه الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون كي يوجد. ما يستفز ويغري ويثير ويصدم في السينما ليس المواضيع، وإنما فسيفساء اللقطات واتزانها في فضاء خارج عن معايير الهندسة المنطقية. السينما هي كل شيء عدا المنطق، لكني أضفت إلى منطق دزيغا ڤيرتوف السردي بلاغة اللغة العربية بأسلوبها السهل الممتنع. طرّزت إطاري بمجهريات الزخرفة المغاربية، وحصَّنت المشاهد بإيقاع الموشح الأندلسي.

> ما هي السينما الجميلة بالنسبة إليك؟

- الجمال في البساطة دائماً، وليس في الاستعراض. طريقة المشي بالنسبة للمرأة أكثر إثارة من جسد مفتول الأعضاء، وخط العاشق أجمل للعشيقة من خطاط محترف، وتدبير الأم لابنها أدق من استراتيجيات لاعب الشطرنج. السينما الجميلة هي تلك التي لا «تستخف» بالمشاهد ولا تتعالى عليه. المعرفة تختلف عن الخبرة، وذاكرة الشعوب تختلف عن ذاكرة الحكومات. أنا أصوّر بالحدس بوصفي شاهداً عن جيله، وليس بتراكمية القواعد. لا أرى المكان وإنما تفاصيله وأهميته التاريخية. لا أهرول نحو الوجه بقدر ما أتوقف عند بشرته. أذكر كل لقطة صورتها منذ 45 سنة. أفهم حين يقول كاسباروف إنه يتذكر كل منازلاته. الذاكرة المرئية تقودني إلى المكان والوجه بتأنٍ، لأن هاجسي الأول هو انتقاء ما بدا لي رفيعاً ونادراً لرسم صورة لحياة تفرز كل يوم لحظات فذة بين الأسلاك الشائكة.

«أفلامي بها قضية واحدة هي السينما؛ الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون ليوجد»

حميد بن عمرة

> من هم المخرجون الأحب إليك؟ وهل تأثرت بهم؟

- أحب من أعرف والتقي به فعلاً. هناك أسماء ضخمة وأخرى بالوزن نفسه لكنها خارج سلطة النت الخبيثة. أحببت رضوان الكاشف لأنني صورته وتبادلنا الرؤى، وأحب مجدي أحمد علي القريب جداً إلى جزائريتي. أحب نيكيتا ميخالكوف الذي التقيت به حين كنت رئيس لجنة التحكيم بمهرجان مالطا 2019، وكان العراب الحامي والضامن للمهرجان، ولأنني شاهدت كل أفلامه. أحب جورج شمشوم، وبهج حجيج، وناصر خمير، وسعد الشرايبي، وفريدة بليازيد، وإبراهيم تساقي، وبلقاسم حجاج، كما أحب سليمان سيسي، وهايلي غريما، ولاري كلارك. البصمة الشخصية تأتي من الممارسة والبحث المستمر، وليس من النقل المباشر أو المتستر.

> كيف تمكَّنت من تحقيق فيلمك الأول «من أجل حياة أفضل» سنة 1981؟ من هو صاحب الفضل في ذلك؟

- صوَّرت ذلك الفيلم في حي شعبي فقير وكادح، دون أي سند من أي مسؤول، عدا أم ادَّخرت من مصروف البيت مبلغاً غامرت به كي يشتري ابنها أول كاميرا عام 1978. هذه الأم المجاهدة التي وقفت في وجه الاستعمار لم تتراجع أمام حلم ابنها. هي التي أخرجت للجزائر ابناً ورث منها غريزة المثابرة إلى آخر نفس.


شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)

ALEA JACARANDAS

★★★1/2

إخراج:‫ حسن فرحاني‬

الجزائر | وثائقي (2026)

عن أب ومدينة وتاريخ

فاز فيلم «أليا جاكارانداس» (Alea Jacarandas) بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان «ڤيزيون دو ريل» الذي اختتمت فعالياته في 26 أبريل (نيسان). حظي الفيلم باستقبال جيد، ويرجع ذلك جزئياً إلى نجاح المخرج نفسه في عام 2019 بفيلمه الوثائقي الرائع «143 شارع الصحراء»، الذي رصد حياة امرأة تعيش وحدها وتدير دكاناً على الطريق السريع خارج المدينة، عاكسةً من خلال ذلك عزلة المكان والحياة.

فيلم فرحاني الجديد يختلف بشكل شبه كامل عن السابق. إنه رحلة في حياة والد المخرج، أمزيان فرحاني، ليس فيلم نوستالجي تقليدي، بل سجل لملاحظات وذكريات الأب حول المدينة، كيف كانت وكيف أصبحت، عن شوارعها وأناسها وأشجار الجاكارندا الجميلة التي لم يبق منها إلا القليل. الفيلم لا ينطوي على نقد لاذع، لكنه مشبع بالحنان تجاه الماضي، ممثلاً في الأب. هناك انسجام واضح بين الأب والمدينة؛ كلاهما يحمل تاريخه ويمضي.

من ميزات الفيلم أن المخرج لم يعتمد على النهج النستالجي، بل اتبع مبدأ البحث في ذاكرة الأب، معتمداً على ذكرياته وآرائه، دون اللجوء إلى وثائق رسمية. ونفاجأ، إن لم نكن على علم مسبق، بإعلان وفاة الأب في نشرة الأخبار قبيل نهاية الفيلم. الفيلم ناطق بالفرنسية ربما لأغراض تسويقية، لكن كان من الممكن أن يكون أكثر قرباً من حياة الشخصيات الواقعية لو تم تصويره بالعربية.

DENTRO ★★★

إخراج:‫ إلسا أميل‬

إيطاليا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

خيال السجين يطلقه خارج القضبان

تقع أحداث هذا الفيلم داخل سجن في مقاطعة توسكاني الجميلة، وهو عن مخرج وكاتب مسرحي اسمه أرمانو بونزو يعيش مع سواه في ذلك السجن، وينجز معهم مسرحيات تُقدم فيه. يوحي الفيلم أن بونزو دخل السجن لهذه الغاية طواعية، لكنه لا يتوقف كثيراً عند شرح هذه الخلفية.

من «دنترو» (ڤيزيون دو ريل)

يتحدث بونزو إلى الممثلين عن ضرورة استخدام الخيال كوسيلة لممارسة الحرية، إذ يمكن للسجين من خلاله الخروج من السجن ذهنياً، عبر قراءة النص المسرحي وفهمه. وقد يحتاج بعض السجناء إلى تدريبات ذهنية لتحقيق هذا الهدف، لكنَّ كثيرين منهم ينجحون في فهم الدلالات ويجدون في توجيهاته ملاذاً وقوة نفسية. في الوقت نفسه، تركز المخرجة على جهد بونزو لتحريك الثابت وتغيير الواقع قدر المستطاع، ونراه يتحدث إلى نفسه بصوت عالٍ، يكتب ويفكر ويمارس ما كان يمكنه القيام به خارج السجن طوال الوقت.

FROM DAWN TO DAWN

★★★

إخراج:‫ كجيسي صوفيا يا تشن‬

إسبانيا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

الفيلم الفائز بذهبية «ڤيزيون دو ريل»

لا تسعى المخرجة يا تشن إلى تقديم نظرة تعاطفية أو توجيه نقد لأي طرف في عرضها لمصير الجيل الثاني من المهاجرين الصينيين في مدينة برشلونة.

«من فجر لفجر» (ڤيزيون دو ريل)

ما تقدمه هو سرد عن شقيقها، أ. ون، الذي كان يطمح لتحقيق حلمه في العيش في خطر. وفق ما تكشفه المخرجة، كان شقيقها معجباً بحياة أفراد العصابات وانضم إلى واحدة منها، ولاحقاً أدار نادي قمار غير مرخّص في شقة تحت الأرض، ثم دخل السجن. وبعد أن أنهى مدة عقوبته، افتتح مطعماً.

التوليف عدو أسلوب المخرجة؛ فهي تريد منح شخصية شقيقها وكل شخصية الوقت الكافي لتقديم نفسها، حتى على حساب إيقاع الفيلم ووحدته.

الشخصيات تتراوح بين جيلين: المهاجرون الأوائل والجدد. المشاهد تتضمن حوارات مطوّلة، لكنها تعكس رغبة المخرجة في التعريف بكل شخصية ومشاعرها، مع الحفاظ على موقف حيادي ناعم وعاطفي. ومع ذلك، كان بالإمكان تحسين العمل عبر ممارسة قدر أكبر من التحكم الفني.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز