تمام الأكحل وإسماعيل شموط... زواج «فني» ممهور بحب فلسطين

سيرتهما الشخصية تختزل بعَثراتها ونجاحاتها مسيرة شعب بأسره

تمام الأكحل توقع كتابها «اليد ترى والقلب يرسم»
تمام الأكحل توقع كتابها «اليد ترى والقلب يرسم»
TT

تمام الأكحل وإسماعيل شموط... زواج «فني» ممهور بحب فلسطين

تمام الأكحل توقع كتابها «اليد ترى والقلب يرسم»
تمام الأكحل توقع كتابها «اليد ترى والقلب يرسم»

حين قررت الفنانة الفلسطينية تمام الأكحل، أن تسرد وقائع حياتها المشتركة مع زوجها الراحل إسماعيل شموط، فهي لم تكن تريد لسرديتها المؤثرة أن تشتغل على خط العلاقة الثنائية بين الطرفين فحسب، بل كانت تحرص في السياق نفسه على استعادة تلك الأزمنة الوردية التي كانت تجد في الجغرافيا الفلسطينية السابقة على الاحتلال، بيئتها الملائمة ومسرحها الفردوسي. هكذا بدت الكتابة عن الفنان الأكثر فرادة في التاريخ التشكيلي الحديث لفلسطين، نوعاً من إعادة تركيب رمزي للحياة التي تصرمت برحيل أحد طرفيها، بقدر ما بدت محاولة موازية لحث الذاكرة على منع الزمن الفلسطيني من التشظي، وانتشال المكان من عهدة النسيان.
ولعل حرص الفنانة الأكحل على التوأمة بين الشخصي والجمعي في كتابها السير - ذاتي «اليد ترى والقلب يرسم»، هو الذي دفعها إلى أن لا تستهل عملها السردي بلحظة تعرفها إلى شموط، بل هي استبقت ذلك بتمهيد مطول عرضت من خلاله لظروف نشأتهما في فلسطين، ولأوضاع البلاد التي كانت تغلي على صفيح زلزالي، في تلك الحقبة المفصلية الخطرة من تاريخها. هكذا حرصت الفنانة الكاتبة على رسم نوع من البورتريه المفصل لأرض ولادتها الأم، بكل ما حفلت به طفولتها من روائح ومشاهد وأصوات، مطلة من خلال يافا واللد، حيث أبصر الثنائي الزوجي النور، على الجانب السحري من الطفولة، التي جهد المحتلون في بتر ملامحها، لتظل حية تماماً في الذاكرة، كما في القصائد والأغاني واللوحات.
نتعرف في كتاب تمام الأكحل على ملامح من طفولة إسماعيل شموط المولود في اللد عام 1930، لأب يعمل في بيع الخضار، ووسط عائلة من عشرة أطفال. وحين سقطت فلسطين بأيدي الصهاينة عام 1948، كان شموط في أوج يفاعته واندفاعه باتجاه الحياة. لكن موهبته في الرسم بدأت تتفتح مذ كان طفلاً على مقاعد الدراسة، حيث تعهده بالرعاية أستاذه الفنان داود زلاطيمو. ولدى حدوث النكبة نزحت العائلة إلى خان يونس، بعد أن شهد الفتى بأم عينيه مجازرها المروعة، وبعد أن لفظ أخوه توفيق بفعل العطش الشديد أنفاسه الأخيرة. بعدها بقليل استطاع إسماعيل، الذي تشربت ذاكرته البصرية المتوهجة ألوان فلسطين، أن يقيم معرضه الأول في خان يونس، وأن يبيع لوحته الأولى التي ساعده ثمنها المتواضع في الانتقال إلى القاهرة لإكمال دراسته، حيث وفر له العمل في تصميم الإعلانات السينمائية بعض أكلاف معيشته.
تستفيض تمام الأكحل بالمقابل في الحديث عن طفولتها المبكرة في مدينة يافا الساحلية، مستعيدة بشجن رومانسي ملامح ذلك العالم الطيفي الذي خلفته وراءها، حين أجبر المحتلون أولئك الذين كُتبت لهم النجاة من المجازر التي ارتكبوها، على ركوب السفن واللجوء إلى حيث يشاءون من الأصقاع والمنافي. وإذ تمعن الكاتبة في الحديث عن تفاصيل حياتها العائلية، وعن أسوار يافا ومنازلها القديمة، وعن بيارات البرتقال وصفير السفن في الميناء، بدت وكأنها تحث ذاكرتها على انتشال ما تستطيع إنقاذه من كنوز ذلك الماضي الذي جهد المحتلون في طمسه وتغييبه. وقد روت الكاتبة المولودة عام 1935، ودحضاً للمزاعم الكاذبة عن التسليم السهل للمدينة، كيف واكبت بنفسها المجزرة المروعة في دير ياسين، وكيف تحولت الحياة في بلادها إلى جحيم، بعد أن سُدت في وجه شعبها كل أسباب الحياة، وتُرك نهباً للجوع والمرض والرعب والقتل الجماعي. غير أن العاصمة اللبنانية التي اختارت العائلة أن تكون مكاناً للجوئها القسري، قبل أن يتبخر حلمها بالعودة، وفرت للفتاة الطافحة بالأحلام سبل الالتحاق بمدارسها، إضافة إلى ما تحتاجه موهبتها في فن الرسم من رعاية واهتمام.
أما فرصة تمام الأثمن للانطلاق نحو الفضاء الأوسع لعوالم التشكيل، فقد وفرتها لها مشاركتها عام 1953 في معرض الخريف السنوي في قصر اليونيسكو، حيث لفتت لوحاتها الأنظار، الأمر الذي جعلها تحظى بمنحة خاصة لإكمال دراستها العليا في أكاديمية القاهرة للفنون. ووسط الهبوب العاصف لرياح التغيير السياسي الدراماتيكي في العاصمة المصرية، التقت الأكحل بإسماعيل شموط، الذي كانت لوحاته الفنية المستلهمة من تراجيديا النكبة قد أخذت طريقها إلى الشهرة، الذي وضع حياتها فيما بعد أمام منعطف جديد وحاسم. وحيث كانت البراعم الأولى للعلاقة بين الطرفين تتكون على إيقاع فرشاتيهما الناضحتين بحب فلسطين، بدا افتتاح الرئيس المصري جمال عبد الناصر، عام 1954، لمعرض «اللاجئ الفلسطيني»، وبحضور رئيس رابطة الطلبة الفلسطينيين في مصر آنذاك، ياسر عرفات، المناسبة الأهم التي أتاحت لشموط والأكحل أن يضعا مصيريهما الشخصيين على طريق التكامل الفني والحياتي، وأن يفتتحا بكل ما يدخرانه من قوة الموهبة وصلابة الالتزام بالقضية، عصر التشكيل الفلسطيني. «هل عشتم بالفعل هذه الأوضاع التي رسمتموها؟»، سأل عبد الناصر، إسماعيل شموط، وهو يقف متأثراً أمام لوحتيه «إلى أين» و«سنعود»، اللتين تعكسان مسيرة العذاب والتيه الفلسطينيين. وبعد أن رد الأخير بالإيجاب، أوعز الرئيس المصري بشراء اللوحتين، وإرسالهما إلى مكتب الجامعة العربية في واشنطن. أما الفصل المضحك المبكي من الحادثة، فهو اكتشاف الثنائي شموط - الأكحل بعد سنوات، بأن اللوحتين لم تصلا أبداً إلى وجهتهما المقررة!
لم يتأخر إسماعيل شموط في مصارحة تمام الأكحل بما يكنه لها من مشاعر قلبية تتعدى الصداقة العادية، لتتصل بالحب والشغف العاطفي، ومن ثم مفاتحتها بشأن مشروع الزواج الذي لم تتردد تمام في قبوله المبدئي، لكنها أجلت البت النهائي بشأنه عندما علمت باستعداد شموط للسفر إلى روما، لاستكمال دراسته التخصصية في فن الرسم. ومع أن الرسائل المتبادلة قد تكفلت بمنع جذوة العلاقة بين الطرفين من الانطفاء، على امتداد سنتين من الزمن. وحيث كان مقدراً للخطيبين العاشقين أن يتوجا علاقتهما بالزواج بعد عودة إسماعيل من إيطاليا، إلا أن جملة من الخلافات العائلية، مقرونة بسلسلة غريبة من المفارقات والمواقف الملتبسة، حملت الطرفين على فسح الخطوبة على نحو مفاجئ، تاركيْن للوشايات والمكائد الصغيرة أن تنتصر على الحب، قبل أن تعود مياه العلاقة إلى مجراها الطبيعي. وبعد سنوات ثلاث من التباعد والقلق والبلبلة العاطفية، تمكن الحبيبان أخيراً من تجاوز العراقيل المختلفة التي واجهتهما، ليدخلا «بيت الطاعة» الزوجي الذي طال انتظاره، عام 1959، على أن الجانب الأكثر غرابة وطرافة في هذا الشأن، هو ما باح به شموط لتمام في وقت لاحق، من أنه مدين في حسم قراره النهائي بالزواج، للشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان التي دفعها وقوفها على قصة حبهما الشائكة، إلى كتابة قصيدة مؤثرة جاء فيها:
كان وهماً نحن أعطيناه
شكلاً وحياه
ثم رويناه لوناً وعبيرْ
ومنحناه ضياءً وظلالا
وحصرْنا الشوق في دنيا رؤاه...
بعض ذكرى نحن هيأنا لها
نعشاً وقبرا
ودفنّاها بصمتٍ ونضحْناها بعبْره
وتركنا عندها آخر زهره
لا يظهر من سياق السيرة أن ثمة إشكالات جوهرية اعترضت حياة الزوجين، أو عرضت علاقتهما إلى التصدع، كما يحدث عادة في العلاقات المماثلة بين المبدعين، حيث الأنا الفردية المتفاقمة والتنافس «المسكوت عنه» على ساحة الإبداع، يوديان بمعظم العلاقات المماثلة إلى الانهيار. ولعل معظم المتاعب التي واجهها الطرفان، كانت ناجمة عن التزاماتهما الاجتماعية والنضالية المرهقة، حيث أطلق البعض على منزلهما العائلي تسمية «بيت الشعب»، كما تقول الأكحل، وهو الذي تحول إلى محجة يومية يقصدها العشرات من أهل السياسة والثقافة والفن، الذين ربطتهم علاقات وثيقة بشموط، بفعل انخراطه في العمل النضالي من جهة، وبفعل توليه الأمانة العامة لاتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين من جهة أخرى. ومن يتتبع المسار اللاحق لحياة الثنائي الزوجي، لا بد له أن يلاحظ طغيان الجوانب النضالية والاجتماعية والفنية، على كل ما عداها من شؤونهما الشخصية والأسرية. فبعيد ارتباطهما بقليل، طلبت منظمة «الأونروا» من شموط والأكحل الانتقال إلى قطاع غزة لمساعدة معلمي الرسم على كيفية تدريس الفن، حيث التقيا هناك بالشاعر الفلسطيني معين بسيسو. كما طُلب لاحقاً من إسماعيل أن يعد رسوماً لكتب التنشئة الوطنية في لبنان، فضلاً عن زيارات الثنائي لعدد من عواصم الفن ومراكزه الكبرى، مثل روما وبرشلونة وباريس وأثينا وأمستردام، وعن إقامة معارض تشكيلية مختلفة في أميركا وأوروبا والكثير من بلدان العالم، وصولاً إلى الصين التي استقبلهما شعبها بحفاوة بالغة. أما الأعمال التي تم عرضها، فكانت مستلة بمعظمها من التراث والفولكلور الفلسطينيين، حيث حرص الثنائي الفني على التأكيد على أن ذاكرة الفلسطينيين البصرية هي جزء لا يتجزأ من تشبثهم بالأماكن التي طُردوا عنوة منها، وبأنها إحدى أبرز عناصر سرديتهم اللونية المقاومة للاحتلال.
غير أن الخيانة الأكثر إيلاماً التي انعكست بشكل سلبي على حياة الزوجين، جاءت بعد ذلك من جهة القلب، الذي بدأت ضرباته بالاضطراب وأداؤه بالتعثر، بعد أن حمله صاحبه بفعل الاجهاد والسفر والتوتر الدائم، ما يفوق قدرته على الاحتمال. على أن وضع الفنان الدقيق الذي استوجب العديد من الفحوصات وعمليات القلب المفتوح واستبدال الشرايين والصمامات، في غير بلد ومركز طبي، لم يثنه وزوجته عن متابعة الرسم وإقامة المعارض والتجول في الكثير من الأصقاع، نصرة لفلسطين وقضيتها العادلة. ورغم تعلقهما المشترك بالعاصمة اللبنانية، فقد وجدا نفسيهما مضطرين لمغادرتها، إثر الاجتياح الإسرائيلي الواسع للبنان عام 1982، إلى الكويت التي أقاما فيها لسنوات عدة، قبل أن يغادراها إثر الغزو، للالتحاق بولديهما المقيمين في ألمانيا، ولينتهي بهما المطاف في عمان حيث يكونان أقرب إلى فلسطين.
«يا ناس، تعالوا شوفو إسماعيل شموط. فنانكم العظيم موجود بينكم»، يصيح بائع الخضار الفلسطيني، حين عرف بأن الرجل الذي يقف أمامه في مدينة اللد المحتلة، هو جاره القديم الذي أجبر على مغادرة المدينة عام النكبة، ويعود إليها الآن متعباً ومسبوقاً بشهرته في سن الكهولة. أما تمام التي رافقها زوجها إلى يافا، فقد أذهلتها الصدمة حين اكتشفت بأن فنانة إسرائيلية ثمانينية قدمت من روسيا البيضاء، لتصادر منزل طفولتها القديم، وتكتب على مدخله «صالة شوشانا فنكلشتين».
لم يكف إسماعيل شموط عن إعادة تشكيل التاريخ والجغرافيا الفلسطينيين عبر مئات اللوحات التي رسمها. ومع أنه لم يكن معنياً بالتحولات التشكيلية الحداثية، وما بعد الحداثية، التي عرفها العالم في القرن الفائت، فإن أسلوبه الواقعي التعبيري كان قادراً على شحن خطوطه وألوانه بكل ما تحتاجه الشمس الفلسطينية من حرارة وتوهج، وبكل ما يساعد الملحمة الفلسطينية على الرسوخ في ضمير العالم وذاكرته ووجدانه. إنه «الذاكرة تتخذ جسداً»، على حد تعبير مؤرخ الفن الفلسطيني كمال بلاطة. ومع بلوغه السادسة والسبعين من العمر بات قلب إسماعيل شموط عاجزاً تماماً عن حمل المزيد من الأعباء، فتوقف بشكل نهائي عن الخفقان، في أحد مستشفيات كولون الألمانية في الثالث من يوليو (تموز) عام 2006، لتتابع تمام بمفردها، ونيابة عن الحبيبين معاً، مسيرة العودة الطويلة والشائكة إلى فلسطين. ولعل أفضل ختام لهذه المقالة هو ما كتبه محمود درويش في تأبين إسماعيل شموط، مختزلاً تجربة صديقه ومعادله التشكيلي بالقول: «من فرط ما هو هو، وليس هو في آن واحد، خُيل إلينا نحن المثبتين في زيت اللوحة، أننا شظايا قصائد أعاد الفنان تشكيلها في إطار. افترقنا دون أن أقول لإسماعيل: حافظْ على الذاتي، ولو قليلاً من جشع الموضوع. ودون أن يقول لي: حافظ على الموضوع من جنوح الاستعارة. إسماعيل شموط: يده هي التي ترى، وقلبه هو الذي يرسم».



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».