يمنيون مقيمون في السعودية: أوضاعنا أفضل.. والمغرضون كثر

نفوا تعرضهم لإساءات وأكدوا أنها شائعات بهدف الفتنة

مقيمون يمنيون يتناولون الطعام في أحد المطاعم وسط الرياض (تصوير : خالد الخميس)
مقيمون يمنيون يتناولون الطعام في أحد المطاعم وسط الرياض (تصوير : خالد الخميس)
TT

يمنيون مقيمون في السعودية: أوضاعنا أفضل.. والمغرضون كثر

مقيمون يمنيون يتناولون الطعام في أحد المطاعم وسط الرياض (تصوير : خالد الخميس)
مقيمون يمنيون يتناولون الطعام في أحد المطاعم وسط الرياض (تصوير : خالد الخميس)

حين دقت الساعة السادسة من صباح أمس، أجرى بائع أغنام يمني الجنسية يقيم في مدينة بيشة جنوب السعودية، اتصالا ببرنامج «بك أصبحنا»، الذي تبثه إذاعة القرآن الكريم في الرياض، وأكد لمذيعي البرنامج أن أوضاع المقيمين اليمنيين باتت أفضل، وأن تعامل السعوديين ينحو إلى تقديم المساعدة والاقتراب منا أكثر.
تلك الحالة التي عبر عنها بائع الأغنام اليمني، عكست الوضع الحقيقي للعلاقة بين السعودي واليمني وأن كل ما يروج له «كذب وتضليل»، يأتي من جهات مغرضة هدفها إثارة الفتنة وبأي وسيلة، مستغلين مواقع التواصل الاجتماعي لبث سمومهم بين أبناء الأمة العربية لتفكيكها، في وقت تعيش فيه المنطقة العربية حربا ضروسا، تقودها قوات التحالف العربية لدك معاقل الميلشيات الحوثية في اليمن ودحرها، الأمر الذي دعا أطرافا خارجية أخرى لتقود حربا نفسية تروج لها عبر حساباتها الوهمية والمواقع الإلكترونية والفضائيات لإثارة الرأي العام وقلب الحقائق وتدليسها.
«الشرق الأوسط» وقفت على عدد من تجمعات الجاليات اليمنية في عدد من المواقع بالعاصمة الرياض، للتأكد من أصحاب الشأن أنفسهم حول صحة ما أثير - أخيرا - في عدد من القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي التي تشير إلى تعرض عدد من الجاليات المقيمة في السعودية لمضايقات أو إساءات لفظية، في الوقت الذي نفى فيه المقيمون اليمنيون في السعودية جملة وتفصيلا ما يجري تداوله من إساءات قد تمسهم بشكل مباشر أو غير مباشر من أبناء المملكة، خصوصا بعد تداعيات «عاصفة الحزم»، مؤكدين في الوقت ذاته، الإخاء الدائم بين أبناء البلدين على مدار عقود مضت، سواء في السلم أو في الحرب.
واعتبروا أن تلك الإشاعات هدفها الأساس نشر الفوضى بين الأشقاء العرب، وأن أمرها مفضوح، مشددين على تأييدهم الكامل لموقف السعودية التي تقود التحالف الدولي للقضاء على رأس الفتنة الحوثية، وإعادة الشرعية اليمنية، خصوصًا أن هذا التدخل العسكري جاء في الوقت المناسب، وبطلب من الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي.
«الشرق الأوسط» رصدت بعض المشاهد وردود الأفعال المصاحبة للحرب للتأكد من مزاعم تلك الروايات، الأمر الذي تأكد جليا وعلى لسان أصحابها بأن السعودية حاضنة رئيسية لأشقائهم في اليمن، سواء بالسلم أو في الحرب، مؤكدين أنهم لم يجدوا إلا المساندة والدعم من الأسر السعودية صغارها وكبارها، داعين الله تعالى أن يجلي هذه الغمة، بل تعدى الأمر إلى مناصرة أبناء السعودية - حسب وصفهم - والوقوف مع اليمن في أحلك الظروف، وفتحوا لهم قلوبهم ومساندتهم في حال وجود أي قصور من الممكن أن يمس الجالية اليمنية سواء من الناحية الإنسانية أو المعنوية.
من جهته، استغرب مهدي الزهير وهو مقيم يمني في العاصمة الرياض منذ أكثر من عقدين، أن يجري الترويج لمثل تلك الإشاعات المغرضة التي تمس الجالية اليمنية بشكل مباشر، ولا تأتي إلا من ضعاف النفوس والمغرضين الذين همهم شق الصف العربي وبالتحديد بين أبناء اليمن والأشقاء في السعودية، مستغلين هذا الظرف للتأثير على العزيمة القوية التي أضحت من سمات الشعبين، معتبرا إياها حربا نفسية يقودها أعداء المنطقة.
وأبان الزهير أن علاقتهم مع الأشقاء السعوديين لا ينكرها إلا جاحد أو جاهل، هذا ما أثبتته العقود الثلاثة الماضية وفي جميع المحن التي مرت بها اليمن، بل على العكس نجد أن الأشقاء في السعودية من أول المبادرين للوقوف على احتياجات الجالية اليمنية التي تربطها معهم عشرة سنين. وقال: «لن نسمح لأي كائن من كان بالمساس بوحدة أبناء البلدين وفي جميع الظروف»، مشيرًا إلى أن مصالحهم التجارية حتى لم تتغير بل إنها كما كانت أو أفضل بمراحل - حسب وصفه ولم يؤثر عليها القيل والقال، معتبرًا أن الشعب اليمني والجاليات الموجودة في السعودية أصبحت تدرك تماما ما يحاك ضدها من ألاعيب وفتن مؤدلجة وفق مخططات خارجية.
من جانبه، يقول أحمد عمران وهو مالك لأحد المحال الموجودة وسط العاصمة الرياض: «إن الأحداث الحالية لم تؤثر قيد أنملة على العلاقات الأخوية بين الجالية اليمنية وإخواننا في المملكة، سواء قبل أو بعد الحرب القائمة، بل إنها أصبحت أكثر تماسكا من ذي قبل وهذا إن دل فإنما يدل على الوحدة العربية التي تعيشها المنطقة هذه الأيام، متمنيا ألا يلتفت الإخوة اليمنيون لمثل تلك الترهات والإشاعات المغرضة التي همها الوحيد بث الفرقة بين أبناء البلدين مستغلين بذلك الأوضاع التي تعيشها المنطقة».
وفي حي آخر، يقطن المقيم اليمني أبو أحمد الذي يرى أن الضربات العسكرية جاءت في وقت تعيش فيه اليمن ظلما لم تره حتى في زمن القحط والجوع، لم يزد الأشقاء من الجانبين اليمني والسعودي إلا قوة وصلابة واتحادا في الكلمة وفي الأهداف، ولم الوحدة الوطنية، ساخرا من بعض ما يشاع حول الإساءات التي جرى الترويج لها - أخيرا - سواء من باب السخرية أو من باب الحرب النفسية التي دائما ما يشرع بها المهزومون والمغرضون الذين يستغلون النواحي النفسية لشق الصفوف وبث الرعب بين الجاليات اليمنية المقيمة في السعودية.
«الشرق الأوسط» التقت جمعا من الجالية اليمنية تناولوا عددا من الموضوعات المرتبطة بـ«عاصفة الحزم» وبصبغة سياسية، ولكن هذه المرة تناولوا حقيقة الإشاعات المسيئة والمحرضة، في الوقت الذي سخروا منها، وقالوا إنها جاءت من أناس أحسوا بالهزيمة من دواخلهم وأرادوا أن يعكسوا هذا الأمر عبر بث الإشاعات التي تتناول المقيمين في السعودية وكيفية التعامل معهم، مؤكدين بالإجماع أنهم وعوائلهم لم يجدوا إلا كل خير سواء من الناحية الإنسانية أو المعيشية، مستشهدين ببعض المواقف التي تؤكد أنه لا يربط اليمنيين المقيمين في السعودية إلا كل عزة ومحبة من الصغير قبل الكبير.
وقالوا: «نعيش اطمئنانا منقطع النظير ونحن بين إخوتنا السعوديين»، مشيرين إلى أنهم لم يجدوا إلا الدعم والمؤازرة المعنوية منهم، مراعين حق الجيرة والمصالح التجارية والإنسانية التي عمرها عقود من الزمن وهي تسير للأفضل بعكس كل ما أثير من أنه قد يحصل بعض المناوشات المسيئة من الجاليات المقيمة والإخوة السعوديين»، مرجعين ذلك إلى أغراض دنيئة يعمل عليها الأعداء سواء من الداخل أو الخارج.
ووصفوا الحالة التي يعيشها الشعب اليمني بأصعب المآسي التي مرت على اليمن بسبب التمرد الحوثي، ناقلين بدورهم عن الشعب اليمني تأييدهم الكامل للتدخل العسكري لإنقاذ اليمن من الحوثيين، معبرين عن امتنان الشعب اليمني للشعب السعودي المناصر لهم في السراء والضراء، مستدلين بذلك بمنظر الشعب اليمني المتفتح الذي رفع شعارات شكر للقيادة السعودية وموقفها النبيل، مبدين سعادتهم لضرب القوات السعودية للجماعات الحوثية التي استولت على معظم مدن ومحافظات بلادهم تحت تهديد السلاح، وهذا التدخل لم يأتِ إلا بعد أن طفح الكيل من تلك الميليشيات المؤدلجة وفق أجندة خارجية.
وقالوا إن الموقف الحالي لم يأتِ من فراغ؛ فالسعودية حاولت بكل الطرق السلمية للحوار مع المتمردين، إلا أنهم رفضوا ذلك وسمحوا للإيرانيين بالسيطرة عليهم والتحكم في مصير الشعب اليمني، مؤيدين الخطوات السعودية الإصلاحية في اليمن لطرد الحوثيين والإيرانيين من المنطقة برمتها حتى لا تقوم لهم قائمة، راجين أن تعود بلادهم إلى ما كانت عليه من أمن واستقرار قبل التدخل الحوثي السافر.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.