حمدي الجزار يداعب مرايا «الحريم» في روايته الجديدة

حصلت على جائزة أفضل رواية في معرض القاهرة للكتاب

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

حمدي الجزار يداعب مرايا «الحريم» في روايته الجديدة

غلاف الرواية
غلاف الرواية

تجر رواية «الحريم» للكاتب حمدي الجزار الطفولة وراءها، وتنسج من مناخاتها وروائحها الخاصة عباءة سردية لأنا مركزية تهيمن على النص، نتعرف من خلال مراحل ومحطات نموها ووعيها بالعالم والأشياء على تجربة حياة خصبة في حي ابن طولون الشعبي أحد أبرز أحياء القاهرة القديمة العريقة، وكذلك أنماط العيش فيه على المستوى الفردي والاجتماعي والإنساني.
ورغم أن خيوط السرد والحكي في هذه الرواية الصادرة عن دار «صفصافة» بالقاهرة والتي حصلت على جائزة أفضل رواية في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الماضية، لا تبرح عين السارد (الكاتب) في كل فصولها، فإننا أمام ذات منفتحة على عالمي الداخل والخارج معا، فالأشياء والشخوص والمواقف والرؤى والأفكار، ومشاحنات الواقع اليومي سواء في نسقه الواقعي أو المتخيل، دائما تُستحضر من خلال عين السارد، كما أنه لا يقبض عليها بصرامة وخشونة، بل يتعامل معها بخفة وحيادية، مكتفيا بالعيش في ظلالها، واكتشاف ذاته من خلال ترويض هذه الظلال، وكذلك شهواته الدفينة في المعرفة والحب والجنس، تاركا المكان وراءه كعلامة أو إشارة عابرة على أثر ما.
تصطحب الرواية - التي نفدت طبعتها الأولى بحسب الناشر – النساء، وتعنون بأسمائهن فصولها العشرون، ويتماهى نمو الطفل (سيد بطل الرواية)، الذي غادر ثديي أمه ومرارة الصبار بعد أربع سنوات، مع نمو حركة السرد وتقاطعاتها في مرايا الشخوص الأنثوية، اللاتي يتعرف عليهن في صحبة أمه، ويلتقط حكاياتهن من غبار الحارة، أو اللاتي يتعرف عليهن بمفرده، بعدما يكبر وينضج، كما يرتبط خط السيرة الذاتية للبطل، بتداعيات المكان، والعيش في بيئة مهمشة، يمثلها واقع الحارة الشعبية بامتياز، أغلب ناسها فقراء يمتهنون حرفا ومهنا بسيطة، بداية من الأب فرج «أسطى الموبيليا» ذائع الصيت، وروحية أشطر خياطة في «طولون»، و«عليمي» الفاكهاني المتجول وزوجته لوزة، وأم شفيق «الدلالة» وبناتها الثلاث، وابنها «الحرامي» الذي طفش من الحي وعاد إليه مقتولا، ثم «أُنس» صاحبة شقة الفرفشة العتيقة. ورغم تعدد الشخصيات فإن شخصيتي الأب فرج والأم بطة، هما الأبرز في كل تفاصيل الحكاية.
في هذا المناخ وبعاطفة مشبوبة عاطفيا وإنسانيا ترصد الرواية أغوار عالم «الحريم» وحبائله السرية في حياة البطل، واشتباكه مع هذا العالم، الذي يتميز بطابع الفطرة وبداهة المعرفة في مرحلة تعليمه الأولى بالمدرسة، ثم يصطبغ بوعي سياسي واجتماعي وإنساني أوسع بقضايا المجتمع، في أثناء دراسته الفلسفة بالجامعة، حيث يتعرف على النشاط السياسي للطلبة، ويصادف أنماطا أخرى من النساء أكثر نضجا، لكن تصدمه في علاقته بهن فكرة الحب في مجتمع شرقي يضع الذكورة دائما في الصدارة.
وفنيا يدور النص في فلك لغة سردية موجزة شفافة، خالية من الترهل البلاغي، يتناظر فيها المحكي الشفاهي ابن الحياة اليومية وتراث الحارة، والمتخيل المحلِّق، الذي تعلق به ومضات من شطح الخيال وفانتازيا الواقع. وهي لغة حكاءة تجيد الوصف، وتتخذ منه مقوما فنيا لتوثيق تاريخ الأشياء والعناصر ومظاهر البيئة المحلية، ومنها توثيق الراوي لأنواع الخشب وصبغات الطلاء، بعد أن اكتسب خبرة ضافية بعالم النجارة في ورشة والده، حتى إنه أصبح ينظر إلى العالم باعتباره مجموعة من قطع الأثاث، يتفاوت فيها القديم والحديث، وكذلك وصفه لطقوس المولد الشعبي، السيدة زينب ونفيسة وسكينة. ومنها أيضا وصفه الحاذق لأجساد النساء والفتيات، وقنص مواطن الفتنة والأنوثة في ملامحهن. إنها تفاصيل صغيرة، تطفو على سطح حياة الراوي، يلتقطها بعناية وعفوية، ويشكل منها سردًا ووصفًا وتعليقا، مضيفا إلى منظوره اللغوي السلس ملمحا مهما، وهو الحكي على سننه، وعواهنه المرمية على قارعة الأزقة والحواري في الحي الشعبي. وهو ما يتجسد حين يصف الكاتب الراوي، لحظة فرحه بدخوله المدرسة بعدما أخبره والده بذلك، قائلا: «الفرح جعلني أنط وأتقافز، وأنسى أبي وأمي، وأصفق بكل قوة على كفيّ، وأصيح: هيه.. هيه. كنت مبسوطا جدا، لأنني سأرتدي زيا مدرسيا خاصا بتلاميذ المدرسة الابتدائية. سأصبح تلميذا كحلمي وعبد الظاهر ولطفي. سأصير كالأولاد الكبار الذين يعيرونني، ويقولون: عيل صغير. ويبعدونني عنهم: امش العب بعيد. عندما يلعبون الأولى، أو تريك تراك، أو كرة القدم في ميدان طولون».
وطيلة الرواية يتمثل الكاتب (السارد) ذاته بصيغة يغلب عليها ضمير الأنا المتكلم، بينما تتخفف طاقة السرد من ضمير الغائب، ليؤكد حضوره الراهن في النص، وفي الوقت نفسه، يمتلك القدرة على تحويل رغباته العاطفية المراهقة المشبوبة، إلى نسق من القيم والأفكار تعبر عن طموحه في عالم جديد، وحياة مغايرة. لكن هيمنة صيغة أنا المتكلم رغم أنها تعزز صيرورة الوعي بالذات واستقلاليتها، بعيدا عن أي سلطة، حتى لو كانت رمزا أو قناعا، فإنها تجر خط السرد، في بعد أحادي، ينعكس أيضا على خط الزمن، فالراوي لا يستعيد وعيه بالزمن من ماض بعيد أو قريب، وإنما مما يعيشه في تقاطعات حياته اليومية بلحظات حلوها ومرها، وهو ما جعل ثمة مسافة في النص بين السيرة الذاتية للمكان الغني بتاريخه وامتداده في الزمان، والسيرة الذاتية للبطل، فبدا المكان - أحيانا - مجرد قشرة وغلالة للنص، واكتسبت عين السارد طابع البوصلة السياحية العابرة.
لكن رغم هذا استطاعت الخلطة الأنثوية المتنوعة في الرواية أن تحقق متعة ما، وتشد خيوط الحكي إلى الأعلى دراميا وإنسانيا بذكاء ورهافة مشاعر، برز هذا على نحو لافت في براءة مروياته عن النساء والفتيات، اللاتي صادفهن في مرحلة الجامعة، ويفقدهن في ذروة نشوى ناقصة ومبتورة، بل همجية أحيانا، تكشف الفجوة ما بين مفهوم الحب في الثقافة الشرقية والغربية، فالأول قرين الخوف والأعراف والتقاليد، والثاني قرين الإرادة الحرة المستقلة، فيصدم إلى حد الإحباط والاكتئاب في علاقته بـ«ماري» الأميركية، و«ساها» اليابانية، ويرحل عنهما في صمت، باحثا عن مبررات واهية، تحرره من إحساس ما بالذنب تجاه نفسه والحياة من حوله.
إن سيد بطل الرواية لا يفشل في الحب لأنه يجهل حقيقة المرأة، وإنما لأنها أصبحت نقطة شائكة ومعتمة في لاوعيه، ومن ثم أصبح شاغله الوحيد هو التحرر من الخبرات الصادمة والذكريات المؤلمة التي عاشها في ظلال هذه الحقيقة، وهربا من كل هذا يستسلم إلى حياة الحي، للأعراف والتقاليد، فيلجأ إلى أمه التي هرمت بعد موت والده وزواج أخته الوحيدة منى، طالبا منها أن تزوجه، ضاربا بالحب عرض الحائط، ودون اكتراث لأية عواقب وخيمة تنجم عن هذه المغامرة، وهو ما انعكس على حياته الباردة مع سلوى، مدرسة العلوم، ابنة عبده القماش التي اختارتها أمه زوجة له.
لقد انحاز لفلسفة الجبر على الاختيار، فضل بداهة المعرفة، بل سذاجتها، ليراكم بها بقعة الخوف الكامنة في داخله، التي تجلت في علاقته الضدية بغريمه عبد الظاهر ابن الطفولة والصبا، ووصلت لذروتها في مشهد الرواية الأخير، حيث يتحول عبد الظاهر، المخيف الشرس إلى سلطة قاهرة وهو يسمم كلاب الحي الطيبة، انتقاما لما أصاب كلبه الأسود المرعب من جراح، وكأنه يمارس نوعا من التشفي الممتع، وينعكس صدى المشهد داخليا بقوة على سيد (بطل الرواية) كمرثية مقنعة لعلاقته الفاترة بزوجته، فيتساءل بمرارة مناجيا نفسه: «هل يصير الواحد رجلا حقيقيا، وهو ما زال يشغل نفسه بالخوف، يشغل نفسه بعبد الظاهر وكلبه، وهو ممدد إلى جوار امرأته».. إنه إذن مأزق الرواية في البحث عن صراع ما، يحرر هذه الحكايات السردية من وطأة الخوف واعتباطية المغامرة، ويخترق الماضي والحاضر، الجسد والروح، بحثا عن طفولة أبعد للذات والزمن والأشياء.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.