حمدي الجزار يداعب مرايا «الحريم» في روايته الجديدة

حصلت على جائزة أفضل رواية في معرض القاهرة للكتاب

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

حمدي الجزار يداعب مرايا «الحريم» في روايته الجديدة

غلاف الرواية
غلاف الرواية

تجر رواية «الحريم» للكاتب حمدي الجزار الطفولة وراءها، وتنسج من مناخاتها وروائحها الخاصة عباءة سردية لأنا مركزية تهيمن على النص، نتعرف من خلال مراحل ومحطات نموها ووعيها بالعالم والأشياء على تجربة حياة خصبة في حي ابن طولون الشعبي أحد أبرز أحياء القاهرة القديمة العريقة، وكذلك أنماط العيش فيه على المستوى الفردي والاجتماعي والإنساني.
ورغم أن خيوط السرد والحكي في هذه الرواية الصادرة عن دار «صفصافة» بالقاهرة والتي حصلت على جائزة أفضل رواية في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الماضية، لا تبرح عين السارد (الكاتب) في كل فصولها، فإننا أمام ذات منفتحة على عالمي الداخل والخارج معا، فالأشياء والشخوص والمواقف والرؤى والأفكار، ومشاحنات الواقع اليومي سواء في نسقه الواقعي أو المتخيل، دائما تُستحضر من خلال عين السارد، كما أنه لا يقبض عليها بصرامة وخشونة، بل يتعامل معها بخفة وحيادية، مكتفيا بالعيش في ظلالها، واكتشاف ذاته من خلال ترويض هذه الظلال، وكذلك شهواته الدفينة في المعرفة والحب والجنس، تاركا المكان وراءه كعلامة أو إشارة عابرة على أثر ما.
تصطحب الرواية - التي نفدت طبعتها الأولى بحسب الناشر – النساء، وتعنون بأسمائهن فصولها العشرون، ويتماهى نمو الطفل (سيد بطل الرواية)، الذي غادر ثديي أمه ومرارة الصبار بعد أربع سنوات، مع نمو حركة السرد وتقاطعاتها في مرايا الشخوص الأنثوية، اللاتي يتعرف عليهن في صحبة أمه، ويلتقط حكاياتهن من غبار الحارة، أو اللاتي يتعرف عليهن بمفرده، بعدما يكبر وينضج، كما يرتبط خط السيرة الذاتية للبطل، بتداعيات المكان، والعيش في بيئة مهمشة، يمثلها واقع الحارة الشعبية بامتياز، أغلب ناسها فقراء يمتهنون حرفا ومهنا بسيطة، بداية من الأب فرج «أسطى الموبيليا» ذائع الصيت، وروحية أشطر خياطة في «طولون»، و«عليمي» الفاكهاني المتجول وزوجته لوزة، وأم شفيق «الدلالة» وبناتها الثلاث، وابنها «الحرامي» الذي طفش من الحي وعاد إليه مقتولا، ثم «أُنس» صاحبة شقة الفرفشة العتيقة. ورغم تعدد الشخصيات فإن شخصيتي الأب فرج والأم بطة، هما الأبرز في كل تفاصيل الحكاية.
في هذا المناخ وبعاطفة مشبوبة عاطفيا وإنسانيا ترصد الرواية أغوار عالم «الحريم» وحبائله السرية في حياة البطل، واشتباكه مع هذا العالم، الذي يتميز بطابع الفطرة وبداهة المعرفة في مرحلة تعليمه الأولى بالمدرسة، ثم يصطبغ بوعي سياسي واجتماعي وإنساني أوسع بقضايا المجتمع، في أثناء دراسته الفلسفة بالجامعة، حيث يتعرف على النشاط السياسي للطلبة، ويصادف أنماطا أخرى من النساء أكثر نضجا، لكن تصدمه في علاقته بهن فكرة الحب في مجتمع شرقي يضع الذكورة دائما في الصدارة.
وفنيا يدور النص في فلك لغة سردية موجزة شفافة، خالية من الترهل البلاغي، يتناظر فيها المحكي الشفاهي ابن الحياة اليومية وتراث الحارة، والمتخيل المحلِّق، الذي تعلق به ومضات من شطح الخيال وفانتازيا الواقع. وهي لغة حكاءة تجيد الوصف، وتتخذ منه مقوما فنيا لتوثيق تاريخ الأشياء والعناصر ومظاهر البيئة المحلية، ومنها توثيق الراوي لأنواع الخشب وصبغات الطلاء، بعد أن اكتسب خبرة ضافية بعالم النجارة في ورشة والده، حتى إنه أصبح ينظر إلى العالم باعتباره مجموعة من قطع الأثاث، يتفاوت فيها القديم والحديث، وكذلك وصفه لطقوس المولد الشعبي، السيدة زينب ونفيسة وسكينة. ومنها أيضا وصفه الحاذق لأجساد النساء والفتيات، وقنص مواطن الفتنة والأنوثة في ملامحهن. إنها تفاصيل صغيرة، تطفو على سطح حياة الراوي، يلتقطها بعناية وعفوية، ويشكل منها سردًا ووصفًا وتعليقا، مضيفا إلى منظوره اللغوي السلس ملمحا مهما، وهو الحكي على سننه، وعواهنه المرمية على قارعة الأزقة والحواري في الحي الشعبي. وهو ما يتجسد حين يصف الكاتب الراوي، لحظة فرحه بدخوله المدرسة بعدما أخبره والده بذلك، قائلا: «الفرح جعلني أنط وأتقافز، وأنسى أبي وأمي، وأصفق بكل قوة على كفيّ، وأصيح: هيه.. هيه. كنت مبسوطا جدا، لأنني سأرتدي زيا مدرسيا خاصا بتلاميذ المدرسة الابتدائية. سأصبح تلميذا كحلمي وعبد الظاهر ولطفي. سأصير كالأولاد الكبار الذين يعيرونني، ويقولون: عيل صغير. ويبعدونني عنهم: امش العب بعيد. عندما يلعبون الأولى، أو تريك تراك، أو كرة القدم في ميدان طولون».
وطيلة الرواية يتمثل الكاتب (السارد) ذاته بصيغة يغلب عليها ضمير الأنا المتكلم، بينما تتخفف طاقة السرد من ضمير الغائب، ليؤكد حضوره الراهن في النص، وفي الوقت نفسه، يمتلك القدرة على تحويل رغباته العاطفية المراهقة المشبوبة، إلى نسق من القيم والأفكار تعبر عن طموحه في عالم جديد، وحياة مغايرة. لكن هيمنة صيغة أنا المتكلم رغم أنها تعزز صيرورة الوعي بالذات واستقلاليتها، بعيدا عن أي سلطة، حتى لو كانت رمزا أو قناعا، فإنها تجر خط السرد، في بعد أحادي، ينعكس أيضا على خط الزمن، فالراوي لا يستعيد وعيه بالزمن من ماض بعيد أو قريب، وإنما مما يعيشه في تقاطعات حياته اليومية بلحظات حلوها ومرها، وهو ما جعل ثمة مسافة في النص بين السيرة الذاتية للمكان الغني بتاريخه وامتداده في الزمان، والسيرة الذاتية للبطل، فبدا المكان - أحيانا - مجرد قشرة وغلالة للنص، واكتسبت عين السارد طابع البوصلة السياحية العابرة.
لكن رغم هذا استطاعت الخلطة الأنثوية المتنوعة في الرواية أن تحقق متعة ما، وتشد خيوط الحكي إلى الأعلى دراميا وإنسانيا بذكاء ورهافة مشاعر، برز هذا على نحو لافت في براءة مروياته عن النساء والفتيات، اللاتي صادفهن في مرحلة الجامعة، ويفقدهن في ذروة نشوى ناقصة ومبتورة، بل همجية أحيانا، تكشف الفجوة ما بين مفهوم الحب في الثقافة الشرقية والغربية، فالأول قرين الخوف والأعراف والتقاليد، والثاني قرين الإرادة الحرة المستقلة، فيصدم إلى حد الإحباط والاكتئاب في علاقته بـ«ماري» الأميركية، و«ساها» اليابانية، ويرحل عنهما في صمت، باحثا عن مبررات واهية، تحرره من إحساس ما بالذنب تجاه نفسه والحياة من حوله.
إن سيد بطل الرواية لا يفشل في الحب لأنه يجهل حقيقة المرأة، وإنما لأنها أصبحت نقطة شائكة ومعتمة في لاوعيه، ومن ثم أصبح شاغله الوحيد هو التحرر من الخبرات الصادمة والذكريات المؤلمة التي عاشها في ظلال هذه الحقيقة، وهربا من كل هذا يستسلم إلى حياة الحي، للأعراف والتقاليد، فيلجأ إلى أمه التي هرمت بعد موت والده وزواج أخته الوحيدة منى، طالبا منها أن تزوجه، ضاربا بالحب عرض الحائط، ودون اكتراث لأية عواقب وخيمة تنجم عن هذه المغامرة، وهو ما انعكس على حياته الباردة مع سلوى، مدرسة العلوم، ابنة عبده القماش التي اختارتها أمه زوجة له.
لقد انحاز لفلسفة الجبر على الاختيار، فضل بداهة المعرفة، بل سذاجتها، ليراكم بها بقعة الخوف الكامنة في داخله، التي تجلت في علاقته الضدية بغريمه عبد الظاهر ابن الطفولة والصبا، ووصلت لذروتها في مشهد الرواية الأخير، حيث يتحول عبد الظاهر، المخيف الشرس إلى سلطة قاهرة وهو يسمم كلاب الحي الطيبة، انتقاما لما أصاب كلبه الأسود المرعب من جراح، وكأنه يمارس نوعا من التشفي الممتع، وينعكس صدى المشهد داخليا بقوة على سيد (بطل الرواية) كمرثية مقنعة لعلاقته الفاترة بزوجته، فيتساءل بمرارة مناجيا نفسه: «هل يصير الواحد رجلا حقيقيا، وهو ما زال يشغل نفسه بالخوف، يشغل نفسه بعبد الظاهر وكلبه، وهو ممدد إلى جوار امرأته».. إنه إذن مأزق الرواية في البحث عن صراع ما، يحرر هذه الحكايات السردية من وطأة الخوف واعتباطية المغامرة، ويخترق الماضي والحاضر، الجسد والروح، بحثا عن طفولة أبعد للذات والزمن والأشياء.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.