رئيس تحرير «اليوم السابع»: لا معلومات موثقة عن أرقام توزيع الصحف المصرية

خالد صلاح قال لـ«الشرق الأوسط» إن 67 ألف نسخة توزع يوميًا.. ولا توجد نية لإيقاف النسخة الورقية

رئيس تحرير «اليوم السابع»: لا معلومات موثقة عن أرقام توزيع الصحف المصرية
TT

رئيس تحرير «اليوم السابع»: لا معلومات موثقة عن أرقام توزيع الصحف المصرية

رئيس تحرير «اليوم السابع»: لا معلومات موثقة عن أرقام توزيع الصحف المصرية

تمثل تجربة «اليوم السابع» علامة فارقة في تاريخ الصحافة المصرية، ونقطة تحول مهمة في طريقها الناجح نحو الصحافة الإلكترونية، فلقد نجح الموقع الإلكتروني للصحيفة الذي انطلق في ديسمبر (كانون الأول) 2007، في أن يتقدم إلى صدارة المواقع الإلكترونية المصرية والعربية، وأن يحافظ على موقعه بالتوازي مع صدور النسخة الورقية للصحيفة عام 2008، والتي ظهرت «أسبوعية» قبل أن تتحول إلى «يومية» في 31 مايو (أيار) 2011.
وعبر ثماني سنوات، هي عمر «اليوم السابع»، نجح رئيس تحريرها الكاتب الصحافي خالد صلاح في أن يؤسس منظومة صحافية جديدة، وأن يطرح تصورا مغايرا على سوق الصحافة المصرية، تبعه الكثيرون بعد ذلك. ويفخر خالد صلاح بأنه تأثر كثيرا برائد الصحافة المصرية مصطفى أمين، ويعتبره مثله الأعلى. ورغم نجاح «اليوم السابع» إلكترونيا، فإنه يرفض فكرة زوال الصحافة المطبوعة، ويطرح عبر حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» في مقر «اليوم السابع»، تصوره لإعادتها إلى مجدها المسلوب، ويتحدث عن أبرز ملامح تجربته الصحافية. وإلى نص الحوار..

* بدأتم «اليوم السابع» إلكترونيا ثم ظهرت النسخة الورقية، وتوازى النجاح في الطريقين معا، حتى حدث تراجع واضح في توزيع النسخ الورقية للصحف المصرية مؤخرا، إلى أي مدى تأثرتم بذلك؟
- للأسف الشديد، لا توجد معلومات موثقة لدى صناع الصحافة في مصر عن أرقام التوزيع الحقيقية، وكل ما يتردد في السوق هو كلام خاطئ يردده المتنافسون كل عن الآخر. بالنسبة لنا لا يوجد تراجع في توزيع «اليوم السابع»؛ بل حدثت زيادة منذ 30 يونيو (حزيران) الماضي، وإن كنا نفخر في «اليوم السابع» أننا بالأساس صحيفة «ديجيتال».
أما بشكل عام على مستوى الصحافة المطبوعة في مصر، فإن هناك بالفعل تراجعا.. لا شك في ذلك، والتوجه أصبح إلى «الديجيتال». وقد حدث تراجع ملحوظ في الشهر الأخير في كل الصحف المصرية بعد أن تم رفع أسعار الصحف، وحدث نقص نحو 14 في المائة في المتوسط عن أرقام التوزيع قبل زيادة الأسعار.
* متى تتوقف النسخة الورقية لـ«اليوم السابع»؟
- لا توجد نية على الإطلاق لإيقاف النسخة الورقية، فرغم توجهنا الإلكتروني، فإننا نرى أن هناك احتمالات كبيرة أن تنمو سوق المطبوع رغم التدهور الحالي. هناك أفكار توزيعية وتسويقية غائبة عن السوق، نحن للأسف الشديد نتعامل مع مؤسسات حكومية في عمليات الطباعة والتوزيع، وليس لهذه المؤسسات الطموح الكافي للوصول بالنسخ المطبوعة إلى كل أسواق التوزيع الممكنة، فنحن نغيب بشكل عام عن نقاط توزيع استراتيجية ومهمة، والسياسات التوزيعية المتبعة من هذه الشركات لا تتضمن أي أفكار لتطوير هذه الصناعة، وأملنا الفترة المقبلة في وجود شركات خاصة مشتركة في مجال التوزيع لتسترد بعض مجد الصحافة المطبوعة. ودليلي على احتمالات النمو، أنه رغم التقدم الموجود في البلاد الغربية، فإن الصحافة المطبوعة لا تزال تحافظ على الكثير من بريقها.
* لكن هناك دراسات أوروبية وأميركية تؤكد بدء اختفاء الصحف المطبوعة مع حلول عام 2020، حتى تختفي تماما في عام 2040، ما تعليقك؟
- أتابع حركة الصحافة المطبوعة حول العالم، ولا نستطيع أن نقول إن هذه الدراسات مؤكدة، فهي دراسات تقديرية. وبحكم مشاركتي في تأسيس «اليوم السابع» فإن رهاني كان إلكترونيا، لكن أجزم لك بأن اختفاء الصحافة المطبوعة لن يحدث في حدود المدى المنظور، وأعتقد أننا في طريقنا لتغيير شكل الصحافة المطبوعة، ربما في تغيير حجم الورق وشكل الخدمة والتصميم الفني.
* معدل مبيعات الصحف الورقية في مصر كان يبلغ نحو مليوني نسخة عام 2010، وقد وصل هذا الرقم إلى نصف مليون في الأشهر الستة الأخيرة وفق مصادرنا.. هل لنا أن نعرف ما هو الرقم الفعلي لتوزيع النسخة الورقية من جريدتكم؟
- بالنسبة للصحف في مصر الرقم الأول صحيح ومعروف ومتداول، أما الثاني فأظن أنها قد وصلت إلى 800 ألف نسخة، وبالطبع انخفض هذا الرقم في الشهر الأخير بسبب ارتفاع أسعار الصحف، أما «اليوم السابع» فتطبع 90 ألف نسخة يوميا، وتوزع 67 ألف نسخة في المتوسط، وهذا الرقم على مسؤوليتي.
* ما هي معايير النجاح إلكترونيا؟
- التدفق السريع والمصداقية.
* وإلى أي مدى ترى أن اعتمادكم على مواد «إثارة» قد حقق نجاحا للموقع؟
- هذا كلام مرسل وغير حقيقي ولا يعبر عن رؤية علمية دقيقة، ودليلي في ذلك هو استمرار الجمهور في التعامل مع الموقع على أنه مصدر موثوق، وقد يكون طبيعة ما جرى في مصر خلال السنوات الأربع الأخيرة سياسيا واجتماعيا وأمنيا هو ما أعطى انطباعا بأن الأخبار المصرية ساخنة.
* هل تواجهون ضغوطا كمؤسسات إعلامية مستقلة من الدولة في عهد الرئيس السيسي؟
- لا، إطلاقا، لا توجد أي ضغوط من الدولة.. ونحن نعتبر أنفسنا الآن شركاء في وطن واحد، ونتعامل مع كل القضايا الوطنية بفهم مشترك.
* يرى البعض أن الإعلام بطل في أزمات كثيرة في عهد الرئيس السيسي؟
- مثل ماذا؟
* مثل ما يحدث من تلاسن حالي مع إعلاميين عرب، وقبل ذلك تدخل الرئيس «شخصيا» واعتذر لأمير قطر؟
- بداية، التلاسن لا يصح تصنيفه على أنه أزمة، أما المثل الثاني فأوافقك فيه وهو مثال مهم، لكن كم شخصا من الإعلام خالف منطق الرئيس هذا؟ وكم شخصا عاد وفعل نفس الشيء؟ شخص واحد «غير إعلامي» في برنامج واحد، وما طالب به الرئيس السيسي هو طلب أخلاقي، وليس توجيها أو تدخلا.. وليس أزمة.. إذا أردت مثالا على من يصنع الأزمة فانظر إلى إعلام «الجزيرة».
* شاركتم في اجتماعات تحضيرية لتأسيس كيان يجمع الصحف المستقلة.. ما هو الهدف من هذا الكيان؟ وهل خفوت الحديث عنه يعني أنكم فشلتم في توحيد الصفوف؟
- غير صحيح أن هناك اختفاء للتحضيرات أو فشلا، فقط نحن نعمل بعيدا عن الأضواء، فلقد ظهرت الدعوة لإنشاء رابطة للصحافة الخاصة ليسمع صوتها كـ«صناعة اقتصادية»، كما أن مشكلات الصحافة الخاصة في مصر لم تكن على طاولة البحث التشريعي، حيث سيطرت الصحف الحكومية على لجان التشريع المكملة للدستور، كما كنا نريد لزملائنا أن يفهموا طبيعة التحديات التي تواجه مهنة وصناعة الصحافة. كما أن تجمعنا كان يهدف لتوحيد جهودنا في مواجهة تحدياتنا التسويقية، ومنها الخلل في علاقتنا مع شركات الاتصالات في خدمة الرسائل القصيرة (SMS)، نحن نتفاوض مع شركات الاتصالات كل مؤسسة على حدة، وبالتالي تفرض علينا أسعارا.. في حين أننا لو تفاوضنا بشكل جماعي سنحصل على الأسعار التي نريدها. ولأننا صحافة خاصة، وتؤثر علينا قواعد الربح والخسارة، فكنا نريد أن نجتمع لنقدم حلولا لهذه المشكلات التي تواجهنا، ولم يفهمنا «الجيل القديم» الكلاسيكي، الذي تصور أننا ندعو إلى «كيان بديل»، وبالتالي لأننا راعينا مستوى عقولهم، فقررنا أن نعمل وننسق مع بعضنا البعض دون الحاجة إلى ضجيج أو أي نوع آخر من التحالف العلني.
* أيهما أكثر في عائداته الإعلانية الموقع الإلكتروني لـ«اليوم السابع» أم الصحيفة الورقية؟
- الصحيفة الورقية ما زالت الأعلى دخلا.. وهذا من مصائب الدهر، فنحن نقول إن الصحافة المطبوعة أصبح لا أمل لديها والصحافة (الديجيتال) هي القادمة، لكن لا تزال الكعكة الأكبر للجرائد المطبوعة حتى الآن، ليس لأن المطبوع أفضل.. ففي «اليوم السابع» المطبوع مثلا نحو 90 ألف، بينما يدخل عليها 6 ملايين زائر للموقع.. لكن حتى الآن لم نتمكن من ترتيب سوق إعلانات (الديجيتال)، لأننا لو تعاملنا معه كـ«شاشة» في مقارنة مع التلفزيون فنحن في مأزق، لأن الإعلانات ستذهب إلى التلفزيون، فهناك تغير صادم لم يعلم به أحد، وسياسات التسعير خاطئة، كما أن وكالات الإعلانات في مصر ما زالت لم تستوعب التغير.
* إلى أي الوسيلتين تنحاز أكثر.. «الأونلاين» أم الورقي؟ وكيف تدير المواد الصحافية بين الوسيلتين؟
- منحاز لـ«الأونلاين».. وفي الخبر الأمر محسوم لصالحه، لكن هناك موضوعات نصنعها خصيصا للمطبوع، مثل التحقيقات الاستقصائية أو نشر ملفات القضايا حصريًا.
* هل هناك فريقان لإدارة العمل في كل من الموقع والصحيفة؟
- لدينا غرفة أخبار (newsroom) واحدة، بإدارة واحدة، ومن يقم بالفصل بين الاثنين يقع في خطأ ولا يدرس تجارب العالم؛ وسيندم على التراجع مثل «THE TIMES» التي فعلت ذلك، ثم صرفت مليوني جنيه إسترليني للدمج.
* وهل ترى أن الدمج والتوحد بينهما مرجعه لأمور اقتصادية أم مهنية؟
- للاثنين طبعًا.. أنت توفر في طاقم العمل (staff)، إضافة إلى أنه القرار المهني الأصح، هنا لدينا غرفة أخبار مدمجة، حيث المحرر موصول بكل الوسائط، يمكنه أن يرسل إلى «الأونلاين» أو الفيديو أو المطبوع أو يختار خدمة الرسائل القصيرة.
* وهل هناك كوادر بشرية بالفعل مؤهلة لهذه الأدوار المختلفة؟
- نعم، لدينا الكوادر البشرية لذلك.. الشيء الوحيد المنفصل هو ديسك الموقع وديسك الجريدة، أي المسؤولون عن الصياغة، فصياغة الجريدة فريق مكون من 10 أفراد، أما صياغة الموقع ففريق مكون من 30 فردا، هذا هو فقط المكان الوحيد الذي يوجد فيه فصل في كل دورة العمل.
* تتصدر صورتاهما مكتبك، بمن تأثرت أكثر في الإدارة، مصطفى أمين أم محمد حسنين هيكل؟
- مثلي الأعلى هو مصطفى أمين، أما هيكل فأنا أحب لغته، وأحب أن أقرأ له؛ تختلف أو تتفق معه، لكني أحترم جدا (تجربة) مصطفى أمين الصحافية. وكنت أتأثر جدا حين أقرأ ماذا كان يقول مصطفى أمين للمحررين (في محاضر الاجتماعات) من 50 سنة. كان يقول الكلام الذي لا نزال نحتاجه اليوم. مثلا كان يقول: «صحافي ذهب إلى مستشار إعلامي في وزارة لكي يستلف منه جنيها، هذا الصحافي لن يكبر أبدا لأنه سيظل مدينا لهذا المستشار الإعلامي.. أنت تصادقه نعم، ولكن أنت من يصرف عليه وليس هو الذي يصرف عليك». انظر إلى محضر اجتماع حول طريقة تغطية مشروع السد العالي، كان يقول لهم: «السد العالي عبارة عن حجارة، وأنا أريد كل حجر بقصة إنسانية».. كان شخصا متقدما للغاية، وليس له نظير.
* خضت تجربة العمل كمراسل في أفغانستان وقت عملك في «الأهرام»، لأي مدى استفدت مهنيا من هذه التجربة؟
- ذهبت إلى كل من العراق وأفغانستان بعد الحرب ودخول الأميركيين إلى البلدين في الحربين. الحقيقة كانت تجربة مهنية مثمرة جدا، لأنها علمتني كثيرا من شؤون السياسة في المنطقة. لكن أنا تعاملت معها بطريقة عاطفية للغاية لأنني كنت متحسرا على أوضاع العالم الإسلامي، وكنت أشعر بالأسى، خاصة حين كنت أرى أوضاع العراق في 2003، لأنني شممت رائحة الفتن الأهلية الموجودة هناك مبكرا بعد الحرب مباشرة. وتعلمت منها أن الولايات المتحدة لا تدخل قرية إلا جعلت أعزة أهلها أذلاء، وبدلت الأوضاع وأدارتها لمصالحها الشخصية. وكل الحديث عن بناء ديمقراطيات أو إعادة إعمار في هذه البلدان كان حديثا كاذبا، واكتشفت ذلك مبكرا. وعدت مؤمنا بأن بلادنا، مصر على وجه الخصوص، لا بد أن يسير فيها تيار الإصلاح بأكثر من تيار الثورة. ولذلك لم أكن متعاطفا كثيرا مع حالة الثورة الدائمة التي كانت موجودة في الشارع. وما زلت أؤمن بأن الجهود الإصلاحية أبطأ، لكنها أكثر ثقة وأكثر فاعلية، وأن الجهود الثورية في بلدان غير متعلمة بالشكل الكافي وتؤدي إلى نتائج كارثية كما حدث.
* أسهمت في ميلاد مجلة «الأهرام العربي» الأسبوعية عام 1997، والتي ولدت ناجحة ومتألقة قبل أن يخفت بريقها.. في رأيك ما سر النجاح وقت الصدور؟
- أنا مدين لمجلة «الأهرام العربي» ولأسامة سرايا، رئيس تحريرها، بأشياء كثيرة للغاية. تعلمت فيها الكثير، وكانت أول إصدار عربي لـ«الأهرام» ولمؤسسة مصرية. هذه المجلة كانت محظوظة للغاية في البداية؛ لأن سرايا نجح في تكوين فريق تحريري جيد جدا، كلهم حاليا نجوم الإعلام في مصر، ونجح سرايا خلال سنوات وجوده في تحقيق نجاح لأن المجلة كانت مشروعه، وعندما رحل ليتولى رئاسة تحرير «الأهرام» بدأنا نتفكك وكل منا يبحث عن مشروعه الخاص، وبالتالي تراجعت المجلة جدا.



الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
TT

الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)

ثمة ظاهرة لافتة في تاريخ وسائل الإعلام، فمنذ أن أطلّ التلفزيون برأسه منتصف القرن الماضي، راح الناس يتنبّأون بنهاية الإذاعة. ثم جاء «الإنترنت» فجدّدوا النبوءة. واليوم، مع انتشار «البودكاست» وهيمنة منصات البثّ الرقمي، تعود الأسئلة ذاتها بصياغات جديدة: هل بلغ هذا «الوسيط» المولود في مطلع القرن العشرين نهايته الطبيعية؟ أم أن ما نشهده ليس سوى تحوّل جذري في شكل وسيط أثبت، على مدى عقود، قدرةً استثنائية على البقاء والتكيّف؟

«البودكاست» منافس يغيّر قواعد اللعبة

في الواقع، لا تستقيم قراءة المشهد الإعلامي الراهن من دون الاعتراف بأن «البودكاست» غيّر شيئاً جوهرياً في طبيعة العلاقة بين المستمع والمحتوى الصوتي.

الإذاعة التقليدية تفرض على مستمعها إيقاعها الخاص: توقيتاً محدداً، وترتيباً لا يملك تغييره، وبرنامجاً لم يشارك في اختياره. أما «البودكاست» فيقلب هذه المعادلة رأساً على عقب؛ إذ لا يمنح المستمع محتوىً جديداً فحسب، بل يمنحه أيضاً سلطةً لم يعرفها من قبل، هي سلطة أن يقرّر ماذا يسمع، ومتى يسمع، وأين يتوقّف وأين يستأنف.

إنه تحوّل في طبيعة العلاقة ذاتها بين الصوت ومن يستقبله. ولقد كشفت الأرقام عن حجم هذا التحوّل بوضوح. إذ بلغت نسبة الفرنسيين الذين يستمعون إلى «البودكاست» 42 في المائة في عام 2024، مقارنةً بـ22 في المائة فحسب في عام 2019؛ وهو ما يعني أن جيلاً كاملاً أعاد تشكيل علاقته بالصوت خارج الأثير التقليدي. وفي هذا الاتجاه، تُفسّر بيانات مؤسسة «ميديامتري» الفرنسية هذا الانزياح بجلاء: إذ تراجعت نسبة الاستماع التراكمية للإذاعة إلى 67 في المائة في خريف عام 2024، مقارنةً بما يزيد على 70 في المائة قبل عقد من الزمن.

في كندا أيضاً، يكشف المشهد الكندي عن الصورة ذاتها؛ إذ يُخصّص المستمع الكندي اليوم ما معدّله 11 ساعة أسبوعياً للإذاعة التقليدية، مقابل معدل 17 قبل عشر سنوات. ويُعزى هذا التراجع جزئياً، وفق المصادر والمتابعين، إلى انتشار ظاهرة «العمل عن بُعد» الأمر الذي قلّص ساعات التنقّل بالسيارة، ذلك المكان الذي ظلّ تاريخياً «الحاضنة» الأكبر للاستماع الإذاعي.

الإذاعة لم تمُت ... لكنها تتحوّل

في الواقع، إن فحص الأرقام الإجمالية بعيداً عن ضجيج التوقعات يكشف عن صورة أقلّ دراميةً مما تُصوّره مراثي «الرقمنة». وبمناسبة «اليوم العالمي للإذاعة»، أصدر «التحالف العالمي للإذاعات» بيانات تؤكد أن هذا «الوسيط» الإعلامي لا يزال يصل إلى ما يقارب الـ90 في المائة من السكان في الأسواق الكبرى، محتلاً بذا المرتبة الأولى بين وسائل الإعلام الصوتية من حيث الثقة الجماهيرية.

وعلى الصعيد الفرنسي، لا يزال ما بين 37 و38 مليون مستمع يومي يعتمدون على الإذاعة بأشكالها المختلفة، في حين تُبيّن بيانات هيئة «أركوم» الحكومية لعام 2025 أن أكثر من نصف الفرنسيين ممن تجاوزوا الخامسة والثلاثين لا يزالون أوفياء للإذاعة المباشرة بصفة يومية. أما دولياً، فقد سجّلت مجموعات البثّ الإذاعي الكبرى في بريطانيا أرقاماً قياسية بنهاية عام 2024، فلقد تجاوز خلالها معدل المستمعين الأسبوعيين 29 مليون مستمع في المرة السادسة على التوالي.

من جانب آخر، رصدت مؤسسة «إس بي إم» الفرنسية للدراسات الرقمية أكثر من ثلاثة مليارات استماع للإذاعات الرقمية عام 2025، وهذا رقم لا يعكس حالة انهيار بل حالة انتقال؛ ذلك أن الناس لم يُقلعوا عن متابعة الإذاعة، بل باتوا يستمعون إليها عبر «الهاتف الذكي» والسماعة اللاسلكية والمكبّر المنزلي.

وفي السياق عينه، لعلّ نموذج إذاعة «نوفا» الفرنسية يُلخّص هذا التحوّل أبلغ تلخيص. فهذه المحطة التي ظلّت طويلاً إذاعةً تتابعها «أقلية» ثقافية، ضاعفت نسبة جمهورها أربع مرات في غضون سنتين فقط، لتبلغ مطلع عام 2026 مليوناً و595 ألف مستمع يومي.

والسرّ هنا لا يكمن في الإنفاق الإعلاني، بل في أشياء أبسط وأعمق هي: الهوية التحريرية الواضحة، والصوت المميّز، والوفاء لجمهور يشعر أن المحطة تخاطبه تحديداً لا سواه.

ما لا يستطيع «البودكاست» تعويضه

وبالفعل، تمتلك الإذاعة وظائف هيكلية تعجز المنصّات الرقمية عن تقليدها بالكامل:

أولاها المباشرة الآنية؛ فحين تندلع أزمة أو تقع أي فاجعة، تبقى الإذاعة الوسيلة الأسرع والأكثر مصداقيةً في إيصال الخبر دون تأخير الإنتاج أو تصفية الخوارزميات.

وثانيتها اللحظة الجمعية؛ إذ تصنع الإذاعة وقتاً مشتركاً بين ملايين المستمعين في اللحظة ذاتها، وهي تجربة نادرة في بيئة رقمية تميل بطبيعتها إلى التفتيت والتخصيص المتطرّف.

وثالثتها الثقة؛ إذ تحتلّ الإذاعة المرتبة الأولى في ثقة المواطنين الأوروبيين بفارق معدله 18 نقطة مئوية عن أقرب منافسيها؛ إذ يثق بها قرابة 56 في المائة من الأوروبيين، وهذه نسبة لا تبلغها أي منصة رقمية.

في هذا السياق، يرى إيف ديل فرات، الرئيس التنفيذي لمعهد «سي إس آ» الفرنسي، أن «الصوت الذي ينبعث من المحطة يمتلك قدرةً فريدة على التوحيد في حين تتآكل وسائل الإعلام التقليدية، وتُفتّت المنصّات الرقمية انتباه الجماهير في تسلسلات فردية... فالإذاعة وسيط مرافقة بامتياز، يُتيح للمستمع أن يكون في مكانين دفعة واحدة».

أفق المستقبل

على صعيد موازٍ، تكشف الدراسات المتخصصة لعام 2025 عن أن الإذاعات و«البودكاست» والبثّ الرقمي لا يخوضون حرباً، بل يسيرون في مسارات متقاطعة تُفضي إلى ما بات يُعرف بـ«العلامة الصوتية». ومعها لم تعد المحطة مجرد جهاز بثّ، بل أصبحت كياناً صوتياً متكاملاً يبثّ مباشرةً وينتج «بودكاست» ويُنشئ أرشيفاً يُعاد استهلاكه.

ذلك أن الإذاعات الرقمية تُسجّل مليارات الاستماعات سنوياً، و«البودكاست» يُسجّل مئات الملايين من التنزيلات، والاثنان ينموان معاً من دون أن ينفي أحدهما الآخر.

بل إن الإذاعة التي ستبقى هي تلك التي تفهم أن قيمتها ليست في التقنية التي تبثّ بها، بل في الصوت البشري الحيّ الذي تُقدّمه، وفي الثقة التي بنيت وتراكمت عبر أجيال. وهكذا، يمكن القول إنه ليس من الخطأ الإقرار بأن الإذاعة لم تمُت، بل هي تتعلّم، ببطء وحذر، كيف تكون وسيطاً لعصر لم تولد فيه.

90 % من سكان الأرض لا يزالون يستمعون إلى الإذاعات


هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟

جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
TT

هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟

جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)

أثار تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 تساؤلات بشأن إمكانية تغيير طريقة عمل المؤسسات الإعلامية استجابةً لتغير نمط استهلاك الجمهور للأخبار. وفي حين رأى خبراء أن «الفترة المقبلة ستشهد نمواً في الاعتماد على الفيديو في تقديم الأخبار»، فإنهم شددوا على أن «ذلك لا يعني التخلي عن الإعلام المكتوب».

حسب التقرير الذي أصدره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، الأسبوع الماضي، فإنه «للمرة الأولى على مدار 15 سنة من إعداد التقرير، يظهر اعتماد غالبية الجمهور على مشاهدة مقاطع الفيديو الإخبارية عبر الإنترنت في جميع الدول التي رصدها التقرير وعددها 48 دولة».

وأوضح أن «77 في المائة من الجمهور عالمياً يستهلكون الفيديوهات الإخبارية على الإنترنت أسبوعياً، ليتجاوز عدد من يشاهدون نشرات الأخبار التلفزيونية في نحو 45 دولة»، في حين تظل «ألمانيا والدنمارك وهولندا هي الدول الثلاث الوحيدة التي تتقدم فيها الأخبار التلفزيونية أو تتساوى مع مقاطع الفيديو على الإنترنت».

محمود غزيل، الصحافي اللبناني، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، صرح لـ«الشرق الأوسط» بأن «تبنّي إنتاج الفيديوهات أثَّر بشكل عميق ومتسارع في طريقة عمل الإعلام»، مشيراً في هذا الصدد إلى «صعود المنصات الإخبارية الجديدة في العالم العربي، حيث باتت الفيديوهات تشكِّل العصب الأساس للعمل الإعلامي، بينما النصوص المكتوبة لا يعوَّل على انتشارها بشكل واسع بين المستخدمين على منصات التواصل».

وأردف غزيل أن «نسبة الـ77 في المائة في تقرير معهد رويترز ليست مجرد إحصائية عابرة، بل دلالة على استهلاك الفيديوهات والمقاطع المصورة، تبين أن التحقيقات المطولة المكتوبة لم تعد تحظى بنفس التأثير على المستخدمين»، قبل ان يضيف: «ولمن ما زالت التحقيقات مهمة، إلا أن تأثيرها أقل بكثير من الفيديوهات».

غزيل تابع أيضاً أن «التأثير الأكبر لمثل هذا التغير في نمط الاستهلاك سيكون في عملية اكتشاف المواد وتوزيعها، بحيث أن الدخول إلى المواقع الإلكترونية المباشرة للمؤسسات لن يكون بنفس أهمية طريقة عرض وتقديم الفيديوهات على منصات التواصل، سواء كان ذلك عبر (تيك توك) أو الريلز أو (يوتيوب)». وفي رأيه «يتوجب على المؤسسات الإعلامية أن تتأقلم مع متطلبات المنصات والتحديثات المستمرة في خوارزمية الانتشار، مما يعني التركيز على إنتاج المحتوى الأصلي حسب كل منصة، وليس مجرد إعادة نشر نفس المادة المصورة لكل المنصات... وأن هذا يعني على سبيل المثال، التركيز على المادة الجاذبة والترجمة والنص على الشاشة للفيديوهات القصيرة، في حين يتم التركيز على المحتوى الطويل والمسهب بالشرح لمنصة (يوتيوب)».

وأكد الخبير اللبناني أنه «ينبغي على وسائل الإعلام الحديثة أن تتقرب من المقابلات الشخصية الأكثر دفئاً والتركيز على محتوى وراء الكواليس أو محتوى البث المباشر».

في المقابل، قال غزيل إن تغير نمط الاستهلاك «لا يعني بالضرورة التخلي عن الطرق التقليدية في معالجة المحتوى؛ بل تطويرها وتأقلمها وتكاملها مع المتطلبات الحديثة... وبالتالي، فالنصوص والمواد المكتوبة تبقى أساسية، للعمق أو التوثيق وأرشفة المواد أو التحقيقات المعقدة؛ ولكنها لن تكون الطريقة الرئيسية للوصول إلى القراء والمتابعين». ولفت في هذا الصدد إلى «تجارب لمؤسسات عربية تكتب تقارير طويلة غنية بالمعلومات، ولكن تدعمها بفيديوهات قصيرة ممتعة تُنشر على المنصات». واختتم كلامه بتأكيد أنه «حال أصرت الوسيلة على الطريقة التقليدية فقط، من نص طويل أو تقرير إخباري مثل التلفزيون، ستواجه الوسيلة الإعلامية تآكلاً مستمراً في شريحة الجمهور المستهدف، أما من يستثمر في فيديو مع الحفاظ على الجودة الصحافية، فسيجد فرصاً جديدة للوصول والتأثير، خصوصاً بين الشباب».

من جهة ثانية، أشار تقرير «معهد رويترز» إلى أن «المؤسسات الإخبارية التقليدية تشهد تراجعاً في مشاهدة الفيديو على مواقعها وتطبيقاتها». وفي رأي الصحافي المصري معتز نادي، المتخصص في الإعلام الرقمي، فإن «تصاعد استهلاك الأخبار عبر الفيديو سيؤثر في طريقة عمل الإعلام تأثيراً عميقاً، لأن الفيديو أصبح بوابة رئيسة يصل منها الجمهور إلى الخبر، خصوصاً عبر المنصات الاجتماعية التي أصبحت المصدر الأكثر استخداماً للأخبار عالمياً بنسبة 54 في المائة».

وقال نادي لـ«الشرق الأوسط» إن «غرف الأخبار ستتوجه بكل جدية إلى التفكير بالصورة والصوت والإيقاع منذ بداية التغطية التي تقدمها لمتابعيها... وأن نشر خبر مكتوب فقط لم يعد كافياً، فالفيديو سيصبح هو بطل الحكاية لغرف الأخبار، والتحدي في طريقة تقديمه لجمهور المتابعين بشكل واضح وسريع يناسب إيقاع الخوارزميات وعالم الريلز».

أيضاً ذكر نادي أن الفترة المقبلة «ستشهد زيادة في أهمية الفيديو التفسيري القصير، والمراسل القادر على الشرح أمام الكاميرا، والبث المباشر، والرسوم البصرية التي تبسّط الملفات المعقدة، وأن ثمة تجارب لمنصات حديثة تدخل المشهد حالياً يُترك تقييمها للزمن والجمهور لقياس مدى نجاحها».

في الوقت نفسه أكد الصحافي المصري أن تغير نمط الاستهلاك «لا يعني التخلي عن الأشكال التقليدية». وأضاف: «المقال والتحقيق والتقرير التلفزيوني الطويل وغيرها ستظل ضرورية لتقديم السياق، والكشف عن التفاصيل، وتوثيق المعلومات... وبينما سيصبح الفيديو مدخل القصة، تبقى المادة الأصلية مرجعاً للفهم الأعمق، فالتوثيق المكتوب لا غنى عنه وسط فوران المحتوى الرقمي في (زحام) المنصات بما لها أو عليها». واختتم مشدداً على ضرورة «ألا تعمد المؤسسة الإعلامية إلى مطاردة الفيديو من أجل المشاهدات فقط، دون اهتمام بجودة المحتوى... إذ لا بد من تقديم محتوى مهني دون التذرع بحجة الجمهور ونوعياته الجديدة من (زد) و(ألفا). فالنجاح المهني هو تقديم فيديو سريع وجذاب، من دون اختزال الوقائع أو خلط الخبر بالرأي أو التضحية بالدقة من أجل الانتشار ودغدغة مشاعر المتابعين».


مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
TT

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)

منذ بداياته، اختار الإعلامي اللبناني مالك مكتبي خطاً مهنياً مختلفاً، فغاص في القضايا الاجتماعية والإنسانية حتى العمق. وحاور الكبار، والصغار، وكشف من خلال لقاءاته قصصاً تختلط فيها الأفراح بالآلام.

مالك اشتهر ببرنامجه التلفزيوني «أحمر بالخط العريض» على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBCI)، حيث خاض رحلات إنسانية بحثاً عن الحقيقة. وسعى إلى سبر أغوار ضيوفه، وفهم خبايا تجاربهم، كما لعب في محطات كثيرة دوراً في لمّ شمل عائلات فرّقتها الظروف، مقدّماً نموذجاً للإعلام الهادف والرصين الذي يضع الإنسان في مقدمة اهتماماته.

منذ سنوات عدة، وجد مالك مكتبي نفسه، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، عند مفترق طرق. فالإعلام المرئي بات يواجه تحدّيات كبيرة في ظل انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وشعر بأن عليه مواكبة عصر مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفه قبل عقدين.

من هنا انطلق في رحلة جديدة عبر منصّته الرقمية، فأطلق بودكاست «إحكي مالك»، والذي تحوّل إلى سلسلة حوارات يستضيف فيها شخصيّات عربية تروي قصص نجاحها، وتجاربها الحياتية. ثم تفرّعت منه عناوين أخرى، من بينها «احكي قصتي»، لتوسّع دائرة المحتوى الذي يقدّمه.

وأخيراً حقق نجاحاً لافتاً انعكس في عدد متابعيه الذين تجاوزوا 25 مليون شخصٍ عبر حساباته الإلكترونية المختلفة. فمنذ مطلع عام 2026 يقدّم سلسلة «إحكي طب» التي يستضيف فيها نخبة من الأطباء اللبنانيين، والعرب، متناولاً أحدث المقاربات الطبية، وأساليب العلاج، والوقاية. ومن خلال منشوراته على «إنستغرام» و«فيسبوك» -وغيرهما من المنصات- يبدو واضحاً مدى تأثره بالمحتوى الذي يقدّمه في هذه الحلقات. حتى إن متابعيه أطلقوا عليه لقب «دكتور مالك»، نظراً إلى إلمامه الواسع بالمواضيع الصحية، وقدرته على تبسيطها، ونقلها إلى الجمهور بأسلوب سلس، ومفهوم.

البودكاست ظاهرة إيجابية

يعدّ مالك مكتبي البودكاست ظاهرة إيجابية «لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد، بدلاً من الانغماس في أمور قد تقوده إلى مسارات غير بناءة».

ويضيف في لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «بعد سنوات طويلة من العمل وجدت نفسي أقف عند مفترق طرق. كنت أبحث عمّا أستكمل به مسيرتي بالشكل الذي يليق بها، فرأيت في البودكاست فرصة تعيد نبض الشغف المهني إلى حياتي. أنا اعتبرته وسيلة فعالة لإيصال محتوى مفيد إلى الناس. وكان لا بد من إيجاد فكرة بسيطة وعملية يستوعبها الجمهور بسهولة، لأن التحدّي الأكبر بالنسبة إليّ يكمن في قدرة المستمع أو المشاهد على استيعاب ما أقدّمه له».

يشير مالك مكتبي إلى أن فكرة التوجّه نحو المحتوى الطبي والعلمي راودته منذ سنوات. ويشرح: «كنت أتابع برامج تتناول هذه المواضيع، لكنها لم تقنعني يوماً، لأنها لم تترك أثراً حقيقياً لديّ، وغالباً ما كان محتواها سطحياً. لذا ترددت في خوض هذا المجال. لكنني بعد اطلاعي على عدد كبير من الدراسات العلمية اكتشفت أن الكثير من المعلومات المهمة لا تصل إلى الجمهور العربي. وعندها سألت نفسي: لماذا لا تصل إلينا نتائج الأبحاث الصادرة عن جامعات عالمية مرموقة، مثل هارفارد وغيرها؟ عندها أدخلت خبرتي الإعلامية على الخط، وقرّرت أن أتحمّل مسؤولية نقل هذه المعرفة، وأكون بمثابة جسر تواصل بين هذه الدراسات وعالمنا العربي».

يتابع مكتبي اليوم نحو 25 مليون شخص عبر منصاته الرقمية (مالك مكتبي)

قصص الحياة هي هدفي

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مكتبي عما إذا كان الإعلام هو الذي قاده إلى هذا المكان أم أنه يسعى إلى أخذ الإعلام نحو وجهة جديدة؟»، أجاب: «طوال سنوات عملي كان هدفي الاستماع إلى قصص الناس، والمساهمة في إلهامهم، وإضاءة جوانب من حياتهم، ثم أنقل هذه القصص بأسلوبي الإعلامي لتترك أثراً في الآخرين. ففي النهاية نحن في الوطن العربي نتشابه أكثر مما نختلف. ولا يوجد ما هو أثمن من الصحة وجودة الحياة كهدف نسعى إليه جميعاً. من هنا جاء المحتوى الطبي ليجمع الناس تحت سقف واحد».

النجاح الإعلامي لا يأتي من الفراغ

افتتح مالك مكتبي حلقات «إحكي طب» مع الدكتور حسين درويش، الطبيب المتخصص بجراحة الأعصاب، وتطرّق في الحوار إلى مواضيع دقيقة تتعلق بصحة الدماغ. وهنا يعلّق مكتبي شارحاً: «بالفعل هذه الحلقة الافتتاحية حققت نجاحاً لافتاً، ما منحني دافعاً قوياً للاستمرار في مشروعي. لكن النجاح لا يأتي من فراغ، بل يتطلّب جهداً كبيراً، وعمل فريق متكامل. فإعداد حلقة واحدة يستغرق مني نحو ست ساعات. وأيضاً يدرك الأطباء اليوم أن الكثير مما كانوا يحاولون إيصاله لم يكن يصل بالشكل الصحيح، بسبب غياب الإعداد المناسب لطرح هذه المواضيع».

ويتابع أنه بعد حلقة الدكتور درويش توالت الحلقات مع أطباء متخصّصين في مجالات متعددة، بينهم أطباء قلب، وسموم إكلينيكية، وطب الأسرة، وخبراء في الطب التكاملي، والوظيفي. وحسب قوله: «تمكّن البرنامج من كسر العديد من المحرّمات الطبية، وكشف ما وصفه باللغة السرّية لأجسادنا، بما يساهم في تقليل المعاناة مع الأمراض، والحدّ من مخاطرها. كما تناول مواضيع مثل القلق، وإمكانية النوم خلال دقائق معدودة، ليحقق ما نسمّيه (ضربة المعلم) في تبسيط العلوم الطبية، وتقديمها بأسلوب جذاب، وسهل».

المثابرة مفتاح النجاح

من ناحية ثانية يذكر مكتبي أنه انسحب تدريجياً من الشاشة التقليدية، بحثاً عن محتوىً عربي يصل إلى جمهور أوسع في المنطقة، وبعيداً عن القيود المحلية. ويستطرد: «كنت أريد أن يصل صوتي إلى الجميع من دون استثناء»، قبل أن يعترف بأنه مرّ بفترات من الإحباط، والانكسار، وصلت حدّ فقدان الأمل.

ومن ثم يقول: «طرحت على نفسي علامات استفهام كثيرة، لكن الشغف لم يتوقّف. مهنتي علمتني رفض الاستسلام، فانطلقت في حوارات خارج لبنان، وبالأخص في المملكة العربية السعودية، ودول الخليج. صحيح أنني اقتربت من الاستسلام، لكنني انتفضت عليه بفضل الشغف، لأن المثابرة هي مفتاح النجاح».

هذا، وخلال حواراته مع الأطباء اكتشف مكتبي تفاصيل حياتية صغيرة قد تضرّ بالإنسان، أو تحسّن صحته بشكل كبير. إذ ينبّه: «هناك خمس مناطق تعرف بـ(الزرقاء) في العالم يتمتع سكانها بنمط حياة صحي مميّز. وبعد البحث في أسباب ذلك تبيّن أن الرابط الأساسي بينهم هو علاقتهم الوثيقة مع الطبيعة. لهذا أفكر جدّياً بالانتقال إلى إحدى هذه المناطق لأخوض تجربة العيش فيها. وربما تكون جزيرة إيكاريا في اليونان الأقرب جغرافياً إليّ، حيث يُلاحظ ارتفاع نسبة المعمّرين هناك».

نمط الحياة الصحي هذا يُعزى إلى النظام الغذائي المتوسطي الغني بالخضار، والأعشاب البرّية، والأسماك الطازجة، وزيت الزيتون، إضافة إلى النشاط البدني المستمر، والهدوء النفسي. ومن ثم يؤكد مكتبي على أهمية الرياضة، مشيراً إلى أن بناء العضلات لا يقل أهمية عن صحة أي عضو آخر في الجسم. ويلفت إلى أن الوحدة قد توازي ضرر تدخين 15 سيجارة، وحتى الجينات تتأثر بنمط الحياة، والغذاء. ولذا يشدّد على أهمية التنفس السليم في التخلص من التوتر، وضرورة الابتعاد عن السكر، لما له من تأثير سلبي على جودة الحياة، والصحة.

وعمّا إذا كان برنامجه «إحكي طب» ينبع من خوفه من التقدم في العمر، جاء رده: «لا أخاف التقدم في السن، لكن أمراض الشيخوخة تثير قلقي. لذلك أبحث عن نمط حياة يحميني من أمراض مثل ألزهايمر. لست مثالياً في أسلوب حياتي، لكنني أحاول تغيير الكثير من العادات، خصوصاً السلبية منها».

عش أفضل وفكّر أكبر

وبالفعل يتّخذ مكتبي شعاراً ثابتاً في حياته ينطلق منه في مشاريعه الإعلامية، والإنسانية: «عش أفضل وفكّر أكبر». ويضيف: «سأواصل طريقي بهذا الشعار حتى إشعار آخر، لأن ما أحارب من أجله يستحق هذا النوع من التفكير. أخطط لمشاريع إنسانية جديدة ترتكز على قصص حياة غير مألوفة، وأعتقد أن القصة المقبلة ستكون من أجمل ما التقيته في مسيرتي».

مكتبي: البودكاست ظاهرة إيجابية لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد