ذكريات: معطف أحمد رامي لشتاء بغداد ومهرجانها الشعري!

TT

ذكريات: معطف أحمد رامي لشتاء بغداد ومهرجانها الشعري!

كثيراً ما أتذكر مؤتمر الأدباء العرب الذي عُقد في بغداد عام 1965. رأيت فيه جمهرة من الأدباء والشعراء العرب؛ خصوصاً من المصريين، وأتصوره عُقد في الربيع؛ لكن مشاهدتي -وبمصادفة- لفيديو يظهر فيه معطف الشاعر أحمد رامي محلقاً في الهواء؛ جعلني أتراجع نحو الشتاء، وتتداعى في ذهني ذكريات أخرى!
يظهر في الفيديو مغني المقام الشهير محمد القبنجي، بقامته الفارعة على مسرح قاعة حديثة في بغداد مزدحمة برجال ونساء، في حفل خاص أقيم تكريماً لوفود المؤتمر، يبدؤه بمقام: «عن وحدة العرب، لا عن غيرها نغمي» وبستة: «أنا المغني في كل نادي، دوماً أنادي تحيا بلادي». يجلس في الصف الأمامي الشاعر أحمد رامي منتشياً؛ «استخفه الطرب» فراح يتمايل ويرقص جالساً، قاذفاً معطفه الأسود إلى الأعلى، ليتلقفه بحركات جعلت رجالاً، وفتيات أنيقات، بجانبه، يتضاحكون ويمازحونه.
الآن وكما رأيت سابقاً، ونسيت؛ أتذكر أن المؤتمر ومهرجانه الشعري عقدا شتاءً، وأن تصوري أنهما عقدا في الربيع ربما لنكهة خاصة لتلك الأيام، أو لإيهام يرافق عادة الذكريات القديمة، لتكون مزيجاً من قوة الشباب المتلاشية، وأحلام أيام توارت سريعاً أو هباءً!
لم تخبُ ذكرى تلك الواقعة من خيالي حتى اليوم، وكم تطيب الذكرى كلما بعدت! كنت خارجاً من كلية الحقوق في منطقة الوزيرية بعد انتهاء المحاضرات، ربما بعد الظهيرة. أمر في طريقي ببناية وزارة الدفاع في الميدان، وبوابة قاعة الشعب الملحقة بها، والتي كانت تسمى قبل انقلاب يوليو (تموز) 1958 قاعة الملك فيصل الثاني، قاعة حديثة متوسطة الحجم، أنيقة جميلة مرتبة، بمقاعد ذات بطانات قديفة حمراء!
أمام باب القاعة الخارجي، وعلى الرصيف العريض، واجهني تجمع لشعراء مصريين، لم أجد صعوبة في معرفة معظمهم، والذين كنت قد رأيتهم في برامج تلفزيونية ومجلات مصرية أدمنتُ قراءتها، وكنت أقتطع صور بعضهم وألصقها على صفحات كتبي المدرسية في الأدب أو النحو؛ حيث توجد نصوص أو نُبذ عن بعضهم.
عرفتُ في مقدمتهم أحمد رامي الشاعر الذي صنع شطراً من وجدان كثيرين في مختلف البلدان، بقصائده من الزجل والقريض التي شدت بها أم كلثوم، والشاعر صالح جودت الذي غُنيت كثير من قصائده، وعُرف بمديحه للملك فاروق وملوك آخرين، فسُمِّي مادح الملوك، وأشهر ما غنى له عبد الوهاب: «الدنيا ليل». كان صحافياً وروائياً قرأت له في المتوسطة روايته «عودي إلى البيت». والشاعر محمود حسن إسماعيل صاحب ديوان «أغاني الكوخ»، غنى له محمد عبد الوهاب أيضاً: «دعاء الشرق»، و«النهر الخالد». والشاعر صلاح عبد الصبور، عُرف مجدداً في القصيدة الحديثة بمصر، وبديوانه «أحلام الفارس القديم».
كان جمعاً لم أحلم يوماً أن أراه وقريباً مني إلى هذا الحد. بقيت أرقبهم يتحدثون في حلقات، تتعالى ضحكاتهم، ويبدو على ملامحهم البشر والانطلاق. طالعني إعلان ملصق على أحد أعمدة سياج وزارة الدفاع، لإحدى جلسات أو أمسيات المهرجان الشعري لمؤتمر الأدباء العرب، و«الدعوة عامة للجميع».
دخلنا باحة القاعة؛ حيث ينتظر جمهور كبير، بينهم رجال كثر بعباءات وعمائم، وقليل من النساء. كانوا ينتظرون رئيس الجمهورية عبد السلام محمد عارف، ليفتحوا الباب الداخلي. سمعت بعضهم يردد اسم الجواهري، وأنه جاء مع أحد الوفود الكبيرة الذي أصر ألا يأتي دون أن يكون معه في بغداد. ذلك زادني فضولاً واهتماماً، كانت قصيدة الجواهري «يا دجلة الخير» قد نشرتها الصحف العراقية قبل أشهر!
ورحت أتصفح الوجوه. لم يطالعني وجهه الذي رأيته لمرات في التلفزيون، ولا أنسى أنني حاولت رسمه في لوحة مدرسية. سرعان ما أدركت أن ما تحدثوا به عن مجيء الجواهري، هو إما تصورات وإما تمنيات، وإما دعوات للتساؤل عن سبب غيابه، كنوع من الإثارة السياسية ضد السلطة.
وقف وراء المنصة الشاعر مصطفى جمال الدين، قامة فارعة ووجه أسمر بملامح بدوية:
بغداد ما اشتبكت عليك الأعصر إلا ذوت ووريق عمرك أخضر
مرت بك الدنيا وصبحك مشمس ودجت عليك ووجه ليلك مقمر
وقست عليك الحادثات فراعها أن احتمالك من أذاها أكبر
... والحور بين يديه ترتجل الهوى غزلاً به حتى الستائر تسكر
ضجت القاعة بين تصفيق وإطلاق: «أحسنت، أحسنت»، وبدا الشعراء والأدباء المصريون في مقاعدهم يميل بعضهم على بعض هامساً.
تلاه الشاعر أحمد الوائلي؛ كانت قصيدته بعنوان «رسالة الشعر»، وكان صوته ناعماً وصارخاً:
لغدٍ سخي الفتح ما نتجمع ومدى كريم العيش ما نتوقع
يا مهرجان الشعر حسب جراحنا أن الهوى مما تعتق يكرع
هذي رحاب القدس منذ ترنحت صرعى إلى زعقاتنا تتسمع
تصحو على نوء فتتلع جيدها فتراه من خدع السحاب فتهطع
صوته يعلو ويخفت، وفجأة مد يده على طولها، وبقوة باتجاه الشرفة التي تقابله؛ حيث يجلس رئيس الجمهورية؛ مطلقاً غضبه:
لا تطربن لطبلها؛ فطبولها كانت لغيرك قبل ذلك تقرع!
سُمعت من الشرفة جلبة وهياج. رفع كثير ممن في القاعة رؤوسهم متلفتين. كان عبد السلام ينهض غاضباً ويغادر القاعة. ساد المكان وجوم وترقب، ولكن لم يحدث شيء؛ فواصل الوائلي:
ومشت تصنفنا يد مسمومة؛ متسنن هذا وذا متشيع
يا قاصدي قتل الأخوة غيلة لموا الشباك فطيرنا لا يخدع
بغداد يا زهو الربيع على الربى بالعطر تعبق والسنا تتلفع
يا ألف ليلة لا تزال طيوفها سَمراً على شطآن دجلة يُمتع
كانت إشارة الوائلي لرئيس الجمهورية، وامتعاض الرئيس، ومغادرته، حدثاً إن لم يكن سياسياً مباشراً؛ فهو حدث ثقافي بمدلولات فكرية وسياسية، ما زالت جذورها ناشبة حتى الآن. لا أتذكر أن أحداً توقف عند الواقعة؛ لا في حينها ولا بعد حين! وأتصور اليوم لو أن إشارة الوائلي كانت لصدام؛ ماذا كان سيفعل به وبعائلته وأصدقائه؟ أو حتى لو أنها إلى عبد السلام عارف ذاته قبل سنوات من ذلك، أي وهو في أيام نشوته بعد تنفيذه انقلاب 14 يوليو 1958، عندما كان صارماً وأكثر عنفاً وتهوراً؟ لكن الأحداث القاسية التي مر بها بعد سنوات، منحته شيئاً من سعة الصدر، وإن لم تصل به إلى حد الإصغاء للشاعر حتى يكمل قصيدته، ويلتقيه لحوار هادئ أو ودي معه.
لا يتعامل الحكام في العراق عموماً بسمو ورقي مع المثقفين المبدعين، وكذلك الحال في بلدان عربية أخرى كثيرة! تبلغ سورة الغضب بالجواهري أن يرسل قذيفته الشعرية العنيفة إلى نوري السعيد وبحضوره كما قيل، مخاطباً الدكتور هاشم الوتري:
نُبِّئتُ أنك لست تبرح سائلاً عني تناشد ذاهباً أو آيبا
وتقول كيف يظل نجم ساطع ملء العيون عن المحافل غائبا
أنا ذا أمامك ماثلاً متجبراً أطأ الطغاة بشسع نعلي عازبا
يقولها وهو يشير إلى نوري السعيد، فلا تمر الإهانة العلنية دون عقاب؛ لكن العقاب في ذلك العهد خفيف نسبياً.
قبل هياج عبد السلام عارف، غضب زميله الزعيم عبد الكريم قاسم على الجواهري، فتسبب في تشريده بقية عمره الطويل؛ لأنه انتقده بعشر معشار ما امتدحه! لم أسمع أن أحداً من رجال السلطة تعرض آنذاك للوائلي بأذى، وكان هذا يعد آنذاك بحبوحة للشاعر. مات عبد السلام عارف بعد ذلك بأشهر قليلة بتحطم طائرته، وجاء أخوه من بعده. كان عهدهما -على علاته وجموده- عهد هدوء والتقاط أنفاس، ظهرت فيه حركة الستينيين الأدبية، وتفتحت فيه مواهب في الشعر والقصة ومختلف الفنون، حتى مجيء البعثيين في 17 يوليو 1968، فانقلب كل شيء رأساً على عقب.
أقيم الحفل الذي طيَّر فيه أحمد رامي معطفه؛ لكي يرى الشعراء والأدباء العرب روح بغداد الحقيقية تتجلى غناءً وموسيقى وحضوراً كبيراً من الرجال والنساء، محبة للشعر والشعراء.
لم يحضر رئيس الجمهورية؛ ليس لأنه لم يزل غاضباً على الوائلي؛ بل ربما لأنه يرى أن الغناء والموسيقى لا يليقان بمقامه، والوائلي ومن معه لم يحضروا أيضاً؛ لأنهم يرون أن الغناء والموسيقى من المحرمات أو لا يليقان بزيهم! قد يفوت الأمر على الرئيس فلا يدرك أنه يحكم بلاداً هي مهد الموسيقى والغناء، ولكن كيف يفوت على الشاعر، فلا يرى أن في القصيدة التي ينظمها قدراً كبيراً من الموسيقى والغناء أيضاً، فيحلل هذه ويحرم تلك؟
ظل معطف أحمد رامي من وقائع الحفل التي لا تنسى، فكأنه يلقيه على كتفي بغداد، بما فيه من أغانٍ لأم كلثوم وغيرها، في لمسة دفء وحب!



التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.


رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي
TT

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

يصحبنا الكاتب الأردني هاشم غرايبة في روايته «البحّار... حي ولا أخاف»، في رحلة لاستكشاف الذاكرة الإنسانية، وما تختزنه من تفاصيل صغيرة تبدو عابرة، لكنها تظل حاضرة في الوجدان، عاكساً في أحداثها سيرة الإنسان عبر تحولات المجتمع، والانتقال بين الطفولة والفقر والشيخوخة، وخوض التجارب الشخصية والعامة التي تطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والحياة والمصير.

تحمل الرواية التي صدرت طبعتها الثانية عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026) في ثناياها عالماً روائياً قائماً على الاعتراف واستعادة الذاكرة، من خلال شخصية «سليم الناجي»، الذي تظهر مسيرته الحياتية بوصفها تجربة إنسانية بسيطة، بعيدة عن صورة الأبطال التقليديين.

تبدأ الرواية التي جاءت فيما يقارب 130 صفحة، من الفصل الأول «على الرصيف»، حيث يجد الراوي نفسه في المدينة، بعد انتهاء التحقيق معه، لتبدأ رحلة استعادة الماضي والبحث في تفاصيل حياة امتدت عبر عقود. ومنذ الصفحات الأولى، تتشكل علاقة وتتوطد تدريجياً بين الذاكرة والكتابة؛ إذ يقرر الراوي أنْ يكتب كل ما يعرفه، وكل ما عاشه وقرأه وسمعه، لتصبح الأوراق وسيلة لاستعادة ما غاب من حياته.

ويستعيد الكاتب مجموعة من الصور والروائح والأصوات التي بقيت عالقة في الذاكرة، من صلاة الأم في غبشة الفجر، إلى مذاق «الكردوش» (خبز الشعير) الساخن، وهطول الشهب في ليالي الحصاد، ومذاق العسل مع السمسم، ورائحة فتّة الشاي بالخبز، والمرور بميناء هامبورغ في ألمانيا، ورذاذ المياه عند شلالات نياغارا، وقمر سبتمبر (أيلول) على درب مهرّبي البضائع على الحدود.

وتنتقل الرواية بين هذه التفاصيل الحميمة وبين أسئلة أكثر قسوة، تتعلق بالفقر والمرض والحروب والتحولات السياسية والاجتماعية. ويظهر ذلك بوضوح في الفصل الثاني المسمى «زمن الخسارات»، الذي يستعيد فيه الراوي طفولة قاسية، منذ وُلد «بين حربين عالميتين»، في زمنٍ لم يكن تسجيل المواليد فيه أمراً شائعاً، في حين كان الفقر والجوع والأمراض ومخاطر الحياة اليومية تحاصر الناس.

ويروي البطل جانباً من تلك الطفولة، فيقول إن من ينجو من الإسهال والحصبة والجدري قد يموت بعضّة أفعى أو رفسة بغل أو انهيار سقف، قبل أن يذكر حادثة الشقيق الرضيع الذي خطفته «الشُّوحة» (طائر الحدأة الجارح) عن البيدر، في حين كانت الأم منشغلة بفك حِمْل القش عن الناقة.

كما يتناول النص علاقة الأجيال الجديدة بالمجتمع والوطن، عادَّاً أن جيلاً كاملاً نشأ وسط غياب المشاريع الكبرى التي تستثمر طاقات الشباب، وأن هناك ضعفَ اهتمام بالثقافة والفنون والبحث العلمي، وهو ما يربطه الراوي بالتحولات التي دفعت حفيده «أحمد» إلى مسار مختلف تماماً.

وهكذا تجمع «البحّار... حي ولا أخاف» بين السيرة والذاكرة والرواية، وتستعيد عبر تفاصيل الحياة اليومية عالماً تتجاور فيه الطفولة مع الشيخوخة، والفقر مع السفر، والخسارة مع الأمل، لتقدم في النهاية تأملاً في قدرة الإنسان على الاستمرار رغم ما يحيط به من خسارات وتحولات.

من إصدارات الروائي الأردني: «هموم صغيرة»، و«قلب المدينة»، و«عدوى الكلام»، و«حبة قمح»، «بيت الأسرار»، «المقامة الرملية»، «الشهبندر»، وغيرها.