إيران تسعى لتغذية الصراع الطائفي في الشرق الأوسط عبر دعم الميليشيات الدينية

خبراء لـ {الشرق الأوسط}: إيران مدّت نفوذها عبر المجموعات العقائدية .. والعراق وحده يضم 50 تنظيمًا

يمنيون يقفون على مواقع استهدفتها قوات التحالف أثناء قصفها لمواقع الحوثيين في صنعاء أمس (إ.ب.أ)
يمنيون يقفون على مواقع استهدفتها قوات التحالف أثناء قصفها لمواقع الحوثيين في صنعاء أمس (إ.ب.أ)
TT

إيران تسعى لتغذية الصراع الطائفي في الشرق الأوسط عبر دعم الميليشيات الدينية

يمنيون يقفون على مواقع استهدفتها قوات التحالف أثناء قصفها لمواقع الحوثيين في صنعاء أمس (إ.ب.أ)
يمنيون يقفون على مواقع استهدفتها قوات التحالف أثناء قصفها لمواقع الحوثيين في صنعاء أمس (إ.ب.أ)

مع انحسار دور الدولة القطرية في مناطق واسعة في العالم العربي منذ عام 2011، وما تلاه من أحداث عبر ما سمي بالربيع العربي، نمت الميليشيا العقائدية بشكل مذهل وتحولت دول كثيرة إلى مزارع وملاجئ ومفارخ لها، لكن كانت هناك دولة واحدة تستثمر فيها.
إيران وعلى وقع مفاوضات الملف النووي وإغراءات الدور الإقليمي وإعادة الإمبراطورية الفارسية التي يعتبرها القوميون الفرس في طريقها إلى النهوض، استثمرت بكل ما تستطيع في الوصفة الجديدة للسيطرة على العالم العربي.
قدم الخبراء الإيرانيون كل ما لديهم من إمكانات في تدريب المقاتلين العقائديين ومولت طهران قادة الميليشيا وزودتهم بالسلاح، دفعت بخبرائها وقادتها لتولي زمام الأمور، فالخبراء الإيرانيون في سوريا للحفاظ على الأسد، وفي قوات الحشد الشعبي في العراق لمواجهة تنظيم «داعش»، ومع الحوثيين في صعدة وفي صنعاء لكل شيء.
الإيرانيون لا يمكنهم احتلال كل هذه المساحات الشاسعة من العالم العربي لتواضع إمكاناتهم العسكرية، لكن عبر الميليشيا يمكنهم السيطرة عليها وخوض الحروب نيابة عن نظام طهران حيث تصبح الدولة رهينة بيد الميليشيا وقادتها الذين يتلقون تعليماتهم من طهران.
يقول الدكتور خالد الدخيل، أستاذ علم الاجتماع السياسي السعودي، إنها الوسيلة لبسط النفوذ والسيطرة ومدّ أذرعها خارج حدودها، ويتابع: «إيران ليس لديها القدرة على احتلال أي دولة، فهي ليست دولة عظمى، لكن الميليشيا تعطيها القدرة على مدّ نفوذها فهي تكلفها ماليا، ولكن تعطيها مكاسب سياسية، والعرب يقتلون بعضهم في سوريا والعراق واليمن».
ويشدد الدكتور الدخيل على أن الدولة غير موجودة في المناطق التي تنشط فيها الميليشيا المدعومة إيرانيا.
هنا يقول الدكتور أشرف كشك، وهو خبير استراتيجي في معهد البحرين للدراسات الاستراتيجية وموجه أكاديمي في كلية الناتو للدفاع في روما: «منذ الثورة الإيرانية عام 1979 وحتى الآن، قامت إيران ببناء سياساتها الإقليمية على معادلة (الصراع الصفري)، بمعنى أنها دائما يجب أن تكون الطرف الإقليمي الرابح، وما عداها خاسرون، وقد أسست تلك السياسة بناء على تصورات ثلاثة، وهي: أنها دولة شيعية، والثاني القيام بدور القوة المناوئة، والثالث التمدد في الدول الرخوة والمضطربة».
يقول الدكتور علي التواتي، وهو خبير استراتيجي وعسكري سعودي، إن إيران أجادت دور صناعة الميليشيا في فترة الضياع العربي، فجمعت كل الشراذم من الطائفيين من السنة والشيعة وحولتهم من جماعات مذهبية فقط، إلى جماعات مقاتلة تنقض على السلطة، والنموذج السوري هو الأساس، و«حزب الله» في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، والحوثيون، كل هذه الجماعات كانت تسير على نهج النظام السوري الذي تحول من حزب إلى طائفة تتحكم في سوريا، لذا تصرف النظام كقوة محتلة أمام الشعب حينما خرج في احتجاجات سلمية، لذا دفعت إيران بكل قوتها لحماية النموذج.

متى بدأت إيران في تأسيس وبناء الميليشيا؟

يقول الدكتور خالد الدخيل بدأت إيران مبكرا في صناعة نماذج ميليشياوية، فـ«حزب الله» أحد أقوى نماذجها في العالم العربي، دربته طهران ودعمته ونظمته قبل أن يولد الجيل الذي قام بثورات الربيع العربي، وتستثمر إيران بشكل متقن في غياب الدولة عبر افتعال مشكلة الأقليات، وهناك فراغ سياسي وآيديولوجي في العالم العربي، وهذان الفراغان تملأهما إيران والتنظيمات المتطرفة.
ويتابع الدكتور الدخيل: «إيران تستخدم الطائفية من جهة البعد المذهبي، وتستخدم الميليشيا من جهة أخرى في الجانب العسكري والدولة لإيرانية مبنية على الطائفية».
وشدد على أن سياسة الخارجية للدول هي امتداد لسياساتها الداخلية، وإيران دولة دينية بدستورها ومؤسساتها، وطائفيتها، وتحالفاتها. ويضيف: «جميع تحالفات طهران مع تنظيمات طائفية حتى وإن استخدمت حماس لفترة لكنها افترقت معها في الملف السوري، وإذا كان هناك نوع من التحالف بينهما فهو الاستثناء الذي يؤكد القاعدة». إيران ليست حليف للتنظيمات السنية، لأنها تعلم أنها ستختلف معها وأنها ستصل معها إلى نقطة الخلاف، لكن مع التنظيمات الشيعية لا توجد خلافات، وإن وجدت فهي خلافات بعيدة المدى.
من جانبه، يؤكد الدكتور أشرف كشك أن تمدد إيران في الدول التي تشهد صراعا بين الحكومات الوطنية والجماعات دون الدول التي تنازع الدولة الموحدة سيادتها تطبيقًا لنصوص دستورية إيرانية تارة، ووفقًا لما تقتضيه المصلحة تارة أخرى، والسياسة الإيرانية خلال أكثر من 3 عقود تجاه دول الجوار الإقليمي قد انطلقت وفق استراتيجية ثلاثية متكاملة الأركان: دعم الجماعات لوجستيا، ودعم الجماعات الدينية دون الدول، وتقديم الدعم العسكري للجماعات المتطرفة، وربط بؤر الصراع.
ويعتبر الدكتور علي التواتي، الإيراني يتولى التوجيه المعنوي والعقائدي، ولا يأتي للتدريب الفني والتقني فقط، وإنما للتأثير المعنوي والعقائدي وتوجيه القوة في حرب طائفية، والهدف واحد هو بناء مجد فارس بدم عربي وأموال عربية وعلى الأرض العربية.

الأرض الخصبة
غياب الدولة هو حجر الزاوية هنا وإيران تستثمر الدم العربي، فهي كما يؤكد الدكتور خالد الدخيل، لا تسمح بانضمام الفارسي لهذه التنظيمات إلا كخبير أو مدرب أو قيادي.
ويشير الدخيل إلى أن عدد هذه التنظيمات العقائدية المسلحة ما زال في طور النمو وحتما سيكون أكثر من الدول، فالعراق وحده يضم نحو 50 ميليشيا حتى الآن.
يقول الدكتور أشرف كشك، في ظل غياب الدولة وعدم قدرتها على القيام بدورها بشكل مباشر وضعف سيطرتها على حدودها، خصوصا البحرية منها، ومن تلك الدول اليمن، قد مكن إيران من تقديم أسلحة ثقيلة متنوعة لجماعات وتنظيمات عقائدية مسلحة كـ«أنصار الله»، الأمر الذي جعلها تناوئ الحكومة المركزية سلطتها، وتجدر الإشارة إلى تصريح وزير الخارجية الأميركي جون كيري أخيرا، كان واضحًا في هذا الشأن عندما قال إن الولايات المتحدة تعلم وجود الدعم الإيراني داخل اليمن وأن واشنطن لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما يهدد الاستقرار الإقليمي.
ويتابع: تعمل إيران على ربط الجبهات على التصعيد في جبهة ما والتهدئة في أخرى، وفقًا لمتطلبات الصراع بحلقاته، سواء داخل الدولة المعنية أو على المستويين الإقليمي والدولي، والأدلة على ذلك كثيرة، فعلى سبيل المثال، يلاحظ في الوقت الذي تحقق فيه المعارضة السورية مكاسب على الأرض، فإن إيران تسعى لتعويض تلك الخسارة من خلال زيادة نفوذها في العراق، وأيضا في ظل خسارة إيران في اليمن، فإنها تسعى لفتح جبهات أخرى، وما بين هذا وذاك، هناك هدوء على جبهة «حزب الله» – إسرائيل، حتى لا تكون هناك جبهة جديدة ستكون نتائجها المزيد من الخسارة للمحور الذي تقوده إيران.
بدوره، يقول الدكتور التواتي، إن اليمن قبل الحوثيين، كان أرضا خصبة للصراعات، كذلك انتشار السلاح، حيث يصنف الفرد اليمني في المرتبة الثانية عالميا لناحية حصته من السلاح، كما أن الجيش اليمني الذي استولت على أسلحته ميليشيا الحوثي كان في المرتبة الخامسة عربيا.
ويضيف، حاولت إيران دعم ميليشيا «أنصار الله» عبر الجسر الجوي، لكن العرب، والسعودية على وجه الخصوص، لم يتحملوا هذا التصرف وهدمت هذا النموذج على رؤوسهم.

حماية اليمن
يقول الدكتور خالد الدخيل إن التدخل السعودي في اليمن حقق هدفين: الأول، منع الإيرانيين من العبث به. والثاني، قطع الطريق على التنظيمات المتطرفة التي تسوق نفسها كحامية لأهل السنة والدفاع عنهم.
ويعتبر الدكتور كشك أن استمرار الانخراط الإيراني في تلك الصراعات بشكل متزامن ومحاولة إرسال لكل الأطراف الإقليمية والدولية مفادها أن إيران هي جزء من المشكلة وجزء من الحل متى أرادت، يعني أن ذلك ليس سوى حديث نظري، والواقع أن هناك استنزافًا للقوة الإيرانية، وهو ما يفسر سعي إيران لرفع كل العقوبات الاقتصادية، كشرط أساسي قبل توقيع اتفاق نووي نهائي، حتى يمكنها تعزيز قدرتها التمويلية لتلك الجماعات من ناحية، ودعم الحرس الثوري من ناحية ثانية.
وأشار الدكتور كشك إلى أن السياسة متغيرة بينما الجغرافيا ثابتة، بما يعني حتمية بناء العلاقات مع دول الجوار وفقًا لتوازن المصالح وليس توازن القوى.
ويشير الدكتور علي التواتي إلى أن كل المعونات التي قدمتها السعودية كانت تستخدم في بناء قوة خارج الشرعية.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.