شركات «أثرياء الحرب» تواكب «الزوار الإيرانيين» من العراق إلى دمشق

بعد استئناف الرحلات إلى العاصمة السورية

جندي سوري وآليتان عسكريتان قرب تدمر وسط البلاد (الشرق الأوسط)
جندي سوري وآليتان عسكريتان قرب تدمر وسط البلاد (الشرق الأوسط)
TT

شركات «أثرياء الحرب» تواكب «الزوار الإيرانيين» من العراق إلى دمشق

جندي سوري وآليتان عسكريتان قرب تدمر وسط البلاد (الشرق الأوسط)
جندي سوري وآليتان عسكريتان قرب تدمر وسط البلاد (الشرق الأوسط)

استبعد خبراء أن يسهم استئناف «الرحلات السياحية الدينية الإيرانية» إلى دمشق، في إحداث انفراجة اقتصادية ومالية بمناطق سيطرة الحكومة السورية، التي تعاني من ازدياد تفاقم الأزمة الاقتصادية وقتامتها، مع توقعات بأن تستفيد «نخب اقتصادية مرتبطة بها» ظهرت خلال سنوات الحرب. وأفيد بأن شركات أمن خاصة تابعة لـ«أثرياء الحرب» ستقوم بحماية الزوار من حدود العراق إلى جنوب دمشق.
وقال خبير اقتصادي لـ«الشرق الأوسط»، إن استئناف الرحلات «قد تكون له علاقة بحاجة النظام الاقتصادية؛ خصوصاً في ضوء انغلاق الآفاق الاقتصادية وقتامتها»، في إشارة إلى «تهالك الاقتصاد في مناطق سيطرة الحكومة السورية، والأزمات الحادة التي تعاني منها منذ سنوات، وازدياد حدتها مؤخراً؛ خصوصاً أزمات توفُّر الوقود والغاز والكهرباء والطحين والدواء (...) والعملة الأجنبية».
وأعلن رسمياً، الأحد الماضي، رئيس منظمة «الحج والزيارة» الإيرانية، علي رضا رشيديان، استئناف الرحلات الدينية إلى دمشق، التي وصلت إليها أول رحلة تحمل 25 «زائراً» للمواقع الدينية، تستمر 5 أيام، وذلك بعد الحصول على موافقات الجانب السوري بالكامل، مع ضمان اتخاذ الإجراءات الاحترازية ضد فيروس «كوفيد-19»، بينما ستبدأ الرحلة الثانية نهاية الأسبوع الجاري، والثالثة مطلع الأسبوع المقبل، وستحمل كل منها 25 «زائراً».
ولفت رشيديان إلى أن التكلفة التقديرية لإرسال «الزائر» 10 ملايين و500 ألف تومان (350 دولاراً)، وأن برنامج «الزوار» حالياً يقتصر على زيارة دمشق فقط.
ويقصد الزوار الإيرانيون مقام «السيدة زينب» في ريف دمشق الجنوبي؛ حيث تتركز أغلبية شيعية من عائلات وأسر مقاتلي الميليشيات التابعة لإيران. كما يقصدون مقامَي «السيدة رقية» في دمشق القديمة، و«السيدة سكينة» في مدينة داريا بريف العاصمة الغربي.
وذكر رشيديان أن استئناف الرحلات يأتي عقب أكثر من عامين على توقفها بسبب تفشي «كوفيد-19»؛ لكن مصادر في منطقة «السيدة زينب» سبق أن أكدت لـ«الشرق الأوسط» استمرار وفود أشخاص إيرانيين وعراقيين ولبنانيين إلى المنطقة، رغم إعلان إغلاق أماكن العبادة لمواجهة الفيروس.
ورأى الخبير الاقتصادي أن هذا الاستئناف «قد يكون مرتبطاً بحاجة إيران إلى العودة للمشهد السوري اقتصادياً، بعد غيابها عن الساحة جراء المزاحمة الروسية، أو التراجع الإيراني على خلفية عقوبات (الرئيس الأميركي الأسبق دونالد) ترمب، أو تداعيات انتشار (كوفيد-19)». وأضاف: «قد يكون التوقيت مرتبطاً بتراجع حدة الضغوط الأميركية على إيران في عهد الرئيس جوزيف بايدن، ومحاولة إدارته استكشاف مختلف السبل لتسهيل المفاوضات حول ملف إيران النووي الجارية في فيينا، وربما كانت نتاجاً لتفاهمات عُقدت على هامش المفاوضات».
وذكر أن إيران «قد تكون خططت لإعادة افتتاح خط (الحج) ضمن مسعاها لإثبات وجودها وقدرتها أمام بعض الذين لوَّحوا لدمشق مؤخراً بإعادة العلاقات والتطبيع».
وأشار خبير اقتصادي آخر لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن ردود الفعل في الشارع الدمشقي لم تظهر بوضوح حتى الآن حول الأمر، وقال: «الناس آخر اهتماماتها (الحجاج) الإيرانيون وعودتهم، وغالباً ما ستكون نسبتهم قليلة وغير فاعلة اقتصادياً». واعتبر أن «المستفيد من عودة الزوار هي النخب الاقتصادية المرتبطة بها، والتي ظهرت خلال سنوات الحرب، ومنها على سبيل المثال، خضر طاهر، الشهير بـ(أبو علي خضر) الذي تتولى شركته الأمنية (القلعة) تأمين وحماية وتنظيم (الزيارات) العراقية إلى (السيدة زينب)، بعدما تولت قبل عامين تأمين وحماية قوافل (الزوار) الإيرانيين».
ولفت الخبير إلى أن شركة «ماهان» ستستفيد من حركة النقل الجوي بين البلدين، وربما ينعكس ذلك على «زيادة تدفق السلاح الإيراني إلى مناطق سيطرة الحكومة عبر طائرات الشركة؛ خصوصاً بعد أن ضربت إسرائيل مرفأ اللاذقية بذريعة وصول شحنات سلاح إيراني عبره، كاسرة للتوازن».
وأضاف: «ربما تعمل إيران من خلال هذه الخطوة للضغط على السياسة العراقية من خلال التلاعب بتدفق (الزوار) إلى بلاد الرافدين المجاورة، بما ينعكس سلباً على الاقتصاد العراقي المتراجع؛ خصوصاً أن العراق يقف أمام مخاض عسير لولادة حكومة، وتجهر قوى لها وزنها في عملية تشكيلها كـ(التيار الصدري) بأنها تريد حكومة لا شرقية ولا غربية، في إشارة لرفضها تبعية الحكومة لإيران أو للولايات المتحدة».
ويأتي استئناف الرحلات السياحية الدينية الإيرانية إلى دمشق، بعدما وقَّعت منظمة «الحج والزيارة» الإيرانية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مذكرة تفاهم مع دمشق، تقضي بأن تقوم إيران في المرحلة الأولى بإرسال 100 ألف إيراني إلى سوريا لزيارة المواقع الدينية.
وبما يعكس حاجة الحكومة السورية الماسة لانفراجة اقتصادية وللأموال، وخصوصاً الدولار الأميركي، لم يجد وزير السياحة محمد رامي مرتيني حينها حرجاً في تأكيد رغبة دمشق في تسيير هذه الرحلات بشكل «سريع».
وكان يؤم المقامات الشيعية في دمشق وحدها سنوياً قبل سنوات الحرب، مئات آلاف «الزوار الشيعة» الأجانب؛ لكن هذا العدد شهد تراجعاً ملحوظاً مع اندلاع الحرب، وازداد التراجع إلى حد كبير بعد تمكن المعارضة المسلحة في عام 2012، من أسر 48 إيرانياً في الغوطة الشرقية، إثر استدراج حافلتهم على طريق مطار دمشق الدولي في اتجاه المقامات التي يزورونها.
وعقب الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية لمواجهة «كوفيد-19» قبل عامين، بات الوفود العلني لـ«الزوار» الشيعة الأجانب إلى البلاد شبه معدوم.
وتلقى قطاع السياحة في سوريا ضربة مؤلمة جراء الحرب، إذ نقل موقع «المونيتور» في سبتمبر (أيلول) 2016 عن مصادر في وزارة السياحة، أن أعداد السياح تراجعت من 5 ملايين في عام 2010 إلى أقل من 400 ألف في 2015، وبالتالي تراجعت إيرادات القطاع بنحو 98 في المائة، وبلغت خسائره نحو 3 مليارات دولار، بينما كان هذا القطاع يشكِّل 14 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويشغِّل 13 في المائة من القوى العاملة، ويرفد اقتصاد البلاد بنحو 5 مليارات دولار سنوياً (الدولار الأميركي يساوي حالياً أكثر من 3500 ليرة سورية).



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.