معركة «السيدتين» في بنغلاديش.. وضحاياها الكثر

مستشفيات تعج بالجرحى وخسائر اقتصادية بالغة بسبب العنف السياسي المستمر في البلاد

دخان ناجم عن قنبلة بدائية ألقاها محتج في شارع بدكا في أحد الأيام القليلة الماضية (أ.ف.ب)
دخان ناجم عن قنبلة بدائية ألقاها محتج في شارع بدكا في أحد الأيام القليلة الماضية (أ.ف.ب)
TT

معركة «السيدتين» في بنغلاديش.. وضحاياها الكثر

دخان ناجم عن قنبلة بدائية ألقاها محتج في شارع بدكا في أحد الأيام القليلة الماضية (أ.ف.ب)
دخان ناجم عن قنبلة بدائية ألقاها محتج في شارع بدكا في أحد الأيام القليلة الماضية (أ.ف.ب)

قد تكون أسهل طريقة للوقوف على مدى قبح الاضطرابات السياسية الذي تمر به بنغلاديش حاليًا هي زيارة وحدة العناية الخاصة بمستشفى دكا الجامعي. ففي هذا الجناح، يرقد ضحايا الحروق جراء هجمات القنابل الحارقة على السيارات التي تمر عبر طرق بنغلاديش. هؤلاء الضحايا هم بمثابة الأضرار الجانبية التي خلفتها معركة طويلة الأمد بين أهم زعيمتين سياسيتين في بنغلاديش أو «السيدتان» كما يطلق عليهما هنا. في صباح أحد الأيام الأخيرة، نظر محمد ناظمول مولا، باتجاه صف الأسرة التي يرقد عليها ثلاثة رجال كانوا يركبون بجانبه على متن شاحنة بعدما أفرغوا شحنة رمال ليفاجأوا بزجاجة حارقة (مولوتوف) ألقاها محتج تهشم الزجاج الأمامي وتسقط عليهم داخل الشاحنة.
كان مولا (25 عامًا)، الأكثر حظًا، حيث تمكن من القفز بسرعة من نافذة السيارة، ولم تتعد أسوأ الإصابات التي لحقت به بضع كسور في العظام والركبتين، بينما كان الثمانية رجال الجالسين بجواره أسوأ حظًا، إذ لقي خمسة منهم حتفهم وأصيب الآخرون بحروق في القصبة الهوائية والوجه أدت إلى تساقط الجلد وانتفاخ الجفون إلى حد التشقق. وعندما سٌئل مولا عما يريد أن يقوله لقادة بلاده السياسيين، أجاب بصوت خافت: «إنهم يعرضون الناس العاديين للقتل، إنهم يعرضون إخوتهم للقتل».
قليلون في بنغلاديش لم يصبهم الشعور بالإرهاق في هذا الربيع، فالبلاد وقعت في أتون الفوضى في يناير (كانون الثاني) بعدما أعلنت زعيمة المعارضة، خالدة ضياء، حملة إضرابات وتعطيل حركة المواصلات بغية الضغط على غريمتها، رئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد، من أجل عقد انتخابات عامة جديدة. لكن إذا كانت ضياء تتوقع تنازلات من جانب غريمتها فإن توقعاتها ذهبت أدراج الرياح.
شهدت الأسابيع الأخيرة انحسارًا في التوترات السياسية، حيث عادت الحياة إلى حد كبير لطبيعتها في شوارع دكا، ولكن دون ظهور حل طويل الأمد في الأفق. ومن الذين يراقبون الوضع عن كثب، قادة الصناعة في البلاد. فقد أظهر تقرير أصدره البنك الدولي في الآونة الأخيرة خسارة اقتصاد بنغلاديش 2.2 مليار دولار أو ما يعادل نحو 1 في المائة من ناتج الدخل القومي نتيجة الاضطرابات السياسية التي شهدتها البلاد هذا العام والتي امتدت طوال 62 يومًا. وذكر التقرير أن معدل النمو الاقتصادي في بنغلاديش سيصل إلى 5.6 في المائة في هذه السنة المالية مقارنة بـ6.6 في المائة، وهو معدل النمو الذي توقعه البنك قبل أن تعصف الإضرابات بالبلاد. وقال زاهد حسين، كبير الخبراء الاقتصاديين في مكتب البنك الدولي في العاصمة دكا: «إلى متى يمكنك البقاء دون تأثر، إذا كنت تعمل يومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام على الإضرار بالصناعة، في نهاية المطاف، ستتأثر القدرة على التعافي».
يذكر أن جذور العنف الدائر حاليًا تعود إلى الانتخابات العامة التي أجريت في يناير 2014 والتي نتج عنها صراع إرادات بين السيدتين. وكانت ضياء، التي شغلت منصب رئيسة الوزراء من قبل وتترأس الحزب الوطني البنغالي (بي إن بي) كما تقود تحالفا معارضا من 20 حزبًا، قد هددت بمقاطعة الانتخابات، مرجحة تعرضها للتزوير لصالح الحكومة، وانتهزت حسينة الفرصة مستغلة تهديد ضياء لتجري الانتخابات في ظل غياب تام من تحالف المعارضة مع بذلها وعود مبهمة بإعادة الانتخابات في الأشهر اللاحقة.
في يناير 2015 وبعد مرور عام من الانتظار، أعلنت ضياء حملة احتجاجات ممتدة لقي فيها حتى الآن أكثر من 100 شخص مصرعه كما أصيبت فيها أعداد أكبر بجروح بالغة الخطورة نتيجة العبوات الناسفة المزروعة على جوانب الطرق. وبقطع الطرق السريعة مستخدمين العنف في الغالب، ظل المحتجون يستهدفون الحلقة الأضعف في سلسلة التوريد التجاري، واختارت الحكومة الرد باتخاذ إجراءات متصاعدة في شدتها بينها إلقاء القبض على كثير من قادة حزب ضياء، الأمر الذي دفع آخرين منهم إلى الاختفاء عن الأنظار.
وينفي مسؤولو الحزب الوطني البنغالي مسؤوليتهم عن العنف الدائر لكنهم يقولون إنه لم يتبق بجعبتهم أي خيارات سوى قطع الطرق وشن الإضرابات. ويقول محبوب الرحمن، الجنرال المتقاعد وعضو اللجنة الدائمة للحزب الوطني البنغالي: «رأيت العذاب الذي يمر به ضحايا الحروق وأجسادهم المشوهة وشممت رائحة اللحم البشري المحترق، لكن ما نريد أن نقوله هو أن الحكومة لا تسمح لنا بالحديث ولا بالتجمع ولا بالاحتجاج ولا تسمح لنا بإصدار صحف. في هذا الوضع الذي تهدر فيه حقوقنا الديمقراطية، هل هناك خيار آخر بوسعنا اتخاذه؟».
وتأتي حملة الاحتجاجات بالضرر على البلد بأكمله، حيث أغلقت المدارس أبوابها قبل موعد الامتحانات وفسدت المحاصيل لدى المزارعين وخلت المنتجعات السياحية من السائحين.
وعلى الرغم من أن رجال الصناعة مارسوا ضغوطًا على ضياء وحسينة للجلوس على طاولة المفاوضات والتوصل إلى تسوية من أجل إنقاذ اقتصاد البلاد، إلا أن مساعيهم باءت بالفشل. ويقول مسؤولون حكوميون وبعض الخبراء الاقتصاديين إن اقتصاد بنغلاديش يستطيع الصمود بقدر كاف في مواجهة الاضطرابات السياسية المتوسطة الحجم وأشاروا إلى نجاح أكبر شركة لإنتاج الملابس في نقل شحناتها إلى الميناء في وقت مناسب أثناء شهري يناير وفبراير (شباط) الماضيين واللذين شهدا أسوأ موجة من الاحتجاجات الدائرة حاليًا.
لكن الاضطرابات ضاعفت من المشكلات التي نتجت عن انهيار مصنع «رانا بلازا» للملابس في ضواحي دكا في 2013 والذي أدى إلى مقتل 1100 شخص حيث تحاول مصانع الملابس جاهدة الالتزام بمعايير السلامة والأجور الجديدة وإعادة بناء الثقة لدى المستثمرين في بنغلاديش.
وفي حالة استمرار الأزمة في الربع الثاني من العام الحالي، يتوقع محللون اقتصاديون لدى اتحاد مصنعي الملابس واتحاد المصدرين في بنغلاديش أن تتراجع الصادرات بنسبة بين 25 إلى 30 في المائة بدءًا من مايو (أيار) المقبل. ووصف خوروم صديقي، مدير شركة (سيمكو دريسز المحدودة) في إحدى ضواحي شمال دكا، حالة عدم اليقين التي تسيطر على الوضع السياسي بأنها «كارثة من صنع الإنسان»، وذكر أن شركته قررت إعادة النظر في خطط لزيادة استثماراتها هذا العام. وأضاف صديقي قائلاً: «لا توجد لدينا أي مشكلات عرقية أو لغوية أو طائفية في بنغلاديش، مقارنة مع باكستان أو الهند. لا أفهم لما لا يمكنهم حل هذه المشكلة وهم يحتسون كوبًا من الشاي».
* خدمة «نيويورك تايمز»



تايوان تتهم صحافياً برشوة ضباط بالجيش لتسريب معلومات إلى الصين

يمرّ زوار بجوار نقطة مراقبة بالكاميرا (وسط) وعَلم صيني (يمين) في جزيرة بينغتان أقرب نقطة إلى تايوان بمقاطعة فوجيان شرق الصين (أ.ف.ب)
يمرّ زوار بجوار نقطة مراقبة بالكاميرا (وسط) وعَلم صيني (يمين) في جزيرة بينغتان أقرب نقطة إلى تايوان بمقاطعة فوجيان شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

تايوان تتهم صحافياً برشوة ضباط بالجيش لتسريب معلومات إلى الصين

يمرّ زوار بجوار نقطة مراقبة بالكاميرا (وسط) وعَلم صيني (يمين) في جزيرة بينغتان أقرب نقطة إلى تايوان بمقاطعة فوجيان شرق الصين (أ.ف.ب)
يمرّ زوار بجوار نقطة مراقبة بالكاميرا (وسط) وعَلم صيني (يمين) في جزيرة بينغتان أقرب نقطة إلى تايوان بمقاطعة فوجيان شرق الصين (أ.ف.ب)

احتُجز صحافي في تايوان، السبت بتهمة رشوة ضباط في الجيش لتقديم معلومات عسكرية لأشخاص من البر الرئيسي للصين، في الوقت الذي تكثِّف فيه الجزيرة، ذات الحكم الذاتي، حملتها ضد التسلل المحتمل من الصين.

وذكر مكتب الادعاء العام في منطقة تشياوتو بتايوان، في بيان، أن محكمة جزئية أمرت باحتجاز مراسل تلفزيوني يلقب بـ«لين» و5 ضباط عسكريين حاليين ومتقاعدين. ولم يحدِّد البيان هوية الصحافي، لكن قناة «سي تي آي تي في» أصدرت بياناً بشأن احتجاز مراسلها لين تشن-يو.

وقالت الشركة إنها لا تعرف تفاصيل القضية، لكنها دعت إلى عملية قضائية عادلة.

وبينما تلاحق تايوان بانتظام قضايا التجسُّس داخل الحكومة والجيش، فإن الاتهامات الموجَّهة ضد الصحافيين تعدُّ أمراً غير معتاد.

وتقوم بكين، التي تدعي أن تايوان جزء من أراضيها وتهدِّد بالسيطرة على الجزيرة بالقوة إذا لزم الأمر، بزيادة الضغط العسكري ضد الجزيرة. وفي الشهر الماضي، أطلق الجيش الصيني تدريبات واسعة النطاق حولها لمدة يومين بعد إعلان واشنطن مبيعات أسلحة ضخمة لتايوان.

ويتهم المدعون لين بدفع مبالغ تتراوح بين عدة آلاف إلى عشرات الآلاف من الدولارات التايوانية (عشرات إلى مئات الدولارات الأميركية) لضباط عسكريين حاليين مقابل تقديمهم معلومات لـ«أفراد صينيين». ولم يحدِّد المكتب هوية هؤلاء الأشخاص الصينيين، أو ما إذا كانوا مرتبطين بالحكومة الصينية.

وداهمت السلطات مقار إقامة الصحافي و9 عسكريين حاليين ومتقاعدين،الجمعة في إطار تحقيق في انتهاكات لقوانين الأمن القومي والفساد في تايوان والكشف عن معلومات سرية. وقالت قناة «سي تي آي» إن مكاتبها لم تتعرَّض للمداهمة.

ووفقاً لصفحة لين على «فيسبوك»، فقد كان مراسلاً سياسياً ومذيعاً يغطي أخبار الهيئة التشريعية في الجزيرة.


ميانمار ترفض اتهامها بإبادة الروهينغا أمام «العدل الدولية»

مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
TT

ميانمار ترفض اتهامها بإبادة الروهينغا أمام «العدل الدولية»

مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)

رفضت ميانمار، الجمعة، اتهامها بارتكاب إبادة جماعية في حقّ أقليّة الروهينغا المسلمة في الدعوى المرفوعة عليها أمام محكمة العدل الدولية، قائلة إنه «لا أساس» لهذه المزاعم.

وتعقد أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة جلسات لمدّة 3 أسابيع في هذه القضيّة التي رفعتها غامبيا متّهمة ميانمار بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 عبر أعمال قمع مارستها في حقّ أفراد هذه الأقليّة المسلمة سنة 2017.

وشدّد كو كو هلاينغ، الوزير المنتدب من الرئاسة البورمية أمام المحكمة التي تتّخذ في لاهاي مقرّاً، على «وجوب البتّ في هذه المسألة بناءً على وقائع مثبتة وليست ادعاءات لا أساس لها». وأشار إلى أن «الخطابات العاطفية والعروض الملتبسة للوقائع لا تقوم مقام تحليل معمّق للوضع».

ولطالما اعتبرت سلطات ميانمار أن القمع الذي مارسته قوّاتها المسلّحة المعروفة بـ«تاتماداو» كان مبرّراً للقضاء على المتمرّدين الروهينغا بعد هجمات أودت بنحو 12 من عناصر الأمن.

وفرّ مئات الآلاف من أفراد أقليّة الروهينغا المسلمة هرباً من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار ومسلّحون بوذيون إلى دولة بنغلاديش المجاورة، حيث تحدثوا عن أعمال اغتصاب جماعي وقتل وحرائق متعمّدة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

واليوم، يعيش نحو 1.17 مليون منهم في مخيّمات متهالكة في كوكس بازار في بنغلاديش.

«وصمة عار»

واعتبر كو كو هلاينغ في المحكمة أنه «ما كان يجدر بميانمار أن تقف مكتوفة اليدين وتدع الإرهابيين يتحرّكون بلا حسيب أو رقيب في شمال ولاية راكين». وأشار إلى أن «هذه الهجمات كانت مبرّراً لعمليات التطهير، وهو مفهوم عسكري يحيل على عمليات صدّ التمرّد أو مكافحة الإرهاب».

وبموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، يمكن لأيّ دولة أن تقاضي دولة أخرى أمام المحكمة في ضوء شبهات في انتهاك هذا الصكّ القانوني.

وفي 2019، رفعت غامبيا، وهي دولة ذات غالبية مسلمة، هذه القضيّة أمام محكمة العدل الدولية التي تبتّ في منازعات بين الدول.

ورغم أن قرارات محكمة العدل الدولية ليست ملزمة قانوناً، فإن حكماً لصالح غامبيا من شأنه أن يزيد الضغوط السياسية على بورما.

وصرّح الوزير المنتدب من رئاسة ميانمار بأن «إدانة بارتكاب إبادة جماعية من شأنها أن تشكّل وصمة عار على بلدي وشعبي»، مشدّداً على «الأهمية القصوى لهذه الإجراءات بالنسبة إلى سمعة بلدي ومستقبله».

وفي وقت سابق هذا الأسبوع، قدّمت غامبيا شهادات مروّعة عن أعمال القمع التي شملت اغتصابات جماعية وعمليات قتل وتعذيب.

وقال وزير العدل الغامبي متكلّما عن أفراد الروهينغا: «تمّ استهدافهم للقضاء عليهم».

ويتابع خبراء القانون هذه التطوّرات من كثب؛ إذ إنها قد تؤشّر إلى النهج الذي يمكن للمحكمة أن تعتمده في قضيّة مماثلة رفعتها دولة جنوب أفريقيا على إسرائيل على خلفية حملتها العسكرية في غزة في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.


لماذا تعدّ الصين توترات أميركا مع إيران وفنزويلا فرصة لتعزيز النفوذ؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
TT

لماذا تعدّ الصين توترات أميركا مع إيران وفنزويلا فرصة لتعزيز النفوذ؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)

علقت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية على موقف الصين تجاه التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا وإيران، وقالت إن بكين، حسب المحللين، تسعى إلى ترسيخ مكانتها بوصفها قوة استقرار في ظل تلك التحركات، لكن التزامها تجاه حلفائها يتسم بالبراغماتية في جوهره.

ووفقاً للصحيفة، يرى المحللون أن الاضطرابات السياسية في فنزويلا وإيران، بما فيها الضربات العسكرية التي هددت بها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونفذتها بالفعل، قد تتيح فرصاً لتعزيز مكانتها بديلاً موثوقاً ومستقراً للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ يتفاعلان خلال اجتماع ثنائي في مطار غيمهاي الدولي على هامش «قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ» بكوريا الجنوبية 30 أكتوبر 2025 (رويترز)

وأدت العملية العسكرية الأميركية المفاجئة في فنزويلا إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وترحيله إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات جنائية، منهيةً بذلك حكم زعيم دعمته بكين لسنوات بالقروض وصفقات النفط والدعم الدبلوماسي.

وفي إيران، أعقبت الاحتجاجات الجماهيرية حملة قمع دموية؛ ما أثار تساؤلات جديدة حول بقاء النظام، ودفع ترمب إلى وعد الشعب الإيراني بأن الولايات المتحدة ستتدخل لمساعدتهم. وبدأت البنتاغون في نقل الأفراد والمعدات من المنشآت الرئيسية بالمنطقة، لكن بدا أن ترمب تراجع عن اتخاذ أي إجراء عسكري، واستغلت بكين هذه الفرصة لتوضيح نهجها، أبلغ وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الإيراني عباس عراقجي، الخميس، أن الصين تعارض استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، كما تعارض تطبيق «قانون الغاب».

وأكد وانغ، في بيان صيني، استعداد الصين للعب «دور بنّاء» في حل الخلافات عبر الحوار، وذلك حسب ما صرح به لوزير الخارجية الإيراني.

وقالت الصحيفة إن إجراءات إدارة ترمب قد يكون لها تداعيات حقيقية على الصين ففنزويلا وإيران تُعدّان ركيزتين أساسيتين في التحالف المناهض للولايات المتحدة الذي يقوده الرئيس الصيني شي جينبينغ - بالتعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - في مسعى لتعزيز النفوذ بين خصوم الولايات المتحدة، وتأمين إمدادات الطاقة، وإثبات أن واشنطن لم تعد الجهة المهيمنة على السياسة العالمية، وكذلك كوبا، التي هددها ترمب أيضاً.

ولفتت إلى أن هذا الاضطراب قد تكون له تداعيات اقتصادية على بكين أيضاً: فالصين هي أكبر مستورد للنفط الفنزويلي؛ إذ تشتري معظم إمداداته، كما أنها تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المُصدّر، وفقاً لشركات استشارية.

وحذّر ترمب هذا الأسبوع من أن أي دولة تستمر في التعامل التجاري مع إيران قد تواجه تعريفة جمركية بنسبة 25 في المائة على تجارتها مع الولايات المتحدة، وهو تحذير موجّه مباشرةً إلى الصين.

ومع ذلك، من المرجّح أن يتبع شي جينبينغ ما وصفه السياسي الأميركي الراحل هنري كيسنجر بأنه جوهر النهج الصيني في السياسة الخارجية: التركيز على المدى البعيد.

وكما يقول بيتس جيل، الباحث البارز في شؤون الأمن الآسيوي بالمكتب الوطني للبحوث الآسيوية في واشنطن، تستطيع الصين تحمّل تبعات هذا النهج البعيد تحديداً؛ لأنها تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة في خلق الفرص اللازمة لذلك.

ويضيف: «بقدر ما ترى الدول في الولايات المتحدة مشكلةً أكثر منها حلاً للتحديات التي تواجهها، ستسعى الصين إلى تقديم بديل».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي نظيره الصيني شي جينبينغ في قمة قادة مجموعة العشرين بمدينة أوساكا اليابانية 29 يونيو 2019 (رويترز)

وعلى حدّ قول جيل، واشنطن تُسلّم الصين زمام الأمور في مجالات مثل تقديم المساعدات التنموية، وفتح أسواق التصدير، وتوفير الفرص التعليمية، على سبيل المثال.

وتوسّعت الصين بقوة في أميركا اللاتينية، بما في ذلك من خلال مشاريع بنية تحتية ضخمة، ففي فنزويلا، على سبيل المثال، تتراوح تقديرات إجمالي الاستثمارات الصينية، بما في ذلك القروض والاستثمارات في قطاع النفط، بين 60 و100 مليار دولار.

لا تزال الصين متعطشة للنفط

كما عزّزت الصين علاقاتها التجارية مع الشرق الأوسط، مستفيدةً من العقوبات الأميركية المفروضة على إيران لشراء النفط بأسعار مخفّضة.

ويقول درو طومسون، المسؤول السابق في البنتاغون والمتخصص في الشأن الصيني، إنه على الرغم من انخفاضها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لا تزال الصين تعتمد على الشحنات الخارجية لتأمين نحو ثلثي إمداداتها من النفط الخام، لكن لدى بكين خيارات أخرى عدّة لسدّ النقص في السوق المفتوحة بسهولة.

وتابع: «أخيراً، حصلت الصين على تنوّع مصادر الإمداد الذي لطالما رغبت فيه. فإما فنزويلا، أو جنوب السودان، أو أي مكان آخر في الشرق الأوسط، أو حتى بابوا غينيا الجديدة، العالم يزخر بالنفط، والصين «بإمكانها شراؤه من أي مكان في السوق المفتوحة».

وفي الشرق الأوسط، لا يكمن ألم بكين في الجانب المالي بقدر ما يكمن في كونها ضربة لطموحاتها الدبلوماسية المتنامية، وقد أكدت تحركات بارزة عدة قامت بها بكين في السنوات الأخيرة رغبتها في لعب دور أكبر في المنطقة، ففي عام 2024، أعلنت بكين، التي تقاربت بشكل متزايد مع القادة الفلسطينيين منذ هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عن اتفاق بين الفصائل الفلسطينية، بما فيها «حماس» و«فتح»، لتعزيز الوحدة بين الخصمين اللدودين خلال حرب غزة.

وأشادت وسائل الإعلام الصينية الرسمية بالاتفاق بعدّه دليلاً على الدور المتنامي للصين بوصفها وسيطاً مؤثراً في الشرق الأوسط، رغم تحذيرات الخبراء من أن انعدام الثقة العميق وضعف خطط التنفيذ يحولان دون تحقيق وحدة عملية.

وتابعت الصحيفة أنه منذ ذلك الحين، صمد وقف إطلاق النار في غزة بشكل هش إلا أن الانقسامات السياسية الفلسطينية لا تزال راسخة، مع قلة المؤشرات على أن مبادرة بكين قد تُرجمت إلى حكم مستدام أو نفوذ على الأرض؛ ما يؤكد محدودية قدرة الصين على تحويل الاختراقات الدبلوماسية نتائج دائمة.

وذكرت الصحيفة أنه في الوقت الذي كانت فيه الاحتجاجات تعصف بطهران، وكان ترمب يهدد بالتدخل، أرسلت إيران سفناً حربية للمشاركة في مناورات «إرادة السلام 2026» العسكرية التي تقودها الصين قبالة سواحل جنوب أفريقيا، والتي تُعدّ جزءاً من أول مناورة متعددة الأطراف لمنظمة «بريكس».

عَلما الصين وأميركا (رويترز)

وذكرت وسائل إعلام محلية أن جنوب أفريقيا طلبت من إيران الانسحاب في اللحظة الأخيرة لتجنب استعداء الولايات المتحدة، لكن الصور أظهرت السفن الإيرانية وهي تغادر للمشاركة في المناورات.

ورغم غياب الهند واقتصار مشاركة البرازيل على المراقبة، فإن المناورات - التي شاركت فيها القوات البحرية الصينية والروسية والجنوب أفريقية - أكدت رغبة بكين في توسيع عضوية ونطاق التكتلات السياسية والاقتصادية التي تقودها.

توسيع نفوذها

واستخدمت الصين منصات مثل مجموعة «بريكس»، ومبادرة الحزام والطريق، ومنظمة شنغهاي للتعاون لتعزيز نفوذها والدفع نحو ما وصفه شي جينبينغ في خطاب ألقاه عام 2023 بـ«الإنصاف والعدالة في الشؤون الدولية»، ومنح الدول النامية صوتاً أقوى.

وقد روَّجت بكين «بريكس» بوصفها أساساً لتحالف دول الجنوب العالمي القادر على دفع عجلة التخلي عن الدولار وبناء روابط تكنولوجية جديدة.

ولكن على الرغم من كل ما تتحدث عنه بكين من شراكات ودعم متبادل، فإن نهجها عملي للغاية، حسب المحللين، وهذا يعني أن التزامها بدعم حلفائها محدود للغاية، لا سيما في الأزمات الوجودية كالأزمة الفنزويلية أو عند مواجهة النظام في طهران.

ويقول أندريا غيسيللي، المحاضر في العلوم السياسية الدولية بجامعة إكستر، إن معظم الدول تدرك تماماً ما ستفعله الصين وما لن تفعله.

ويضيف غيسيللي: «باستثناء عدد محدود جداً من الدول التي تحتل موقعاً استراتيجياً في الدبلوماسية الصينية، مثل روسيا وكوريا الشمالية، فإن الصين مستعدة لتقديم الدعم الاقتصادي والدبلوماسي، وبيع الأسلحة، وتدريب قوات الأمن. ومع ذلك، عندما تشتد الأمور، ستتنحى بكين جانباً، ولن تلتزم أبداً ببقاء أي نظام».

ويتفق معه ثيو نينسيني، الباحث المتخصص في العلاقات الصينية - الإيرانية والمحاضر في معهد الدراسات السياسية في غرينوبل بقوله: «ليس من الواضح أيضاً أن موقف الصين المتحفظ حالياً تجاه الأزمات في فنزويلا وإيران يقوض مصداقيتها السياسية لدى شركائها الدبلوماسيين التقليديين، أو أنه يضر بشكل كبير بسمعتها بوصفها شريكاً مسؤولاً».

صورة تظهر العَلمين الأميركي والصيني (رويترز)

وقال جيل، من المكتب الوطني للبحوث الآسيوية، إنه من غير المرجح أن تتخذ بكين «أي خطوات استفزازية صريحة في هذه المرحلة»، وستكتفي بإصدار بيانات نمطية تعارض «التدخل الأجنبي» في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

وأضاف: «في الخفاء، ستعيد القيادة الصينية ومخططوها تقييم العلاقات في أميركا الجنوبية ومنطقة الخليج، وستقدم تطمينات غير رسمية هادئة بشأن الدعم الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي للدول التي قد تكون أهداف واشنطن التالية، مثل إيران وكوبا».

ويقول المحللون إن الصين ستواصل اتباع نهج طويل الأمد، مكتفية باستيعاب الصدمات من واشنطن، واثقة من أن الصبر يبقى أثمن أصول سياستها الخارجية.