السودان... البحث جارٍ عن الحكم المدني

{ورطة} البرهان وحمدوك في مسلسل الانقلابات

رئيس الوزراء السوداني حمدوك ورئيس المجلس السيادي البرهان بعد توقيع الاتفاق السياسي في الخرطوم 21 نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء السوداني حمدوك ورئيس المجلس السيادي البرهان بعد توقيع الاتفاق السياسي في الخرطوم 21 نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)
TT

السودان... البحث جارٍ عن الحكم المدني

رئيس الوزراء السوداني حمدوك ورئيس المجلس السيادي البرهان بعد توقيع الاتفاق السياسي في الخرطوم 21 نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء السوداني حمدوك ورئيس المجلس السيادي البرهان بعد توقيع الاتفاق السياسي في الخرطوم 21 نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)

عاش السودانيون عاماً حافلاً بالأحداث الكبيرة والآمال العريضة في تحقيق انتقال ديمقرطي سلس، ينهي عقوداً من انقلابات عسكرية كانت تتخللها سنوات هدنة مدنية قصيرة، لتعود الدائرة مجدداً، ويعود صدى الموسيقى العسكرية معلناً عن «قائد ملهم» جديد، فخور بالنياشين والنجوم التي تزين كتفه وصدره، فيذيق الشعب الأمرّين، ثم يثور الشعب ضده ويخرجه من اللعبة. وبهذه المراوحة، ضاع أكثر من نصف قرن من تاريخ البلاد التي ظلت، منذ خروج المستعمر، تعيش اختبارات من دون أن تقطع الصلة بالقديم بل تعيده بالثوب المرقع ذاته.
ففي الذكرى الثالثة للثورة، الأحد 19 ديسمبر (كانون الأول) 2021، وصل مئات الآلاف من المحتجين محيط القصر الرئاسي، ليطالبوا «سكان القصر الرئاسي» بالخروج عنه وإخلاء المكان لقادة جدد يستطيعون تحقيق أهداف الثورة، لكن سكان القصر عوضاً عن سماع الصوت المجلجل الصادر عن الشعب، وجهوا قواتهم وآلتهم العسكرية تجاه صدور المطالبين بالحرية العارية، فقتلوا وجرحوا المئات، ومارسوا كل أشكال العنف، معيدين تجربة فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو (حزيران) 2019.
رفعت ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018 شعارات «حرية، سلام، وعدالة»، وأوكل الثوار والشعب أمر تحقيقها لقادة مدنيين وعسكريين وفقاً لوثيقة شراكة معلومة ومتفق عليها (الوثيقة الدستورية)، لكن الخلافات دبت بين المكونات المدنية والعسكرية، ما تسبب في تشكيل حكومتين في أقل من عامين، فشلتا في تحقيق أي من شعارات الثورة، ليلقي كل طرف قفاز الاتهام بالفشل بوجه الآخر. العسكر يقولون بفشل المدنيين، والمدنيون يحملون المسؤولية للعسكر، ويتناسى الجميع أنهم شركاء يتحملون المسؤولية معاً.
شهد العام الذي يؤذن بالرحيل، بدء المواجهة الفعلية بين الشركاء المدنيين والعسكريين. فبعد تجربة التوقيع على «اتفاق سلام جوبا» بين الحكومة الانتقالية وحركات مسلحة كانت تحارب نظام الإسلاميين الذي أسقطته الثورة، ارتفع سقف توقعات الناس بالوصول لتحقيق شعارات ثورتهم، لكن سرعان ما عاد الإحباط من الأداء الحكومي بشقيه المدني والعسكري، ليتسيد الساحة مجدداً.

شكل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك حكومته الثانية في 8 فبراير (شباط) من كفاءات حزبية، فتم تعيين رئيس «حركة العدل والمساواة» جبريل إبراهيم وزيراً للمالية، وعُين قادة حزبيون آخرون. وتمت تسمية ثلاثة من قادة حركات الكفاح المسلح أعضاء في مجلس السيادة، وذلك إنفاذاً لاتفاق سلام جوبا الموقع في 3 أكتوبر (تشرين الأول) 2019.
واجهت الحكومة الجديدة تحديات كبيرة، في مقدمها التحدي الاقتصادي ومواجهة الفقر. وعقب توصل الخرطوم لاتفاق مع مؤسسات دولية، حصلت البلاد على إعفاء نسبة من ديونها، مع تعهدات بقروض ومساعدات تقدر بمليارات الدولارات، فيما وصفه رئيس الوزراء بـ«إنجاز تاريخي يفتح صفحة جديدة للسودان مع العالم». لكن في المقابل، تصاعدت حدة الخلافات داخل تحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير» الذي يمثل المرجعية السياسية للحكومة الانتقالية، فاضطر حمدوك إلى التقدم بمبادرته الشهيرة «الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال - الطريق إلى الأمام» في يونيو الماضي، والتي تضمنت «إصلاح القطاع الأمني والعسكري، وتحقيق العدالة، والاقتصاد، والسلام، وتفكيك نظام 30 يونيو (نظام عمر البشير) ومحاربة الفساد، والسياسة الخارجية والسيادة الوطنية، والمجلس التشريعي الانتقالي».
لم تفلح مبادرة حمدوك في توحيد قوى الثورة، في الوقت الذي زادت فيه الهوة اتساعاً بين المكونين المدني والعسكري في الحكومة الانتقالية، ليبلغ ذروته بإعلان رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في 21 سبتمبر (أيلول) إحباط محاولة انقلابية بقيادة اللواء عبد الباقي البكراوي، محملاً المسؤولية عن الانقلاب لفشل المدنيين، وشن حملة عنيفة عليهم، لتتحول إلى معركة ملاسنات بين المدنيين والعسكريين في الشراكة، عطلت أعمال الحكومة لأكثر من شهر.
في 25 أكتوبر الماضي، فاجأ رئيس «المجلس السيادي» عبد الفتاح البرهان، عبد الله حمدوك وحكومته، واعتقله مع عدد من وزرائه وعضو في مجلس السيادة وقادة التحالف الحاكم، قبل أن يتلو بياناً أعلن بموجبه حالة الطوارئ، وحل مجلس السيادة ومجلس الوزراء وحكومات الولايات، وتعليق الوثيقة الدستورية، مع وعود بتكوين حكومة من تكنوقراط مستقلين وتنظيم انتخابات بنهاية الفترة الانتقالية، وذلك بعد وقت قصير من موعد انتقال رئاسة مجلس السيادة من العسكريين للمدنيين.
البرهان أطلق على قراراته تسمية «إصلاح» بينما اعتبرها القادة السياسيون وتحالف الحرية والتغيير والثوار انقلابا ًكامل الدسم.
واجه البرهان ضغوطاً شعبية واسعة، واستقبل الشارع انقلابه برفض واسع انطلق قبل إذاعة بيانه الأول، فرد بعنف لافت ضد المواكب التي شارك فيها المئات من الآلاف، ما أدى إلى مقتل نحو 47 شخصاً برصاص القوات العسكرية وإصابة المئات، من دون أن تتوقف الاحتجاجات والمواكب المتمسكة بالمدنية والرافضة لسيطرة العسكر.
لكن البرهان اضطر للتراجع من معظم ما اتخذه من قرارات بفعل الضغط الدولي والإقليمي والمحلي، وأعاد حمدوك لممارسة مهام منصبه مجدداً، وأطلق سراح المعتقلين السياسيين. بعد عودته، ألغى رئيس الوزراء معظم القرارات التي اتخذها البرهان بصفته قائداً للجيش وأعاد بموجبها الإسلاميين للمشهد السياسي بعدما أخرجتهم الثورة من الباب.
لكن حمدوك، الذي عاد لمنصبه من دون حكومته وفق اتفاق سياسي مع قائد الجيش، فقد شعبيته وحاضنته السياسية، ما جعله يفشل في تكوين حكومته بانتظار توافق سياسي جديد، وتحول وجوده لمحفز للحراك الشعبي الذي لم يتوقف منذ الانقلاب.
حمدوك الذي حصل على شعبية لم يحصل عليها أي قائد في تاريخ السودان، دخل «متاهة» عزلة من دون أي سند شعبي، لا يستطيع الخروج منها أو البقاء فيها، ولا يعرف أحد إلى أين تنتهي متاهته، بالاستقالة أم بالخضوع النهائي لجنرالات الجيش.
ورغم «نصف الانقلاب»، لا تزال الشريحة الأهم والأكبر من الشباب يواصلون الاحتجاج ويؤكدون أنهم ماضون في مقاومة العسكريين حتى استعادة المدنية التي أطيح بها وسط ذهول العالم.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.