المنافسة على حُكم ليبيا... عام آخر بانتظار الحل أو الصراع

تأجيل الانتخابات الرئاسية من دون حل المعوقات يُجدد النزاع

سيف الإسلام القذافي... ترشح في سبها بجنوب ليبيا (أ.ب)
سيف الإسلام القذافي... ترشح في سبها بجنوب ليبيا (أ.ب)
TT

المنافسة على حُكم ليبيا... عام آخر بانتظار الحل أو الصراع

سيف الإسلام القذافي... ترشح في سبها بجنوب ليبيا (أ.ب)
سيف الإسلام القذافي... ترشح في سبها بجنوب ليبيا (أ.ب)

في قصر الأمم المتحدة بمدينة جنيف، وقبل أكثر من عشرة أشهر، أثنى مشاركون في «ملتقى الحوار السياسي الليبي» على ستيفاني ويليامز، المبعوثة الأممية لدى ليبيا بـ«الإنابة» حينها، إلى حد وصفها بـ«السيدة الحديدية الصامدة الصابرة»، وبأنها «تستحق التقدير والاحترام».
وكان منبع الإشادة، آنذاك، أن «ملتقى الحوار» نجح مطلع فبراير (شباط) الماضي، برعاية المبعوثة الأممية، التي غادرت فيما بعد موقعها، في انتخاب سلطة تنفيذية مؤقتة، ممثلة في المجلس الرئاسي بقيادة السفير محمد المنفي، وحكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة رجل الأعمال الثري عبد الحميد الدبيبة، لتنفيذ مهام محددة: «تبدأ بـ(المصالحة الوطنية)، وتنتهي بإجراء (الانتخابات الرئاسية والنيابية) في الرابع والعشرين من ديسمبر (كانون الأول)» 2021، وقتها استبشر الليبيون خيراً، ولسان حالهم يقول «آن لنا أن نستريح من عناء الاقتتال والانقسام».
غير أنه وقبل أن ينتهي العام بكل ما شهده من تجاذبات ومناكفات بين «الخصوم»، عادت ويليامز إلى البلاد بصلاحيات وظيفية أكبر كمستشارة للأمين العام للأمم المتحدة، بقصد إنقاذ «سفينة الانتخابات الجانحة»، لكن التحديات الجسام تكتلت في مواجهة مسار الاستحقاق الرئاسي، وقبل انتهاء الموعد المحدد لإجرائه بيومين أعلنت المفوضية العليا للانتخابات تأجيله، واقترحت على مجلس النواب تنظيمه في الرابع والعشرين من يناير (كانون الثاني)، ومن ثم تم ترحيل الأزمة بكل تعقيداتها إلى العام الجديد، وسط «قلق وخيبة أمل» عبر عنها المبعوث الخاص للولايات المتحدة وسفيرها إلى البلاد ريتشارد نورلاند، لعدم تمكن الليبيين من اختيار مستقبل بلدهم.
وفي عشرة أشهر تقريباً، هي عمر السلطة التنفيذية، شهدت ليبيا تفاصيل ومحطات كثيرة، ما بين بداية العام بانفراجته الكبيرة، ونهايته التي أصابت المواطنين بخيبة أمل أكبر، ما دفعهم إلى طرح أسئلة عدة بشأن المُتسببين في تعثر المسار السياسي، وإفشال الاستحقاق الانتخابي، وتحميل جانبٍ من المسؤولية لساستهم، وللبعثة الأممية - التي سبق وأن نالت ثناءً - لأنها لم تحاسب المُعرقلين.

مستقبل حكومة الدبيبة

فارق كبير الآن، بين الأجواء الإيجابية التي سادت ليبيا أثناء تسلم السلطة التنفيذية الجديدة مهام عملهما منتصف مارس (آذار) الماضي، في انتقال سلس بين إدارتين متحاربتين، وبين ما تشهده البلاد راهناً، بعد فشل السلطات المعنية في عقد الانتخابات وفق الإطار الزمني المتفق عليه في لقاءات جنيف التي رعتها الأمم المتحدة، وبات على 2.8 مليون ليبي تسلموا بطاقاتهم الانتخابية، الانتظار إلى موعد لاحق يحدده الأفرقاء المتشاكسون الطامحون في اعتلاء كرسي الحُكم.
وللإمساك مجدداً بخيوط اللعبة السياسية، شكل مجلس النواب لجنة من عشرة نواب أُنيط بها إعداد مقترح لخريطة طريق جديدة للمرحلة المقبلة، لكن ذلك لم يمنع تخوفات كثيرين من أن إرجاء الاستحقاق إلى موعد لاحق قريب، أو لمدة قد تطول لأشهر مقبلة، سيتبعه ترحيل جميع العقبات القانونية والاعتراضات الأمنية التي حالت دون إتمامه في المرة الأولى، فضلاً عن أن أي تأجيل سيصبح مقروناً بعزل حكومة الدبيبة، وتعيين أخرى بديلة عنها؛ وفق الخيار الذي تدعمه جبهة شرق ليبيا، ويلقى معارضة شديدة من مؤيدي السلطة التنفيذية في طرابلس العاصمة، وسط تحذيرات من عودة الانقسام المؤسسي، وما يتبعه من صراع مسلح مُحتمل. ويرى سياسيون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن «الأسباب التي أفشلت إجراء الانتخابات في ديسمبر (كانون الأول) ستفشله في أي شهر آخر، ما لم يتم التصدي لها وحلها»، ومن بينها وفق هؤلاء: قانون الانتخاب الصادر عن البرلمان، الذي صفوه بـ«المعيب». ويُجمل المحلل السياسي عيسي عبد القيوم، رأيه في أنه «ما لم تجر انتخابات تُثبت حقيقة التداول السلمي على السلطة فلا قيمة لفبراير»، في إشارة إلى «ثورة 17 فبراير (شباط)» التي أطاحت بالعقيد الراحل معمر القذافي عام 2011.

من برلين إلى باريس

ويلقي منتقدون باللائمة على الدبيبة كونه، في نظرهم، أضاع «فرصة ذهبية» بتغاضيه عن التحضير للانتخابات، و«تكريس أموال الدولة لدعم المبادرات الشبابية بقصد توسيع قاعدته الشعبية»، بالنظر إلى حجم إنفاق حكومته في الشهور العشرة الماضية، الذي تجاوز أكثر من 90 مليار دولار، وفقاً لبيانات البرلمان؛ لكن الدبيبة، الذي تسبب ترشحه للرئاسة في حالة من اللغط والرفض معاً من قبل مناوئيه، رأى أن حكومته تعاطت بنجاح مع الأزمات الموروثة والمتراكمة طوال عقد مضى. وأمام الجمود الذي اعترى المسار الانتخابي، سارعت ألمانيا إلى تنظيم مؤتمر «برلين 2» برعاية أممية، في الثالث والعشرين من يونيو (حزيران) 2021، وبمشاركة كافة القوى الدولية المعنية بالملف الليبي، وأبرز أطراف النزاع الليبي المحلية.
والمؤتمر، الذي حضرته الحكومة المؤقتة، جاء بعد عام ونصف العام من الاجتماع الأول «برلين 1»، وهدف بشكل رئيسي إلى ضرورة «انسحاب (المرتزقة) والقوات الأجنبية من ليبيا»، والتأكيد على إجراء الانتخابات في موعدها، وهي النقاط ذاتها التي ركز عليها «مؤتمر باريس» أيضاً في الثاني عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
والدبيبة، الذي حضر المؤتمر أكد «التزامه» بتنظيم هذه الانتخابات، إلا أن معارضيه رأوا أنه ذهب بالبلاد إلى حيث يريد «مستغلاً إنفاق الأموال في مشاريع لم يُكلف بها، بهدف ترسيخ وجود في السلطة»، وهو التبرير الذي قدمه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح في إقدام مجلسه على سحب الثقة من الحكومة في الخامس والعشرين من سبتمبر (أيلول) الماضي.

حفتر... ومنافسوه

وكاد العام 2021 وهو يوشك على الرحيل أن يترك أثراً طيباً لدى الليبيين، الذين تحسموا لانتخاب أول رئيس لهم في تاريخ البلاد، إلا أن المناكفات السياسية، وطبيعة بعض المرشحين المثيرة للجدل، وتدخل أطراف دولية لجهة دعم مرشحين على حساب آخرين، ساهمت في إرجاء هذا المسار.
فالمنافسة على كرسي الحُكم في ليبيا، اتسعت لضم 96 مرشحاً، وفتحت المجال لمعركة واسعة من الطعون الانتخابية، في ظل صراع احتدم بوجود أسماء بارزة، لكن وقبيل الإعلان عن تأجيل الانتخابات بثلاثة أيام، استضاف المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني»، للمرة الأولى، في مدينة بنغازي، بعض منافسيه بالانتخابات الرئاسية، ليس من بينهم عقيلة صالح رئيس مجلس النواب أو سيف الإسلام القذافي. واعتبر هذا اللقاء، الذي ضم فتحي باشاغا، وأحمد معيتيق، والعارف النايض، وعبد المجيد سيف النصر، ومحمد المنتصر، خطوة نحو طريق المصالحة بين شرق ليبيا وغربها، تستبق أي رد فعل سلبي على تأجيل الاستحقاق. ومع الانتظار لما ستكشف عنه الأشهر الأولى من العام الجديد من مخاض عسير، ينظر البعض إلى إقدام سيف القذافي على الترشح بأنه تسبب في إرباك وخلط أوراق المتنافسين، فضلاً عن أنه بات هدفاً فعلياً لغالبية المجموعات المسلحة الموالية لمناوئيه، إلى جانب مطالبة منظمة العفو الدولية السلطات الليبية بتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية، في وقت أظهرت استطلاعات رأي (غير رسمية) نجل حاكم ليبيا السابق كمنافس قوي للشخصيات البارزة على الساحة راهناً.
والحاصل أن المفوضية العليا للانتخابات والقضاء ومجلس النواب ألقى كل منهم بالكرة في ملعب الآخر بشأن ترشح سيف؛ لكن موسكو أبدت تمسكها بدعمه في مواجهة رفض واشنطن الذي عبر عنه سامويل وربيرغ، الناطق الإقليمي باسم وزارة الخارجية الأميركية، بالقول: «من الصعب تخيل وجود سيف في أي حكومة ليبية مستقبلية، والأمر سيمثل تحدياً أمام المجتمع الدولي».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.