المغرب... تعزيز العلاقات بإسرائيل وتصعيد جزائري

تأكيد «التعاون الخليجي» قراراته الثابتة الداعمة لمغربية الصحراء

الملك محمد السادس مع الحكومة المغربية الجديدة في 7 أكتوبر الماضي (رويترز)
الملك محمد السادس مع الحكومة المغربية الجديدة في 7 أكتوبر الماضي (رويترز)
TT

المغرب... تعزيز العلاقات بإسرائيل وتصعيد جزائري

الملك محمد السادس مع الحكومة المغربية الجديدة في 7 أكتوبر الماضي (رويترز)
الملك محمد السادس مع الحكومة المغربية الجديدة في 7 أكتوبر الماضي (رويترز)

شكل تعزيز العلاقات بين المغرب وإسرائيل في المجالات العسكرية والأمنية والدبلوماسية، أحد أبرز أحداث سنة 2021 في المغرب.
ورغم أن عودة العلاقات بين البلدين بدأت منذ توقيع الاتفاق الثلاثي بين الولايات والمتحدة والمغرب وإسرائيل، في 22 ديسمبر (كانون الأول) 2020، فإن العلاقات تطورت بشكل أكبر في غضون هذه السنة، خصوصاً مع زيارة وزيري الخارجية الإسرائيلي يائير لبيد والدفاع بيني غانتس إلى المغرب، والتوقيع على اتفاقيات.
هذه التطورات أدت إلى ارتفاع منسوب التوتر في العلاقات بين المغرب والجزائر، مع أن التوتر متواصل بينهما منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي جراء مناوأة الجزائر وحدة تراب المغرب، وإعلان جبهة البوليساريو الانفصالية عام 1976 من جانب واحد، تأسيس «الجمهورية الصحراوية» بدعم من «جزائر هواري بومدين» و«ليبيا معمر القذافي».
وجاءت عودة العلاقات بين المغرب وإسرائيل، بعد توقيع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، على مرسوم رئاسي في 10 ديسمبر 2020 تعترف بموجبه الولايات المتحدة بمغربية الصحراء، وهو ما شكل تحولاً كبيراً في الموقف الأميركي، لكنه ارتبط باتفاق شامل يقضي بعودة العلاقات بين المغرب وإسرائيل.
وفي 22 ديسمبر 2020، نزلت طائرة إسرائيلية في مطار الرباط، في أول رحلة تجارية مباشرة من إسرائيل إلى المغرب، وعلى متنها مستشار الرئيس ترمب وصهره جاريد كوشنر ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي آنذاك مائير بن شبات، وهو يهودي من أصل مغربي، والمساعد الخاص للرئيس الأميركي والممثل الخاص المكلف المفاوضات الدولية أفراهام بيركوفيتش.
وخلال الزيارة، جرى التوقيع على اتفاقيات بين المغرب وإسرائيل تشمل فتح خط جوي مباشر بين البلدين، وربط النظامين المصرفيين في البلدين، إضافة إلى تدبير موارد المياه، بحسب ما ذكرت مصادر إسرائيلية رسمية.
لكن هذه العلاقات أخذت أبعاداً أكبر منذ زيارتي لبيد وغانتس في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إذ جرى التوقيع في أغسطس (آب) 2021 على اتفاقيتين بين لبيد ونظيره المغربي ناصر بوريطة، لتعميق التعاون وتعزيز العلاقات، ومذكرة تفاهم لإحداث آلية للتشاور السياسي.
وشملت الاتفاقية الأولى التعاون في مجال الثقافة والرياضة والشباب وتعزيز وتطوير العلاقات الثنائية والتعاون بشأن الخدمات الجوية بين البلدين. وفعلاً، انطلقت رحلات تجارية مباشرة بين البلدين في 25 يوليو (تموز) الماضي.
واستأثرت زيارة غانتس للرباط باهتمام إعلامي كبير، لأنها الأولى لوزير دفاع إسرائيلي للمغرب. وجرى خلالها التوقيع على مذكرة تفاهم في مجال التعاون العسكري والأمني، وهو الأول من نوعه بين إسرائيل ودولة عربية.
وترسم مذكرة التفاهم التعاون الأمني بين المغرب وإسرائيل بـ«مختلف أشكاله» في مواجهة «التهديدات والتحديات التي تعرفها المنطقة»، بحسب ما قال الجانب الإسرائيلي.
وستتيح هذه المذكرة للمغرب اقتناء معدات عسكرية إسرائيلية عالية التكنولوجيا، إضافة إلى التعاون في التخطيط العملياتي والبحث والتطوير.
لكن هذا التطور في العلاقات مع إسرائيل، وكسب الرباط موقفاً أميركياً داعماً لقضية الصحراء المغربية، أثارا حفيظة الجزائر التي اتخذت سلسلة من المواقف المتشددة تجاه المغرب، وصلت حد التهديد بالحرب.
ولا تخفي الجزائر دعمها لـ«جبهة البوليساريو» التي تطالب بانفصال الصحراء عن المغرب، وتأوي مقاتليها في مخيمات تندوف (جنوب شرقي الجزائر) وتزودهم بالسلاح والعتاد، كما أنها تجند دبلوماسيتها في المحافل الدولية للدفاع عما تصفه بـ«حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير».
وفي أغسطس 2020، أثار مندوب المغرب لدى الأمم المتحدة السفير عمر هلال قضية «القبايل» في الجزائر، كرد فعل على دعم الجزائر لانفصال الصحراء، معتبراً أن شعب القبايل (القبائل) «له أيضاً الحق في تقرير المصير»، ومتسائلاً: «لماذا تنكر الجزائر عليه ما تطالب به المغاربة بشأن الصحراء؟».
وكرد فعل على هذا الموقف، قامت الجزائر بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب يوم 24 أغسطس الماضي، ومنعت الطائرات المغربية من عبور أجوائها، ورفضت تجديد اتفاقية نقل الغاز عبر التراب المغربي إلى أوروبا عبر الأنبوب المغاربي.
وجاءت قضية «التجسس» باستعمال البرنامج الإسرائيلي «بيغاسوس»، لتلقي مزيداً من الزيت على نار التوتر بين البلدين، بعدما اتهمت الجزائر الرباط باستعمال البرنامج للتجسس على كبار مسؤوليها. بيد أن التهديدات اتخذت أبعاداً جدية، حين اتهمت الجزائر الرباط باستهداف شاحنتين جزائريتين بـ«سلاح متطور» في الأول من نوفمبر الماضي، ما أدى إلى مقتل ثلاثة من مواطنيها في قصف قالت إنه وقع في المنطقة الحدودية بين موريتانيا وأراضي الصحراء (المنطقة العازلة في الصحراء المغربية)، متوعدة بأن الأمر «لن يمر من دون عقاب». فيما نفت الرباط هذه الاتهامات. وصرح مصدر مغربي رفيع المستوى لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) قائلاً: «إذا كانت الجزائر تريد الحرب، فالمغرب لا يريد ذلك». كما نفى المصدر ذاته شن القوات المسلحة الملكية غارة على أهداف مدنية أو عسكرية في الأراضي الموريتانية أو الجزائرية، معتبراً أن «القصف الجوي المغربي لشاحنات جزائرية كانت في طريقها إلى موريتانيا» قضية مفتعلة. كما نفت السلطات الموريتانية تنفيذ أي هجوم داخل أراضيها.
وكشف المصدر ذاته أن شاحنتين جزائريتين عبرتا حقلاً ملغوماً، وكانتا تحملان عتاداً عسكرياً لـ«جبهة البوليساريو». وتبين أن الشاحنتين كانتا تمران في منطقة عازلة شرق الجدار الأمني الذي بناه المغرب لمواجهة هجمات ميليشيات «جبهة البوليساريو»، وهي أرض مغربية منزوعة السلاح تخضع لمراقبة بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (مينورسو).
وجاء هذا التصعيد بعد تسجيل مقتل ثلاثة سائقين مغاربة في شمال مالي في سبتمبر (أيلول) 2021، إثر هجوم مسلح لمجهولين على شاحنتهم التجارية، التي كانت تعبر من المغرب إلى أفريقيا. وجرى الحديث آنذاك عن تورط المخابرات الجزائرية في الهجوم.
ويرى مراقبون أن نار الخلافات بين المغرب والجزائر، اشتعلت بقوة مند إعلان الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء، وقبلها تحرير الجيش المغربي لمعبر الكركرات الحدودي من عناصر «البوليساريو» الذين عرقلوا حركة النقل التجارية والمدنية بين المغرب وموريتانيا، وإعادة الأمور إلى طبيعتها.
وارتفعت حدة الحملة الجزائرية ضد المغرب بعد زيارة لبيد للرباط، والتي أطلق منها انتقادات للجزائر متهماً إياها بالتقارب مع إيران. كما زادت زيارة غانتس للرباط من ارتفاع حدة التوتر الجزائري.
وكانت الجزائر التي ستحتضن القمة العربية في مارس (آذار) المقبل، أعلنت على لسان مسؤوليها أن القمة المقبلة ستبحث الوضع في فلسطين وقضية الصحراء. ولم يتأخر الرد على الرغبة الجزائرية، وكان واضحاً وصريحاً من القمة الثانية والأربعين الأخيرة لقادة مجلس التعاون الخليجي التي انعقدت في الرياض في 14 ديسمبر برئاسة المملكة العربية السعودية؛ إذ أكد قادة دول مجلس التعاون، وفق ما جاء في البيان الختامي للقمة، على مواقفهم وقراراتهم الثابتة الداعمة لمغربية الصحراء والحفاظ على أمن المملكة المغربية واستقرارها ووحدة أراضيها.
وأشاد البيان الختامي للقمة بقرار مجلس الأمن رقم 2602 الصادر بتاريخ 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2021 بشأن الصحراء المغربية. كما أكد أهمية الشراكة الاستراتيجية الخاصة بين مجلس التعاون والمملكة المغربية وتنفيذ خطة العمل المشتركة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.