عام التأقلم مع الجائحة

حملة تلقيح تاريخية تسابق ظهور المتحورات... وفشل دولي في الاستجابة لمطالب المساواة

المدير العام لمنظمة الصحة العالمية يستعد لمخاطبة الصحافيين في جنيف 20 ديسمبر 2021 (أ.ب)
المدير العام لمنظمة الصحة العالمية يستعد لمخاطبة الصحافيين في جنيف 20 ديسمبر 2021 (أ.ب)
TT

عام التأقلم مع الجائحة

المدير العام لمنظمة الصحة العالمية يستعد لمخاطبة الصحافيين في جنيف 20 ديسمبر 2021 (أ.ب)
المدير العام لمنظمة الصحة العالمية يستعد لمخاطبة الصحافيين في جنيف 20 ديسمبر 2021 (أ.ب)

في نهاية 2020، كان العالم يتوقع السيطرة على جائحة «كورونا» خلال أشهر، فسارع صُنّاع القرار إلى نقل بشرى اللقاحات إلى ملايين المواطنين المعزولين في منازلهم، واستعدّوا لاستئناف الحياة الطبيعية وتعافي الدورة الاقتصادية.
شاء الواقع غير ذلك، فشهدت2021 فورة متحورات مثيرة للقلق، ضاعفت وتيرة سريان الفيروس في المجتمعات وأثقلت حصيلة الوفيات لتتجاوز 5 ملايين ضحية. إلا أن المشهد لم يكُن قاتما تماما. فقد أتاحت اختراقات علمية غير مسبوقة بتصنيع وتوزيع مليارات جرعات اللقاح في مهلة قياسية، فيما عزّزت عقارات طُرحت في النصف الثاني من العام ترسانة الحرب على الجائحة.
وبينما تتواصل جهود العالم لبناء وتعزيز درع مناعي ضد «كوفيد - 19»، يتوقع خبراء الصحة أن تكون 2022 سنة تحوّل الجائحة تدريجيا إلى فيروس متوطّن، شأنه شأن العديد من الأمراض المعدية نجح العالم في السيطرة عليها. إلا أن هذه التوقعات تظلّ مرهونة إلى حد كبير بإنهاء احتكار دول العالم الغنية على اللقاحات، وتحسين رصد المتحورات الجديدة وسرعة الاستجابة لها.

الأبجدية اليونانية

من «ألفا» إلى «أوميكرون» مرورا بـ«دلتا»، تصدّرت حروف الأبجدية اليونانية عناوين الصحف، وأغلقت الحدود وأفرغت المكاتب وأربكت الاقتصاد. وفيما ظهرت غالبية متغيرات الفيروس المثيرة للقلق في أواخر عام 2020، لكن تفشي بعضها استمرّ وازدهر في السنة التالية.
ورصدت الأجهزة الصحية حول العالم خمسة متحورات لفيروس «كورونا» عدّتها منظمة الصحة «مثيرة للقلق»، ومتحورين اثنين «ذوي أهمية»، وسبعا «تحت المراقبة». فقد ظهرت «ألفا» في سبتمبر (أيلول) 2020 في بريطانيا، و«بيتا» في جنوب أفريقيا في مايو (أيار) 2020، و«غاما» في البرازيل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، و«دلتا» في الهند في أكتوبر (تشرين الأول) 2020. أما «أوميكرون»، فقد رُصد قبل قرابة شهرين من انتهاء عام 2021 في جنوب أفريقيا، وعدّه الخبراء الأسرع انتقالا وتفشيا، فيما لا يزالون يدرسون مدى خطورة أعراضه.
تتحور الفيروسات بشكل طبيعي، وتتغير كلما اتّسع انتشارها بين السكان. وفيما تعدّ معظم الطفرات الطارئة على فيروس «كوفيد - 19» غير ضارة ومحدودوة التأثير، لكن بعضها يتيح ظهور أشكال متحورة من الفيروس لها خصائص مختلفة عن الأصلي.
وتصنّف منظمة الصحة المتحورات التي تنتشر بسرعة أكبر أو تسبب أعراضا أكثر خطورة من الفيروس الأصلي أو تقاوم الأدوية واللقاحات، متغيرات «مثيرة للقلق». فيما تندرج المتغيرات التي تسبب انتقالا مجتمعيا وتنتشر عبر الحدود ضمن المتحورات «ذات الأهمية»، والتي تشمل اليوم متحورا «لامبدا» و«ميو». أما بقية المتحورات فهي «تحت المراقبة»، مثل «كابا» و«إيوتا» و«إيتا»، فيما تحمل بقية المتغيرات أسماء علمية بعدما أُقصيت من التصنيفات الرئيسية الثلاثة في مراجعات دورية.
واعتمدت منظمة الصحة العالمية نظام التعيين الأبجدي للمتحورات في مايو (أيار) من هذا العام، بغرض اختصار الأسماء العلمية وجعلها أكثر قابلية للفهم والتداول بين العامة، فضلا عن تجنب ارتباط اسم المتحور بموقع رصده. إلا أن تسمية المتحور الأخير أثارت جدلا في بعض الأوساط، إذ استبعدت المنظمة حرفين هما «نيو» و«زي». وبررت تجاوز «نيو» لسهولة الخلط بينه وبين كلمة «جديد» باللغة الإنجليزية. أما «زي» فتجنبته لكونه اسماً شائعاً، خاصة في الصين.
وبصرف النظر عن الجدل المحيط بتسمية المتحور، تُجمع الأجهزة الصحية حول العالم على التهديد الذي يطرحه «أوميكرون». ففي ختام اجتماع عقد في 17 ديسمبر، اعتبر وزراء الصحّة في دول مجموعة السبع «أوميكرون» «أكبر خطر راهن على الصحّة العامّة في العالم»، مؤكّدين أنّ التصدّي له يتطلّب «تعاوناً وثيقاً». ودعا وزراء الصحة في كلّ من المملكة المتّحدة والولايات المتّحدة وفرنسا وكندا وألمانيا وإيطاليا واليابان إلى تعزيز التعاون ومراقبة البيانات وتبادلها.

سباق التطعيم

إن كان لعام 2021 فصل في تاريخ الجائحة، فلا شكّ أنه سيحتفي بنجاح العالم في التأقلم مع الفيروس بفضل حملات التلقيح واسعة النطاق. فبعد نجاح المجتمع العلمي في تطوير لقاحات آمنة وفعالة ضد كورونا في فترة قياسية، شهد العالم هذا العام توزيع أكثر من 8 مليارات جرعة لقاح، بمعدّل 113 جرعة لكل 100 شخص وفق بلومبرغ. وفيما تُعدّ وتيرة التطعيم إنجازا غير مسبوق في سرعته ونطاقه، فإنه يخفي تفاوتات صارخة وفشلا دوليا في إنصاف سكان الدول ذات الدخل المنخفض.
اعتمدت منظمة الصحة تسعة لقاحات مضادة لكورونا حتى اليوم، هي «أكسفورد/أسترازينيكا»، و«فايزر/بايونتك»، و«موديرنا»، و«كوفيشيلد»، و«بهارات/بايوتك»، و«نوفافاكس»، و«سينوفارم»، و«سينوفاك»، و«جانسن». وما زالت تنظر في طلبات اعتماد عدة لقاحات، أبرزها «سبوتنيك في» الذي ينتجه مركز غاماليا الروسي.
ورأت كبيرة العلماء في منظمة الصحة سوميا سوميناثان أنه كان للقاحات تأثير كبير في تجنب الوفيات ومساعدة الاقتصادات على استئناف دورتها الطبيعية، موضحة أن «الدول ذات التغطية (اللقاحية) العالية نجحت في فصل العدوى عن الوفيات، حتى مع حدوث طفرات جديدة».
وأوردت دورية «نيتشر» الأسبوعية تقديرات تشير إلى أن التوزيع السريع للقاحات ساهم في إنقاذ ما لا يقل عن 750 ألف شخص في الولايات المتحدة وأوروبا وحدهما، مرجّحة أن يكون العدد أكبر بكثير على مستوى العالم.
وفيما يختلف الباحثون حول العدد الفعلي، قدرت دراسة أجرتها منظمة الصحة والمركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها في السويد، أن اللقاحات ساهمت في تفادي 470 ألف حالة وفاة في 33 دولة أوروبية بين أشخاص تبلغ أعمارهم 60 عامًا أو أكثر. بينما قدّرت نمذجة أولية أخرى من علماء الأوبئة في جامعة «ييل» أن 279 ألف شخص تم إنقاذهم بحلول أواخر يونيو (حزيران) بفضل حملة التطعيم في الولايات المتحدة.
وبعد نجاح الدول مرتفعة الدخل في تطعيم غالبية سكانها البالغين، أطلق بعضها حملات واسعة النطاق لتلقيح الأطفال وتوزيع الجرعات المعززة. وانتقدت منظمة الصحة هذه السياسة، داعية في المقابل إلى تعليق مؤقت لبرنامج الجرعات الثالث، بهدف توزيع اللقاحات على الدول ذات الدخل المنخفض.
ولم تلق الدعوة الأممية آذانا صاغية، بل عمدت الدول الغنية عكس ذلك إلى تسريع وتيرة التلقيح بالجرعات الإضافية، سعيا لمواجهة المتحورات المقاومة للقاح وتجديد الاستجابة المناعية التي تتراجع بعد أشهر من استكمال الجرعتين.
وحطّمت بريطانيا، التي تسابق الزمن لمكافحة تفشي «أوميكرون» الهائل بين مواطنيها، رقما قياسيا في ديسمبر عبر توزيع قرابة مليون جرعة معززة خلال 24 ساعة.
إلى جانب اللقاحات، اعتمدت هيئات صحية حول العالم عقارات تسهم في معالجة الأعراض الخطيرة لكورونا، إذ يُخصّص بعضها للمرضى في المستشفيات، فيما طلبت كل من «ميرك» و«فايزر» من السلطات الصحية الأميركية تقييم واعتماد حبوب تخفف نسب الاستشفاء والوفاة عقب الإصابة بـ«كوفيد - 19».

جائحة ذات مسارين

بدأ عام 2021 بدعوة أممية لتحسين توزيع اللقاحات حول العالم، وانتهى بالرسالة نفسها.
تشير بيانات نشرتها جهات إحصائية إلى أن 56.8 في المائة من سكان العالم حصلوا على جرعة واحدة من لقاح مضاد لكورونا، بينهم 7.6 في المائة فقط من سكان في دول منخفضة الدخل. فيما ذكرت منظمة الصحة العالمية، في أغسطس (آب) الماضي، أن 10 دول فقط حصلت على حوالي 75 في المائة من اللقاحات المنتجة، فيما لم تنجح القارة الأفريقية في تطعيم سوى 6 في المائة من سكانها بالكامل حتى أكتوبر (تشرين الأول).
ووجه المدير العام لمنظمة الصحة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، انتقادات حادة ومتكررة للمجتمع الدولي، على خلفية انعدام العدالة في توزيع لقاحات «كوفيد - 19» حول العالم. وحذّر من أن ذلك تسبب في جائحة ذات مسارين. وقال: «لدينا الحلول لوقف انتقال العدوى وإنقاذ الأرواح. يؤدي التوزيع غير العادل للأدوات المنقذة للحياة، بما في ذلك التشخيص والأكسجين ومعدات الوقاية الشخصية واللقاحات، إلى انتشار جائحة ذات مسارين».
وتعتبر منظمة الصحة العالمية تلقيح 70 في المائة من سكان العالم أساسيا للسيطرة على وباء «كورونا»، وحذّرت من أنه لن يتم الوصول إلى هذا الهدف قبل عام 2024 في أفريقيا إذا استمرت حملات التلقيح في القارة بوتيرتها الحالية.
وأعلنت منظمة الصحة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن خطة بقيمة 8 مليارات دولار تسعى لإتاحة اللقاحات للجميع في كل مكان في العالم. وتخشى الدول محدودة الدخل من فشل المجتمع الدولي في الوفاء بالتزاماته تجاهها.
وفي مقال مشترك، قال غيبريسوس واكيم شتاينر مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إنه بصرف النظر عن الحجة الأخلاقية المرتبطة بحق الجميع في الحصول على الحماية من فيروس قاتل، فإن العالم لن ينتصر على «كوفيد - 19» إلا بعد مكافحته في كل مكان.
واعتبرا أن التوزيع غير العادل للقاحات «لا يؤدي إلى ترك الملايين أو المليارات من الناس عرضة للفيروس القاتل فحسب، بل إنه يسمح أيضًا بظهور المزيد من المتحورات الفتاكة وانتشارها في جميع أنحاء العالم».
وشدّد خبراء الصحة على أهمية توسيع التغطية اللقاحية حول العالم بعد ظهور عدة متحورات مثيرة للقلق، كان آخرها «أوميكرون» الذي رُصد في جنوب أفريقيا وانتشر إلى جميع القارات في فترة قياسية. وفيما حاولت دول نجحت في تطعيم غالبية سكانها البالغين منع وصول هذا المتحور شديد العدوى إلى أراضيها، لم ينجح إغلاق الحدود وحظر السفر في منع تسرب الفيروس المتحور.
كما فشلت دول مثل أستراليا ونيوزيلندا اللتين اعتمدتا سياسة «تصفير كورونا» عبر فرض قيود صارمة على السفر، في منع موجات جديدة من العدوى.
لا تتوقف تداعيات التوزيع غير المتكافئ للقاحات على الأمن الصحي فحسب، بل تحمل انعكاسات اجتماعية واقتصادية وسياسية عميقة. وساهمت عدم المساواة في تضخيم الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتهدد بإلغاء عقود من التقدم الذي تم إحرازه بشق الأنفس في مجال التنمية البشرية، كما حذّرت الأمم المتحدة.
وقالت المنظمة الدولية في تقرير نشرته أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، إنه «في حين زادت ثروة المليارديرات بأكثر من 3.9 تريليون دولار بين مارس (آذار) وديسمبر (كانون الثاني) 2020، أدى تأثير الوباء على العمل، من بين عوامل أخرى، إلى زيادة عدد الأشخاص الذين يعانون من الفقر المدقع بما يتراوح بين 119 و224 مليون شخص، في أول زيادة في مستويات الفقر منذ أكثر من 21 عامًا».

أبعاد جيوسياسية وتحديات داخلية

فاقمت الجائحة الخلافات الجيوسياسية وفق خطوط المواجهة التقليدية بين الدول العظمى، كما أزاحت النقاب عن تباينات نادرة بين الحلفاء. فاستعرت الحرب الكلامية بين واشنطن وبكين حول منشأ الفيروس، واتّهمت موسكو مؤسسات بروكسل بـ«تسييس» الجائحة، فيما اختلفت العواصم الغربية حول إسقاط براءات اختراع لقاحات كورونا.

البحث عن المصدر

عادت نظرية تسرب الفيروس من مختبر في مدينة ووهان الصينية إلى صلب النقاشات في الأشهر الماضية، بعدما استبعدها خبراء مطلع العام. وكان فريق خبراء مكلف بحث منشأ الوباء بإيعاز من منظمة الصحة، زار ووهان في يناير (كانون الثاني)، ورجّح في تقرير انتقال الفيروس للإنسان عبر حيوان وسيط. غير أن مسؤولين في المنظمة نفسها أضفوا شكوكا على نتائج التقرير، منتقدين عدم تعاون السلطات الصينية.
واستجابةً لمطالب علمية وسياسية، وجّه الرئيس الأميركي جو بايدن في مايو الماضي أجهزة استخبارات بلاده مضاعفة جهودها لتوضيح منشأ «كوفيد - 19»، إلا أنها لم تنجح في حسم الجدل، واكتفت بالإشارة إلى أن نظرية تسرب الفيروس من مختبر «منطقية»، وهو ما ترفضه الصين.
وتوصلت أربع وكالات استخباراتية إلى تقييم بثقة منخفضة أن الفيروس انتشر على الأرجح بشكل طبيعي من حيوان لإنسان. في حين رجّحت وكالة واحدة بثقة متوسطة ظهوره نتيجة حادث بأحد المختبرات. واتهم بايدن الصين بإعاقة جهود المحققين الدوليين وإخفاء «معلومات حيوية» حول منشأ الفيروس. وقال إن «هناك معلومات مهمة حول منشأ هذا الوباء موجودة في جمهورية الصين الشعبية. لكن المسؤولين الحكوميين في الصين يعملون منذ البداية على منع المحققين الدوليين وأعضاء مجتمع الصحة العامة العالمي من الوصول إليها».
واعتبرت بكين تقرير المخابرات الأميركية «غير علمي» ومفتقدا للمصداقية. وجدّدت نفيها مزاعم تسرب الفيروس من مختبر متخصص في مدينة ووهان، حيث تم رصد «كوفيد - 19» للمرة الأولى في نهاية عام 2019.

تسييس الجائحة

تبادلت روسيا ودول الاتحاد الأوروبي الاتهامات بشأن «تسييس الجائحة»، بعدما ربطت حكومات أوروبية جهات قريبة من الكرملين بتنظيم حملات تضيلية، واعتبرتها محاولة جديدة لـ«زعزعة استقرار الغرب».
ووجد تقرير للاتحاد الأوروبي، صدر في أبريل (نيسان) 2021، أن وسائل الإعلام الروسية والصينية تعمل بشكل ممنهج على تقويض الثقة في اللقاحات الغربية المضادة لـ«كوفيد - 19». وذكرت الدراسة الأوروبية أنه في الفترة من ديسمبر 2020 وحتى أبريل2021، نشرت وسائل الإعلام الرسمية في البلدين أخبارا كاذبة على مواقع إخبارية إلكترونية بعدة لغات، تثير المخاوف حول سلامة اللقاحات، وتربط بشكل لا أساس له من الصحة بين اللقاحات ووفيات في أوروبا، وتروج في المقابل للقاحات الروسية والصينية.
وساهم حلف شمال الأطلسي في مواجهة حملة الأخبار المضللة، وقال أمينه العام ينس ستولتنبرغ إنه يهدف لتفادي تحول الأزمة الصحية إلى أزمة أمنية.
في المقابل، تنفي روسيا انتهاج هذه الأساليب، ونددت بمحاولة دول الاتحاد الأوروبي «تسييس» عملية اعتماد لقاحها «سبوتنيك في»، الذي لا يزال ينتظر تقييم منظمة الصحة. واتهم الرئيس فلاديمير بوتين «أعداء أجانب» باستهداف روسيا بنشر أخبار كاذبة حول الفيروس. ونجحت روسيا في تسجيل لقاحها في أكثر من 67 دولة، فيما ما زالت تعاني من إقبال متدن على التطعيم داخل حدودها.

خلاف الحلفاء

أثارت الدعوة الأممية إلى التنازل عن براءات اختراع لقاحات «كورونا» خلافا علنيا بين الحليفين الأميركي والألماني. وفيما رحَّبت منظمة الصحة بدعم إدارة بايدن التنازل عن براءات الاختراع باعتبارها خطوة نحو مزيد من المساواة العالمية، تمسكت الحكومة الألمانية بمعارضتها. وقالت متحدثة باسم الحكومة الألمانية السابقة إن «اقتراح الولايات المتحدة برفع حماية براءات الاختراع للقاحات فيروس كورونا له آثار كبيرة على إنتاج اللقاح ككل». واعتبرت أنَّ «العوامل التي تحدّ من إنتاج اللقاحات هي القدرات الإنتاجية ومعايير الجودة العالية وليست براءات الاختراع»، مشيرة إلى أنَّ الشركات تتعاون بالفعل مع شركاء لتعزيز قدرات التصنيع.
ويحظى الموقف الألماني بدعم غالبية العواصم الأوروبية، التي تصرّ على حماية الملكية الفكرية، باعتبارها مصدرا للابتكار.
في المقابل، اعتبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن موقف ألمانيا ودول أخرى يُبطئ المعركة العالمية ضد فيروس كورونا. ورأى رئيس البرنامج أكيم شتاينر أن حقوق الملكية الفكرية تقيّد توزيع وإنتاج اللقاحات في الدول محدودة الدخل. وأضاف أنه يجب اعتبار التنازل عن براءات الاختراع واحداً من عدة تدابير لمعالجة عدم المساواة الصارخة في توزيع اللقاحات.

معادلة صعبة

تواجه عدة دول أوروبية موجة استياء شعبي واسعة، عقب اعتماد الجوازات الصحية وعودة قيود احترازية لمواجهة المتحورات شديدة العدوى. وتسعى حكومات هولندا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا إلى تحقيق توازن صعب بين الحفاظ على المكتسبات الصحية والاقتصادية التي أتاحها برنامج التطعيم، والاستجابة لتهديد متغيرات كورونا وحماية الأنظمة الصحية التي يواجه بعضها سيناريو الانهيار.
وشهدت دول أوروبا وأستراليا وولايات أميركية احتجاجات حاشدة ضد الإجراءات المرتبطة بكورونا، تميز بعضها بالعنف وبمواجهات متكررة بين المحتجين وقوات الأمن.



ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
TT

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

كشف «الكرملين» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا، قدما التهنئة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد ميلاده، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتمنى ترمب لبوتين النجاح والرفاهية خلال اتصال هاتفي يوم الجمعة، كما حرص على نقل تحيات زوجته ميلانيا. وأعرب بوتين عن شكره لترمب على التهنئة، وفقاً لما نقلته وكالة أنباء «تاس» عن مستشار الرئاسة الروسية للشؤون الخارجية، يوري أوشاكوف.

وصرح أوشاكوف بأن الاتصال - الذي يعد السادس بين الرئيسين هذا العام وفقاً لـ«الكرملين» - قد سار بشكل جيد، مشيراً إلى أن كلاً من بوتين وترمب لم يكن يرغب في أن يكون البادئ بإنهاء المكالمة.

وبعد اتصاله الأخير مع بوتين، أعلن ترمب عن اتفاق سيتم بموجبه توفير أكثر من 300 ألف طن من الديزل على الفور للولايات المتحدة والسوق العالمية.

وقال أوشاكوف إن بوتين وترمب ناقشا أيضاً الحرب في أوكرانيا. وأوضح بوتين أن موقف روسيا بشأن أهداف ما تسميه موسكو «عمليتها العسكرية الخاصة»، لم يتغير.

وأضاف أن بوتين أعرب عن تقديره لتركيز ترمب وفريقه على الحوار مع روسيا. وربما يجتمع الرئيسان في قمة منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) بالصين في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، على الرغم من أنه لم يتم الاتفاق على موعد بعد.

يذكر أنه في يوم الأربعاء، الذي كان يوافق عيد ميلاد بوتين الـ74، شنت روسيا هجمات قوية بشكل خاص على أوكرانيا، مما أسفر عن مقتل 25 شخصاً على الأقل، وفقاً للسلطات الأوكرانية.

بوتين يقلل من أهمية استئناف المحادثات مع أوكرانيا

كما قال «الكرملين» إن بوتين أبلغ ترمب أمس (الجمعة)، بأن كييف قوضت إمكانية الاستئناف ​الفوري لمحادثات السلام الثلاثية بشأن أوكرانيا، بعد أن شنت هجمات بطائرات مسيرة على موسكو خلال الانتخابات التي جرت الشهر الماضي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وحاول ترمب حتى الآن، دون جدوى، التوسط للتوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا، التي اندلعت مع الغزو الروسي للبلاد في فبراير (شباط) 2022.

وقال وزير ‌الخارجية الأميركي ‌ماركو روبيو، يوم الخميس، إن ​الحرب الروسية ‌في ⁠أوكرانيا ​وصلت إلى ⁠مأزق خطير، وإن الولايات المتحدة ستواصل العمل من أجل التوصل إلى تسوية لإنهاء الصراع.

وذكر بوتين أن موسكو كانت مستعدة لاستئناف المفاوضات مع كييف بعد الانتخابات البرلمانية الروسية التي جرت الشهر الماضي، لكن أوكرانيا شنت هجمات على موسكو واستهدفت ⁠مراكز التصويت، مضيفاً أن ذلك عرّض عملية ‌السلام للخطر.

وأفاد ‌أوشاكوف ​تعليقاً على الاتصال الهاتفي مع ‌ترمب: «من خلال شن هجوم واسع النطاق بالطائرات المسيرة ‌على موسكو ومدن أخرى ومراكز التصويت، فضلاً عن استهداف أفراد معينين شاركوا في تنظيم الانتخابات، في يوم الانتخابات الرئيسي، أدى النظام في كييف فعلياً إلى تعطيل ‌إمكانية الاستئناف الفوري لعملية التفاوض».

وأضاف: «والآن، كما قال الرئيس، سننظر في موعد استئناف ⁠تلك المفاوضات»، ⁠في إشارة إلى المفاوضات الثلاثية التي تضم الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا».

وكان ترمب قد ذكر أمس (الجمعة)، بعد الاتصال مع بوتين، أن روسيا وافقت على توريد الديزل فوراً إلى الأسواق الأميركية والعالمية، في محاولة لخفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية الشهر ​المقبل، على الرغم ​من أن المحللين قالوا إن الكميات لن تؤدي على الأرجح إلى انخفاض كبير في الأسعار.


زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
TT

زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

انتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، اتفاقاً بين الولايات المتحدة وروسيا يسمح لموسكو بتزويد الولايات المتحدة بالديزل، واصفاً إياه بأنه «استثمار في حرب يجب إنهاؤها»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكتب زيلينسكي على منصة «إكس»: «الهدايا المقدمة لبوتين لن تجلب السلام ولا أي فائدة للعالم المتحضر».

وأضاف: «روسيا سوف (ترد الجميل) مقابل الديزل بمزيد من الإرهاب والغدر. السماح لروسيا ببيع المنتجات النفطية هو استثمار في حرب يجب إنهاؤها وليس إطالة أمدها. ما نحتاج إليه هو تخفيف حدة التوتر بشكل حقيقي مع روسيا بصورة متبادلة».

كما انتقد زيلينسكي نظيره الأميركي دونالد ترمب، معتبراً أن الاتفاق المُعلن مع موسكو يمثل قراراً «مخزياً»، ويعكس «ضعفاً» من جانب واشنطن.

وقال زيلينسكي للصحافيين: «هذا بالتأكيد ليس نزيهاً، وهو بالتأكيد مخزٍ من جانب شركائنا، كما أنه في رأيي قرار ضعيف»، وذلك فيما يزور وفد أوكراني الولايات المتحدة يومي الجمعة والسبت للقاء مبعوثي ترمب.

وأعلن الرئيس الأميركي ترمب، في وقت سابق اليوم، أن نظيره الروسي فلاديمير بوتين التزم بطرح ملايين الأطنان من الديزل في السوقين الأميركية والعالمية على مدى أشهر، بعد «محادثة مثمرة للغاية».

وكتب ترمب على وسائل التواصل: «ستقوم روسيا على الفور بتوريد أكثر من 300 ألف طن من وقود الديزل إلى السوقين الأميركية والعالمية، و500 ألف طن أخرى خلال نوفمبر (تشرين الثاني) ومليون طن مباشرة بعدها. علاوة على ذلك، وبحسب حالة مصافي التكرير لديها، ستضخ روسيا ثلاثة ملايين طن من الديزل بسرعة». وأكد أن أسعار الديزل «ستنخفض بسرعة بالنسبة للأميركيين، بل للعالم بأسره، وبمعدلات قياسية!».

بدوره، نقل الكرملين عن ​الرئيس بوتين قوله، الجمعة، إن بلاده مستعدة لتوريد النفط والمنتجات البترولية ‌إلى الولايات ‌المتحدة ​والأسواق ‌العالمية، ⁠وإن ذلك ​من شأنه ⁠أن يدعم الاقتصاد العالمي ككل.


نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

جاء فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام» تتويجاً لمسيرة بدأت بالدفاع عن ضحايا الفصل العنصري في بلادها، وصولاً إلى رئاسة لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى ارتكاب إسرائيل «إبادة جماعية في غزة»، واضعةً مسؤولية إنصاف الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي.

وسط هذه المسيرة، شاركت نافي بيلاي في محاكمة المسؤولين عن الإبادة الجماعية في رواندا، وإرساء سوابق في مواجهة العنف الجنسي، ثم العمل في المحكمة الجنائية الدولية، وقيادة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وأعلنت «لجنة نوبل» النرويجية، الجمعة، فوز القاضية الجنوب أفريقية والمفوضة السابقة لحقوق الإنسان نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام 2026» تقديراً لـ«جهودها في ‌تعزيز السلام والقانون الدولي».

وذكرت ​لجنة «نوبل» أن نافي بيلاي (85 عاماً) حاسبت قادة دول، وجلبت الأمل لضحايا ‌العنف والصراع، وأظهرت بوصلة أخلاقية ثابتة خلال مسيرتها المهنية الطويلة. وأضافت: «هناك قاسم مشترك يمتد من بدايات مسيرتها في الدفاع عن نيلسون ​مانديلا وغيره ممن ناضلوا ضد نظام ‌(الفصل العنصري) إلى عملها قاضيةً في بعض أهم قضايا المحاكم الدولية في عصرنا».

جريمة إبادة على الهواء

في غزة، واجهت نافي بيلاي أحد الفصول الصعبة في مسيرتها الطويلة مع العدالة؛ فترأست لجنة التحقيق الأممية المستقلة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي خلصت في سبتمبر (أيلول) 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية في غزة».

نافي بيلاي ترأست «لجنة التحقيق» الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة (إ.ب.أ)

وقالت القاضية الجنوب أفريقية، في حوار مع جريدة «الأهرام» المصرية في نسختها الفرنسية نُشر العام الماضي، إن التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الأممية بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة خلصت إلى ارتكاب إسرائيل أربعة من الأفعال الخمسة التي تشكّل جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وأوضحت أن هذه النتيجة استندت إلى فحص الأدلة والشهادات، وربط نمط العمليات على الأرض بتصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين، مشيرةً إلى توثيق قتل الفلسطينيين وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدميرهم، واستهداف قدرتهم على الإنجاب.

وأضافت أن أكثر ما صدمها هو استمرار هذه الجرائم أثناء التحقيق فيها، واصفةً ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية على الهواء مباشرة»، يشاهدها العالم عبر التلفزيون.

لعل ذلك ما دفع إسرائيل إلى التنديد بمنح القاضية الجنوب أفريقية جائزة «نوبل»، وزعمت تل أبيب أن ذلك يُضفي شرعية على «الكراهية والتحيز المناهضين لإسرائيل»، بحسب ما ذكرته وزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة «إكس» الجمعة.

في المقابل، أشادت وزارة الخارجية الفلسطينية بالقاضية، منوهة بدفاعها عن «حقوق المظلومين». وقالت الوزارة في بيان، الجمعة، إن بيلاي «كرست حياتها للتأكيد على أولوية القانون باعتباره ركيزة النظام الدولي، والعدالة باعتبارها سمته المميزة»، و«سعت إلى الحقيقة ودافعت عن حقوق المظلومين في جنوب أفريقيا وفي العالم، بما فيه فلسطين، بكل نزاهة وشجاعة وشرف». ورأت أن منحها «نوبل» هو «جائزة مستحقة تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي».

قضايا «الفصل العنصري»

تعدّ صراحة القاضية الجنوب أفريقية جزءاً من شخصيتها التي تتّسم بالحزم والإصرار على الوصول إلى الحقيقة؛ فهي نشأت في ظلّ نظام جعل التمييز جزءاً من القانون والحياة اليومية.

وُلدت عام 1941 في دوربان - ثالث أكثر مدينة اكتظاظاً في جنوب أفريقيا - لأسرة من أصول هندية، وكان والدها سائق حافلة.

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة «نوبل للسلام» لعام 2026 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

وفي عام 1967، أصبحت أول امرأة تفتتح مكتب محاماة في إقليم ناتال، وتولت الدفاع عن مناهضي «الفصل العنصري»، وكشف التعذيب، والمساهمة في تثبيت حقوق المعتقلين السياسيين في سجن «جزيرة روبن»، أحد أبرز رموز القمع خلال عهد «الفصل العنصري». وعاشت بيلاي مفارقة المحامية التي تدافع عن موكليها داخل جهاز قضائي يميز ضدها هي أيضاً؛ فخلال سنوات عملها تحت «الفصل العنصري» لم يكن مسموحاً لها بدخول غرف القضاة، ثم أصبحت عام 1995، بعد انهيار النظام، أول امرأة غير بيضاء تُعين قاضية بالإنابة في المحكمة العليا ببلادها.

وامتد دورها إلى صياغة ضمانات المرحلة الجديدة. وأسهمت، ضمن الائتلاف الوطني للنساء، في إدراج بند «المساواة» في الدستور، الذي يحظر التمييز على أسس تشمل العرق والجنس والدين والتوجه الجنسي. وعندما انتُخبت قاضية بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا عام 1995، وتولت رئاستها بين عامَي 1999 و2003، شاركت في تحويل شهادات الناجين إلى أدلة تُفحص أمام القضاء، مع التمسك بإجراءات المحاكمة العادلة التي تمنح الأحكام صدقيتها.

وكانت قضية جان بول أكاييسو، رئيس بلدية تابا في رواندا، من أبرز محطات عمل بيلاي؛ إذ شاركت في الحكم الذي أدانه بالإبادة الجماعية، وأقرّ بأن اغتصاب «نساء التوتسي» استُخدم وسيلة لتدمير جماعتهن، ليرسي الحكم سابقةً قانونية تعتبر الاغتصاب فعلاً من أفعال الإبادة عندما يثبت ارتكابه بهذه النية.

بيلاي تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

وشاركت كذلك في إدانة رئيس الوزراء الرواندي الأسبق جان كامباندا، الذي أقر بالذنب في الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وفي الحكم على مسؤولين إعلاميين استخدموا منصاتهم للتحريض على الإبادة.

ومن محكمة رواندا إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي عملت فيها بين عامَي 2003 و2008، ثم منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حتى عام 2014. واختارتها لجنة «نوبل» النرويجية تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، وسط ضغوط متزايدة على مؤسسات العدالة.

إعادة إبراز قضايا حقوقية

قالت الوزيرة المصرية السابقة مشيرة خطّاب لـ«الشرق الأوسط»، إن منح القاضية الجنوب أفريقية الجائزة في هذا التوقيت يسلط الضوء على أهمية إعادة إبراز قيم حقوق الإنسان، والسعي للمحافظة عليها وإعلائها، التزاماً بالمواثيق والقوانين الدولية التي توافقت عليها الدول بعد الحرب العالمية الثانية، لافتة إلى أن هذا الأمر يُحسب للقائمين على منح الجائزة بسبب صعوبة الظروف الدولية التي يبرز فيها تراجع واضح للاهتمام بحقوق الإنسان.

وأثنت خطّاب، التي شغلت منصب سفيرة مصر لدى جنوب أفريقيا سابقاً، على الموقف الشجاع الذي اتخذته بيلاي ودورها في لجنة التحقيق التي تشكلت ووثّقت الانتهاكات التي جرت في الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة، مشيرة إلى أن اللجنة التي ترأستها عملت على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وفق الأطر القانونية الدولية.