عام التأقلم مع الجائحة

حملة تلقيح تاريخية تسابق ظهور المتحورات... وفشل دولي في الاستجابة لمطالب المساواة

المدير العام لمنظمة الصحة العالمية يستعد لمخاطبة الصحافيين في جنيف 20 ديسمبر 2021 (أ.ب)
المدير العام لمنظمة الصحة العالمية يستعد لمخاطبة الصحافيين في جنيف 20 ديسمبر 2021 (أ.ب)
TT

عام التأقلم مع الجائحة

المدير العام لمنظمة الصحة العالمية يستعد لمخاطبة الصحافيين في جنيف 20 ديسمبر 2021 (أ.ب)
المدير العام لمنظمة الصحة العالمية يستعد لمخاطبة الصحافيين في جنيف 20 ديسمبر 2021 (أ.ب)

في نهاية 2020، كان العالم يتوقع السيطرة على جائحة «كورونا» خلال أشهر، فسارع صُنّاع القرار إلى نقل بشرى اللقاحات إلى ملايين المواطنين المعزولين في منازلهم، واستعدّوا لاستئناف الحياة الطبيعية وتعافي الدورة الاقتصادية.
شاء الواقع غير ذلك، فشهدت2021 فورة متحورات مثيرة للقلق، ضاعفت وتيرة سريان الفيروس في المجتمعات وأثقلت حصيلة الوفيات لتتجاوز 5 ملايين ضحية. إلا أن المشهد لم يكُن قاتما تماما. فقد أتاحت اختراقات علمية غير مسبوقة بتصنيع وتوزيع مليارات جرعات اللقاح في مهلة قياسية، فيما عزّزت عقارات طُرحت في النصف الثاني من العام ترسانة الحرب على الجائحة.
وبينما تتواصل جهود العالم لبناء وتعزيز درع مناعي ضد «كوفيد - 19»، يتوقع خبراء الصحة أن تكون 2022 سنة تحوّل الجائحة تدريجيا إلى فيروس متوطّن، شأنه شأن العديد من الأمراض المعدية نجح العالم في السيطرة عليها. إلا أن هذه التوقعات تظلّ مرهونة إلى حد كبير بإنهاء احتكار دول العالم الغنية على اللقاحات، وتحسين رصد المتحورات الجديدة وسرعة الاستجابة لها.

الأبجدية اليونانية

من «ألفا» إلى «أوميكرون» مرورا بـ«دلتا»، تصدّرت حروف الأبجدية اليونانية عناوين الصحف، وأغلقت الحدود وأفرغت المكاتب وأربكت الاقتصاد. وفيما ظهرت غالبية متغيرات الفيروس المثيرة للقلق في أواخر عام 2020، لكن تفشي بعضها استمرّ وازدهر في السنة التالية.
ورصدت الأجهزة الصحية حول العالم خمسة متحورات لفيروس «كورونا» عدّتها منظمة الصحة «مثيرة للقلق»، ومتحورين اثنين «ذوي أهمية»، وسبعا «تحت المراقبة». فقد ظهرت «ألفا» في سبتمبر (أيلول) 2020 في بريطانيا، و«بيتا» في جنوب أفريقيا في مايو (أيار) 2020، و«غاما» في البرازيل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، و«دلتا» في الهند في أكتوبر (تشرين الأول) 2020. أما «أوميكرون»، فقد رُصد قبل قرابة شهرين من انتهاء عام 2021 في جنوب أفريقيا، وعدّه الخبراء الأسرع انتقالا وتفشيا، فيما لا يزالون يدرسون مدى خطورة أعراضه.
تتحور الفيروسات بشكل طبيعي، وتتغير كلما اتّسع انتشارها بين السكان. وفيما تعدّ معظم الطفرات الطارئة على فيروس «كوفيد - 19» غير ضارة ومحدودوة التأثير، لكن بعضها يتيح ظهور أشكال متحورة من الفيروس لها خصائص مختلفة عن الأصلي.
وتصنّف منظمة الصحة المتحورات التي تنتشر بسرعة أكبر أو تسبب أعراضا أكثر خطورة من الفيروس الأصلي أو تقاوم الأدوية واللقاحات، متغيرات «مثيرة للقلق». فيما تندرج المتغيرات التي تسبب انتقالا مجتمعيا وتنتشر عبر الحدود ضمن المتحورات «ذات الأهمية»، والتي تشمل اليوم متحورا «لامبدا» و«ميو». أما بقية المتحورات فهي «تحت المراقبة»، مثل «كابا» و«إيوتا» و«إيتا»، فيما تحمل بقية المتغيرات أسماء علمية بعدما أُقصيت من التصنيفات الرئيسية الثلاثة في مراجعات دورية.
واعتمدت منظمة الصحة العالمية نظام التعيين الأبجدي للمتحورات في مايو (أيار) من هذا العام، بغرض اختصار الأسماء العلمية وجعلها أكثر قابلية للفهم والتداول بين العامة، فضلا عن تجنب ارتباط اسم المتحور بموقع رصده. إلا أن تسمية المتحور الأخير أثارت جدلا في بعض الأوساط، إذ استبعدت المنظمة حرفين هما «نيو» و«زي». وبررت تجاوز «نيو» لسهولة الخلط بينه وبين كلمة «جديد» باللغة الإنجليزية. أما «زي» فتجنبته لكونه اسماً شائعاً، خاصة في الصين.
وبصرف النظر عن الجدل المحيط بتسمية المتحور، تُجمع الأجهزة الصحية حول العالم على التهديد الذي يطرحه «أوميكرون». ففي ختام اجتماع عقد في 17 ديسمبر، اعتبر وزراء الصحّة في دول مجموعة السبع «أوميكرون» «أكبر خطر راهن على الصحّة العامّة في العالم»، مؤكّدين أنّ التصدّي له يتطلّب «تعاوناً وثيقاً». ودعا وزراء الصحة في كلّ من المملكة المتّحدة والولايات المتّحدة وفرنسا وكندا وألمانيا وإيطاليا واليابان إلى تعزيز التعاون ومراقبة البيانات وتبادلها.

سباق التطعيم

إن كان لعام 2021 فصل في تاريخ الجائحة، فلا شكّ أنه سيحتفي بنجاح العالم في التأقلم مع الفيروس بفضل حملات التلقيح واسعة النطاق. فبعد نجاح المجتمع العلمي في تطوير لقاحات آمنة وفعالة ضد كورونا في فترة قياسية، شهد العالم هذا العام توزيع أكثر من 8 مليارات جرعة لقاح، بمعدّل 113 جرعة لكل 100 شخص وفق بلومبرغ. وفيما تُعدّ وتيرة التطعيم إنجازا غير مسبوق في سرعته ونطاقه، فإنه يخفي تفاوتات صارخة وفشلا دوليا في إنصاف سكان الدول ذات الدخل المنخفض.
اعتمدت منظمة الصحة تسعة لقاحات مضادة لكورونا حتى اليوم، هي «أكسفورد/أسترازينيكا»، و«فايزر/بايونتك»، و«موديرنا»، و«كوفيشيلد»، و«بهارات/بايوتك»، و«نوفافاكس»، و«سينوفارم»، و«سينوفاك»، و«جانسن». وما زالت تنظر في طلبات اعتماد عدة لقاحات، أبرزها «سبوتنيك في» الذي ينتجه مركز غاماليا الروسي.
ورأت كبيرة العلماء في منظمة الصحة سوميا سوميناثان أنه كان للقاحات تأثير كبير في تجنب الوفيات ومساعدة الاقتصادات على استئناف دورتها الطبيعية، موضحة أن «الدول ذات التغطية (اللقاحية) العالية نجحت في فصل العدوى عن الوفيات، حتى مع حدوث طفرات جديدة».
وأوردت دورية «نيتشر» الأسبوعية تقديرات تشير إلى أن التوزيع السريع للقاحات ساهم في إنقاذ ما لا يقل عن 750 ألف شخص في الولايات المتحدة وأوروبا وحدهما، مرجّحة أن يكون العدد أكبر بكثير على مستوى العالم.
وفيما يختلف الباحثون حول العدد الفعلي، قدرت دراسة أجرتها منظمة الصحة والمركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها في السويد، أن اللقاحات ساهمت في تفادي 470 ألف حالة وفاة في 33 دولة أوروبية بين أشخاص تبلغ أعمارهم 60 عامًا أو أكثر. بينما قدّرت نمذجة أولية أخرى من علماء الأوبئة في جامعة «ييل» أن 279 ألف شخص تم إنقاذهم بحلول أواخر يونيو (حزيران) بفضل حملة التطعيم في الولايات المتحدة.
وبعد نجاح الدول مرتفعة الدخل في تطعيم غالبية سكانها البالغين، أطلق بعضها حملات واسعة النطاق لتلقيح الأطفال وتوزيع الجرعات المعززة. وانتقدت منظمة الصحة هذه السياسة، داعية في المقابل إلى تعليق مؤقت لبرنامج الجرعات الثالث، بهدف توزيع اللقاحات على الدول ذات الدخل المنخفض.
ولم تلق الدعوة الأممية آذانا صاغية، بل عمدت الدول الغنية عكس ذلك إلى تسريع وتيرة التلقيح بالجرعات الإضافية، سعيا لمواجهة المتحورات المقاومة للقاح وتجديد الاستجابة المناعية التي تتراجع بعد أشهر من استكمال الجرعتين.
وحطّمت بريطانيا، التي تسابق الزمن لمكافحة تفشي «أوميكرون» الهائل بين مواطنيها، رقما قياسيا في ديسمبر عبر توزيع قرابة مليون جرعة معززة خلال 24 ساعة.
إلى جانب اللقاحات، اعتمدت هيئات صحية حول العالم عقارات تسهم في معالجة الأعراض الخطيرة لكورونا، إذ يُخصّص بعضها للمرضى في المستشفيات، فيما طلبت كل من «ميرك» و«فايزر» من السلطات الصحية الأميركية تقييم واعتماد حبوب تخفف نسب الاستشفاء والوفاة عقب الإصابة بـ«كوفيد - 19».

جائحة ذات مسارين

بدأ عام 2021 بدعوة أممية لتحسين توزيع اللقاحات حول العالم، وانتهى بالرسالة نفسها.
تشير بيانات نشرتها جهات إحصائية إلى أن 56.8 في المائة من سكان العالم حصلوا على جرعة واحدة من لقاح مضاد لكورونا، بينهم 7.6 في المائة فقط من سكان في دول منخفضة الدخل. فيما ذكرت منظمة الصحة العالمية، في أغسطس (آب) الماضي، أن 10 دول فقط حصلت على حوالي 75 في المائة من اللقاحات المنتجة، فيما لم تنجح القارة الأفريقية في تطعيم سوى 6 في المائة من سكانها بالكامل حتى أكتوبر (تشرين الأول).
ووجه المدير العام لمنظمة الصحة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، انتقادات حادة ومتكررة للمجتمع الدولي، على خلفية انعدام العدالة في توزيع لقاحات «كوفيد - 19» حول العالم. وحذّر من أن ذلك تسبب في جائحة ذات مسارين. وقال: «لدينا الحلول لوقف انتقال العدوى وإنقاذ الأرواح. يؤدي التوزيع غير العادل للأدوات المنقذة للحياة، بما في ذلك التشخيص والأكسجين ومعدات الوقاية الشخصية واللقاحات، إلى انتشار جائحة ذات مسارين».
وتعتبر منظمة الصحة العالمية تلقيح 70 في المائة من سكان العالم أساسيا للسيطرة على وباء «كورونا»، وحذّرت من أنه لن يتم الوصول إلى هذا الهدف قبل عام 2024 في أفريقيا إذا استمرت حملات التلقيح في القارة بوتيرتها الحالية.
وأعلنت منظمة الصحة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن خطة بقيمة 8 مليارات دولار تسعى لإتاحة اللقاحات للجميع في كل مكان في العالم. وتخشى الدول محدودة الدخل من فشل المجتمع الدولي في الوفاء بالتزاماته تجاهها.
وفي مقال مشترك، قال غيبريسوس واكيم شتاينر مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إنه بصرف النظر عن الحجة الأخلاقية المرتبطة بحق الجميع في الحصول على الحماية من فيروس قاتل، فإن العالم لن ينتصر على «كوفيد - 19» إلا بعد مكافحته في كل مكان.
واعتبرا أن التوزيع غير العادل للقاحات «لا يؤدي إلى ترك الملايين أو المليارات من الناس عرضة للفيروس القاتل فحسب، بل إنه يسمح أيضًا بظهور المزيد من المتحورات الفتاكة وانتشارها في جميع أنحاء العالم».
وشدّد خبراء الصحة على أهمية توسيع التغطية اللقاحية حول العالم بعد ظهور عدة متحورات مثيرة للقلق، كان آخرها «أوميكرون» الذي رُصد في جنوب أفريقيا وانتشر إلى جميع القارات في فترة قياسية. وفيما حاولت دول نجحت في تطعيم غالبية سكانها البالغين منع وصول هذا المتحور شديد العدوى إلى أراضيها، لم ينجح إغلاق الحدود وحظر السفر في منع تسرب الفيروس المتحور.
كما فشلت دول مثل أستراليا ونيوزيلندا اللتين اعتمدتا سياسة «تصفير كورونا» عبر فرض قيود صارمة على السفر، في منع موجات جديدة من العدوى.
لا تتوقف تداعيات التوزيع غير المتكافئ للقاحات على الأمن الصحي فحسب، بل تحمل انعكاسات اجتماعية واقتصادية وسياسية عميقة. وساهمت عدم المساواة في تضخيم الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتهدد بإلغاء عقود من التقدم الذي تم إحرازه بشق الأنفس في مجال التنمية البشرية، كما حذّرت الأمم المتحدة.
وقالت المنظمة الدولية في تقرير نشرته أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، إنه «في حين زادت ثروة المليارديرات بأكثر من 3.9 تريليون دولار بين مارس (آذار) وديسمبر (كانون الثاني) 2020، أدى تأثير الوباء على العمل، من بين عوامل أخرى، إلى زيادة عدد الأشخاص الذين يعانون من الفقر المدقع بما يتراوح بين 119 و224 مليون شخص، في أول زيادة في مستويات الفقر منذ أكثر من 21 عامًا».

أبعاد جيوسياسية وتحديات داخلية

فاقمت الجائحة الخلافات الجيوسياسية وفق خطوط المواجهة التقليدية بين الدول العظمى، كما أزاحت النقاب عن تباينات نادرة بين الحلفاء. فاستعرت الحرب الكلامية بين واشنطن وبكين حول منشأ الفيروس، واتّهمت موسكو مؤسسات بروكسل بـ«تسييس» الجائحة، فيما اختلفت العواصم الغربية حول إسقاط براءات اختراع لقاحات كورونا.

البحث عن المصدر

عادت نظرية تسرب الفيروس من مختبر في مدينة ووهان الصينية إلى صلب النقاشات في الأشهر الماضية، بعدما استبعدها خبراء مطلع العام. وكان فريق خبراء مكلف بحث منشأ الوباء بإيعاز من منظمة الصحة، زار ووهان في يناير (كانون الثاني)، ورجّح في تقرير انتقال الفيروس للإنسان عبر حيوان وسيط. غير أن مسؤولين في المنظمة نفسها أضفوا شكوكا على نتائج التقرير، منتقدين عدم تعاون السلطات الصينية.
واستجابةً لمطالب علمية وسياسية، وجّه الرئيس الأميركي جو بايدن في مايو الماضي أجهزة استخبارات بلاده مضاعفة جهودها لتوضيح منشأ «كوفيد - 19»، إلا أنها لم تنجح في حسم الجدل، واكتفت بالإشارة إلى أن نظرية تسرب الفيروس من مختبر «منطقية»، وهو ما ترفضه الصين.
وتوصلت أربع وكالات استخباراتية إلى تقييم بثقة منخفضة أن الفيروس انتشر على الأرجح بشكل طبيعي من حيوان لإنسان. في حين رجّحت وكالة واحدة بثقة متوسطة ظهوره نتيجة حادث بأحد المختبرات. واتهم بايدن الصين بإعاقة جهود المحققين الدوليين وإخفاء «معلومات حيوية» حول منشأ الفيروس. وقال إن «هناك معلومات مهمة حول منشأ هذا الوباء موجودة في جمهورية الصين الشعبية. لكن المسؤولين الحكوميين في الصين يعملون منذ البداية على منع المحققين الدوليين وأعضاء مجتمع الصحة العامة العالمي من الوصول إليها».
واعتبرت بكين تقرير المخابرات الأميركية «غير علمي» ومفتقدا للمصداقية. وجدّدت نفيها مزاعم تسرب الفيروس من مختبر متخصص في مدينة ووهان، حيث تم رصد «كوفيد - 19» للمرة الأولى في نهاية عام 2019.

تسييس الجائحة

تبادلت روسيا ودول الاتحاد الأوروبي الاتهامات بشأن «تسييس الجائحة»، بعدما ربطت حكومات أوروبية جهات قريبة من الكرملين بتنظيم حملات تضيلية، واعتبرتها محاولة جديدة لـ«زعزعة استقرار الغرب».
ووجد تقرير للاتحاد الأوروبي، صدر في أبريل (نيسان) 2021، أن وسائل الإعلام الروسية والصينية تعمل بشكل ممنهج على تقويض الثقة في اللقاحات الغربية المضادة لـ«كوفيد - 19». وذكرت الدراسة الأوروبية أنه في الفترة من ديسمبر 2020 وحتى أبريل2021، نشرت وسائل الإعلام الرسمية في البلدين أخبارا كاذبة على مواقع إخبارية إلكترونية بعدة لغات، تثير المخاوف حول سلامة اللقاحات، وتربط بشكل لا أساس له من الصحة بين اللقاحات ووفيات في أوروبا، وتروج في المقابل للقاحات الروسية والصينية.
وساهم حلف شمال الأطلسي في مواجهة حملة الأخبار المضللة، وقال أمينه العام ينس ستولتنبرغ إنه يهدف لتفادي تحول الأزمة الصحية إلى أزمة أمنية.
في المقابل، تنفي روسيا انتهاج هذه الأساليب، ونددت بمحاولة دول الاتحاد الأوروبي «تسييس» عملية اعتماد لقاحها «سبوتنيك في»، الذي لا يزال ينتظر تقييم منظمة الصحة. واتهم الرئيس فلاديمير بوتين «أعداء أجانب» باستهداف روسيا بنشر أخبار كاذبة حول الفيروس. ونجحت روسيا في تسجيل لقاحها في أكثر من 67 دولة، فيما ما زالت تعاني من إقبال متدن على التطعيم داخل حدودها.

خلاف الحلفاء

أثارت الدعوة الأممية إلى التنازل عن براءات اختراع لقاحات «كورونا» خلافا علنيا بين الحليفين الأميركي والألماني. وفيما رحَّبت منظمة الصحة بدعم إدارة بايدن التنازل عن براءات الاختراع باعتبارها خطوة نحو مزيد من المساواة العالمية، تمسكت الحكومة الألمانية بمعارضتها. وقالت متحدثة باسم الحكومة الألمانية السابقة إن «اقتراح الولايات المتحدة برفع حماية براءات الاختراع للقاحات فيروس كورونا له آثار كبيرة على إنتاج اللقاح ككل». واعتبرت أنَّ «العوامل التي تحدّ من إنتاج اللقاحات هي القدرات الإنتاجية ومعايير الجودة العالية وليست براءات الاختراع»، مشيرة إلى أنَّ الشركات تتعاون بالفعل مع شركاء لتعزيز قدرات التصنيع.
ويحظى الموقف الألماني بدعم غالبية العواصم الأوروبية، التي تصرّ على حماية الملكية الفكرية، باعتبارها مصدرا للابتكار.
في المقابل، اعتبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن موقف ألمانيا ودول أخرى يُبطئ المعركة العالمية ضد فيروس كورونا. ورأى رئيس البرنامج أكيم شتاينر أن حقوق الملكية الفكرية تقيّد توزيع وإنتاج اللقاحات في الدول محدودة الدخل. وأضاف أنه يجب اعتبار التنازل عن براءات الاختراع واحداً من عدة تدابير لمعالجة عدم المساواة الصارخة في توزيع اللقاحات.

معادلة صعبة

تواجه عدة دول أوروبية موجة استياء شعبي واسعة، عقب اعتماد الجوازات الصحية وعودة قيود احترازية لمواجهة المتحورات شديدة العدوى. وتسعى حكومات هولندا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا إلى تحقيق توازن صعب بين الحفاظ على المكتسبات الصحية والاقتصادية التي أتاحها برنامج التطعيم، والاستجابة لتهديد متغيرات كورونا وحماية الأنظمة الصحية التي يواجه بعضها سيناريو الانهيار.
وشهدت دول أوروبا وأستراليا وولايات أميركية احتجاجات حاشدة ضد الإجراءات المرتبطة بكورونا، تميز بعضها بالعنف وبمواجهات متكررة بين المحتجين وقوات الأمن.



تحركات دولية متسارعة لفكّ خناق هرمز... وأوكرانيا تعرض خبرتها البحرية

الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
TT

تحركات دولية متسارعة لفكّ خناق هرمز... وأوكرانيا تعرض خبرتها البحرية

الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)

تتسارع التحركات الدولية لمعالجة تداعيات إغلاق إيران لمضيق هرمز، في وقت تتباين فيه المقاربات بين طرح عسكري دفاعي مباشر، كما فعلت أوكرانيا، والدفع نحو تنسيق سياسي - أمني أوسع، كما برز في التقارب الفرنسي - الكوري الجنوبي، والاجتماع الدولي الذي استضافته لندن، الخميس.

وبينما تشكك باريس وعواصم أوروبية أخرى في واقعية أي تدخل عسكري لفتح الممر الحيوي، تستعدّ لندن لاستضافة اجتماع لـ«مخططين عسكريين»، الأسبوع المقبل، لبحث خيارات تشمل إزالة الألغام وتوفير قوة طمأنة للسفن التجارية، ضمن مقاربة متعددة المراحل قد لا تُفعّل قبل وقف إطلاق النار.

عرض زيلينسكي

عرض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مساهمة بلاده في جهود إعادة فتح المضيق، مؤكداً استعداد كييف لتقديم دعم دفاعي يستند إلى خبرتها في تأمين الملاحة في البحر الأسود بعد الغزو الروسي. وقال إن بلاده قادرة على توفير تقنيات تشمل اعتراض الطائرات المسيّرة، ومرافقة السفن، والحرب الإلكترونية، مشيراً إلى أن إعادة فتح المضيق قد تتطلب أيضاً مزيجاً من أنظمة الدفاع الجوي، وقوافل بحرية محمية، وقدرات تشويش متقدمة لضمان سلامة العبور. وأضاف أن أوكرانيا «مستعدة للمساعدة في كل ما يتعلق بالدفاع».

ويأتي الطرح الأوكراني في ظل مساعٍ من كييف لتفادي تراجع موقعها على الأجندة الدولية مع تحوّل التركيز نحو حرب الشرق الأوسط، ومحاولة توظيف خبرتها العسكرية في مواجهة أنماط تسليح مشابهة لتلك التي تستخدمها إيران، لا سيما الطائرات المسيّرة التي اكتسبت القوات الأوكرانية خبرة واسعة في التصدي لها، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، كما يأتي ذلك بعد جولة قام بها زيلينسكي في عدد من دول الشرق الأوسط، شملت توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي في إطار سعيه لتعزيز حضور بلاده كشريك أمني في المنطقة.

باريس تفضّل الدبلوماسية

في المقابل، اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قمّة جمعته بنظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، التركيز على المسار الدبلوماسي؛ حيث اتفق الجانبان على تنسيق الجهود للمساهمة في إعادة فتح المضيق، وتخفيف تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي.

وأكد الزعيمان ضرورة ضمان أمن خطوط الملاحة، دون الخوض في تفاصيل عملياتية. وشدد ماكرون على أهمية بلورة إطار دولي لخفض التصعيد، معتبراً أن اللجوء إلى عملية عسكرية لفتح المضيق «غير واقعي»، وهو موقف يعكس تبايناً مع دعوات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي حضّ الحلفاء، خصوصاً في آسيا، على الاضطلاع بدور أكبر في تأمين الممر الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

وكان الرئيس الفرنسي قد وصف خيار السيطرة العسكرية على المضيق بأنه «غير واقعي»، محذراً من مخاطر التصعيد، وتعريض السفن لهجمات محتملة.

إجماع دولي

وجاءت هذه المواقف غداة اجتماع عبر الفيديو، نظّمته لندن، الخميس، وجمع 40 دولة شدّدت على ضرورة «إعادة فتح مضيق هرمز فوراً ومن دون أي شروط». ورأى وزراء خارجية هذه الدول، التي لم تشمل الولايات المتّحدة، أن إغلاق المضيق من جانب إيران يُشكّل «تهديداً مباشراً للازدهار العالمي» وانتهاكاً لمبدأ حرية الملاحة وقانون البحار.

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تترأس اجتماعاً بالفيديو لبحث مستقبل مضيق هرمز يوم 2 أبريل (رويترز)

وقالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إن المجتمع الدولي أظهر «تصميماً واضحاً» على ضمان حرية العبور في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، إضافة إلى شحنات الغاز الطبيعي المسال والمنتجات النفطية، كما يكتسب المضيق أهمية خاصة لنقل مواد حيوية، مثل الأسمدة؛ ما يجعله عنصراً أساسياً في دعم سلاسل الغذاء، خصوصاً في أفريقيا.

وحدّد المشاركون 4 محاور رئيسية للتحرك المشترك: أولاً، زيادة الضغط الدبلوماسي الدولي، بما في ذلك عبر الأمم المتحدة، لإيصال رسالة واضحة ومنسقة إلى إيران بضرورة السماح بالمرور الحرّ وغير المقيّد، ورفض فرض أي رسوم على السفن. ثانياً، بحث إجراءات اقتصادية وسياسية منسقة، بما فيها العقوبات، في حال استمرار إغلاق المضيق. ثالثاً، العمل مع المنظمة البحرية الدولية للإفراج عن آلاف السفن والبحّارة العالقين، وإعادة حركة الشحن. رابعاً، إقامة ترتيبات مشتركة لتعزيز الثقة في الأسواق والعمليات التشغيلية، عبر التنسيق مع شركات الشحن والهيئات المعنية لضمان تدفق المعلومات بشكل متماسك وفي الوقت المناسب.


أول بابا أميركي للفاتيكان يتحوّل إلى منتقد حاد لترمب

بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)
بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)
TT

أول بابا أميركي للفاتيكان يتحوّل إلى منتقد حاد لترمب

بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)
بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)

أصبح بابا الفاتيكان، البابا ليو، في ‌مايو (أيار) الماضي أول زعيم أميركي للكنيسة الكاثوليكية العالمية، لكنه تجنّب في الغالب خلال الأشهر العشرة الأولى من ولايته الإدلاء بتعليقات بشأن بلده الأم، ولم يذكر الرئيس دونالد ترمب علناً ولو مرة واحدة، لكن هذا زمن ولّى.

ففي الأسابيع القليلة الماضية، ​أصبح البابا منتقداً حاداً للحرب مع إيران. وذكر اسم ترمب، لأول مرة علناً، يوم الثلاثاء في نداء مباشر حضّ فيه الرئيس على إنهاء الصراع الآخذ في التوسع.

وهذا تحوّل مهم في اللهجة والنهج، قال خبراء إنه يُشير إلى رغبة البابا في أن يكون ثقلاً موازناً أمام ترمب وأهداف سياسته الخارجية على الساحة العالمية، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقال ماسيمو فاغولي، وهو أكاديمي إيطالي يتابع الفاتيكان من كثب: «لا أعتقد أنه يريد أن يُتهم الفاتيكان بالتساهل مع سياسات ترمب لأنه أميركي».

وحضّ البابا ليو، المعروف بحرصه الشديد على اختيار كلماته، ترمب على إيجاد «مخرج» لإنهاء الحرب، مستخدماً مصطلحاً عامياً أميركياً يفهمه الرئيس ومسؤولو الإدارة.

وقال فاغولي، الأستاذ في كلية ترينيتي في دبلن، «عندما يتحدث (البابا ‌ليو)، يكون دائماً ‌حذراً... لا أعتقد أن ذلك كان مصادفة».

وقال الكاردينال بليز كوبيتش، ​وهو ‌حليف مقرب ​للبابا ليو، لوكالة «رويترز»، إن البابا يتبنى نهج سلسلة طويلة من الباباوات الذين حثوا قادة العالم على الابتعاد عن الحرب.

وأوضح: «ففي الوقت الحالي، يستمع الأميركيون والعالم الناطق باللغة الإنجليزية بأسره إلى الرسالة بلغة مألوفة لهم».

بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر يتحدث للصحافيين (رويترز)

البابا: الرب يرفض صلوات القادة الذين يشنون حروباً

قبل يومين من مناشدة ترمب مباشرة، قال البابا ليو إن الرب يرفض صلوات القادة الذين يشنّون الحروب، وتصبح «أيديهم ملطخة بالدماء»، في تصريحات قوية بشكل غير معتاد بالنسبة لبابا كاثوليكي.

وفسر معلقون كاثوليك محافظون تلك التعليقات على أنها موجهة إلى وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الذي استخدم كلمات مسيحية لتبرير الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران، والتي أشعلت الحرب.

وأدت هذه التصريحات ‌إلى أحد الردود الأولى المباشرة من إدارة ترمب على تعليق للبابا ‌ليو. فقد قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، عندما سُئلت عن تصريحات ​البابا: «لا أعتقد أن هناك أي مشكلة في ‌دعوة قادتنا العسكريين أو الرئيس للشعب الأميركي للصلاة من أجل أفراد جيشنا».

وقالت ماري دينيس، الزعيمة السابقة ‌لحركة السلام الكاثوليكية الدولية «باكس كريستي»، إن تعليقات البابا ليو الأحدث ونداءه المباشر لترمب «انعكاس لقلب محطم بسبب العنف الذي لا هوادة فيه».

وأضافت: «هو يمد يده إلى جميع الذين أرهقهم هذا العنف المتواصل، ويتوقون إلى قيادة شجاعة».

البابا يُصعّد انتقاداته منذ أسابيع

واستهدف البابا ليو في السابق سياسات ترمب المتشددة تجاه الهجرة، متسائلاً عما إذا كانت تتماشى مع تعاليم الكنيسة ‌المؤيدة للحق في الحياة. وفي تلك التعليقات، التي أثارت انتقادات حادة من الكاثوليك المحافظين، امتنع عن ذكر اسم ترمب أو أي مسؤول في الإدارة بشكل مباشر.

وأجرى البابا تغييراً كبيراً في قيادة الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة في ديسمبر (كانون الأول)، إذ أقال الكاردينال تيموثي دولان من منصب رئيس أساقفة نيويورك. وخلف دولان، الذي يُعدّ من أبرز المحافظين بين الأساقفة الأميركيين، رجل دين غير معروف نسبياً من إلينوي، هو رئيس الأساقفة رونالد هيكس.

وصعّد البابا من انتقاداته للحرب على إيران على مدار أسابيع.

وقال في 13 مارس (آذار) إن القادة السياسيين المسيحيين الذين يشنون الحروب يجب أن يذهبوا للاعتراف ويقيموا ما إذا كانوا يتبعون تعاليم المسيح. وفي 23 مارس (آذار)، قال البابا إن الغارات الجوية العسكرية عشوائية، ويجب حظرها.

وقال الكاردينال مايكل تشيرني، أحد كبار المسؤولين في الفاتيكان، إن صوت البابا له وزن على الصعيد العالمي؛ لأنه «بوسع الجميع أن يدركوا أنه يتحدث... من أجل الصالح العام، ومن أجل جميع الناس، خصوصاً الضعفاء».

وتابع: «صوت البابا ليو الأخلاقي موثوق به، والعالم يريد بشدة أن يؤمن بأن السلام ممكن».

وبدأ البابا ليو، الخميس، 4 أيام ​من الفعاليات في الفاتيكان التي تسبق «عيد القيامة» ​يوم الأحد عندما سيلقي صلاة خاصة ورسالة من شرفة كاتدرائية القديس بطرس.

وخطاب «عيد القيامة» من أكثر الفعاليات التي تحظى بمتابعة دقيقة على جدول أعمال الفاتيكان، وغالباً ما يستغله البابا لإطلاق نداء دولي مهم.


روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
TT

روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)

ذكرت وكالة الإعلام الروسية، الخميس، أن موسكو ستطلب من الولايات المتحدة وإسرائيل ضمان وقف إطلاق النار أثناء قيامها بإجلاء مزيد من الموظفين الروس من محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران.

ونقلت الوكالة عن أليكسي ليخاتشيف، رئيس شركة روس آتوم النووية الحكومية الروسية، قوله: «سيجري إبلاغ السلطات المعنية في إسرائيل والولايات المتحدة بمسارات التحرك، وسنستخدم جميع القنوات لطلب الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار أثناء تحرك القافلة»، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف ليخاتشيف أن «الموجة النهائية من الإجلاء»، التي ستشمل نحو 200 شخص، من المقرر مبدئياً أن تجري، الأسبوع المقبل. وبنت روسيا المفاعل النووي الإيراني في بوشهر، ويعمل موظفو «روس آتوم» هناك على إنشاء وحدات جديدة.

وتشهد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تصعيداً لافتاً في الخطاب العسكري والسياسي، مع تبادل تهديدات مباشرة بين الطرفين بشأن المرحلة المقبلة من الحرب.

ففيما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اقتراب بلاده من تحقيق أهدافها العسكرية، ولوّح بتوجيه ضربات «شديدة للغاية»، خلال أسابيع، ستعيد إيران «إلى العصر الحجري»، ردّت طهران بتصعيدٍ مماثل، متعهدة بمواصلة القتال حتى «الندم والاستسلام»، وتصعيد عملياتها بهجمات «أكثر سَحقاً واتساعاً وتدميراً».

ويأتي هذا التراشق في ظل استمرار الحديث عن مسار تفاوضي لم تتضح مآلاته بعد.