مقطع من رواية «مونداي مورنينغ» التي تؤرخ لمجلة لبنانية

تصدر مطلع العام وتحكي عن الفترة الانتقالية مع «اتفاق الطائف»

مقطع من رواية «مونداي مورنينغ» التي تؤرخ لمجلة لبنانية
TT

مقطع من رواية «مونداي مورنينغ» التي تؤرخ لمجلة لبنانية

مقطع من رواية «مونداي مورنينغ» التي تؤرخ لمجلة لبنانية

في روايته الجديدة التي تصدر عن «دار نلسن» مع بداية السنة المقبلة، بعنوان «مونداي مورنينغ»، يحاول زياد كاج سرد تجربته في مكاتب المجلة الناطقة باللغة الإنجليزية، التي تحمل الرواية اسمها، وكان يملكها نقيب المحررين آنذاك ملحم كرم، ثم توقفت عن الصدور. امتدت تجربة كاج في هذه المجلة من أواخر ثمانينات القرن الماضي حتى بداية التسعينات، أي في زمن الحرب، وتكوين السلطة بعد اتفاق الطائف. ومن خلال وجوده في أروقة المجلة رصد الكاتب بداية انهيار أساسيات المهنة، ومرارة الكثيرين من العاملين فيها، وهم يرون الأعمدة تتحطم، وبيروت منقسمة بين شرقية وغربية.
هي رواية يصفها ناشرها سليمان بختي بأنها «واقعية تؤرخ لمرحلة دقيقة من تاريخ البلد بأسلوب ساخر، جذاب، ولكنها ترثي لأحوال وآمال شخصيات قلقة، وحالمة بالجميل في مهنة جاحدة وبلد ممزق، وعلاقات مضطربة».
اللحظة الفاصلة في تجربة الكاتب مع «مونداي مورنينغ» كانت عندما قرر النقيب كرم بعد «اتفاق الطائف» وفتح المعابر، إغلاق مكتب الوردية القريب من المصرف المركزي والانتقال إلى الأشرفية، هناك يقول كاج: «اكتشفنا عالماً وناساً مختلفين. تلك النقلة جعلتني أقتنع أننا كشعوب وطوائف في هذا البلد الصغير لا نعرف بعضنا. وربما لا نريد».
مهنة الصحافة ليست المادة الوحيدة التي تتطرق إليها الرواية، فقد حاول كاج رسم شخصيات ومواقف وأحداث حصلت فعلاً، مستعيناً بذاكرة شخصيات عايشت تلك التجربة، ومستخدماً أسلوب الكوميديا السوداء، لإيمانه بالحاجة إلى الضحك الساخر. في الرواية الكثير من الواقعية والإيمان بالحياة والتنفيس عن الذات، وأسماء معروفة وقصص حدثت بالفعل، ما يجعلها أقرب إلى التوثيق منها إلى الخيال الروائي، وهو ما يستثير فضول القارئ، خاصة أن الكاتب أبقى على الأسماء الحقيقية، وهو يسرد أحداثه... هنا مقطع من هذه الرواية.
علّمتني الحقيقة أن أكرهها
بقي فريق «المونداي مورنينغ» يعمل في ذلك اليوم المشؤوم حتى منتصف الليل. نسوا خلافاتهم وتناقضاتهم تحت تأثير عامل الخوف على السلامة الشخصية هذه المرة. الشيخ ومعه نوال وربيع وعبد الكريم تحولوا إلى خلية نحل هدفها سحب الأعداد من الأسواق والاتصال بشركات الشحن للتأكد من عدم تحميل الأعداد وإرسالها إلى الخارج عبر المطار أو عبر البرّ لدولة مجاورة. استخدموا كل الوسائل المتاحة للتأكد من عدم توزيع العدد محلياً. لم يترك الشيخ، الأكثر خوفاً وقلقاً، سماعة الهاتف. بقيت في يده اليمنى وهو يعطي التوجيهات دون التأكد من وجود أحد في المكتب. من حسن حظه أن الخطوط الهاتفية كانت شغالة بسبب قلة الضغط عليها ليلاً. مالت أذنه للون الأحمر القاتم من كثر الشد عليها خلال اتصالاته المشحونة. كان صراخه مسموعاً في أرجاء المكتب وهو يتوسل معارفه. اتصل بضابط في مجلة «الأمن»، طالباً المساعدة العاجلة.
أخيراً، ظهر الترياق الحاسم على شكل بيان اعتذار وتوضيح بُث عبر محطة «تيلي ليبان». كانت الوحيدة التي سُمح لها بالبث في الفضاء اللبناني كوسيلة إعلامية رسمية تابعة للدولة بعد اتفاق الطائف. النقيب كان وراء ذلك الإنجاز الذي أتى مفعوله كسطل ماء بارد دُلق على رجل جلس طويلاً على شاطئ رملي حار.
تنفس الشيخ الصعداء.
«الحمد الله عالسلامة يا جماعة»، قال مودعاً. «كان يوم طويل».
«فعلاً، الحمد الله عالسلامة»، قالت نوال وهي تهمّ بالمغادرة بعد حضور سائقها الخاص ومناداته لها من الشارع تحت.
«تصبحوا على خير»، قال عبد الكريم الذي عرض على ربيع إيصاله إلى منزله في بربور على دراجته النارية لندرة سيارة الأجرة في وقت متأخر من ليل بيروت.
ذهب الجميع إلى منازلهم بعد ليلة طويلة مرهقة للأعصاب. قاد الشيخ سيارته بحذر وخوف على الطرقات غير المضاءة كالعادة. فالسائق في مدينة خارجة حديثاً من الحرب كان عليه الاتكال على أضواء سيارته. وكم من حوادث ليلية كانت تقع بين سيارتين تسلكان اتجاهاً معاكساً بسبب تعطّل الضوء الأمامي لإحداهما، فيعتقد السائق في السيارة المقابلة أنها دراجة نارية. دخّن كثيراً. كاد أن ينسى أضواء سيارته مضاءة عندما وصل إلى منزله.
فتح الباب بيد ترتجف بعد جهد لانتقاء المفتاح المطلوب من بين عشرات المفاتيح جمعتها حلقة دائرية صدئة. استحم وحاول النوم. تقلب مراراً على فراشه قبل أن يسقط في نوم مليء بالكوابيس.
«علمتني الحقيقية أن أكرهها فما استطعت»... كانت هذه الجملة - الشعار بقلم كرم ملحم كرم والد النقيب ومؤسس «دار ألف ليلة وليلة» تظهر مطبوعة في أعلى الصفحة الأولى من كل المطبوعات التي تصدرها الدار: «الحوادث»، «البيرق»، «Monday Morning» و«La Revue Du Liban”. كان هذا الشعار يستفزني. لم أفقه مغزاه! لماذا تعلم الحقيقة الإنسان أن يكررها ويفشل؟ وهل فعلاً يحب الإنسان الحقيقة ويتقبلها، خاصة في عالم الصحافة اللبنانية؟ وأين؟ وكيف؟ وهل يحتمل الإنسان عموماً معرفة الحقيقة الكاملة والمجردة؟
يُحكى أن النقيب المخضرم عانى من تجاوزات وتعديات الميليشيات في المنطقة الشرقية في بداية الحرب الأهلية مما اضطره إلى ترك المنطقة والإقامة مع عائلته في فندق «الكارلتون» في منطقة الروشة. في المرة الأولى تعرّض وموظفوه لمضايقات بعد أن نشر مقابلة له مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، مما وضعه في مواجهة مباشرة مع بشير الجميل، القائد العسكري لحزب الكتائب في أوائل السبعينات.
سمع الإهانات والسباب وجهاً لوجه، والسبب أن انفجاراً كان قد وقع في الأشرفية قبل فترة وتسبب بعدد من القتلى والجرحى (اتُهمت حركة فتح بأنها مسؤولة عن الانفجار). في المرة الثانية، هجمت مجموعة من «نمور الأحرار» واعتدت على صحافيي «البيرق» وموظفي المطبعة بسبب نشر أسماء قتلة السيدة ليندا جنبلاط، شقيقة الزعيم المعارض كمال جنبلاط، التي اغتيلت في شارع بدارو. أشهر قليلة وعاد النقيب كرم إلى مكتبه في الأشرفية، حيث زاره الرئيس كميل شمعون بعد اتصالات ومساعٍ جرت على أعلى المستويات السياسية والروحية المسيحية.
رغم عملي لفترة طويلة في مجلة تابعة له لم تكن قد تسنت لي فرصة اللقاء به بعد. كنت أسمع اسمه يتكرر في المكتب بنبرات عالية على لسان نوال والشيخ ومها. اسم «النقيب» كان له سحره الخاص وهيبة ممزوجة بمسحة من السخرية وعدم الرغبة بمقابلته. كان اسمه يتردد كوسيلة ضغط أو تهديد مبطن في أرجاء المكتب من وقت لآخر. أهل فوق عادة هم غير محبوبين من أهل تحت. وأنا كنت من أهل تحت.
أشاهده على التلفزيون خلال نشرات الأخبار المملة. بين مناسبة وأخرى، وبعد عودته من جولة خليجية، أراه واقفاً خلف الميكروفون في باحة القاعة الداخلية للقصر الجمهوري وخلفه وفد كبير من نقابة المحررين. يصرّح وهم يتبسمون أو يهزون رؤوسهم موافقين على كلامه الفصيح.
كلامه كان في العموميات؛ لا موقف حاد، لا أسماء محددة ولا شعارات ولا وضوح في التعبير. يتكلم بصوت «رمادي فاتح» فتشعر بأن البلد بألف خير. دائماً كان يقف قربه إلياس عون ونديم الهاشم. يقف النقيب مرتدياً بذلته الرسمية وربطة عنقه اللافتة وخصل شعره القليلة الممشطة والمتماسكة بفضل «جل» من جهة اليمين فوق أذنه إلى اليسار في محاولة بائسة لتغطية صلعته. كان يذكرني بمطرب القدود الحلبية صباح فخري. يصرح كالتالي: «قال الرئيس... قلت... سألت الرئيس... أجاب... تمنى الرئيس... تمنيت عليه...».
كان يلعب دور الوسيط ورجل علاقات سياسية عامة بين ما تبقى من الدولة المترهلة والمنهكة ودول الخليج، وصلة تواصل بين الأطراف الداخلية؛ حمّال رسائل من الخارج إلى الداخل وصاحب دور بين الأطراف الداخلية المتصارعة.
يُنقل عن رئيس الجمهورية الشهابي الهوى والانتماء، شارل حلو (1913 - 2001)، أنه خلال ترحيبه بوفد من كبار صحافيي البلد في القصر الجمهوري في بعبدا، خاطبهم بقوله: «أهلاً بكم في بلدكم الثاني لبنان!».
عاد مكتب الوردية إلى نشاطه السابق... وزّع الشيخ البقلاوة على الموظفين (قيل إن نوال دفعت ثمنها) وبدأ يحسّن معاملته مع فريقه بعد تخطي أزمة «غلاف الأسد - الهراوي». شعر أن من واجبه حفظ المعروف ورد الجميل، وهذا ما لاحظه الجميع وأثنوا عليه. هو الأكبر سناً في المكتب. نعرفه أكثر من النقيب. «يلي بتعرفو أحسن من يلي بتتعرف عليه».
صار يتدخل مصلحاً عندما تقع المشاكل بين الزملاء والزميلات تشبه مناوشات البلد لكن بطريقة كاريكاتيرية. إنها قطعة الجبنة اللعينة. يدخل الخصمان إلى مكتبه؛ يتحدث بلغة الأب الحنون والرجل المجرّب بلهجة تجعلك تصدق نواياه. أحياناً يستعين بنوال إذا كان الإشكال بين الجنس اللطيف. يحب أن يحافظ على مكانتها الخاصة في المكتب رغم التناقض الكبير في شخصيتهما: هي من عائلة بورغوازية متدينة متمسكة بقيم ومثاليات. وهو من عائلة متواضعة، كدح وتعب وسهر الليالي ولا يزال كي يؤمن عيشة معقولة لعائلته. يعرف المدينة الخطرة جيداً. «علكته الحياة وبصقته» كما يُقال. حافظ على بعض القيم والطيبة التي لازمته من قريته وتعلم الكثير في بيروت لكن بذور الوصولية واقتناص الفرص بقيت متخفية في ثنايا شخصيته.
أجواء مكتب الوردية والخبريات المتنقلة بين «الغربية» و«الشرقية» كانت توحي بأن أمراً ما يُحضر سيغير إدارة «المونداي مورنينغ» بالكامل. وبقي السؤال: هل سيكون إلى الأحسن؟ أم إلى الأسوأ؟.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.