الكاتبة الصومالية نظيفة محمد... عن الظلم ومغريات الصمت

تنافس على البوكر هذا العام وتقول «حين أكتب أشعر كما لو أنني أحيا»

نظيفة محمد
نظيفة محمد
TT

الكاتبة الصومالية نظيفة محمد... عن الظلم ومغريات الصمت

نظيفة محمد
نظيفة محمد

في روايتها الأولى، «ولد مامبا الأسود»، كتبت نظيفة محمد عن رحلة أبيها الشاقة من شرق أفريقيا إلى أوروبا في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين. روايتها الثانية «حديقة الأرواح الضائعة» تدون حيوات ثلاث من النساء في الصومال على أعتاب الحرب الأهلية. لكن في كتابتها لروايتها الأخيرة، «رجال الحظ»، كما تقول نظيفة، اتضحت معالم الأشياء بصفة نهائية.
تسرد الرواية الحكاية الحقيقية لمحمود متان، وهو بحار صومالي في ويلز شنق عام 1952 بعد أن اتهم ظلماً بقتل صاحب دكان.
كانت كتابة رواية «رجال الحظ» بالنسبة لنظيفة محمد، التي ولدت في الصومال ونشأت في إنجلترا، «تطهرية»، فرصة للعودة إلى عالم والدها إلى جانب كونها طريقة لمعالجة موت أحد أخوالها الذي قتل خارج دكانه في (مدينة) هارغيسا. الرواية واحدة من ست روايات تضمنتها القائمة القصيرة لجائزة البوكر لهذا العام، ونظيفة محمد أول كاتبة صومالية بريطانية تصل إلى القائمة النهائية. قررت دار نشر نوبف، ناشرتها الأميركية، تقديم موعد إطلاق الرواية إلى ديسمبر (كانون الأول) بدلاً من مارس (آذار) 2022.
في محادثة بالفيديو من منزلها في لندن أوائل هذا الشهر تحدثت نظيفة، التي بلغت الأربعين، عن الدافع وراء كتابتها هذه القصة، عن صلة القصة بحياتها وكيف مكنتها الكتابة من الاتصال بماضي أسرتها. وفيما يلي مقاطع محررة من الحوار معها:

> ولدت في الصومال وعشت في بريطانيا مذ كنت طفلة. كيف شكلت حياتك الرواية إن كان ذلك قد حدث فعلاً؟
- لم تكن متسقة لأنني عشت حياة يمكن وصفها بالسهلة. لكنها لم تكن أيضاً بالسهلة. لقد وصلت بريطانيا في الثمانينيات وجربت تصاعد العنف العنصري في أوائل التسعينيات حين كانت هناك تفجيرات وحوادث طعن وقتل من كل نوع، كان هناك إحساس بالعزلة التي يحس بها الأجنبي. لقد درنا دورة كاملة.
الإحساس بأنها بيئة غير آمنة، بيئة لا قيمة لك فيها، بل بيئة تحتقر فيها، ذلك ما أتفهمه. لم أجربها بالقدر الذي جربها محمود أو أبي أو أي شخص مثل أولئك. لكنها أيضاً بيئة لم تتغير بالطريقة التي يريد بها الناس أن تتغير.
> بموضوعات مثل الظلم العنصري والعنصرية المؤسسية وعنف الدولة، يتموضع كتابك في ماض يمكن المجادلة بقوة بأنه لا يزال معنا، لا سيما أن إنجلترا لا تزال تواجه، كما رأينا العام الماضي، ما يعنيه أن يكون المرء أسود وبريطانياً. هل كان هذا الكتاب محاولة لاستعادة العدالة أو المجادلة ضد ذلك التصور؟
- جاء هذا الكتاب سابقاً لأحداث العام الماضي وعلى نحو ما كان ثمة شعور بأن كل شخص كان ينتقل ليقف إلى جانبي، لأنني كنت دائماً أصرخ أو أهذي حول أوضاع مختلفة. فسواء كان ذلك ديفيد أولويل، الذي طارده البوليس حتى الموت عام 1969، أو جو غاردنر، الذي قتله الضباط أثناء ترحيله، أو جمي موبينغا، الذي قتل على رحلة للخطوط البريطانية، هذه الأشياء كانت دائماً تضغط علي بقوة. لم يكن صحواً مفاجئاً.
لقد كنت دائماً أرى هذا الجانب من الوضع، وهو ربما الذي مكنني من مواصلة الاهتمام بقصة محمود متان عبر كل تلك الأعوام، لأني كنت أعلم أن الوضع لن يتغير بسرعة. حتى في الوقت الحاضر حين أتحدث إلى الأطفال في أسرتي ويخبرونني عن تجاربهم مع العنصرية، الطريقة التي يتحدث بها المعلمون إليهم أو عنهم، يمكنك أن ترى أنهم جيل آخر مضطر لمواصلة الكفاح.
> قلت إنك وجدت بطريقة غريبة أن ثمة تشابهاً كبيراً بينك وبين محمود. هلا أوضحت ذلك؟
- وعيه السياسي انطلق من تجربة حية، وأظن أن ذلك ربما يصدق علي أيضاً. لا أستل مواقفي السياسية من النظريات النقدية، أستلها من تجربتي المعاشة بوصفي امرأة، امرأة سوداء، امرأة مسلمة سوداء. كل هذه تمكنني من التقاط القوة، حيث تكمن وحيث لا تكمن.
> كما أن لديه مسحة من التمرد قلت إنك تتماهين معها. كيف تتمظهر مسحتك أنت؟
- أظن أن ذلك يتمظهر في كوني كاتبة أولاً، وهو ما يتعارض نوعاً ما مع ما كانت أسرتي ستقول إنه إفادة جيدة من حياتي بوصفي خريجة أكسفورد وشخصاً أفاد من النظام التعليمي هنا بأكمله ولديها خيارات أخرى.
إن كونك كاتباً ترك الجامعة وتبدو عاطلاً ستكون موظفاً بذهنك ولكن على السطح تبدو كما لو أنك لا تفعل شيئاً. ومع ذلك فإن ثمة شيئاً تحرك فشعرت كما لو أنني عدت إلى الحياة. حين أكتب أشعر كما لو أنني أحيا.
إنني شديدة المقاومة للطريقة التي تعامل بها النساء في مجتمع الصومال وقوانينها. إن الصومال وأرض الصومال مختلفان جداً على عدة مستويات ولكنهما يتوحدان على مستوى معين، ذلك هو الرغبة في الإبقاء على النساء مواطنات من الدرجة الثانية. وذلك أمر لا يعجبني مطلقاً. وأشعر أنني ملزمة بأن أقول إنني «لست مخطئة، وإنكم مخطئون أيها الرجال وستدركون يوماً أنكم لا تستطيعون التصرف بهذا الشكل».
ذلك أنه من السهل أن تكون محبوباً إن التزمت الصمت. أعتقد أنني أفضل أن يستمع إلي بدلاً من أن أكون محبوبة... الشيء الذي استدعى اهتمامي أكثر من غيره في محمود كانت ثقته الخاطئة بالعدالة البريطانية.
> هل كان من الصعب عليك معالجة هذا الأمر؟
- حاولت أن أساير كل شيء فكر به، حتى لو لم تكن لدي ثقة مثله بالمؤسسات البريطانية. لكن علي أن أفهم لم فعل ذلك.
> هل وضحت ما تقصدين؟
- حسناً، إنني أعرف أكثر من ذلك. لقد مررت عبر النظام التعليمي، وأعرف حالات متنوعة من فشل العدالة، حالات تحتاج بطبيعة الحالات زمناً طويلاً قبل أن تكشف. لذا سواء كانت حالة أربعة غيلد فورد أو ستة برمنغهام أو حالة محمود متان، فقد كان هناك صدق أو صراحة أكبر حول حالات الفشل المؤسسي الذي لم يحدث بالطريقة نفسها في خمسينيات القرن الماضي.
غير أنني أعرف أن أي أشياء سيئة تحدث الآن لن نعرف عنها إلا بعد خمسين عاماً. حتى (حريق برج) غرينفيل، كانت لدي ثقة بأن الحريق حين حدث سينتهي إلى حل. كانت لدي ثقة بالأنظمة. ثقة بفرق الإطفاء، بكل شيء. ومع ذلك فإن تواجه بـ72 شخصاً بريئاً خسروا حياتهم. كان ذلك فقدانا هائلا للثقة بالمؤسسات بالنسبة لي.
> جئت إلى بريطانيا صغيرة جداً. كم كان عمرك؟
- أربعة أعوام.
> في أثناء كل ذلك الوقت كانت هناك حرب أهلية في الوطن. كيف تعاملت مع كل ذلك في تلك السنوات المبكرة من حياتك؟
- كان الوضع صعباً جداً لأن ماما رفضت الخروج، ونحن لم نرد الخروج، كان أجدادي هناك، كل أسرتي كانت هناك. لذا أنت تدخل بلاداً لا ترحب بك. ولم يعرف عن بريطانيا أنها بلاد ترحب. ولم يكن الطقس مرحباً. هناك من يعتني بك، لديك الخدمة الصحية الوطنية، التعليم المجاني، لديك كل ذلك، لكنها صلة شديدة البرودة. يستغرق الأمر وقتاً طويلاً تحتاجها الحميمية لكي تنمو مع بريطانيا، كما أظن. لكننا كنا نتوق إلى هذا المكان الذي تركناه، وفجأة ها أنت تراه على التلفزيون. اختفت الصومال عن الأعين بالنسبة لنا – ثم عاودت الظهور في حالة من الفوضى. في جوع. في عملية إعادة الأمل. في عنف. لكن جداتي صرن لاجئات، فقدت خالاً في مخيم للاجئين أصابه التيفوئيد أو التايفوس، وقتل خال آخر، وكان ذلك رابطاً. إنك لا تفهم تلك الروابط حتى يكون الوقت قد تأخر كثيراً، لكن خالي قتل خارج دكانه.
انتظر، لقد أدركت أن القتل الذي يحدث في «رجال الحظ» شبيه بما حدث لخالي، وهي فيما يبدو الطريقة التي يأخذك بها عقلك إلى أماكن تحتاج للذهاب إليها.
> ماذا يعني لك أن تكوني في القائمة القصيرة للبوكر؟
- معناه أن روايتي منحت هذه الحياة الإضافية، هذا الجمهور العالمي، ومعناه أن اهتماماً أكبر سيتجه إلى ما حدث لمحمود وكما أرجو للظلم المتكرر. وهناك شيء أود توضيحه، هو أنه كان فعلاً ضحية للظلم والتحيز العنصري، ولكن هذا الشيء يحدث للآخرين لأسباب مختلفة.
هذه الأنظمة موجودة في كل مكان من العالم، وتجد تبرير وجودها على أسس مختلفة. اتصلت بي مؤخراً منظمة في زيمبابوي تشن حملة من أجل إلغاء عقوبة الإعدام. لذا إن توفر لي أي نوع من الاتصال أو أي جزء من هذه الحوارات، فإن القيام بذلك يبدو بالنسبة لي شيئاً رائعاً وإنجازاً كبيراً ينجزه كتاب.

- ترجمة سعد البازعي (خدمة نيويورك تايمز)



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».